إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق فأخره

652- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبوي الوقت وذَرٍّ: ((حدَّثني)) (قُتَيْبَةُ) ولابن عساكر [1]: ((قتيبة بن سعيدٍ)) الثَّقفيُّ مولاهم البغلانيُّ البلخيُّ (عَنْ مَالِكٍ) إمام الأئمَّة (عَنْ سُمَيٍّ) بضمِّ السِّين وفتح الميم (مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ) وللأَصيليِّ [2]: ((أبي بكر بن عبد الرَّحمن)) أي: ابن الحارث بن هشام بن المغيرة القرشيِّ المخزوميِّ المدنيِّ (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان (السَّمَّانِ) كان يجلبه كالزَّيت للكوفة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ) بالميم، وأصله: «بين» فأُشبِعت فتحة النُّون فصارت ألفًا وزيدت الميم، ظرف زمانٍ مضافٌ إلى جملةٍ من فعلٍ وفاعلٍ، أو
ج2ص28
مبتدأٌ وخبرٌ، وهو هنا «رجلٌ» النَّكرة المُخصَّصة بالصِّفة، وهي قوله: (يَمْشِي بِطَرِيقٍ) أي: فيها، وخبر المبتدأ قوله: (وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ، فَأَخَّرَهُ) عن الطَّريق، وللحَمُّويي والمُستملي: ((فأخذه)) (فَشَكَرَ اللهُ لَهُ) ذلك، أي: رضي فعله وقبله منه وأثنى عليه (فَغَفَرَ لَهُ) ذنوبه.
653- (ثُمَّ قَالَ [3] ) عليه الصلاة والسلام: (الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ) جمع شهيدٍ، سُمِّي به [4] لأنَّ الملائكة يشهدون موته، فهو مشهودٌ، «فعيلٌ» بمعنى «مفعولٍ»، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي [5]: ((خمسٌ)) بغير تاءٍ بتأويل الأنفس أو النَّسمات، أو الممِّيز غير مذكورٍ، فيجوز الأمران (الْمَطْعُونُ) أي: الَّذي يموت في الطَّاعون، أي: الوباء (وَالْمَبْطُونُ): صاحب الإسهال أو الاستسقاء، أو الَّذي يموت بداء بطنه (وَالْغَرِيقُ) بالياء بعد الغين المعجمة والرَّاء [6]، وللأَصيليِّ: ((الغرق في الماء)) (وَصَاحِبُ الْهَدْمِ) بفتح الهاء وسكون الدَّال، أي: الَّذي مات تحت الهدم (وَالشَّهِيدُ) القتيل (فِي سَبِيلِ اللهِ) أي: الَّذي حكمه ألَّا يُغسَّل ولا يُصلَّى عليه بخلاف الأربعة السَّابقة، فالحقيقة الأخير، والَّذي قبله مجازٌ، فهم شهداء في الثَّواب كثواب الشَّهيد، وجوَّز الشَّافعيُّ الجمع بينهما، واستُشكِل التَّعبير بالشَّهيد في سبيل الله، مع قوله: «الشُّهداء خمسةٌ» فإنَّه يلزم منه حمل الشَّيء على نفسه، فكأنَّه قال: الشَّهيد هو الشَّهيد، وأُجيب بأنَّه من باب [من الرَّجز]:
~أنا أبو النَّجم وشِعْري شِعْري
أو معنى [7] الشَّهيد القتيل، وزاد في «المُوطَّأ»: «و صاحب ذات الجَنْبِ، والحريق، والمرأة تموت بجُمْعٍ [8]»، وعند ابن ماجه من حديث ابن عبَّاسٍ: «موت الغريب شهادةٌ» وإسناده ضعيفٌ، وعند ابن عساكر من حديث ابن عبَّاسٍ أيضًا: «الشَّريق، ومن أكله السَّبُع»، ويأتي مزيدٌ لذلك في محالِّه إن شاء الله تعالى.
(وَقَالَ) عليه الصلاة والسلام: (لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ) التَّأذين للصَّلاة (وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا) شيئًا (إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا لَاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ) أي: إلَّا أن يقترعوا عليه لاقترعوا [9]، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: ((إلَّا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه)).
654- (وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ) كان إتيانًا (حَبْوًا) وفي هذا المتن _كما ترى_ ثلاثةُ أحاديث، وكأنَّ قتيبة حدَّث بذلك كذلك مجموعًا عن مالكٍ، فلم يتصرَّف فيه المصنِّف كعادته في الاختصار.
ورواته الخمسة كلُّهم مدنيُّون إلَّا قتيبة فبلخيٌّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة.
وأخرج المؤلِّف حديث [10]: «بينما رجلٌ» في «الصَّلاة» [خ¦615] [خ¦652]، ومسلمٌ في «الأدب»، والتِّرمذيُّ في «البرِّ» وقال: حسنٌ صحيحٌ، وحديث «الشُّهداء» في «الجهاد» [خ¦2674] وقوله: «لو يعلم النَّاس ما في النِّداء» أخرجه المؤلِّف في «الصَّلاة» [خ¦615] و«الشَّهادات» [خ¦2689] وكذا النَّسائيُّ.
وبقيَّة مباحث ذلك تأتي _إن شاء الله تعالى_ في محالِّها بعون الله وقوَّته.
ج2ص29


[1] في (م): «وللأَصيليِّ»، والمثبت موافقٌ لما في «اليونينيَّة».
[2] في (م): «ولابن عساكر»، والمثبت موافقٌ لما في «اليونينيَّة».
[3] في (د): «وقال».
[4] في (ب) و(س): «بذلك».
[5] في (م): «وللحمُّويي».
[6] «المعجمة والرَّاء»: ليس في (د).
[7] في (د): «أو هو».
[8] في هامش (ص): (قوله: «بجُمْعٍ» قال في «التَّقريب»: بالضَّمِّ والكسر، وزاد النَّوويُّ «الفتح» أي: حاملةً جامعةً لولدها). انتهى.
[9] «عليه لاقترعوا»: سقط من (د).
[10] «حديث»: ليس في (د).