إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس

104- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر: ((حدَّثنا)) (اللَّيْثُ) بن سعدٍ المصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَعِيدٌ) بكسر العين، المقبريُّ [1]، وللأَصيليِّ وابن عساكر وأبي الوقت: ((سعيد بن أبي سعيدٍ)) ولغيرهم: ((هو ابن أبي سعيدٍ)) (عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ) بضمِّ
ج1ص198
المُعجَمَة وفتح الرَّاء آخره حاءٌ مُهمَلَةٌ، خويلد ابن عمرو بن صخرٍ الخزاعيِّ الكعبيِّ الصَّحابيِّ، المُتوفَّى سنة ثمانٍ وستِّين رضي الله عنه وله في «البخاريِّ» ثلاثة أحاديث (أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ) بفتح العَيْن في الأولى وكسرها في الثَّانية، ابن العاصِ بن أميَّة القرشيِّ الأمويِّ المعروف بالأشدق، قال ابن حجرٍ: وليست له صحبةٌ، ولا كان من التَّابعين بإحسانٍ (وَهْوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ) بضمِّ المُوحَّدة، جمع البَعث؛ بمعنى المبعوث، والجملة اسميَّةٌ وقعت حالًا، والمعنى: يرسل الجيوش (إِلَى مَكَّةَ) _زادها الله تعالى شرفًا، ومنَّ علينا بالمُجَاوَرَة بها على أحسن وجهٍ في عافيةٍ بلا محنةٍ [2] _ لقتال عبد الله بن الزُّبَيْر لكونه امتنع من مُبايَعَة يزيد بن معاوية في سنة إحدى وستِّين من الهجرة، واعتصم بالحرم، بلَّغنا الله المُجاوَرَة به في عافيةٍ [3] بلا محنة، وكان عمرٌو والي يزيدَ على المدينة الشَّريفة: (ائْذَنْ لِي) يا (أَيُّهَا الأَمِيرُ أُحَدِّثْكَ) بالجزم لأنَّه جواب الأمر (قَوْلًا) بالنَّصب مفعولٌ ثانٍ لـ «أحدِّث» (قَامَ بِهِ النَّبِيُّ) وفي رواية أبي الوقت: ((رسول الله)) [4] (صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم الْغَدَ) بالنَّصب على الظَّرفيَّة (مِنْ [5] يَوْمِ الْفَتْحِ) أي: ثاني يوم فتح مكَّة، في العشرين من رمضان السَّنة الثَّامنة من الهجرة (سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ) أصله: أذنان لي، فسقطت النُّون لإضافته لياء المتكلِّم، والجملة في محلِّ نصبٍ صفةٌ للقول كجملة: «قام به النبي صلى الله عليه وسلم»، وهو ينفي أن يكون سَمِعَه من غيره (وَوَعَاهُ قَلْبِي) أي: حفظه وتحقَّق فهمه، وتثبَّت في تعقُّل معناه (وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ) بتاء التَّأنيث «كسمعته أذناي» لأنَّ كلَّ ما هو [6] في الإنسان من الأعضاء اثنان، كاليد والرِّجل [7] والعين والأذن فهو مُؤنَّثٌ؛ بخلاف الأنف والرَّأس [8]، والمعنى: أنَّه لم يكن اعتماده على الصَّوت من وراء حجابٍ، بل بالرُّؤية والمُشاهَدَة، وأتى بالتَّثنية تأكيدًا (حِينَ تَكَلَّمَ) صلى الله عليه وسلم (بِهِ) أي: بالقول الذي أحدّثك (حَمِدَ الله) تعالى بيانٌ لقوله: «تكلَّم به» (وَأَثْنَى عَلَيْهِ) عطفٌ على سابقه من باب [9] عطف العامِّ على الخاصِّ (ثُمَّ قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا الله) عزَّ وجلَّ يوم خلق السَّموات والأرض (وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ) من قِبَلِ أنفسهم واصطلاحهم، بل حرَّمها الله تعالى بوحيه، فتحريمها ابتدائيٌّ من غير سببٍ يُعزَا لأحدٍ، فلا مدخل فيه لنبيٍّ ولا لغيره، ولا تنافيَ بين هذا وبين ما رُوِيَ أنَّ إبراهيم عليه الصلاة والسلام حرَّمها [10] [خ¦2129] إذِ المراد أنَّه بلَّغ تحريم الله وأظهره بعد أن رفع البيت وقت الطُّوفان، واندرست حرمتها، وإذا كان كذلك (فَلَا يَحِلُّ لاِمْرِئٍ) بكسر الرَّاء كالهمزة إذ هي تابعةٌ لها في جميع أحوالها، أي: لا يحلُّ لرجلٍ (يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) يوم [11] القيامة، إشارةٌ إلى المَبْدَأ والمَعَاد، والنِّساء شقائق الرِّجال [12] (أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا) بكسر الفاء، وقد تُضَمُّ، وهما لغتان، قال في «العُبَاب»: سفكت الدَّم أسفِكه وأسفُكه سفكًا، وفي رواية المُستملي والكُشْمِيهَنيِّ: ((فيها)) بدل «بها»، والباء بمعنى: «في»، و«أن» مصدريَّةٌ، أي: فلا يحلُّ سفك دمٍ فيها [13]، والسَّفك: صبُّ الدَّم، والمُرَاد به: القتل (وَ) أن (لَا يَعْضِدَ بِهَا) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة وتسكين العَيْن المُهمَلَة وكسر الضَّاد المُعجَمَة آخره دالٌ مهملة مفتوحة، أي: يقطع بالْمِعْضَدِ؛ وهو آلة كالفأس (شَجَرَةً) أي: ذات ساقٍ، و«لا» زيدَت لتأكيد معنى النَّفيِ، أي: لا يحلُّ له أن يَعْضِدَ (فَإِنْ) ترخَّص (أَحَدٌ تَرَخَّصَ) برفع «أحدٌ» بفعلٍ مُقدَّرٍ يفسِّره ما بعده، لا بالابتداء لأنَّ «إنْ» من عوامل الفعل، وحُذِفَ الفعل وجوبًا لئلا يجمع بين المفسِّر والمفسَّر، وأبرزته لضرورة البيان، والمعنى: إن قال أحدٌ: ترك القتال عزيمةٌ، والقتال رخصةٌ تتعاطى عند الحاجة (لِقِتَالِ) أي: لأجل قتال (رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم فِيهَا) مستدلًّا بذلك (فَقُولُوا) له: ليس الأمر كذلك (إِنَّ الله) تعالى (قَدْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ) صلى الله عليه وسلم خصيصةً له (وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي) الله في القتال فقط (فِيهَا) أي: مكَّة، وهمزة «أَذِنَ» مفتوحةٌ، ويجوز ضمُّها على البناء للمفعول، ولأبي ذَرٍّ كما في الفرع وأصله [14] إسقاط لفظة: ((فيها)) اختصارًا للعلم به، فقال: أذن لي (سَاعَةً) أي: في ساعةٍ (مِنْ نَهَارٍ) وهي من طلوع الشَّمس إلى العصر؛ كما في حديث عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن
ج1ص199
جدِّه عند أحمد، فكانت مكَّة في حقِّه صلى الله عليه وسلم في تلك السَّاعة [15] بمنزلة الحِلِّ (ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ) أي: تحريمها المقابل للإباحة المفهومة من لفظ «الإذن» في اليوم المعهود وهو يوم الفتح، إذ عود حرمتها كان في يوم صدور هذا القول لا في غيره (كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ) الذي قبل يوم الفتح (وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ) الحاضر (الْغَائِبَ) بالنَّصب مفعول «الشَّاهد»، ويجوز كسر لام «لِيبلِّغ» وتسكينها، فالتَّبليغ عن الرَّسول عليه الصلاة والسلام فرض كفايةٍ (فَقِيلَ لأَبِي شُرَيْحٍ) المذكور: (مَا قَالَ عَمْرٌو) أي: ابن سعيدٍ المذكور في جوابك، فقال: (قَالَ) عمروٌ: (أَنَا أَعْلَمُ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ أنَّ مكَّة) [16] يعني: صحَّ سماعك وحفظك، لكن ما فهمت المعنى؛ فإنَّ مكَّة (لَا تُعِيذُ) بالمُثنَّاة الفوقيَّة والذَّال المُعجَمَة، أي: لا تعصم (عَاصِيًا) من إقامة الحدِّ عليه، وفي رواية غير الأربعة [17]: ((إنَّ الحرم لا يُعيذ)) بالمُثنَّاة التَّحتيَّة ((عاصيًا)) (وَلَا فَارًّا) بالفاء، والرَّاء المُشدَّدة (بِدَمٍ) أي: مصاحبًا بدمٍ، ومتلبِّسًا به، وملتجئًا إلى الحرم بسبب خوفه من إقامة الحدِّ عليه (وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ) أي: بسبب خَرْبَةٍ؛ وهي بفتح المُعجَمَة وبعد الرَّاء السَّاكنة مُوحَّدةٌ، ووقع في رواية أبي ذَرٍّ عنِ [18] المُستملي تفسيرها فقال: ((بِخَرْبَةٍ؛ يعني: السَّرقة)) وفي رواية الأَصيليِّ _كما قاله القاضي عياضٌ_: ((بخُربةٍ)) بضمِّ الخاء، أي: الفساد، وزاد البدر الدَّمامينيُّ الكسر مع إسكان الرَّاء كذلك، وقال: على المشهور، أي: في الرَّاء، قال: و [19] أصلها سرقة الإبل، وتُطلَق على كلِّ خيانةٍ. انتهى. وقد حاد عمروٌ عن الجواب، وأتى بكلامٍ ظاهره حقٌّ لكن أراد به الباطل، فإنَّ أبا شُرَيْحٍ الصَّحابيَّ أنكر عليه بعثة [20] الخيل إلى مكَّة، واستباحة حرمتها بنصب الحرب عليها، فأجابه [21]: بأنَّه لا يمنع من إقامة القصاص، وهو الصَّحيح، إلَّا أنَّ ابن الزُّبَيْر لم يرتكب أمرًا يجب عليه فيه شيءٌ، بل هو أَوْلى بالخلافة من يزيد بن معاوية؛ لأنَّه بُويِع قبله، وهو صاحب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ومباحث ذلك تأتي _إن شاء الله تعالى_ في «الحجِّ» [خ¦1832].
ورواة هذا الحديث الأربعة [22] ما بين مصريٍّ [23] ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث بالجمع والإفراد والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في «الحجِّ» [خ¦1832] و«المغازي» [خ¦4295]، ومسلمٌ في «الحجِّ»، والتِّرمذيُّ فيه وفي «الدِّيات»، والنَّسائيُّ في «الحجِّ» و«العلم»، والله الموفِّق.
ج1ص200


[1] «المقبريُّ»: سقط من (م).
[2] قوله: «ومنَّ علينا بالمُجَاوَرَة بها على أحسن وجهٍ في عافيةٍ بلا محنةٍ» سقط من (م).
[3] «في عافيةٍ»: سقط من (د).
[4] قوله: «وفي رواية أبي الوقت: رسول الله» سقط من (د).
[5] «من»: سقط من (ص).
[6] «هو»: سقط من (م).
[7] «والرِّجل»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[8] «والرَّأس»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[9] «باب»: سقط من (ص) و(م).
[10] زيد في (م): اسم الجلالة.
[11] «يوم»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[12] «والنِّساء شقائق الرِّجال»: مثبتٌ من (م).
[13] في (ص) و(م): «بها».
[14] «وأصله»: سقط من (ص).
[15] في (م): «الحالة».
[16] «أنَّ مكَّة»: ليس في (م).
[17] «غير الأربعة»: مثبتٌ من (م).
[18] «أبي ذَرٍّ عن»: سقط من (س).
[19] «قال و»: سقط من (د).
[20] في (ب) و(س): «بعث»، وفي (ص): «بعثه».
[21] في (ب) و(س): «فأجاب».
[22] «الأربعة»: مثبتٌ من (م).
[23] في (ص) و(م): «بصريٍّ»، وهو تحريفٌ.