إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: اللهم سبع كسبع يوسف

1007- وبه قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) العبسيُّ الكوفيُّ، أخو أبي بكر ابن أبي شيبة (قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر الكوفيِّ (عَنْ أَبِي الضُّحَى) مسلم بن صبيحٍ العطَّار الهَمْدانيِّ [1] الكوفِّي (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع الهمدانيِّ (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ رضي الله عنهما (فَقَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم لَمَّا رَأَى مِنَ النَّاسِ) أي: قريش (إِدْبَارًا) عن الإسلام (قَالَ: اللَّهُمَّ) ابعثْ، أو سلِّط عليهم (سَبْعًا) من السِّنين، ولغير أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: ((سبعٌ)) بالرَّفع خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: مطلوبي منك فيهم سبعٌ (كَسَبْعِ يُوسُفَ) الَّتي أصابهم فيها القحط (فَأَخَذَتْهُمْ) أي: قريشًا (سَنَةٌ) أي: قحطٌ وجدبٌ (حَصَّتْ) بالحاء والصَّاد المشدَّدة المهملتَين، أي: استأصلت وأذهبت (كُلَّ شَيْءٍ) من النَّبات (حَتَّى أَكَلُوا) وللأَصيليِّ ولأبي ذَرٍّ [2] عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((حتَّى أكلنا)) وللأَصيليِّ: ((أوْ أَكلوا)) (الْجُلُودَ وَالْمَيْتَةَ وَالْجِيَفَ) بكسر الجيم وفتح المثنَّاة التَّحتيَّة، جثَّة الميِّت [3] إذا أراح، فهو أخصُّ من مطلق الميتة لأنَّها ما لم تُذَكَّ (وَيَنْظُرَ أَحَدُهُمْ) بالهاء ونصب الفعل بـ «حتَّى»، أو برفعه على الاستئناف، والأوَّل أَظْهر، والثَّاني في نسخة أبي ذرٍّ وأبي الوقت [4]، كما نبَّه عليه في «اليونينيَّة»، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: ((وينظرُ أحدكم)) (إِلَى السَّمَاءِ فَيَرَى الدُّخَانَ مِنَ الْجُوعِ) لأنَّ الجائع يرى بينه وبين السَّماء كهيئة الدُّخان من ضعف بصره (فَأَتَاهُ) عليه الصلاة والسلام (أَبُو سُفْيَانَ) صخر بن حربٍ (فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّكَ تَأْمُرُ بِطَاعَةِ اللهِ وَبِصِلَةِ الرَّحِمِ، وَإِنَّ قَوْمَكَ) ذوي رحمك (قَدْ هَلَكُوا) أي: من الجدب والجوع بدعائك (فَادْعُ اللهَ لَهُمْ) لم يقع في هذا السِّياق التَّصريح بأنَّه دعا لهم. نعم وقع ذلك في سورة الدُّخان، ولفظه: «فاستسقى لهم فسقوا» (قَالَ اللهُ تَعَالَى {فَارْتَقِبْ}) أي: انتظر يا محمَّد عذابهم ({يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ} إِلَى قَوْلِهِ: {عَائِدُونَ} [الدُّخان: 10-15] ) أي: إلى الكفر، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليُّ: (({إِنَّكُمْ عَائِدُونَ})) ({يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى}) زاد الأَصيليُّ: (({إِنَّا مُنْتَقِمُونَ})) [الدُّخان: 16] (فَالْبَطْشَةُ) بالفاء، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: ((والبطشة)) (يَوْمَ بَدْرٍ) لأنَّهم لمَّا [5] التجؤوا إليه عليه الصلاة والسلام، وقالوا: ادعُ الله أن يكشف عنَّا فنؤمنَ لك [6]، فدعا وكشف ولم يؤمنوا انتقم [7] الله منهم يوم بدرٍ، وعن الحسن: البطشةُ الكبرى: يوم القيامة، قال ابن مسعودٍ: (وَقَدْ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: ((فقد)) (مَضَتِ [8] الدُّخَانُ) وهو الجوع (وَالْبَطْشَةُ، وَاللِّزَامُ) بكسر اللَّام وبالزَّاي: القتل (وَآيَةُ) أوَّل سورة (الرُّومِ) فإنَّ قلت: ما وجه إدخال هذه التَّرجمة في الاستسقاء؟ أُجيبَ: بأنَّه للتَّنبيه على أنَّه كما شُرِعَ الدُّعاء بالاستسقاء للمؤمنين كذلك شُرِعَ [9] الدُّعاء بالقحط على الكافرين لأنَّ فيه إضعافهم، وهو نفعٌ للمسلمين، فقد ظهر من ثمرة ذلك التجاؤهم إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ليدعو لهم برفع القحط.
ورواة هذا الحديث كلُّهم [10] كوفيُّون إلَّا جريرًا فرازيُّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف في «الاستسقاء» [خ¦1020] أيضًا وفي «التَّفسير» [خ¦4693]، ومسلمٌ في «التَّوبة»، والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ في «التَّفسير».
ج2ص236


[1] في هامش (ص): (قوله: «الهَمْداني» بفتح الهاء وسكون الميم وبالدَّال المهملة؛ نسبةً إلى همدان؛ قبيلةٌ من العرب، وليس في الأصول «الهمَذاني» بفتح الميم والذَّال المعجمة؛ نسبةً إلى هَمَذان؛ مدينة ببلاد الجبل، قال النَّوويُّ: الهمْدانيُّ كلُّه بإسكان الميم وبالدَّال المهملة). انتهى ملخَّصًا من «التَّرتيب».
[2] في (د) و(س): «ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ»، وليس بصحيحٍ.
[3] في (د) و(م): «الميتة».
[4] «وأبي الوقت»: سقط من (م).
[5] في غير (د) و(س): «ما».
[6] في (ب): «بك».
[7] في غير (د) و(س): «فانتقم».
[8] في هامش (ص): (قوله: «وقد مضت» قال الكرمانيُّ: هو كلام أبي مسعودٍ، ويريد: أنَّ الصُّور العامَّة الَّتي أخبر الله عن وقوعها، فقد وقعت أربع منها. انتهى. وعلى هذا فقوله: الدخان، ليس فاعلًا بـ «مضت»، بل هو وما عُطِفَ عليه تفسيرٌ للصُّور العامَّة). انتهى عجمي.
[9] في (م): «يُشرَعُ».
[10] «كلُّهم»: ليس في (د).