إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

باب: المدينة طابة

(3) (بابُ الْمَدِينَةِ) بالإضافة، من أسمائها (طَابَةُ) وفي نسخةٍ: ((بابٌ)) بالتَّنوين ((المدينةُ طابةُ)) ولأبي ذرٍّ: ((طابةٌ)) بالتَّنوين، وأصل طابة: طيبة فقُلِبت الياء ألفًا لتحرُّكها وانفتاح ما قبلها؛ أي: من أسمائها طابة، وليس فيه ما يدلُّ [1] على أنَّها لا تُسمَّى بغير ذلك، ولها أسماء كثيرةٌ، وكثرة الأسماء تدلُّ على شرف المُسمَّى، فمن أسمائها: طَيْبة؛ كهيبة وطِيْبَة؛ كصيبة، وطائبٌ؛ ككاتبٍ، فهذه الثَّلاثة _مع طابة؛ كـ «شامة»_ أخواتٌ لفظًا ومعنًى، مختلفاتٌ صيغةً ومبنًى، وذلك لطيب رائحتها وأمورها كلِّها، ولطهارتها من الشِّرك وحلول الطَّيِّب بها صلوات الله وسلامه عليه، ولطيب العيش بها، ولكونها تنفي خبثها وينصع طيبُها، ولله درُّ الإشبيليِّ حيث قال: لتربة المدينة نفحةٌ ليس كما عُهِد من الطِّيب، بل هو عجبٌ من الأعاجيب، وقال بعضهم ممَّا ذكره في «الفتح»: وفي طيب ترابها وهوائها دليلٌ شاهدٌ على صحَّة هذه التَّسمية؛ لأنَّ من أقام بها يجد من تربتها وحيطانها رائحةً طيِّبةً لا يكاد يجدها في غيرها. انتهى. ومن أسمائها: بيت الرَّسول صلى الله عليه وسلم، قال الله [2] تعالى:
ج3ص332
{كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ} [الأنفال: 5] أي: من المدينة لاختصاصها به اختصاص البيت بساكنه، والحرم لتحريمها _كما مرَّ_ والحبيبة لحبِّه صلى الله عليه وسلم لها ودعائه به، وحَرَمُ الرَّسول عليه الصلاة والسلام لأنَّه الذي حرَّمها، وفي «الطَّبرانيِّ» بسندٍ رجاله ثقاتٌ: «حرم إبراهيم مكَّة وحرمي المدينة»، وحسنة قال الله تعالى: {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} [النَّحل: 41] أي: مباءةً حسنةً؛ وهي المدينة، ودار الأبرار، ودار الأخيار لأنَّها دار المختار والمهاجرين والأنصار، وتنفي شرارها ومن أقام بها منهم، فليست له في الحقيقة بدار، وربَّما نُقِل منها بعد الإقبار، ودار الإيمان، ودار السُّنَّة، ودار السَّلامة، ودار الفتح، ودار الهجرة؛ فمنها فُتِحت سائر الأمصار، وإليها هجرة السَّيِّد [3] المختار، ومنها انتشرت السُّنَّة في الأقطار، والشَّافية لحديث: «ترابها شفاءٌ من كلِّ داءٍ»، وذكر ابن مسدي: الاستشفاء بتعليق أسمائها على المحموم، وقبَّة الإسلام لحديث: «المدينة قبَّة الإسلام»، والمؤمنة لتصديقها بالله حقيقةً؛ لخلقه [4] قابليَّةَ ذلك فيها كما في تسبيح الحصى، أو مجازًا؛ لاتِّصاف أهلها به وانتشاره منها، وفي خبرٍ: «والذي نفسي بيده إنَّ تربتها لمؤمنةٌ»، وفي آخر: «إنَّها المكتوبةُ [5] في التَّوراة مؤمنةٌ»، ومُبَارَكةٌ لأنَّ الله تعالى بارك فيها بدعائه صلى الله عليه وسلم لها [6] وحلوله فيها، والمختارة لأنَّ الله تعالى اختارها للمختار من خلقه، والمحفوظة لحفظها من الطَّاعون والدَّجَّال وغيرهما، ومدخل صدقٍ، والمرزوقة؛ أي: المرزوق أهلها، والمسكينة، نُقِل عن التَّوراة _كما مرَّ_ ورُوِي مرفوعًا: «إنَّ الله تعالى قال للمدينة: يا طيبة، يا طابة، يا مسكينة، لا تقبلي الكنوز [7]، أرفع أجاجيرك على أجاجير القرى»، والمسكنة: الخضوع والخشوع [8] خلقه الله تعالى فيها، أو هي مسكن الخاشعين، أسأل الله تعالى [9] العظيم [10]، بوجاهة وجهه الوجيه، ونبيِّه النَّبيه، عليه أفضل الصَّلاة والتَّسليم [11]، أن يجعلني من ساكنيها المقرَّبين، حيًّا وميتًا، إنَّه جابر المنكسرين، وواصل المنقطعين، ومنها المُقدَّسة لتنزُّهها عن الشِّرك وكونها تنفي الذُّنوب، وأكَّالة القرى لغلبتها الجميع فضلًا وتسلُّطها عليها وافتتاحها بأيدي أهلها، فغنموها وأكلوها، وروى الزُّبير في «أخبار المدينة» من طريق عبد العزيز الدَّراورديُّ أنَّه قال: بلغني أنَّ للمدينة في التَّوراة أربعين اسمًا.
ج3ص333


[1] في (د): «وليس فيه دليلٌ».
[2] اسم الجلالة: ليس في (د).
[3] «السَّيِّد»: ليس في (د).
[4] في (د): «بخلقه».
[5] في غير (س): «المكتوبة»، ولعلَّ المثبت هو الصَّواب.
[6] «لها»: ليس في (د).
[7] في غير (د): «الكفور»، والمثبت موافقٌ لما في «الفتح» (4/106).
[8] «والخشوع»: ليس في (ص).
[9] «تعالى»: مثبتٌ من (ص) و(م).
[10] «العظيم»: ليس في (د).
[11] في غير (ص) و(م): «والسَّلام».