إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرًا فأغناه الله ورسوله

1468- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم بِالصَّدَقَةِ) الواجبة أو صدقة التَّطوُّع، ورجَّحه بعضهم تحسينًا للظَّنِّ بالصَّحابة؛ إذ لا يُظَنُّ بهم منعُ الواجب، وعلى هذا فعذر خالدٍ واضحٌ؛ لأنَّه أخرج ماله في سبيل الله، فما بقي له مالٌ يحتمل المواساة، وتُعقِّب بأنَّهم ما منعوه جحدًا ولا عنادًا، أمَّا ابن جميلٍ؛ فقد قِيلَ: إنَّه كان منافقًا ثمَّ تاب بعد؛ كما حكاه المُهلَّب، قِيلَ: وفيه نزلت: {وَمَا نَقَمُوا}...الآية إلى قوله: {فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ} [التَّوبة: 74] فقال: استتابني الله، فتاب وصَلُحَ حاله، والمشهور نزولها في غيره [1]، وأمَّا خالدٌ؛ فكان متأوِّلًا بإجزاء ما حبسه عن الزَّكاة، فالظَّاهر أنَّها الصَّدقة
ج3ص57
الواجبة؛ لتعريف الصَّدقة باللَّام العهديَّة، وقال النَّوويُّ: إنَّه الصَّحيح المشهور، ويؤيِّده ما في رواية مسلمٍ من طريق ورقاء عن أبي الزِّناد: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر ساعيًا على الصَّدقة، فهو مشعرٌ بأنَّها صدقة الفرض؛ لأنَّ صدقة التَّطوُّع لا يُبعَث عليها السُّعاة، ولأبي ذرٍّ: ((بصدقةٍ)) (فَقِيلَ): القائل عمر رضي الله عنه؛ لأنَّه المرسَل (مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ) بفتح الجيم وكسر الميم، قال ابن منده: لم يُعرَف اسمه، ومنهم من سمَّاه حميدًا، وقِيلَ: عبد الله، وذكره الذَّهبيُّ فيمن عُرِف بأبيه ولم يُسَمَّ (وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) بالرَّفع في «عبَّاسُ» عطفًا على «وخالدُ» المعطوف على «ابنُ جميل» المرفوع على الفاعليَّة، زاد في رواية أبي عبيدٍ: «أن يعطوا»، وهو مُقدَّرٌ هنا؛ لأنَّ «منع» يستدعي مفعولًا، وقوله: «أن يعطوا» في محلِّ نصبٍ على المفعوليَّة، وكلمة «أن» مصدريَّةٌ، أي: مَنَعَ هؤلاءِ الإعطاءَ (فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) بيانٌ لوجه الامتناع، ومن ثمَّ عبَّر بالفاء: (مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ) بكسر القاف، مضارع «نقَم» بالفتح، أي: ما يكره وينكر (إِلَّا أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللهُ وَرَسُولُهُ) من فضله بما أفاء الله على رسوله، وأباح لأمَّته من الغنائم ببركته عليه الصلاة والسلام، والاستثناء مُفرَّغٌ، فمحلُّ «أن» وصلتها نُصِبَ على المفعول به، أو على أنَّه مفعولٌ لأجله، والمفعول به حينئذٍ محذوفٌ، ومعنى الحديث _كما قاله غير واحدٍ_: أنَّه ليس ثَمَّ شيءٌ ينقم ابن جميلٍ، فلا موجب للمنع، وهذا ممَّا تقصد [2] العرب في مثله تأكيد النَّفي والمبالغة فيه بإثبات شيءٍ، وذلك الشَّيء لا يقتضي إثباته، فهو منتفٍ أبدًا، ويُسمَّى مثل ذلك عند البيانيِّين: تأكيد المدح بما يشبه الذَّمَّ وبالعكس، فَمِنَ الأوَّل: نحو قول الشَّاعر: [من الطَّويل]
~ولا عيبَ فيهم غير أنَّ سيوفهم بهنَّ فُلولٌ من قِراع [3] الكتائبِ
ومن الثَّاني: هذا الحديث وشبهه، أي: ما ينبغي لابن جميلٍ أن ينقم شيئًا إلَّا هذا، وهذا لا يوجب له أن ينقم شيئًا، فليس ثَمَّ شيءٌ ينقمه، فينبغي أن يعطي ممَّا أعطاه الله ولا يكفر بأنعمه.
(وَأَمَّا خَالِدٌ؛ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا) عبَّر بالظَّاهر دون أن يقول: «تظلمونه» بالضَّمير على الأصل؛ تفخيمًا لشأنه وتعظيمًا لأمره؛ نحو: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ} [الحاقَّة: 3] والمعنى: تظلمونه بطلبكم منه زكاة ما عنده، فإنَّه (قَدِ احْتَبَسَ) أي: وقف قبل الحول (أَدْرَاعَهُ) جمع دِرْعٍ؛ بكسر الدَّال؛ وهو الزَّرديَّة (وَأَعْتُدَهُ) التي كانت للتِّجارة على المجاهدين (فِي سَبِيلِ اللهِ) فلا زكاة عليه فيها، وتاء «أعتُده» مضمومةٌ، جمع «عَتَدٍ» _بفتحتين_: ما يعدُّه [4] الرَّجل من السِّلاح والدَّوابِّ وآلات الحرب، ولأبي ذرٍّ: ((وأعتِده)) بكسرها؛ قِيلَ: ورواه بعض رواة البخاريِّ: ((وأعبده)) بالمُوحَّدة جمع «عبدٍ»، حكاه عياضٌ، وهو موافقٌ لرواية: «واحتبس رقيقه»، ويحتمل أنَّه عليه الصلاة والسلام لم يقبل قول من أخبره [5] بمنع خالدٍ؛ حملًا على أنَّه لم يصرِّح بالمنع، وإنَّما نقله عنه؛ بناءً على ما فهمه، ويكون قوله عليه الصلاة والسلام: «تظلمون خالدًا» أي: بنسبتكم إيَّاه إلى المنع، وهو لم يمنع، وكيف يمنع الفرض وقد تطوَّع بوقف خيله وسلاحه؟! أو يكون عليه الصلاة والسلام احتسب له ما فعله من ذلك من الزَّكاة؛ لأنَّه في سبيل الله، وذلك من مصارف الزَّكاة، لكن يلزم منه إعطاء الزَّكاة لصنفٍ واحدٍ، وهو قول مالكٍ وغيره؛ خلافًا للشَّافعيِّ في وجوب قسمتها على الأصناف الثَّمانية، وقد سبق استدلال البخاريِّ به على إخراج العروض في الزَّكاة، واستشكله ابن دقيق العيد بأنَّه إذا حُبِس [6] على جهةٍ مُعيَّنةٍ؛ تعيَّن صرفه إليها واستحقَّه أهلُ تلك الصِّفة مضافًا إلى جهة الحبس، فإن كان قد طلب من خالدٍ زكاة ما حبسه [7]؛ فكيف يمكن ذلك مع تعيُّن ما حبسه لمصرفه؟ وإن كان طلب منه زكاة المال الذي لم يحبسه من العين والحرث والماشية؛ فكيف يُحاسَب بما وجب عليه في ذلك؟ وقد تعيَّن صرف ذلك المحبس إلى جهته؛ ثمَّ انفصل عن ذلك؛ باحتمال أن يكون المراد بالتَّحبيس الإرصاد لذلك لا الوقف، فيزول الإشكال، لكنَّ هذا الإشكال إنَّما يتأتَّى على القول بأنَّ المراد بالصَّدقة
ج3ص58
المفروضةُ، أمَّا على القول بأنَّ المرادَ التَّطوُّعُ؛ فلا إشكال _كما لا يخفى_.
(وَأَمَّا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؛ فَعَمُّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) وللحَمُّويي والكُشْمِيْهَنِيِّ: ((عمُّ)) بغير فاءٍ، وفي وصفه بأنَّه عمُّه تنبيهٌ على تفخيمه واستحقاق إكرامه، ودخول اللَّام على «عبَّاسٍ» مع كونه علمًا؛ لِلَمْحِ الصِّفة (فَهْيَ) أي: الصَّدقة المطلوبة منه (عَلَيْهِ صَدَقَةٌ) ثابتةٌ سيتصدَّق بها (وَمِثْلُهَا مَعَهَا) أي: ويضيف إليها مثلها كرمًا منه، فيكون النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ألزمه بتضعيف صدقته؛ ليكون ذلك أرفعَ لقدره وأنبهَ لذكره وأنفى للذَّبِّ [8] عنه، أو المعنى: أنَّ أمواله كالصَّدقة عليه؛ لأنَّه استدان في مُفاداة نفسه وعقيلٍ، فصار من الغارمين الذين لا تلزمهم الزَّكاة، وهذا التَّأويل على تقدير ثبوت لفظة [9] «صدقة»، واستبعدها البيهقيُّ؛ لأنَّ العبَّاس من بني هاشمٍ فتحرم عليهم الصَّدقة؛ أي [10]: وظاهر هذا الحديث أنَّها صدقةٌ عليه ومثلها معها، فكأنَّه أخذها منه وأعطاها له، وحمل غيره: على أنَّ ذلك كان قبل تحريم الصَّدقة على آله عليه الصلاة والسلام، وفي رواية مسلمٍ من طريق ورقاء: «وأمَّا العبَّاس؛ فهي عليَّ ومِثْلُها معها [11]» ثمَّ قال: «يا عمر؛ أما [12] شعرت أنَّ عمَّ الرَّجل صِنْوُ أبيه؟» فلم يقل فيه: صدقةٌ، بل فيه دلالةٌ على أنَّه صلى الله عليه وسلم التزم بإخراج ذلك عنه؛ لقوله: «فهي عليَّ»، ويرجِّحه قوله: «إنَّ عمَّ الرَّجل صِنْو أبيه» أي: مِثْلُه، ففي هذه اللَّفظة إشعارٌ بما ذكرنا، فإنَّ كونه صنو الأب يناسب أن يحمل عنه، أي: هي عليَّ إحسانًا إليه وبرًّا به، هي عندي قرضٌ [13]؛ لأنِّي استسلفت [14] منه صدقة عامين، وقد وَرَد ذلك صريحًا في حديث عليٍّ عند التِّرمذيِّ، لكن في إسناده مقالٌ، وفي حديث ابن عبَّاسٍ عند الدَّارقطنيِّ بإسنادٍ فيه ضعفٌ: بعث النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عمر ساعيًا، فأتى العبَّاسَ فأغلظَ له، فأخبرَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقال: «إنَّ العبَّاس قد استلفنا [15] زكاة ماله العامَ والعامَ المُقْبِل».
وعن الحكم بن عقبة (تَابَعَهُ) أي: تابع شعيبًا [16] (ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ) عبدُ الرَّحمن (عَنْ أَبِيهِ) أبي الزِّناد عبد الله بن ذكوان، على ثبوت لفظ «الصَّدقة»، وهذا وصله أحمد وغيره، وذلك يردُّ على الخطَّابيِّ؛ حيث قال: إنَّ لفظ «الصَّدقة» لم يتابع عليها شعيب بن أبي حمزة _كما ترى_، وكذا تابعه موسى بن عقبة، فيما رواه النَّسائيُّ (وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ) محمَّد إمام المغازي، فيما وصله الدَّارقطنيُّ (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان: (هِيَ عَلَيْهِ وَمِثْلُهَا مَعَهَا) من غير ذكر «الصَّدقة» (وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك: (حُدِّثْتُ) بضمِّ الحاء مبنيًّا للمفعول (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن (بِمِثْلِهِ) ولأبي ذرٍّ وابن عساكر: ((مثله)) أي: مثل رواية ابن إسحاق؛ بدون لفظ الصَّدقة، وهي أَوْلى؛ لأنَّ العبَّاس لا تحلُّ له الصَّدقة _كما مرَّ_، ورواية ابن جريجٍ هذه وصلها عبد الرَّزَّاق في «مُصنَّفه»، لكنَّه خالف النَّاس في ابن جميلٍ، فجعل مكانه أبا جهم بن حذيفة.
ج3ص59


[1] في (م): «غيرها»، وفي هامش (ص): (قوله: «في غيره» بتذكير الضَّمير، والذي في خطِّه: «في غيرها» بتأنيث الضَّمير؛ يرجع للاستتابة، والأَوْلى تذكيره؛ ليرجع لابن جميلٍ، وعبارة «الفتح» قال: والمشهور: أنَّها نزلت في ثعلبة). انتهى.
[2] في (د): «يقصد».
[3] في (ل): «قروع».
[4] في (د): «يُعِدُّ».
[5] في (د): «أخبر».
[6] في (د) و(م): «احتبس».
[7] في (م): «احتبسه».
[8] في (د): «للذَّمِّ»، وكذا في الفتح.
[9] في (د): «لفظ».
[10] «أي»: ليس في (م).
[11] قوله: «معها» زيادة من صحيح مسلم (983).
[12] في (د): «ما».
[13] في غير (ص): «فرض».
[14] في (ب) و(س): «استلفت».
[15] في «سنن الدارقطني»: «أسلفنا».
[16] في (م): «الأعرج»، وليس بصحيحٍ.