إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول للسائب

1859- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ) بفتح العين وسكون الميم، و«زُرَارَة»: بضمِّ الزَّاي وفتح الرَّاء المُكرَّرة بينهما ألفٌ، ابن واقدٍ الكلابيُّ النَّيسابوريُّ قال: (أَخْبَرَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ) المزنيُّ الكوفيُّ (عَنِ الْجُعَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بضمِّ الجيم وفتح العين مُصغَّرًا ابن أوسٍ [1] الكنديِّ (قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ) رحمة الله عليه (يَقُولُ لِلسَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، وَكَانَ قَدْ) ولأبوي ذرٍّ والوقت وابن عساكر: ((وكان السَّائب قد)) (حُجَّ بِهِ فِي ثَقَلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بضمِّ الحاء مبنيًّا للمفعول، زاد الإسماعيليُّ: وأنا غلامٌ، ولم يذكر المؤلِّف مقول [2] عمر ولا جواب السَّائل لأنَّ غرضه الإعلام بأنَّ السَّائب حُجَّ به وهو صغيرٌ، وكأنَّه كان سأله عن قدر المُدِّ كما في «الكفَّارات» [خ¦6712] عن عثمان ابن أبي شيبة عن
ج3ص322
القاسم بن مالكٍ بهذا الإسناد: كان الصَّاع على عهد رسول الله [3] صلى الله عليه وسلم مُدًّا وثُلُثًا بمُدِّكم [4] اليوم، فزِيد فيه في زمن عمر بن عبد العزيز.
واعلم أنَّ الحجَّ لا يجب على الصَّبيِّ، لكن يصحُّ منه ويكون له تطوُّعًا لحديث مسلمٍ عن ابن [5] عبَّاسٍ قال: رفعت امرأةٌ صبيًّا لها فقالت: يا رسول الله ألهذا حجٌّ؟ قال: «نعم، ولك أجرٌ»، ثمَّ إن كان الصَّبيُّ مميِّزًا أحرم بإذن وليِّه، فإن أحرم بغير إذنه لم يصحَّ في الأصحِّ، وإن لم يكن مميِّزًا أحرم عنه وليُّه، سواءٌ كان الوليُّ حلالًا أم مُحرِمًا، وسواءٌ كان حجُّه عن نفسه أم لا، وكيفيَّة إحرامه أن يقول: أحرمت عنه أو جعلته مُحرِمًا، ومتى صار الصَّبيُّ محرمًا فعل ما قدر عليه بنفسه، ويفعل [6] الوليُّ به ما عجز عنه من غسلٍ وتجرُّدٍ عن مخيطٍ ولبس إزارٍ ورداءٍ، فإن قدر على الطَّواف، وإلَّا طِيف به، والسَّعي كالطَّواف، ويركع عنه ركعتي الإحرام والطَّواف إن لم يكن مميِّزًا، وإلَّا صلَّاهما بنفسه، ويُشترَط أن يُحضِرَه المواقف، فيحضره وجوبًا في الواجبات، وندبًا في المندوبات كعرفة والمزدلفة والمشعر الحرام، سواءٌ كان الصَّبيُّ مميِّزًا أو غير مميِّزٍ لإمكان فعلها منه ولا يغني [7] حضورها عنه، وإن قدر على الرَّمي رمى وجوبًا، وإلَّا استُحِبَّ للوليِّ أن يضع الحجر في يده ويأخذها ويرمي بها عنه بعد رميه عن نفسه، ولو بلغ الصَّبيُّ في أثناء الحجِّ ولو بعد وقوفٍ، فأدرك الوقوف أجزأه عن فرضه لأنَّه أدرك معظم العبادة، فصار كما لو أدرك الرُّكوع بخلاف ما إذا لم يدرك الوقوف، ولكن يعيد السَّعي وجوبًا بعد الطَّواف إن كان سعى بعد طواف القدوم قبل بلوغه، ويُمنَع الصَّبيُّ المُحرِم من محظورات الإحرام، فلو تطيَّب مثلًا عامدًا وجبت الفدية في مال الوليِّ، ولو جامع في حجِّه فسد وقضى ولو في الصِّبا كالبالغ المتطوِّع بجامع صحَّة إحرام كلٍّ منهما، فيُعتبَر فيه لفساد حجِّه ما يُعتبَر في البالغ من كونه عامدًا عالمًا بالتَّحريم مجامعًا قبل التَّحلُّلين، وإذا قضى؛ فإن كان قد بلغ في الفاسد قبل فوات الوقوف أجزأه قضاؤه عن حجَّة الإسلام، ولو حال الوقوف أو بعده انصرف القضاء إليها أيضًا ولزم القضاء من قابل [8]، وقال أبو حنيفة: لا يصحُّ إحرام الصَّبيِّ، ولا يلزمه شيءٌ بفعل شيءٍ من محظورات الإحرام، وإنَّما حجَّ به على جهة التَّدريب. انتهى. وهذا نقله النَّوويُّ وسبقه إليه الخطَّابيُّ، وهذا فيه نظر؛ إذ لا أعلم أحدًا من أئمَّة مذهب الإمام [9] أبي حنيفة نصَّ على ذلك، بل قال شمس الأئمَّة السَّرخسيُّ فيما نقله عنه الزَّيلعيُّ في ((شرح الكنز)): لو أحرم الصَّبيُّ بنفسه وهو يعقل، أو أحرم عنه أبوه صار محرمًا، وقال في «الكنز»: فلو أحرم الصبي أو العبد فبلغ أو عتق فمضى لم يجز عن فرضه لأنَّ إحرامه انعقد لأداء النَّفل، فلا ينقلب للفرض. وقال في «عمدة المفتي»: حسنات الصَّبيِّ له، ولأبويه أجر التَّعليم والإرشاد [10].
ج3ص323


[1] في (د): «أويسٍ»، ولعلَّه تحريفٌ.
[2] في (م): «يقول»، وهو تحريفٌ.
[3] في (د): «محمَّدٍ».
[4] زيد في (د): «هذا».
[5] في غير (د) و(س): «أبي»، وهو تحريفٌ.
[6] في (د): «وفعل».
[7] في (م): «يعقُّ».
[8] في (م): «وبقي القضاء في هذه» بدلًا من قوله: «ولزم القضاء من قابل».
[9] «الإمام»: ليس في (د).
[10] قوله: «وهذا نقله النَّوويُّ وسبقه إليه الخطَّابيُّ... ولأبويه أجر التَّعليم والإرشاد» ليس في (م).