إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: كنا نخرج زكاة الفطر صاعًا من طعام

1506- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) هو ابن أنسٍ الإمام (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ) بسكون عين «سعْدٍ»، وراء «سرْحٍ» (الْعَامِرِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ: كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ) هو البُرُّ؛ لقوله: (أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ) قال التُّوربشتيُّ: والبُرُّ أعلى ما كانوا يقتاتونه في الحضر والسَّفر، فلولا أنَّه أراد بالطَّعام البُرُّ؛ لذكره عند التَّفصيل، وحكى المنذريُّ في «حواشي السُّنن» عن بعضهم اتِّفاقَ العلماء على أنَّه المرادُ هنا، وقال بعضهم: كانت لفظة «الطَّعام» تُستعمَل في الحنطة عند الإطلاق حتَّى إذا قِيلَ: اذهب إلى سوق الطَّعام؛ فُهِمَ منه سوقُ القمح، وإذا غلب العُرف؛ نُزِّل اللَّفظ عليه [1]؛ لأنَّ ما غلب استعمال اللَّفظ فيه؛ كان خطوره عند الإطلاق أقرب، وتعقَّبه ابن المنذر بما جاء [2] في حديث أبي سعيدٍ الآتي _إن شاء الله تعالى_ في «باب صاعٍ من زبيبٍ» [خ¦1508]: فلمَّا جاء معاوية وجاءت السَّمراء [3]؛ لأنَّه يدلُّ على أنَّها لم تكن قُوتًا لهم قبل هذا، ثمَّ قال: ولا نعلم في القمح خبرًا ثابتًا عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم نعتمد [4] عليه، ولم يكن البُرُّ يومئذٍ بالمدينة إلَّا الشَّيء اليسير منه، فكيف يُتوهَّم أنَّهم أخرجوا ما لم يكن موجودًا؟ وأمَّا ما أخرجه ابن خزيمة والحاكم في «صحيحيهما» [5] من طريق إسحاق، عن عبد الله بن عبد الله بن عثمان بن حكيمٍ، عن عياض بن عبد الله قال: قال أبو سعيدٍ _وذكروا عنده صدقة رمضان_ فقال: لا أُخرِج إلَّا ما كنت أُخرِج في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، صاعَ تمرٍ أو صاع حنطةٍ أو صاعَ شعيرٍ أو صاعَ أقِطٍ، فقال له رجلٌ من القوم: أو مُدَّين من قمحٍ، فقال: لا، تلك قيمة معاوية لا أقبلها ولا أعمل بها، فقال ابن خزيمة بعد أن ذَكَره: ذِكْرُ الحنطة في خبر أبي سعيدٍ غيرُ محفوظٍ، ولا أدري ممَّن الوهم، وقوله: «فقال رجلٌ...» إلى آخره دالٌّ على أنَّ ذكر الحنطة في أوَّل القصَّة خطأٌ؛ إذ لو كان أبو سعيدٍ أخبر أنَّهم كانوا يُخرجون منها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعًا؛ لَمَا كان الرَّجل يقول له: «أو مُدَّين من قمحٍ»، وقد أشار أبو داود إلى رواية ابن إسحاق هذه وقال: إنَّ ذكر الحنطة فيها غير محفوظٍ (أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ) وهو لبنٌ جامدٌ فيه زبده، فإن أفسد الملح جوهره؛ لم يجز، وإن ظهر عليه ولم يفسده؛ وجب بلوغ خالصه صاعًا (أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ).
ج3ص87


[1] في هامش (ص): (قوله: «نزل العرف»، كذا بخطِّه، والصواب: نزل اللَّفظ عليه كما في «الفتح» في باب «صاع من زبيب»). انتهى.
[2] كلمة (جاء) زيادة من (ص).
[3] في هامش (ص): (قوله: «وجاءت السمراء»؛ أي الحنطة، ومجيئها: رخصها وكثرتها). انتهى.
[4] في (د): «يُعتمَد».
[5] في غير (س): «صحيحهما».