إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: اتقي الله واصبري.

1283- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا ثَابِتٌ) البنانيُّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ) زاد في رواية يحيى بن أبي كثيرٍ، عند عبد الرَّزَّاق: فسمع منها ما يكره، أي: من نَوْحٍ أو غيره، ولم تُعرَف المرأة ولا صاحب القبر، لكن في روايةٍ لمسلمٍ [1] ما يشعر بأنَّه ولدها، ولفظه: تبكي على صبيٍّ لها، وصُرِّح به في مرسل يحيى بن أبي كثيرٍ المذكور، ولفظه: قد أُصيبتْ بولدها (فَقَالَ) لها:
ج2ص398
يا أمة الله (اتَّقِي اللهَ وَاصْبِرِي) قال الطِّيبيُّ: أي: خافي غضب الله إن لم تصبري، ولا تجزعي؛ ليحصل لك الثَّواب (قَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي) أي: تنحَّ وابعُدْ، فهو من أسماء الأفعال (فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي) بضمِّ المثنَّاة الفوقيَّة، وفتح الصَّاد في «تُصَب» مبنيًّا للمفعول، وعند المصنِّف في «الأحكام» من وجهٍ آخر عن شعبة: فإنَّك خِلْوٌ من مصيبتي [خ¦7154] بكسر الخاء المعجمة وسكون اللَّام، خاطبته بذلك (وَ) الحال أنَّها (لَمْ تَعْرِفْهُ) إذ لو عرفته؛ لم تخاطبه بهذا الخطاب (فَقِيلَ لَهَا) وللحَمُّويي والمُستملي: ((لم تُصَبْ بمصيبتي، فقيل لها)): (إِنَّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) وعند المؤلِّف في «الأحكام» [خ¦7154]: فمرَّ بها رجلٌ، فقال لها [2]: إنَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي رواية أبي يَعلى من حديث أبي هريرة قال: فهل تعرفينه؟ قالت له [3]: لا، وللطَّبرانيِّ في «الأوسط» من طريق عطيَّة [4] عن أنسٍ: أنَّ الَّذي سألها هو الفضل بن العبَّاس، وزاد مسلمٌ في روايةٍ له: فأخذها مثل الموت، أي: من شدَّة الكرب الَّذي أصابها لمَّا عرفت أنَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنَّما اشتبه عليها صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّه من تواضعه لم يكن يستتبع النَّاس وراءه إذا مشى كعادة الملوك والكبراء، مع ما كانت فيه من شاغل الوجد والبكاء (فَأَتَتْ) بَابَ (النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ) يمنعون النَّاس من الدُّخول عليه، وفي رواية «الأحكام»: «بوَّابًا» [خ¦7154] بالإفراد، فإن قلت: ما فائدة هذه الجملة؟ أجاب شارح «المشكاة» بأنَّه لما قيل لها: إنَّه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم؛ استشعرت خوفًا وهيبةً في نفسها، فتصوَّرت أنَّه مثل الملوك، له حاجبٌ أو بوَّابٌ، يمنع النَّاس من الوصول إليه، فوجدت الأمر بخلاف ما تصوَّرته (فَقَالَتْ) معتذرةً عمَّا سبق منها، حيث قالت: «إليك عنِّي»: (لَمْ أَعْرِفْكَ) فاعذرني من تلك الرَّدَّة وخشونتها (فَقَالَ) لها عليه الصلاة والسلام: (إِنَّمَا الصَّبْرُ) الكامل (عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى) الواردة على القلب، أي: دعي الاعتذار؛ فإنَّ من شيمتي ألَّا أغضب إلَّا لله، وانظري إلى تفويتك من نفسك الجزيل من الثَّواب بالجزع، وعدم الصَّبر أوَّل فجأة المصيبة، فاغتفر لها عليه الصلاة والسلام تلك الجفوة، لصدورها عنها [5] في حال مصيبتها وعدم معرفتها به، وبيَّن [6] لها أنَّ حقَّ هذا الصَّبر أن يكون في أوَّل الحال، فهو الَّذي يترتَّب عليه الثَّواب بخلاف ما بعد ذلك، فإنَّه على طول الأيَّام يسلو؛ كما يقع لكثيرٍ من أهل المصائب، بخلاف أوَّل وقوع المصيبة، فإنَّه يصدم القلب بغتةً، وقد قيل: إنَّ المرء لا يؤجر على المصيبة؛ لأنَّها ليست من صنعه، وإنَّما يؤجر على حسن نيَّته، وجميل صبره، ومبحث ذلك يأتي إن شاء الله تعالى في موضعه، فإن قلت: من أين تؤخذ مطابقة الحديث للتَّرجمة؟ أُجِيبَ: من حيث إنَّه صلى الله عليه وسلم لم ينه المرأة المذكورة عن زيارة قبر ميِّتها، وإنَّما أمرها بالصَّبر والتَّقوى؛ لِمَا رأى من جزعها، فدلَّ على الجواز، واستُدِلَّ به على زيارة القبور، سواءٌ كان الزَّائر رجلًا أو امرأة، وسواءٌ كان المزور مسلمًا أو كافرًا، لعدم الاستفصال في ذلك، قال النَّوويُّ: وبالجواز قَطَع الجمهور، وقال صاحب «الحاوي» أي: الماورديُّ: لا تجوز زيارة قبر الكافر، وهو غلطٌ. انتهى. وحجَّة الماورديِّ قوله تعالى: {وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} [التَّوبة: 84] وفي الاستدلال بذلك نظرٌ لا يخفى، وبالجملة: فتستحَبُّ زيارة قبور المسلمين للرِّجال؛ لحديث مسلمٍ: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإنَّها تذكِّر الآخرة»، وسُئِلَ مالكٌ عن زيارة القبور فقال: قد كان نهى عنه، ثمَّ أذن فيه، فلو فعل ذلك إنسانٌ ولم يقل إلَّا خيرًا؛ لم أرَ بذلك بأسًا، وعن طاوس: كانوا يستحبُّون ألَّا يتفرَّقوا عن الميِّت سبعة أيَّام؛ لأنَّهم يُفتنون ويحاسَبون في قبورهم سبعة أيَّامٍ، وتُكرهَ للنِّساء لجزعهنَّ [7]، وأمَّا حديث أبي هريرة المرويُّ عند التِّرمذيِّ _وقال: حسنٌ صحيحٌ_: «لعن الله زوَّارات القبور» فمحمولٌ على ما إذا كانت زيارتهنَّ للتَّعديد والبكاء والنَّوح على ما جرت به عادتهنَّ، وقال القرطبيُّ: وحمل بعضهم حديث التِّرمذيِّ في المنع على من تكثر الزِّيارة؛ لأنَّ «زوَّارات» للمبالغة. انتهى. لو قيل بالحرمة في حقِّهن في هذا الزَّمان، ولا سيَّما نساء مصر لَمَاَ بَعُدَ؛ لِمَا في خروجهنَّ من الفساد، ولا يكره لهنَّ زيارة قبر النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، بل تندَب، وينبغي _كما قال ابن الرِّفعة [8] والقمُوليُّ [9]_ أن تكون قبور سائر الأنبياء والأولياء كذلك.
وفي الحديث
ج2ص399
التَّحديث، والعنعنة، والقول، وأخرجه [10] في «الجنائز» [خ¦1252] و«الأحكام» [خ¦7154] ومسلمٌ في «الجنائز»، وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ.
ج2ص400


[1] في (ص): «مسلمٍ».
[2] «لها»: ليس في (م).
[3] «له»: ليس في (ب) و(د) و(م).
[4] في (ص): «علية»، وهو تحريفٌ.
[5] في (ب) و(د) و(س): «منها».
[6] في (م): «تبيَّن».
[7] في (ص): «لعجزهن».
[8] في هامش (ص): (قوله: «ابن الرِّفعة»: هو الإمام أحمد بن محمَّد مصنِّف «المطلب» و«الكفاية» وغيرهما، مات سنة عشرٍ وسبع مئةٍ). انتهى.
[9] في هامش (ص): (قوله: «القَمُولي»: هو الإمام أحمد بن محمَّد بن مكِّيِّ بن ياسين، القرشيُّ المخزوميُّ، الشَّيخ العلَّامة نجم الدِّين أبو العبَّاس القمولي المصريُّ، شارح «الوسيط» وغيره، مات في رجب سنة سبعٍ وعشرين وسبع مئةٍ عن ثمانين سنة، ودُفِنَ بالقرافة). انتهى ابن قاضي «شهبة».
[10] زيد في (د) و(س): «أيضًا».