إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: لما نزلت: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم}

32- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسيُّ الباهليُّ البصريُّ السَّابق (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (ح) مُهملَة (قَالَ: وَحَدَّثَنِي) بالإفراد (بِشْرٌ) كذا في فرع «اليونينيَّة» كهي، وفي بعض الأصول وهو لكريمة ((ح: وحدَّثني بشرٌ)) قال في «الفتح»: فإن كانت _يعني: الحاء المُفرَدة_ من أصل التَّصنيف؛ فهي مُهمَلةٌ مأخوذةٌ من التَّحويل على المُختَار، وإن كانت مزيدةً من بعض الرُّواة فيحتمل أن تكون مُهملَةً كذلك، أو مُعجمَةً مأخوذةً من «البخاريِّ» لأنَّها رمزه، أي: قال البخاريُّ: وحدَّثني بشرٌ، لكن في بعض الرِّوايات المُصحَّحة: ((وحدَّثني)) بواو العطف من غير «حاءٍ» قبلها، وبِشْرٌ؛ بكسر المُوحَّدة وسكون المُعجَمَة، وفي رواية ابن عساكر: ((ابن خالد أبو محمَّدٍ العسكريُّ)) كما في فرع «اليونينيَّة» كهي، المُتوفَّى _أي [1]: بشرٌ المذكور_ سنة ثلاثٍ وخمسين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) وفي رواية ابن عساكر: ((محمَّد بن جعفر)) كما في الفرع أيضًا كـ «اليونينيَّة»، الهذليُّ البصريُّ، المعروف بغُنْدَر، المُتوفَّى _فيما قاله أبو داودَ_ سنة ثلاثٍ وتسعين ومئةٍ (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن مهران الأعمش، الأسديِّ الكاهليِّ الكوفيِّ، وُلِدَ يوم قُتِل الحُسَين يوم عاشوراء سنة إحدى وستِّين، وعند المؤلِّف: سنة ستِّين، المُتوفَّى سنة ثمان ومئة (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) بن يزيد بن قيسٍ النَّخعيِّ أبي عمران، الكوفيِّ الفقيه الثِّقة، وكان يرسل كثيرًا، المُتوفَّى _وهو مُختَفٍ من الحجَّاج_ سنة ستٍّ وتسعين، وهو من الخامسة (عَنْ عَلْقَمَةَ) ابن قيس بن عبد الله، المُتوفَّى سنة اثنتين وستِّين، وقِيلَ: وسبعين (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعودٍ رضي الله عنه: (لَمَّا نَزَلَتِ) زاد الأَصيليُّ: ((قال: لمَّا نزلت هذه الآية)): ({الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ}) {أَولِئَكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأنعام: 82] وقوله: {بِظُلْمٍ} أي: عظيمٍ، أي: لم يخلطوه بشركٍ؛ إذ لا أعظم من الشِّرك، وقد ورد التَّصريح بذلك عند المؤلِّف من طريق حفص بن غياثٍ عن الأعمش، ولفظه: قلنا: يا رسول الله؛ أيُّنا لم يظلم نفسه؟ قال: «ليس كما تقولون، بل لم يلبسوا إيمانهم بظلمٍ بشركٍ، ألم تسمعوا إلى قول لقمان...؟» [خ¦3360] فذكر الآية الآتية [2]، لكن منع التَّيميُّ [3] تصوُّر خَلْط الإيمان بالشِّرك، وحَمَلَه على عدم حصول الصِّفتين لهم: كفرٌ متأخِّرٌ عن إيمانٍ متقدِّم، أي: لم يرتدُّوا. أو المُرَاد: أنَّهم لم يجمعوا بينهما ظاهرًا وباطنًا، أي: لم ينافقوا، وهذا أَوْجَهُ (قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ) وللأَصيليِّ: ((النَّبيِّ)) (صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم: أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ [4] ؟) مبتدأٌ وخبرٌ، والجملة مقول القول (فَأَنْزَلَ الله) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: ((فأنزل الله عزَّ وجلَّ عقب ذلك)): ({إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] ) إنَّما حملوه على العموم لأنَّ قوله: {لَظُلْمٌ} نكرةٌ في سياق النَّفيِ، لكنَّ عمومها
ج1ص117
هنا بحسب الظَّاهر، قال المحقِّقون: إن دخل على النَّكرة في سياق النَّفي ما يؤكِّد العموم ويقوِّيه نحو «مِنْ» في قوله: ما جاءني مِنْ رجلٍ أفاد تنصيص العموم، وإلَّا فالعموم مُستفادٌ بحسب الظَّاهر، كما فهمه الصَّحابة من هذه الآية، وبيَّن لهم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ ظاهره غير مرادٍ، بل هو من العامِّ الذي أُريد به الخاص، والمُرَاد بـ «الظُّلم»: أعلى أنواعه، وهو الشِّرك، وإنَّما فهموا حصر الأمن والاهتداء فيمن لم يلبس إيمانه حتَّى ينتفيا عمَّن لبس [5]، من تقديم {لَهُمُ} على {الأَمْنُ} في قوله: {لَهُمُ الأَمْنُ} أي: لهم لا لغيرهم، ومن تقديم {وَهُمْ} على {مُهْتَدُونَ}.
وفي هذا [6] الحديث: أنَّ المعاصيَ لا تُسمَّى شركًا، وأنَّ من لم يشرك بالله شيئًا فَلَهُ الأمن وهو مهتدٍ، لا يُقَال: إنَّ العاصيَ قد يُعذَّب، فما هذا [7] الأمن والاهتداء الذي حصل له؟ لأنَّه أُجِيبَ بأنَّه آمنٌ من التَّخليد في النَّار، مهتدٍ إلى طريق الجنَّة. انتهى. وفيه أيضًا: أنَّ درجات الظُّلم تتفاوت، كما ترجم له، وأنَّ العامَّ يُطلَق ويُرَاد به الخاصُّ، فحمل الصَّحابة ذلك على جميع أنواع الظُّلم، فبيَّن الله تعالى أنَّ المرادَ نوعٌ منه، وأنَّ المفسَّر يقضي على المُجمَل، وأنَّ النَّكرة في سياق النَّفيِ تعمُّ، وأنَّ اللَّفظ يُحمَل على خلاف ظاهره لمصلحة دفع التَّعارض.
وفي إسناده رواية ثلاثةٍ من التَّابعين بعضهم عن بعضٍ؛ وهم: الأعمش عن شيخه إبراهيم النَّخعيِّ عن خاله علقمة بن قيسٍ، والثَّلاثة كوفيُّون فقهاء، وهذا [8] أحد ما قِيلَ فيه: إنَّه أصحُّ الأسانيد، وأمن تدليس الأعمش بما وقع عند المؤلِّف _فيما مرَّ_ في رواية حفص بن غياثٍ عنه: حدَّثنا إبراهيم [خ¦3360] وفيه التَّحديث بصورة الجمع والإفراد والعنعنة، وأخرج متنه المؤلِّف أيضًا في «باب أحاديث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام» [خ¦3428] وفي «التَّفسير» [خ¦4776]، ومسلمٌ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ.
ولمَّا فرغ المؤلِّف من بيان مراتب الكفر والظُّلم، وأنَّها متفاوتةٌ عَقَّبَه بأنَّ النِّفاق كذلك، فقال:
ج1ص118


[1] في (س) و(م): «أبو»، وهو تحريفٌ.
[2] «الآتية»: سقط من (م).
[3] التَّيميُّ هذا هو محمد بن إسماعيل صاحب «التحرير شرح صحيح مسلم» مئة قطعة في دار الكتب الظاهرية تحت رقم (1244).
[4] زيد في (س): «نفسه».
[5] في (م): «التبس».
[6] «هذا»: سقط من (س).
[7] في (م): «هو».
[8] زيد في هامش (م): «من».