إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق

744- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ التَّبوذكيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ) العبديُّ البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ) بن شبرمة الضَّبيُّ الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ) هَرِمٌ أو عبد الرَّحمن أو عمرٌو أو جرير بن عمرٍو البجليُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم يَسْكُتُ) بفتح أوَّله (بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَبَيْنَ الْقِرَاءَةِ إِسْكَاتَةً) بكسر الهمزة بوزن «إِفْعَالةٍ»، وهو من المصادر الشَّاذَّة إذ القياس سكوتًا، وهو منصوبٌ مفعولًا مطلقًا، أي: سكوتًا يقتضي كلامًا بعده (قَالَ) أبو زرعة [1]: (أَحْسِبُهُ) أي: أظن أبا هريرة [2] (قَالَ: هُنَيَّةً) بضمِّ الهاء وفتح النُّون وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة من غير همزٍ، كذا عند الأكثر، أي: يسيرًا، وللكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليِّ: ((هنيهةً)) بهاءٍ بعد المُثنَّاة السَّاكنة، وفي نسخةٍ: ((هنيْئَةً)) بهمزةٍ مفتوحةٍ بعد المُثنَّاة السَّاكنة، قال عياضٌ والقرطبيُّ: وأكثر رواة مسلمٍ قالوه بالهمز، لكن قال النَّوويُّ: إنَّه خطأٌ، قال [3]: وأصله: هَنْوَةً، فلمَّا صُغِّرت صارت هُنَيْوَةً، فاجتمعت واوٌ وياءٌ وسبقت إحداهما بالسُّكون فقُلِبت الواوُ ياءً ثمَّ أُدغِمت، وتُعقِّب بأنَّه لا يمنع ذلك إجازة الهمزة، فقد تُقلَب الواوُ همزةً [4] (فَقُلْتُ: بِأَبِي وَأُمِّي) أي: أنت مُفدًّى، أو أفديك بهما (يَا رَسُولَ اللهِ إِسْكَاتُكَ) بكسر الهمزة وسكون [5] السِّين والرَّفع، قال في «الفتح»: وهو الَّذي في رواية الأكثرين، وأعربه مبتدأً، لكنَّه لم يذكر خبره، أو هو نَصْبٌ [6] على ما قاله المظهريُّ، أي: «أسألك» إسكاتك، أو في إسكاتك، وللمُستملي والسَّرخسيِّ: ((أَسُكاتك)) بفتح الهمزة وضمِّ السِّين على الاستفهام، ولهما في نسخةٍ ((أسكوتك)) (بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وأبي الوقت وابن عساكر: ((وبين القراءة)) (مَا تَقُولُ) فيه؟ (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (أَقُولُ) فيه: (اللَّهُمَّ [7] بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ) أي: كتبعيدك (بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) وهذا من المجاز لأنَّ حقيقة المباعدة إنَّما هي في الزَّمان والمكان، أي: امحُ ما حصل من خطاياي، وحُلْ بيني وبين ما يُخاف من وقوعه، حتَّى لا يبقى لها منِّي اقترابٌ بالكليَّة.
وهذا الدُّعاء صدر منه عليه الصلاة والسلام على سبيل المبالغة في إظهار العبوديَّة، وقِيلَ: إنَّه على سبيل التَّعليم لأمَّته، وعُورِض: بكونه لو أراد ذلك لجهر به، وأُجيب: بورود الأمر بذلك في حديث سَمُرَة عند البزَّار، وأعاد لفظ: «بين» هنا، ولم يقل: وبين المغرب لأنَّ العطف على الضَّمير المخفوض يُعاد معه العامل بخلاف الظَّاهر، كذا قرَّره الكرمانيُّ، لكن يَرِدُ عليه [8] قوله: بين التَّكبير وبين القراءة (اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنَ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ) أي: الوسخ، وقاف «نقِّني» بالتَّشديد في الموضعين، وهذا مجازٌ عن إزالة الذُّنوب ومحو أثرها، وشُبِّه بـ «الثَّوب الأبيض» لأنَّ الدَّنس فيه أظهرُ من غيره من الألوان (اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ) بالمُثلَّثة وسكون اللَّام، وفي «اليونينيَّة»: بفتحها (وَالْبَرَدِ) بفتح الرَّاء، وذكر الأخيرين بعد الأوَّل للتَّأكيد،
ج2ص77
أو [9] لأنَّهما ماءان لم تمسَّهما الأيدي ولم يمتهنهما الاستعمال، قاله [10] الخطَّابيُّ.
واستدلَّ بالحديث على مشروعيَّة دعاء الافتتاح بعد التَّحرُّم [11] بالفرض أو النَّفل خلافًا للمشهور عن مالكٍ، وفي «مسلمٍ» حديث عليٍّ: «وجَّهت وجهي للذي فطر السَّموات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين [12]، إنَّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ربِّ العالمين، لا شريك له وبذلك أُمِرت وأنا من [13] المسلمين»، زاد ابن حبَّان: «مسلمًا» لكن [14] قيَّده بصلاة اللَّيل، وأخرجه الشَّافعيُّ وابن خزيمة وغيرهما بلفظ: «إذا صلَّى المكتوبة» واعتمده الشَّافعيُّ في «الأمِّ».
وفي «التِّرمذيِّ» و«صحيح ابن حبَّان [15]» من حديث أبي سعيدٍ الافتتاح بـ «سبحانك اللَّهُمَّ وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدُّك، ولا إله غيرك» ونقل السَّاجيُّ [16] عن الشَّافعيِّ استحباب الجمع بين التَّوجُّه والتَّسبيح، وهو اختيار ابن خزيمة وجماعةٍ من الشَّافعيَّة، ويُسَنُّ الإسرار به في السِّرِّيَّة والجهريَّة.
ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين كوفيٍّ وبصريٍّ، وفيه: التَّحديث والقول، وأخرجه ابن ماجه.
ج2ص78


[1] زيد في غير (ب) و(س): «قال أبو هريرة».
[2] في غير (ب) و(س): «أظنُّه».
[3] «قال»: ليس في (د).
[4] في (ص) و(م): «الهمزة ياءً»، ولعلَّ المثبت هو الصَّواب.
[5] في (ص): «إسكان».
[6] في غير (ص) و(م): «منصوبٌ».
[7] في (س): «افهم»، وهو تحريفٌ.
[8] في هامش (ص): (قوله: «لكن يَرِدُ عليه...» إلى آخره: تبع في ذلك العينيُّ، ولك أن تمنع هذا الإيراد بأنَّ مراد الكرمانيِّ بقوله: «بخلاف الظَّاهر»: أنَّه لا يجب إعادة الخافض معه بدليل قراءة الجرِّ في قوله تعالى: {تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامِ} [النِّساء: 1] فإنَّه عُطِف على المجرور بـ «الباء» مع عدم إعادته، وقال أبو حيَّان: وقد أعادت العرب مع الظَّاهرين، قالوا: المال بين زيدٍ وبين عمروٍ، فإذا دخلت على المُكَنَّيَيْن؛ أي: الضَّميرين وما يضاهيهما لزمت، أو مع الظَّاهرين لم تلزم، قال أعشى همدان: [من الكامل]
~وإذا سألت المجد أين محلُّه فالمجد بين محمَّدٍ وسعيد
~بين الأشجِّ وبين قيسٍ باذخ بخ بخ لوالده وللمولود)
انتهى.
[9] في (د) و(م): «و».
[10] في (ص): «قال»، وليس بصحيحٍ.
[11] في (د): «التَّحريم».
[12] زيد في (د): «قل».
[13] في (س): «أوَّل».
[14] في (د): «كذا»، ولعلَّه تحريفٌ.
[15] في (د): «حيَّان»، وهو تصحيفٌ.
[16] في غير (ب) و(س): «الباجي»، هو تحريفٌ.