إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

باب سواك الرطب واليابس للصائم

(27) (بابُ) حكم استعمال (السِّوَاكِ الرَّطْبِ واليَابِسِ لِلصَّائِمِ) بتعريف «السِّواك»، و«الرَّطب» و«اليابس» صفتان له، ولغير الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((باب سواك الرَّطب واليابس)) أي: سواك الشَّجر الرَّطب كقولهم: مسجد الجامع، أي: مسجد الموضع الجامع بتقدير محذوفٍ موصوفٍ لأنَّ الصِّفة لا تُضاف إلى موصوفها [1]، وأُجيب بأنَّ مذهب الكوفيِّين في هذا أنَّ الصِّفة يذهب بها مذهب الجنس، ثمَّ يُضاف الموصوف إليه كما يُضاف بعض الجنس إليه؛ نحو: خاتم حديدٍ، وحينئذٍ فلا يحتاج إلى تقدير محذوفٍ.
(وَيُذْكَرُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول (عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ) ممَّا وصله أبو داود والتِّرمذيُّ أنَّه (قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَاكُ وَهُوَ صَائِمٌ، مَا لَا أُحْصِي أَوْ أَعُدُّ) شكٌّ من الرَّاوي، ومداره على عاصم بن عبيد الله، قال البخاريُّ: منكر الحديث، لكن حسَّنه التِّرمذيُّ، فلعلَّه اعتُضِد، ومن ثمَّ ذكره المؤلِّف بصيغة التَّمريض، وفي الحديث: إشعارٌ
ج3ص372
بملازمة السِّواك، ولم يخصَّ رطبًا من يابسٍ.
(وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه ممَّا وصله النَّسائيُّ (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ) أعمُّ من أن يكون السِّواك رطبًا أو يابسًا، في رمضان أو غيره، قبل الزَّوال أو بعده، واستدلَّ به الشَّافعيُّ على أنَّ السِّواك ليس بواجبٍ، قال: لأنَّه لو كان واجبًا أمرهم به، شقَّ عليهم أو لم يشقَّ (وَيُرْوَى نَحْوُهُ) أي: نحو حديث أبي هريرة (عَنْ جَابِرٍ) هو ابن عبد الله الأنصاريُّ، ممَّا وصله أبو نُعيمٍ في «كتاب السِّواك» من طريق عبد الله بن عقيلٍ عنه بلفظ: «مع كلِّ صلاةٍ»، وعبد الله مُختلَفٌ فيه (وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ) الجهنيِّ ممَّا وصله أحمد وأصحاب «السُّنن» بلفظ: «عند كلِّ صلاةٍ» (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قال البخاريُّ: (وَلَمْ يَخُصَّ) النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه [2] أبو هريرة وجابرٌ وزيد بن خالدٍ (الصَّائِمَ مِنْ غَيْرِهِ) أي [3]: ولا السِّواك اليابس من غيره، وهذا على طريقة المؤلِّف في أنَّ المطلق يُسلَك به [4] مسلك العموم، أو أنَّ العامَّ في الأشخاص عامٌّ في الأحوال.
(وَقَالَتْ عَائِشَةُ) رضي الله عنها ممَّا وصله أحمد والنَّسائيُّ وابنا [5] خزيمة وحبَّان (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: السِّوَاك مِطْهَرَةٌ لِلْفَمِ) بفتح الميم وكسرها مصدرٌ ميميٌّ، يحتمل أن يكون بمعنى الفاعل، أي: مطهِّرٌ للفم، أو بمعنى الآلة (مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ) بفتح الميم مصدرٌ ميميٌّ؛ بمعنى: الرِّضا، قال المظهريُّ: ويجوز أن يكون بمعنى المفعول، أي: مرضيٌّ للرَّبِّ، وقال الطِّيبيُّ: يمكن أن يُقال: إنَّها مثل: «الولد مبخلةٌ مجبنةٌ» أي: السِّواك مظنَّةٌ للطَّهارة والرِّضا، أي: يحمل السِّواك الرَّجل على الطَّهارة ورضا الرَّبِّ، وعطف «مرضاة» يحتمل التَّرتيب بأن تكون الطَّهارة به علَّةً للرِّضا، وأن يكونا مستقلَّين في العلِّيَّة [6].
(وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ، ممَّا وصله سعيد بن منصور (وَقَتَادَةُ) بن دعامة ممَّا وصله عبد بن حُميدٍ في «التَّفسير» عن ابن جريجٍ عنه: (يَبْتَلِعُ رِيقَهُ) بتاءٍ مُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ بعد المُوحَّدة من «باب الافتعال»، قال في «الفتح»: وللمُستملي: ((يبلع)) بغير مُثنَّاةٍ، أي: من البلع، وللحَمُّويي: ((يتبلَّع)) بتقديم المُثنَّاة على الموحَّدة وتشديد اللَّام مفتوحةً من باب «التَّفعُّل» الدَّالِّ على التَّكلُّف، وقد وقع في رواية غير أبي ذرٍّ في هذه التَّعاليق تقديمٌ وتأخيرٌ، وعلى هذا التَّرتيب مُشِي في الأصل وفرعه [7] إلَّا أنَّه رُقِم على قوله: ((وقال أبو هريرة)) ميمٌ مع علامة أبي ذرٍّ، ثمَّ كذلك على قوله: ((وقالت عائشة))، وذلك علامة التَّقديم والتَّأخير، فليُعلَم.
ج3ص373


[1] في (د): «لموصوفها».
[2] زيد في (د) و(ص) و(ل) و(م): «من»، وجُعِل بعدها بياضٌ، ولعلَّ المثبت هو الصَّواب.
[3] «أي»: ليس في (د).
[4] في (د): « (فيه».
[5] في (د) و(ص): «وابن».
[6] في (د1): «بالعلِّيَّة».
[7] في (ص): «الفرع وأصله»، وفي (م): «الفرع».