إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: اليد العليا خير من اليد السفلى فاليد

1429- (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا [1] حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) لم يذكر متن هذا السَّند، قال أبو داود: قال الأكثر عن حمَّاد بن زيدٍ: «اليد العليا هي المنفقة». وقال واحدٌ [2] عنه: «المتعفِّفة» يعني: بعينٍ وفاءين، وكذا قال عبد الوارث عن أيُّوب، قال الحافظ ابن حجرٍ: الذي قال عن حمَّادٍ: «المتعفِّفة» بالعين فهو مُسدَّدٌ؛ كذا رويناه عنه في «مُسنَده» رواية معاذ بن المُثنَّى عنه، وأمَّا رواية عبد الوارث فلم أقف عليها موصولةً، وقد أخرجه أبو نُعيمٍ في «مُستخرَجه» من طريق سليمان بن حربٍ عن حمَّادٍ بلفظ: «واليد العليا يد المعطي»، وهذا يدلُّ على أنَّ من رواه عن نافعٍ بلفظ: «المتعفِّفة» فقد صحَّف. انتهى.
(ح): للتَّحويل قال: (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم قَالَ وَهُوَ عَلَى الْمنْبَرِ) جملةٌ اسميَّةٌ وقعت حالًا (وَذَكَرَ الصَّدَقَةَ) جملةٌ فعليَّةٌ حاليَّةٌ، أي: كان يحضُّ الغنيَّ عليها (وَالتَّعَفُّفَ) أي: ويحضُّ الفقيرَ عليه (وَالْمَسْأَلَةَ) كذا بالواو، أي: ويذمُّ المسألةَ، ولمسلمٍ عن قتيبة [3] عن مالكٍ: «والتَّعفُّف عن المسألة»: (الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، فَالْيَدُ الْعُلْيَا هِيَ الْمُنْفِقَةُ) اسم فاعلٍ من «أنفق»، ورواه أبو داود وغيره: «المتعفِّفة» بالعين والفاءين كما مرَّ، ورجَّحه الخطَّابيُّ قال: لأنَّ السِّياق في ذكر المسألة والتَّعفُّف عنها، وقال شارح «المشكاة»: وتحرير ترجيحه أن يُقال: إنَّ قوله: «وهو يذكر الصَّدقة والتَّعفُّف عن المسألة» كلامٌ مُجمَلٌ في معنى العفَّة عن السُّؤال، وقوله: «اليد العليا خيرٌ من اليد السُّفلى» بيانٌ له، وهو أيضًا مُبهَمٌ، فينبغي أن يُفسَّر بالعفَّة ليناسب المُجمَل، وتفسيره باليد المنفقة غير مناسبٍ للمُجمَل، لكن إنَّما يتمُّ هذا لو اقتصر على قوله: «اليد العليا هي المنفقة [4]»، ولم يعقِّبه بقوله: (وَ) اليد (السُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ) لدلالتهما على علوِّ المُنفِقة وسفالة السَّائلة ورذالتها، وهي مما يُستنكَف منها، فظهر بهذا أنَّ ما في «البخاريِّ» و«مسلمٍ» أرجحُ من إحدى روايتي أبي داود نقلًا ودرايةً، ويؤيِّد ذلك حديث حكيمٍ، عند [5] الطَّبرانيِّ بإسنادٍ صحيحٍ مرفوعًا: «يد الله فوق يد المعطي، ويد المعطي [6] فوق يد المُعطَى، ويد المُعطَى أسفل الأيدي»، وعند النَّسائيِّ من حديث طارقٍ المحاربيِّ: قدمنا المدينة، فإذا النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم قائمٌ على المنبر يخطب النَّاس، وهو يقول: «يد المعطي العليا»، وهذا نصٌّ يرفع الخلاف، ويدفع تعسُّف من تعسَّف في تأويله ذلك؛ كقول بعضهم فيما حكاه القاضي عياضٌ: اليد [7] العليا: الآخذة، والسُّفلى: المانعة، أو العليا: الآخذة، والسُّفلى: المنفقة، وقد كان إذا أعطى الفقير العطيَّة؛ يجعلها في يد نفسه، ويأمر الفقير أن يتناولها؛ لتكون يد الفقير هي العليا؛ أدبًا مع قوله تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ} [التَّوبة: 104] قال: فلمَّا أُضيف الأخذ إلى الله تعالى؛ تواضع لله تعالى فوضع يده أسفل من يد الفقير الآخذ، وقال ابن العربيِّ: والتَّحقيق أنَّ السُّفلى يد السَّائل، وأمَّا يد الآخذ فلا؛ لأنَّ يد الله هي المعطية، ويد الله هي الآخذة، وكلتاهما عليا وكلتاهما يمينٌ. انتهى. وعُورِض بأنَّ البحث إنَّما هو في يد الآدميِّين، وأمَّا يد الله عزَّ وجلَّ فباعتبار كونه مالكَ كلِّ شيءٍ نُسِبت يده إلى الإعطاء، وباعتبار قبوله [8] الصَّدقة ورضاه بها، نُسِبت يده إلى الأخذ. وقد [9] روى إسحاق في «مُسنَده»: أنَّ حكيم ابن حزامٍ قال: [10]يا رسول الله؛ ما اليد العليا؟ قال: «التي تعطي ولا تأخذ»، وهو صريحٌ
ج3ص31
في أنَّ الآخذة ليست بعليا، ومُحصَّل ما قِيل في ذلك: أنَّ أعلى الأيدي المنفقة والمتعفِّفة عن الأخذ، ثمَّ الآخذة بغير سؤالٍ، وأسفل الأيدي السَّائلة والمانعة، وكلُّ هذه التَّأويلات المتعسِّفة تضمحلُّ عند الأحاديث السَّابقة المصرِّحة بالمراد، فأَوْلى ما فُسِّر الحديث بالحديث، وقد ذكر أبو العبَّاس الدَّاني في «أطراف المُوطَّأ»: أنَّ هذا التَّفسير المذكور في حديث ابن عمر هذا مُدرَجٌ فيه، ولم يذكر لذلك مستندًا، نعم في «كتاب الصَّحابة» للعسكريِّ بإسنادٍ له فيه انقطاعٌ عن ابن عمر: أنَّه كتب إلى بشر بن مروان: إنِّي سمعت النَّبيَّ [11] صلى الله عليه وسلم يقول: «اليد العليا خيرٌ من اليد السُّفلى»، ولا أحسبُ السُّفلى إلَّا السَّائلة، ولا العليا إلَّا المعطية، فهذا يشعر بأنَّ التَّفسير من كلام ابن عمر، ويؤيِّده ما رواه ابن أبي شيبة من طريق عبد الله بن دينارٍ عن ابن عمر قال: كنَّا نتحدَّث أنَّ اليد العليا هي المنفقة، قاله في «فتح الباري».
وفي هذا [12] الحديث التَّحديث والعنعنة، ورواته ما بين بصريٍّ ومدنيٍّ، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ في «الزَّكاة».
ج3ص32


[1] في (ص): «قال».
[2] في (م): «أحمد»، وليس بصحيحٍ.
[3] في (د): «عقبة»، وليس بصحيحٍ.
[4] في غير (د): «المتعففِّة»، ولعلَّ المثبت هو الصَّواب.
[5] في (د): «عن».
[6] في (د): «العاطي».
[7] «اليد»: ليس في (ص) و(م).
[8] في (ص): «قبول».
[9] «قد»: ليس في (د) و(م).
[10] زيد في (ص): «قال»، وهو تكرارٌ.
[11] في غير (ص) و(م): «رسول الله».
[12] «هذا»: ليس في (د).