إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: أن النبي كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده

40- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ) بفتح العين، ابن فروخ الحنظليُّ الحرَّانيُّ [1]، نزيل مصر، المُتوفَّى سنة تسعٍ وعشرين ومئتين، وليس هو ((عُمرَ)) بالضَّمِّ والفتح، وإن وقع في رواية القابسيِّ عن عبْدُوسٍ عن أبي زيدٍ المروزيِّ، وفي رواية أبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ؛ فقد قالوا: إنَّه تصحيفٌ (قَالَ) أي عمرٌو: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) بضمِّ أوَّله وفتح ثانيه، ابن معاويةَ بن حُدَيجٍ؛ بضمِّ الحاء وفتح الدَّال المُهمَلَتين آخره جيمٌ، الجعفيُّ [2] الكوفيُّ، المُتوفَّى سنة اثنتين أو ثلاثٍ وسبعين ومئةٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله بن عليٍّ [3] الهَمْدانيُّ السَّبيعيُّ، الكوفيُّ التَّابعيُّ الجليل، المُتوفَّى سنة ستٍّ، أو سبعٍ، أو ثمان، أو تسعٍ وعشرين ومئةٍ، وقول أحمد: إنَّ سماع زهيرٍ منه بعد أن بدا تغيُّره، أُجِيب عنه: بأنَّ إسرائيل بن يونس حفيدُه، وغيره تابعه عليه عند المؤلِّف [خ¦399] (عَنِ الْبَرَاءِ) بتخفيف الرَّاء والمدِّ على الأشهر، أبي عمرٍو أو أبي عامرٍ، أو أبي الطَّفيل، وللأَصيليِّ في روايةٍ: ((عن البراء بن عازب)) بن الحارث الأنصاريِّ الأوسيِّ، المُتوفَّى بالكوفة سنة اثنتين وسبعين، وله في «البخاريِّ» ثمانيةٌ وثلاثون حديثًا، وما يُخَاف من تدليس أبي إسحاق فهو مأمونٌ؛ حيث ساقه المؤلِّف في «التَّفسير» [خ¦4486] من طريق الثَّوريِّ بلفظ عن أبي إسحاق: سمعت البَرَاء رضي الله عنه: (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ) بكسر الدَّال، ونصب «أوَّلَ» على الظَّرفيَّة، لا خبر «كان» كما وَهِمَ [4] الزَّركشيُّ، فإنَّ خبرَ «كان» قولُهُ: «نزل» أي: في أوَّل قدومه (الْمَدِينَةَ) طيبة في هجرته من مكَّة (نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ، أَوْ قَالَ) أي: أبو إسحاقَ: (أَخْوَالِهِ مِنَ الأَنْصَارِ) وكلاهما صحيحٌ، وهو على سبيل المجاز لأنَّ أقاربه من الأنصار من جهة الأمومة؛ لأنَّ أُمَّ جدِّه عبد المطَّلب منهم (وَأَنَّهُ) عليه الصلاة والسلام (صَلَّى قِبَلَ) بكسر القاف وفتح المُوحَّدة (بَيْتِ الْمَقْدِسِ) مصدرٌ ميميٌّ كالمَرْجِع، أي: حال كونه مُتوجِّهًا إليه (سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا) على الشَّكِّ في رواية زُهيرٍ هنا، وللمؤلِّف عن إسرائيل [خ¦399] وللتِّرمذيِّ أيضًا وكذا لمسلمٍ من رواية أبي الأحوص الجزمُ بالأوَّل، فيكون أخذ من شهر
ج1ص125
القدوم وشهر التَّحويل شهرًا، وألغى الأيَّام الزَّائدة، وللبزَّار والطَّبرانيِّ عن عمرو بن عوفٍ الجزم بالثَّاني كغيرهما، فيكون عدَّ الشهرين معًا، ومن شكَّ تردَّد في ذلك؛ وذلك أنَّ القدوم كان في شهر ربيع الأوَّل بلا خلافٍ، وكان التَّحويل في نصف رجب من السَّنة الثَّانية على الصَّحيح، وبه جزم الجمهور، ورواه الحاكم بسندٍ صحيحٍ عن ابن عبَّاسٍ، وقال ابن حبَّان: سبعة عشر شهرًا وثلاثة أيَّامٍ، وهو مبنيٌّ على أن القدوم كان في ثاني عشر ربيع الأوَّل، وقال ابن حبيبٍ: كان التَّحويل في نصف شعبان، وهو الذي ذكره النَّوويُّ في «الرَّوضة»، وأقرَّه مع كونه رجَّح في «شرح مسلم» رواية ستَّة عشر شهرًا؛ لكونها مجزومًا بها عند «مسلمٍ»، ولا يستقيم أن يكون ذلك في شعبان إلَّا إن أُلغي شهرا القدوم والتَّحويل، وسقط لغير ابن عساكر قوله «شهرًا» الأوَّل (وَكَانَ) عليه الصلاة والسلام (يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ) أي: كون قبلته جهة (الْبَيْتِ) الحرام (وَأَنَّهُ) بفتح الهمزة عطفًا على «أنَّ» الأولى كالثَّانية (صَلَّى أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا) متوجِّهًا إلى الكعبة (صَلَاةَ الْعَصْرِ) بنصب «أوَّلَ» مفعول «صلَّى»، و«صلاةَ العصر» بدلٌ منه، وأعربه ابن مالكٍ بالرَّفع، وسقط لغير الأربعة لفظة «صلَّى» ولابن سعدٍ: حُوِّلَت القبلة في صلاة الظُّهر أو العصر (وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ) وهو عبَّاد بن بشر بن قيظيٍّ [5]، أو عبَّاد بن نَهِيكٍ (فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ) من بني حارثة، ويعرف الآن بمسجد القبلتين (وَهُمْ رَاكِعُونَ) حقيقةً، أو من باب: إطلاق الجزء وإرادة الكلِّ (فَقَالَ: أَشْهَدُ) أي: أحلف (بِاللهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ) ولابن عساكرَ: ((مع النَّبيِّ)) (صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم قِبَلَ مَكَّةَ) أي: حال كونه متوجِّهًا إليها، و«اللَّام» للتَّأكيد، و«قد» للتَّحقيق، وجملة «أشهد» اعتراضٌ بين القول ومقوله (فَدَارُوا) أي: سمعوا كلامه فداروا (كَمَا هُمْ) عليه (قِبَلَ الْبَيْتِ) الحرام، ولم يقطعوا الصَّلاة، بل أتمُّوها إلى جهة الكعبة، فصلَّوا صلاةً واحدةً إلى جهتين بدليلين شرعيِّين. قال في «المصابيح»: والظَّاهر: أنَّ الكاف في «كما هم» بمعنى: على، و«ما»: كافَّةٌ، و«هم»: مبتدأٌ حُذِفَ خبرُه، أي: عليه أو كائنون، وقد يُقَال: إنَّ «ما» موصولةٌ، و«هم»: مبتدأٌ حُذِفَ خبره، أي: عليه، لكن يلزم حذف العائد المجرور مع تخلُّف شرطه، وفيه: جواز النَّسخ بخبر الواحد، وإليه ميلُ المحقِّقين (وَكَانَتِ الْيَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ) أي: النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، و«هم» [6]: منصوبٌ على المفعوليَّة (إِذْ كَانَ) عليه الصلاة والسلام (يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ) أي: حال كونه متوجِّهًا إليه (وَأَهْلُ الْكِتَابِ) بالرَّفع عطفًا على «اليهود»، وهو من عطف العامِّ على الخاصِّ، أو المُرَاد به النَّصارى فقط، وإعجابهم ذلك ليس لكونه قبلتهم، بل بطريق التَّبعيَّة لهم (فَلَمَّا وَلَّى) صلى الله عليه وسلم (وَجْهَهُ) الشَّريفَ (قِبَلَ الْبَيْتِ) الحرام (أَنْكَرُوا ذَلِكَ) فنزل [7]: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ} [البقرة: 142] كما صرَّح به المصنِّف في روايةٍ من طريق إسرائيل [خ¦399] (قَالَ زُهَيْرٌ) يعني ابن معاويةَ: (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) يعني السَّبيعيُّ (عَنِ الْبَرَاءِ) بن عازبٍ (فِي حَدِيثِهِ هَذَا) وللأَصيليِّ: ((أبو إسحاق في حديثه عن البَرَاء)) (أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْقِبْلَةِ) المنسوخة (قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ) أي: قبل التَّحويل إلى الكعبة (رِجَالٌ) عشرةٌ؛ منهم: عبد الله بن شهابٍ الزُّهريُّ القرشيُّ مات بمكَّة، والبَرَاء بن معرورٍ الأنصاريُّ بالمدينة (وَقُتِلُوا) بضمِّ أوَّله وكسر ثانيه، وفائدة ذكر القتل: بيان كيفيَّة موتهم إشعارًا بشرفهم، واستبعادًا لضياع طاعتهم، أو أنَّ «الواو» بمعنى: أو، فيكون شكًّا، لكنَّ القتلَ فيه نظرٌ؛ فإنَّ تحويل القبلة كان قبل نزول القتال، على أنَّ هذه اللَّفظة لا توجد في غير رواية زهير بن معاوية، إنَّما الموجود في باقي الرِّوايات ذكر الموت فقط (فَلَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى) وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر: ((عزَّ وجلَّ)): ({وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143] ) بالقبلة المنسوخة، أو صلاتكم إليها، وقول الكرمانيِّ في قول زهيرٍ هذا: «إنَّه يحتمل أن يكون المؤلِّف ذكره معلَّقًا» تعقَّبه الحافظ ابن حجرٍ: بأنَّ المؤلِّف ساقه في «التَّفسير» [خ¦4486] موصولًا مع [8] جملة الحديث، وقد تعقَّبه العينيُّ: بأنَّ صورتَه صورةُ تعليقٍ، وأنَّه لا يلزم من سَوْقِه في «التَّفسير» جملةً واحدةً أن يكون هذا موصولًا غير معلَّقٍ. انتهى.
واختُلِف في صلاته عليه الصلاة والسلام إلى بيت المقدس
ج1ص126
وهو بمكَّة، فقال قومٌ: لم يَزَلْ يستقبل الكعبة بمكَّة، فلمَّا قدم المدينة استقبل بيت المقدس، ثمَّ نُسِخَ، وقال البيضاويُّ في تفسير قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا} [البقرة: 143] أي: الجهة التي كنت عليها؛ وهي الكعبة، فإنَّه _عليه الصلاة والسلام_ كان يصلِّي إليها بمكَّة، ثمَّ لمَّا هاجر أُمِرَ بالصَّلاة إلى الصَّخرة تألُّفًا لليهود، وقال قومٌ: كان لبيت المقدس، فروى ابن ماجه حديث: «صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس ثمانيةَ عَشَرَ شهرًا، وصُرِفَتِ القبلةُ إلى الكعبة بعد دخول المدينة بشهرين»، وظاهره: أنَّه كان يصلِّي بمكَّةَ إلى بيت المقدس مَحضًا، وعن ابن عبَّاسٍ: كانت قبلتُه بمكَّةَ بيتَ المقدس، إلَّا أنَّه كان يجعل الكعبة بينه وبينه، قال البيضاويُّ: فالمُخبر به على الأوَّل الجَعْل النَّاسخ، وعلى الثاني المنسوخُ؛ والمعنى: أنَّ أصل أمرك أن تستقبل الكعبة، وما جعلنا قبلتك بيت المقدس. انتهى.
وفي هذا [9] الحديث: جواز نسخ الأحكام خلافًا لليهود، وبخبر الواحد، وإليه مال القاضي أبو بكرٍ وغيره من المحقِّقين، وجواز الاجتهاد في القبلة، وبيان شرفه عليه الصلاة والسلام، وكرامته على ربِّه لإعطائه له ما أحبَّ، والرَّدُّ على المرجئة في إنكارهم تسميةَ أعمالِ الدِّين إيمانًا، ورواة الحديث السَّابق أئمَّةٌ أَجِلَّاءُ أربعةٌ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦399] و«التَّفسير» [خ¦4486] وفي «خبر الواحد» [خ¦7252]، والنَّسائيُّ، والتِّرمذيُّ، وابن ماجه.
ج1ص127


[1] في (س): (الحزَّانيُّ)، وهو تصحيفٌ.
[2] في (س): «الجعدي»، وهو خطأٌ.
[3] (ابن عليٍّ): سقط من (س).
[4] في (م): «ووهم».
[5] في (ل): «ابن قيضي».
[6] في (م): «وهو».
[7] في (م): «فنزلت».
[8] في (م): «من».
[9] «هنا»: سقط من (م).