إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: إذا وضعت الجنازة واحتملها الرجال على أعناقهم

1314- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن يحيى القرشيُّ العامريُّ المدنيُّ الأعرج قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ (عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ) كيسان: (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ) سعد ابن مالكٍ الأنصاريَّ (الْخُدْرِيَّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم قَالَ: إِذَا وُضِعَتِ الْجِنَازَةُ) أي: الميِّت على النَّعش (وَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ) هذا موضع التَّرجمة لكنَّه استُشكِلَ لكونه إخبارًا، فكيف يكون حجَّةً في منع النِّساء؟ وأُجيبَ بأنَّ كلام الشَّارع مهما أمكن؛ يُحمَل على التَّشريع، لا مجرَّد الإخبار عن الواقع، وفي حديث أنسٍ عند أبي يَعلى، قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازةٍ، فرأى نسوةً، فقال: «أتحملنه؟» قلن: لا، قال: «أتدفنَّه؟» قلن: لا، قال: «فارجعن مأزوراتٍ [1] غير مأجوراتٍ»، ولعلَّ المؤلِّف أشار إليه بالتَّرجمة [2] ولم يخرِّجه؛ لكونه على غير شرطه، وحينئذٍ فالحمل خاصٌّ بالرِّجال وإن كان الميِّت امرأةً؛ لضعف النِّساء غالبًا، وقد ينكشف منهنَّ شيءٌ لو حَمْلن كما مرَّ، فيُكره لهنَّ الحمل لذلك، فإن لم يوجد غيرهنَّ تعيَّن عليهنَّ (فَإِنْ كَانَتْ) أي: الجنازة (صَالِحَةً قَالَتْ) قولًا حقيقيًّا: (قَدِّمُونِي) لثواب العمل الصَّالح الَّذي عملته، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((قدِّموني)) مرَّةً ثانيًة (وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ: يَا وَيْلَهَا) أي: يا حزني؛ احضر، هذا أوانك، وكان القياس أن يكون: يا ويلي [3]، لكنَّه أُضيف إلى الغائب حملًا على المعنى، كأنَّه لمَّا أبصر نفسه غير صالحةٍ؛ نفر عنها، وجعلها كأنَّها غيره [4]، أو كره أن يضيف الويل إلى نفسه، قاله في «شرح المشكاة» (أَيْنَ تَذْهَبُونَ بِهَا؟) قالته لأنَّها تعلم أنَّها لم تقدِّم خيرًا، أو أنَّها تُقدِم على ما يسوْءُها، فتكره القدوم عليه (يَسْمَعُ [5] صَوْتَهَا) المنكَر بذلك الويل (كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَهُ صَعِقَ) أي: مات، وللحَمُّويي والمُستملي: ((لصعق))، قال ابن بطَّالٍ: وإنَّما يتكلَّم روح الجنازة؛ لأنَّ الجسد لا يتكلَّم بعد خروج الرُّوح منه إلَّا أن يردَّها الله إليه، وهذا بناءً منه على أنَّ الكلام شرطه الحياة، وليس كذلك إذا كان الكلام الحروف والأصوات؛ فيجوز أن يُخلَق في الميِّت، ويكون الكلام النَّفسيُّ قائمًا بالرُّوح، وإنَّما تسمع الأصوات؛
ج2ص419
وهو المراد بالحديث.
وهذا الحديث أخرجه النَّسائيُّ.
ج2ص420


[1] في هامش (ص): (قوله: «مأزوراتٍ» أي: آثماتٍ، قال في «النِّهاية»: وقياسه: موزوراتٍ؛ للازدواج بـ «مأجورات». انتهى. قال الحافظ السُّيوطيُّ: قال ابن يعيش: المشاكلة بين الألفاظ من مطلوبهم؛ ألا ترى أنَّهم قالوا: أخذه ما قُدِّم وما حُدِّث، فضمُّوا فيهما، ولو انفرد؛ لم يقولوا إلَّا حَدَّث؛ مفتوحًا، ومنه الحديث: «ارجعن مأزوراتٍ» قلبوا الواو ألفًا وسكَّنوها؛ لتشاكل «مأْجوراتٍ»، ولو انفرد لم يقلبه). انتهى علقميٌّ، من خطِّ شيخنا العجميِّ.
[2] في (م): «إليها لترجمةٍ».
[3] في (د): «أن يقول: يا ويلتي».
[4] في (د): «غيرها»، وفي نسخةٍ كالمثبت.
[5] «يسمع»: سقط من (د).