إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضى ربنا

1303- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبي ذرٍّ: ((حدَّثني)) (الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) الجَرَويُّ، بفتح الجيم والرَّاء نسبةً إلى جَرْوة؛ بفتح الجيم وسكون الرَّاء: قريةٌ من قرى تِنِّيس، قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ) التِّنِّيسيُّ قال: (حَدَّثَنَا قُرَيْشٌ) بضمِّ القاف وبالشِّين المعجمة (هُوَ ابْنُ حَيَّانَ) بفتح الحاء المهملة والمثنَّاة التحتيَّة، العِجليُّ _بكسر العين_ البصريُّ (عَنْ ثَابِتٍ) البنانيِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم عَلَى أَبِي سَيْفٍ الْقَيْنِ) بفتح السِّين، و«القَيْن» بالقاف وسكون التَّحتيَّة وآخره نونٌ، صفةٌ له، أي: الحدَّاد، واسمه: البراء ابن أوسٍ الأنصاريُّ (وَكَانَ ظِئْرًا) بكسر الظَّاء المعجمة وسكون الهمزة، أي: زوج المرضعة (لإِبْرَاهِيمَ) ابن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بلبنه [1]، والمرضعة: زوجته أمُّ سيف هي أمُّ بردة، واسمها: خولة بنت المنذر الأنصاريَّة النَّجاريِّة (فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم إِبْرَاهِيمَ، فَقَبَّلَهُ، وَشَمَّهُ) فيه مشروعيَّة تقبيل الولد وشمِّه [2]، وليس فيه دليلٌ على فعل ذلك بالميِّت؛ لأنَّ هذه إنَّما وقعت قبل موت إبراهيم عليه الصلاة والسلام، نعم؛ روى أبو داود وغيره: أنَّه صلى الله عليه وسلم قبَّل عثمان بن مظعون بعد موته، وصحَّحه التِّرمذيُّ، وروى البخاريُّ: أنَّ أبا بكرٍ رضي الله عنه، قبَّل النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم بعد موته [خ¦3667] فلأصدقائه وأقاربه تقبيلُه (ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ) أي: على أبي سيفٍ (بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ) يخرجها ويدفعها؛ كما يدفع الإنسان ماله يجود به (فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم تَذْرِفَانِ) بالذَّال المعجمة وكسر الرِّاء وبالفاء، أي: يجري دمعهما (فَقَالَ لَهُ) أي: للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: وَأَنْتَ [3] ) بواو العطف على محذوفٍ، تقديره [4]: النَّاس لا يصبرون عند المصائب ويتفجَّعون، وأنت (يَا رَسُولَ اللهِ) تفعل كفعلهم مع حثِّك على الصَّبر، ونهيك عن الجزع؟! فأجابه عليه الصلاة والسلام (فَقَالَ: يَا بْنَ عَوْفٍ؛ إِنَّهَا) أي: الحالة الَّتي شاهدتها منِّي (رَحْمَةٌ) ورقَّةٌ وشفقةٌ على الولد، تنبعث عن التَّأمُّل فيما هو عليه، وليست بجزعٍ وقلَّة صبرٍ كما توهَّمت (ثُمَّ أَتْبَعَهَا) عليه الصلاة والسلام (بِأُخْرَى) أي: أتبع الدَّمعة الأولى بدمعةٍ أخرى، أو أتبع الكلمة الأولى المجملة؛ وهي [5] قوله: «إنَّها رحمةٌ» بكلمةٍ أخرى مفصَّلةٍ (فَقَالَ) النَّبيُّ [6] (صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم: إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْب) بالنَّصب والرَّفع (يَحْزَنُ) لرقَّته من غير سخطٍ لقضاء الله، وفيه جواز الإخبار عن الحزن وإن كان كتمه أَولى، وجواز البكاء على الميِّت قبل موته، نعم؛ يجوز بعده؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم بكى على قبر بنتٍ له، رواه البخاريُّ [خ¦1285] وزار قبر أمِّه فبكى، وأبكى مَن حوله، رواه مسلمٌ، ولكنَّه قبل الموت أَولى بالجواز؛ لأنَّه بعد الموت يكون أسفًا على ما فات، وبعد الموت خلاف الأَولى، كذا نقله [7] في «المجموع» عن الجمهور، لكنَّه [8] نقل في «الأذكار» عن الشَّافعيِّ والأصحاب: أنَّه مكروهٌ؛ لحديث: «فإذا وجبت؛ فلا تبكيَنَّ باكيةٌ» قالوا: وما الوجوب يا رسول الله؟ قال: الموت، رواه الشَّافعيُّ وغيره بأسانيد صحيحةٍ، قال السُّبكيُّ: وينبغي أن يُقال: إن كان البكاء لرقَّةٍ على الميِّت وما يُخشى عليه من عذاب الله وأهوال يوم القيامة؛
ج2ص414
فلا يُكْرَه، ولا يكون خلاف الأَولى، وإن كان للجزع وعدم التَّسليم للقضاء فيُكرَه، أو يَحْرُم، وهذا كلُّه في البكاء بصوتٍ، أمَّا مجرَّد دمع العين العاري عن القول والفعل الممنوعَين؛ فلا منع منه، كما قال عليه الصلاة والسلام: (وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا [9]، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ _يَا إِبْرَاهِيمُ_ لَمَحْزُونُونَ) أضاف الفعل إلى الجارحة تنبيهًا على أنَّ مثل هذا لا يدخل تحت قدرة العبد، ولا يُكَلَّف الانكفاف عنه، وكأنَّ الجارحة امتنعت، فصارت هي الفاعلة لا هو؛ ولهذا قال: «وإنَّا بفراقك لمحزونون»، فعبَّر بصيغة المفعول لا بصيغة الفاعل، أي: ليس الحزن من فعلنا، ولكنَّه واقعٌ بنا من غيرنا، ولا يُكَلَّف الإنسان بفعل غيره، والفرق بين دمع العين ونطق اللِّسان: أنَّ النُّطق يُملَك بخلاف الدَّمع، فهو للعين كالنَّظر، ألا ترى أنَّ العين إذا كانت مفتوحًة نظرتْ [10] شاء صاحبها أو أبى، فالفعل لها، ولا كذلك نطق اللِّسان، فإنَّه لصاحب اللِّسان، قاله ابن المُنيِّر.
(رَوَاهُ) أي: أصل الحديث (مُوسَى) بن إسماعيل التَّبوذكيُّ (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ) بضمِّ الميم وكسر الغين المعجمة (عَنْ ثَابِتٍ) البنانيِّ (عَنْ أَنَسٍ) هو ابن مالكٍ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) فيما وصله البيهقيُّ في «الدَّلائل»، وفي حديث الباب [11] التَّحديث، والعنعنة، والقول.
ج2ص415


[1] في (د): «بتربيته»، ولعلَّ المثبت هو الصَّواب.
[2] قوله: «فيه مشروعيَّة تقبيل الولد وشمِّه»، جاء لاحقًا في (م) بعد قوله: «فلأصدقائه وأقاربه تقبيله».
[3] زيد في (د): «يا رسول الله».
[4] في (د): «بتقدير».
[5] في (ب) و(س): «هو».
[6] «النَّبيُّ»: مثبتٌ من (ص).
[7] في (ب): «نقل».
[8] في (د): «لكن».
[9] في هامش (ص): (قوله: ولا نقول إلَّا ما يرضي ربُّنا»: الَّذي في «الفرع»: «يَرضَى» بفتح الياء والضَّاد؛ من «يَرضَى»، و«ربُّنا»: بالرَّفع). انتهى. من «الفرع».
[10] زيد في (د): «ما».
[11] في (ب) و(د) و(س): «وفيه التَّحديث».