إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك

1253- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) نُسيبة بنت كعبٍ (الأَنْصَارِيَّةِ) وكانت تغسل الميتات (رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم حِينَ تُوُفِّيَتِ ابْنَتُهُ) زينب زوج أبي العاص بن الرَّبيع، والدة أُمامة كما في «مسلمٍ»، أو أمُّ كلثوم كما في «أبي داود»، قال الحافظ عبد العظيم المنذريُّ: والصَّحيح الأوَّل؛ لأنَّ أمَّ كلثومٍ تُوفِّيت والنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم غائبٌ ببدرٍ، وتُعقِّب بأنَّ الَّتي تُوفِّيت وهو عليه السلام [1] ببدرٍ رقية لا أمُّ كلثوم (فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام: (اغْسِلْنَهَا) وجوبًا مرَّةً واحدةً عامَّةً لبدنها، أي: بعد إزالة النَّجس إن كان، نعم؛ صحَّح النَّوويُّ الاكتفاء لهما بالواحدة [2] في غير غسل الميِّت، أمَّا فيه فلا تكفي [3] (ثَلَاثًا) ندبًا، فالأمر للوجوب بالنِّسبة إلى أصل الغسل، وللنَّدب [4] بالنِّسبة إلى الإيتار؛ كما قرَّره ابن دقيق العيد، وقال المازريُّ: قيل: الغسل سنَّةٌ، وقيل: واجبٌ، وسبب الخلاف قوله الآتي: «إنْ رأيتنَّ» هل يرجع إلى الغسل أو إلى الزِّيادة في العدد؟ وفي هذا الأصل خلافٌ في الأصول؛ وهو أنَّ الاستثناء أو الشَّرط المعقَّب جملًا هل يرجع إلى الجميع، أو إلى ما أخرجه الدليل، أو إلى الأخير؟ لكن قال الأُبِّيُّ: إنَّ القول بالسُّنيَّة [5] لابن أبي زيدٍ والأكثر، والقول بالوجوب، أي: على الكفاية للبغداديِّين. انتهى. (أَوْ خَمْسًا) وفي رواية هشام بن حسَّان، عن حفصة: «اغسلنها وترًا ثلاثًا أوخمسًا» [خ¦1263] (أَوْ أَكْثَرَ مَنْ ذَلِكَ) وفي رواية أيُّوب عن حفصة في الباب الآتي: «ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا» [خ¦1254] قال في «الفتح»: ولم أر في شيءٍ من الرِّوايات بعد قوله: «سبعًا» التَّعبير بأكثر من ذلك إلَّا في روايةٍ لأبي داود، وأمَّا سواها؛ فإمَّا: «أو [6] سبعًا»، وإمَّا: «أو [7] أكثر من ذلك»، فيحتمل تفسير قوله: «أو أكثر من ذلك» بالسَّبع، وبه قال أحمد، فكُرِه الزِّيادة على السَّبع، وقال الماورديُّ [8]: الزِّيادة على السَّبع سَرَفٌ. انتهى. وقال أبو حنيفة: لا يزاد على الثَّلاث (إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكِ [9] ) بكسر الكاف؛ لأنَّه خطابٌ لمؤنَّثةٍ، أي: إن أداكنَّ اجتهادكنَّ إلى ذلك بحسب الحاجة إلى الإنقاء لا التَّشهِّي، فإن حصل الإنقاء بالثَّلاث؛ لم يشرع ما فوقها، وإلَّا زيد وترًا حتَّى يحصل الإنقاء، وهذا بخلاف طهارة الحيِّ، فإنَّه لا يزيد على الثَّلاث، والفرق: أنَّ طهارة الحيِّ محض تعبُّدٍ، وهنا المقصود النَّظافة، وقول الحافظ ابن حجرٍ؛ كالطِّيبيِّ، فيما حكاه عن المظهريِّ في [10] «شرح المصابيح»: و«أو» هنا للتَّرتيب، لا للتَّخيير. تعقَّبه العينيُّ بأنَّه لم ينقل عن أحدٍ أنَّ «أو» تجيء للتَّرتيب، والباء في قوله: (بِمَاءٍ وَسِدْرٍ) متعلِّقٌ [11] بقوله: «اغسلنها»، ويقوم نحو السِّدر كالخطميِّ مقامه، بل هو أبلغ في التَّنظيف، نعم؛ السِّدر أَولى للنَّصِّ عليه، ولأنَّه أمسك للبدن، وظاهره تكرير الغسلات به إلى أن يحصل الإنقاء، فإذا حصل وجب الغسل بالماء الخالص عن السِّدر، ويُسَنُّ ثانيةً وثالثةً كغسل الحيِّ (وَاجْعَلْنَ فِي) الغسلة (الآخِرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ) أي: في غير المُحْرِم للتَّطيُّب وتقويته للبدن، والشَّكُّ من الرَّاوي أيَّ اللَّفظين قال، والأَوَّل محمولٌ على الثَّاني؛ لأنَّه نكرةٌ في سياق الإثبات، فيصدق بكلِّ شيءٍ منه (فَإِذَا فَرَغْتُنَّ) من غسلها (فَآذِنَّنِي) بمدِّ الهمزة وكسر المعجمة وتشديد النُّون الأولى المفتوحة وكسر الثَّانية، أي: أعلمنني (فَلَمَّا فَرَغْنَا) بصيغة الماضي لجماعة المتكلِّمين، وللأَصيليِّ: ((فرغن)) بصيغة الماضي للجمع المؤنَّث (آذَنَّاهُ) أي: أعلمناه (فَأَعْطَانَا حقْوَهُ) بفتح الحاء المهملة وقد تُكسَر؛ وهي لغة هُذَيلٍ، بعدها قافٌ ساكنةٌ، أي: إزاره، والحقو في الأصل: معقد الإزار، فسُمِّي به ما يُشَدُّ على الحقو توسُّعًا (فَقَالَ: أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ) ولغير الأربعة: ((إيَّاها)) بقطع همزة «أشعرنها» أي: اجعلنه شعارها، ثوبها الَّذي يلي جسدها، والضَّمير الأوَّل: للغاسلات، والثَّاني: للميِّت، والثَّالث: للحقو (تَعْنِي) أمُّ عطيَّة: (إِزَارَهُ) عليه الصلاة والسلام، وإنَّما فعل ذلك لينالها بركة ثوبه، وأخَّره ولم يناولهنَّ إيَّاه أوَّلًا؛ ليكون قريب العهد من جسده المكرَّم، حتَّى لا يكون بين انتقاله من جسده إلى جسدها فاصلٌ،
ج2ص384
لا سيما مع قرب عهده بعرقه الكريم.
ورواته ما بين مدنيٍّ وبصريٍّ، وفيه رواية تابعيٍّ عن تابعي عن صحابيَّةٍ، والتَّحديث، والعنعنة، والقول، وأخرجه مسلمٌ في «الجنائز» وكذا أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ.
ج2ص385


[1] زيد في (د): «غايبٌ».
[2] في غير (ص) و(م): «بواحدةٍ».
[3] قوله: «في غير غسل الميِّت، أمَّا فيه فلا تكفي»، مثبتٌ من (م).
[4] في (ص) و(م): «والنَّدب».
[5] في (ص) و(م): «بالسُّنَّة».
[6] «أو»: ليس في (د).
[7] «أو»: ليس في (د).
[8] زيد في (د): «إنَّما».
[9] في هامش (ص): (قوله: «إن رأيتنَّ ذلك»: قال شيخ الإسلام زكريَّا الأنصاريُّ: وكان القياس «ذلكنَّ»). انتهى.
[10] «في»: ليس في (د) وفي (م): «عن المظهر وشرح».
[11] في (د): «يتعلَّق».