إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: تفتح اليمن فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم

1875- وبه قال: (حَدَّثَنَا [1] عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ هِشَامِ ابْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزُّبير (عَنْ) أخيه (عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ) بضمِّ الزَّاي وفتح الهاء مُصغَّرًا الأزديِّ، من أزد شَنُوأة _بفتح المعجمة وضمِّ النُّون وبعد الواو همزةٌ_ النَّمريِّ، ويُلقَّب بابن القَرِد_ بفتح القاف وكسر الرَّاء وبعدها دالٌ مهملةٌ_ صحابيٌّ يُعَدُّ في أهل
ج3ص334
المدينة (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: تُفْتَحُ الْيَمَنُ) بضمِّ الفوقيَّة وسكون الفاء وفتح الفوقيَّة مبنيًّا للمفعول، و«اليمنُ» رفع نائب فاعلٍ [2]، وسُمِّي اليمن لأنَّه عن يمين القبلة أو عن يمين الشَّمس، أو بيمين ابن قحطان (فَيَأْتِي قَوْمٌ) من الذين حضروا فتحها وأعجبهم حسنها ورخاؤها (يَبِسُّونَ) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة وكسر المُوحَّدة وتشديد المهملة، ثلاثيًّا، وعن ابن القاسم [3]: بضمِّ المُوحَّدة، فهو من باب: ضرَب يضرِب، ومن باب: نصَر ينصُر، وبضمِّ التَّحتيَّة مع كسر المُوحَّدة أيضًا، من الثُّلاثيِّ المزيد؛ أي: يسوقون دوابَّهم إلى المدينة سوقًا ليِّنًا (فَيَتَحَمَّلُونَ) منها؛ أي: من المدينة (بِأَهْلِيهِمْ [4] وَمَنْ أَطَاعَهُمْ) من النَّاس، راحلين إلى اليمن (وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ) منها لأنَّها حرم الرَّسول صلى الله عليه وسلم وجواره، ومهبط الوحي، ومنزل البركات (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) بما [5] فيها من الفضائل كالصَّلاة في مسجدها وثواب الإقامة فيها، وغير ذلك من الفوائد الدُّنيويَّة [6] والأخرويَّة، التي يُستحقَر دونها ما يجدونه من الحظوظ الفانية العاجلة بسبب الإقامة في غيرها ما ارتحلوا منها [7]، وفي حديث أبي هريرة عند مسلم: «يأتي على النَّاس زمانٌ يدعو الرَّجل ابن عمِّه وقريبه: هلمَّ إلى الرَّخاء، والمدينة خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون»، وظاهره: أنَّ الذين يتحمَّلون غير الذين يبسُّون، فكأنَّ الذي حضر الفتح أعجبه حسن اليُمن ورخاؤه، فدعا قريبه إلى المجيء إليه، فيتحمَّل المدعوُّ بأهله وأتباعه، لكن صوَّب النَّوويُّ: أنَّ [8] في [9] حديث الباب الإخبار عمَّن خرج من المدينة متحمِّلًا بأهله بأسًا في سيره مسرعًا إلى الرخاء والأمصار المفتتحة، وفي رواية ابن خزيمة من طريق أبي معاوية عن هشام بن عروة في هذا الحديث ما يؤيِّده، ولفظه: «تُفتَح الشَّام [10] فيخرج النَّاس إليها يبسُّون، والمدينة خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون»، ويوضِّح ذلك حديث جابر عند البزَّار مرفوعًا: «ليأتينَّ على أهل المدينة زمانٌ ينطلق النَّاس منها إلى الأرياف يلتمسون الرَّخاء فيجدون رخاءً، ثمَّ يتحمَّلون بأهليهم إلى الرَّخاء، والمدينة خيرٌ لهم لو كانوا يعملون»، وقال المنذريُّ: رجاله رجال الصَّحيح، والأرياف: جمع رِيفٍ_بكسر الراء_: وهو ما قارب المياه في أرض العرب، وقيل: هو الأرض التي فيها الزَّرع والخصب، وقيل: غير ذلك.
(وَتُفْتَحُ الشَّأْمُ) بضمِّ أوَّله مبنيًّا لِمَا لم يُسَمَّ فاعله [11]، وسُمِّي بالشَّام لأنَّه عن شمال الكعبة (فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبُسُّونَ) بفتح أوَّله وضمِّه وكسر الموحَّدة وضمِّها (فَيَتَحَمَّلُونَ) من المدينة (بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ) من النَّاس راحلين إلى الشَّام (وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ) منها؛ لِمَا ذكر (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) بفضلها، فالجواب محذوفٌ كما في السَّابق واللَّاحق، دلَّ عليه ما قبله، وإن كانت «لو» بمعنى «ليت» فلا جواب لها، وعلى كلا [12] التَّقديرين ففيه تجهيلٌ لمن فارقها لتفويته على نفسه خيرًا عظيمًا (وَتُفْتَحُ الْعِرَاقُ، فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ) من المدينة (وَمَنْ أَطَاعَهُمْ) من النَّاس، راحلين إلى العراق (وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ) من العراق (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) والواو في قوله: «والمدينة» في الثَّلاثة للحال، وهذا من أعلام نبوَّته صلى الله عليه وسلم حيث أخبر عليه الصلاة والسلام بفتح هذه الأقاليم، وأنَّ الناس يتحمَّلون بأهاليهم ويفارقون المدينة، فكان ما قاله عليه الصلاة والسلام على التَّرتيب المذكور في الحديث، لكن في حديث عند مسلمٍ وغيره: «تُفتَح الشَّام، ثمَّ اليمن، ثمَّ العراق»، والظَّاهرُ أنَ اليمن فُتِح [13] قبل فتح [14] الشَّام للاتِّفاق على أنَّه لم يُفتَح شيءٌ من الشَّام في حياته صلى الله عليه وسلم، فتكون رواية تقديم الشَّام على اليمن معناها استيفاء فتح اليمن إنَّما كان بعد الشَّام، وأمَّا قول المظهريِّ: إنَّه عليه الصلاة والسلام أخبر في أوَّل الهجرة إلى المدينة بأنَّه ستُفتَح اليمن، فيأتي قومٌ من اليمن إلى المدينة حتَّى يكثر أهل المدينة، والمدينة خيرٌ لهم من غيرها، فتعقَّبه الطِّيبيُّ بأنَّ تنكير «قوم»، ووصفه بـ «يبسُّون» ثمَّ توكيده بقوله: «لو كانوا يعلمون» لا يساعد ما قاله لأنَّ تنكير «قوم» لتحقيرهم وتوهين أمرهم ثمَّ الوصف بـ «يبسُّون» _وهو سوق الدَّوابِّ_ يشعر بركاكة عقولهم، وأنَّهم ممَّن ركن إلى الحظوظ البهيميَّة وحطام الدُّنيا الفانية العاجلة [15]، وأعرضوا عن الإقامة في جوار
ج3ص335
الرَّسول عليه الصلاة والسلام؛ ولذلك كرَّر: «قومًا»، ووصفه في كلِّ قرينةٍ بـ «يبسُّون» استحقارًا لتلك الهيئة القبيحة، قال: والذي يقتضيه [16] هذا المقام أن يُنزَّل «يعلمون» منزلة اللَّازم لينتفي عنهم العلم والمعرفة بالكلِّيَّة، ولو ذهب مع ذلك إلى معنى التَّمنِّي لكان أبلغ لأنَّ التَّمنِّي طلب ما لا يمكن حصوله؛ أي: ليتهم كانوا من أهل العلم تغليظًا وتشديدًا.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّ هؤلاء القوم المذكورين تفرَّقوا في البلاد بعد الفتوحات، ورغبوا عن الإقامة في المدينة، ولو صبروا على الإقامة فيها لكان خيرًا لهم، أمَّا من خرج لحاجةٍ_كجهادٍ أو تجارةٍ_ فليس داخلًا في معنى الحديث.
ورواة هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون إلَّا شيخه، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة والسَّماع والقول، ورواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ لأنَّ هشامًا لقي بعض الصَّحابة، وصحابيٍّ عن صحابيٍّ، وأخرجه مسلمٌ في «الحجِّ»، وكذا النَّسائيُّ.
ج3ص336


[1] في (د): (أخبرنا».
[2] في (د): «الفاعل».
[3] في (م): «القيِّم»، وهو تحريفٌ.
[4] في (ل): «بأهاليهم».
[5] في (د): «لِمَا».
[6] في (د): «الدِّينيَّة».
[7] «ما ارتحلوا منها»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[8] «أنَّ»: ليس في (م).
[9] «في»: ليس في (ص) و(م).
[10] في (س): «الشَّأم»، وكذا في المواضع اللَّاحقة.
[11] في (ص): «مبنيًّا للمفعول».
[12] «كِلَا»: ليس في (ص) و(م).
[13] في (ص): «تُفتَح».
[14] «فتح»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[15] في غير (ب) و(س): «الفاصلة»، ولعلَّه تحريفٌ عن المثبت.
[16] في غير (ب) و(س): «يقتضي».