إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: ما من الناس من مسلم يتوفى له ثلاث لم يبلغوا الحنث

1248- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) عبد الله بن عَمروٍ؛ بفتح العين فيهما، قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ) بن سعيدٍ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ) بن صهيبٍ (عَنْ أَنَسٍ) هو ابن مالكٍ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم: مَا مِنَ النَّاسِ مِنْ مُسْلِمٍ) سقطت «مِنْ» الثَّانية في رواية ابن عُليَّة عن عبد العزيز في أواخر «الجنائز» [خ¦1381] فهي زائدةٌ هنا بخلافها في قوله: «ما من النَّاس» فإنَّها للبيان، و«مسلم» اسم «ما»، والاستثناء وما معه [1] الخبرُ، وقيَّده بالمسلم؛ ليخرج الكافر فهو مخصوصٌ بالمسلم (يُتَوَفَّى) بضمِّ أوَّله مبنيًّا للمفعول (له) وعند ابن ماجه: «ما من مسلمَين يُتوفَّى لهما» (ثَلَاثٌ) بحذف [2] التَّاء لكون المميَّز محذوفًا، فيجوز التَّذكير والتَّأنيث، ولأبي ذَرٍّ في نسخةٍ ((ثلاثة)) بإثباتها على إرادة الأنفس أو الأشخاص، وقد اختلف في مفهوم العدد: هل هو حجَّةٌ أم لا؟ فعلى قول من لا يجعله حجَّةً لا يمتنع [3] حصول الثَّواب المذكور بأقلَّ من ثلاثةٍ، بل ولو جعلناه حجَّةً؛ فليس نصًّا قاطعًا، بل دلالته ضعيفةٌ، يقدَّم عليها غيرها عند معارضتها، و [4]قد وقع في بعض طرق الحديث التَّصريح بالواحد، فأخرج الطَّبرانيُّ في «الأوسط» من حديث جابر بن سَمُرة مرفوعًا: «مَن دفن ثلاثةً فصبر عليهم واحتسب؛ وجبت له الجنَّة»، فقالت أمُّ أيمن: أو اثنين؟ فقال: «أو اثنين [5]» فقالت: وواحدًا؟ فسكت ثمَّ قال: «وواحدًا» وعند التِّرمذيِّ _وقال: غريبٌ_ من حديث ابن مسعودٍ مرفوعًا: «من قدَّم ثلاثةً
ج2ص380
من الولد لم يبلغوا الحنث؛ كانوا له حصنًا حصينًا من النَّار» قال أبو ذرٍّ: قدَّمتُ اثنين، قال: «واثنين»، قال أبيُّ بن كعبٍ: قدَّمت واحدًا، قال: «وواحدًا»، لكن قال في «الفتح»: ليس في ذلك ما يصلح للاحتجاج، بل وقع في رواية شريكٍ الَّتي علَّق المصنِّف إسنادها؛ كما سيأتي _إن شاء الله تعالى_: ولم نسأله عن الواحد. نعم؛ روى المؤلِّف في «الرِّقاق» [خ¦6424] من [6] حديث أبي هريرة مرفوعًا: «يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن عندي جزاءٌ إذا قبضت صفيَّه من أهل الدُّنيا، ثمَّ احتسبه إلَّا الجنَّة»، وهذا يدخل فيه الواحد فما فوقه، وهو [7] أصحُّ ما ورد في ذلك، وهل يدخل في ذلك من مات له ولدٌ فأكثر في حالة الكفر، ثمَّ أسلم بعد ذلك، أو لا بدَّ أن يكون موتهم في حالة [8] إسلامه؟ قد يدلُّ للأوَّل حديث [خ¦1436]: «أسلمت على ما أسلفت من خيرٍ»، لكن جاءت أحاديث فيها تقييد ذلك بكونه في الإسلام، فالرُّجوع إليها أَولى، فمنها: حديث أبي ثعلبة الأشجعيِّ المرويِّ في «مسند أحمد» و«المعجم الكبير» قلت: يا رسول الله؛ مات لي ولدان في الإسلام فقال: «من مات له ولدان في الإسلام؛ أدخله الله الجنة»، وحديث عمرو بن عَبَسَة [9] عند أحمد وغيره، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من ولد له ثلاثة أولادٍ في الإسلام، فماتوا قبل أن يبلغوا الحنث؛ أدخله الله الجنَّة بفضل رحمته إيَّاهم».
وهل يدخل [10] أولاد الأولاد، سواءً كانوا أولاد البنين، أو أولاد البنات، لصدق الاسم عليهم أو لا يدخلون؟ لأنَّ إطلاق الأولاد عليهم ليس حقيقةً، وقد ورد تقييد الأولاد بكونهم من صلبه، وهو مخرجٌ [11] أولاد الأولاد، فإن صحَّ؛ فهو قاطعٌ للنِّزاع، ففي حديث عثمان بن أبي العاصي في «مسند أبي يَعلى [12]» و«المعجم الكبير» للطَّبرانيِّ مرفوعًا، بإسنادٍ فيه عبد الرَّحمن بن إسحاق أبو شيبة القرشيُّ، وهو ضعيفٌ: «لقد استجنَّ بجنَّةٍ حصينةٍ من النَّار، رجل سلف بين يديه ثلاثة من صلبه في الإسلام» (لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ) بكسر المهملة وسكون النُّون آخره مثلَّثةٌ: سنَّ التَّكليف الَّذي يُكتَب فيه الإثم، وخصَّ الإثم بالذِّكر؛ لأنَّه الَّذي يحصل بالبلوغ؛ لأنَّ الصَّبيَّ قد يُثابُ، قال أبو العبَّاس [13] القرطبيُّ: وإنَّما خصَّهم بهذا الحدِّ؛ لأنَّ الصَّغير حبُّه أشدُّ، والشَّفقة عليه أعظم. انتهى. ومقتضاه: أنَّ من بلغ الحنث؛ لا يحصل لمن فقده ما ذكره [14] من الثَّواب وإن كان في فقد الولد ثوابٌ في الجملة، وبذلك صرَّح كثيرٌ من العلماء، وفرَّقوا بين البالغ وغيره، لكن، قال الزَّين بن المُنيِّر والعراقيُّ في «شرح تقريب الأسانيد» [15]: إذا قلنا: إنَّ مفهوم الصِّفة ليس بحجَّةٍ؛ فتعليق الحكم بالَّذين لم يبلغوا الحلم لا يقتضي أنَّ البالغين ليسوا كذلك، بل يدخلون [16] في ذلك بطريق الفحوى؛ لأنَّه إذا ثبت ذلك في الطِّفل الَّذي هو كَلٌّ على أبوَيْه؛ فكيف لا يثبت في الكبير الَّذي بلغ معه السَّعي، ولا ريب أنَّ التَّفجُّع على فقد الكبير أشدُّ، والمصيبة به أعظم، ولا سيما إذا كان نجيبًا يقوم عن [17] أبيه بأموره، ويساعده [18] في معيشته، وهذا معلومٌ مشاهدٌ، والمعنى الَّذي ينبغي أن يعلَّل به ذلك قوله: (إِلَّا أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ) قال الكرمانيُّ وتبعه البرماويُّ: الظَّاهر أنَّ الضَّمير يرجع للمسلم الَّذي تُوفِّي أولاده لا إلى الأولاد، وإنَّما جُمِعَ باعتبار أنَّه نكرةٌ في سياق النَّفي، فيفيد العموم. انتهى. وعلَّله بعضهم بأنَّه لمَّا كان يرحمهم في الدُّنيا؛ جُوزِيَ بالرَّحمة في الآخرة، وقد تعقَّب الحافظ ابن حجرٍ _وتبعه العلَّامة العينيُّ_ الكرمانيَّ بأنَّ ما قاله غير ظاهرٍ، وأنَّ الظَّاهر رجوعه للأولاد؛ بدليل قوله في حديث عمرو بن عبسة عند الطَّبرانيِّ: «إلَّا أدخله الله برحمته هو وإيَّاهم الجنَّة»، وحديث أبي [19] ثعلبة الأشجعيِّ: «أدخله الله [20] الجنَّة بفضل رحمته إياهما»، قاله بعد قوله: «مَن مات له ولدان» فوضح بذلك أنَّ الضَّمير في قوله: «إيَّاهم» للأولاد لا للآباء، أي: بفضل رحمة الله للأولاد، وعند ابن ماجه من هذا الوجه: «بفضل رحمة الله إيَّاهم»، وللنَّسائيِّ من حديث أبي ذَرٍّ: «إلَّا غفر الله لهما بفضل رحمته»، وفي «معجم الطَّبرانيِّ» من حديث حبيبة بنت سهلٍ وأمِّ مبشِّرٍ: «ومَن لم يُكتَب عليه إثمٌ؛ فرحمته أعظم، وشفاعته أبلغ»، وفي «معرفة الصَّحابة» لابن منده، عن شراحيل المنقريِّ: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَن تُوفِّي له أولادٌ في سبيل الله؛ دخل بفضل حسبتهم [21] الجنَّة»، وهذا إنَّما هو في البالغين الَّذين يُقتَلون في
ج2ص381
سبيل الله، والعلم عند الله تعالى.
ورواة حديث الباب الأربعة بصريُّون، وفيه التَّحديث، والعنعنة، والقول، وأخرجه ابن ماجه في «الجنائز» وكذا النَّسائيُّ.
ج2ص382


[1] في (د): «بعدها».
[2] في حاشية (ص): (قوله: بحذف التَّاء؛ لكون المميَّز؛ هكذا ذكر الإمام النَّوويُّ وغيره، لكن نقل بعض المشايخ عن السُّبكيِّ: أنَّ ذلك مخصوصٌ بما إذا كان الممَّيز المحذوف من اللَّيالي أو الأيَّام، وإنَّ للسُّبكيِّ في ذلك تأليفًا سمَّاه «إبراز الحكم في دفع القلم» فليُراجع). انتهى من خط عجمي.
[3] في (د): «يُمنع».
[4] في (ب) و(س): «بل قد».
[5] في غير (م): «واثنين»، ولعلَّ المثبت هو الصَّواب.
[6] في (ص): «في».
[7] في (ب) و(س): «وهذا».
[8] في (م): «حال».
[9] في (ب): «عنبسة»، وهو تحريفٌ.
[10] في (ص): «وقد تدخل».
[11] في (ص): «يُخرِج».
[12] في (د): «أبي ليلى»، وهو تحريفٌ.
[13] في هامش (ص): (قوله: أبو العبَّاس: اسمه أحمد بن عمر بن إبراهيم بن عمر الأنصاريُّ القرطبيُّ المالكيُّ، المحدِّث المدرِّس، وُلِدَ بقرطبة سنة ثمانٍ وسبعين وخمس مئةٍ، وسمع بها، وقدم مصر، حدَّث بها، ولخَّص «الصَّحيحين»، ثمَّ شرح «مختصر مسلمٍ»، وسمَّاه «المفهم»، تُوفِّي بالإسكندريَّة سنة ستٍّ وخمسين وستِّ مئةٍ، وأخذ عنه الحافظ شرف الدِّين الدمياطيُّ، وأبو عبد الله محمَّد بن أحمد بن عمر بن فرح القرطبيُّ مصنِّف «التَّفسير والتَّذكرة»، وشارح أسماء الله الحسنى. انتهى شيخنا العجميُّ في كتاب «بشرى العزيز الكريم له»). انتهى.
[14] في (س): «ذُكِرَ».
[15] قوله: «والعراقيُّ في شرح تقريب الأسانيد»، جاء في (د) و(م) بعد قوله: «ليسوا كذلك» اللَّاحقة قريبًا.
[16] في (ص) و(م): «يدخلوا».
[17] في (د) و(ص): «على».
[18] في (د): «ويساعد».
[19] «أبي»: سقط من (ص) و(م).
[20] اسم الجلالة «الله»: مثبت من (ب) و(س).
[21] في (د) و(م): «حسنتهم».