إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة

636- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياسٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) هو محمَّد بن عبد الرَّحمن بن أبي ذئبٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم).
(وَ) بالإسناد السَّابق؛ وهو عن [1] آدم عن ابن أبي ذئبٍ (عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بفتحاتٍ؛ يعني أنَّ [2] ابن أبي ذئبٍ حدَّث به عن الزُّهريِّ عن شيخين حدَّثاه به (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم قَالَ: إِذَا سَمِعْتُمُ الإِقَامَةَ) للصَّلاة (فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ) وإنَّما ذكر الإقامة للتَّنبيه بها على ما سواها لأنَّه إذا نهى عن إتيانها سعيًا في حال الإقامة، مع خوفه فوت بعضها فقبل الإقامةِ أَوْلى، وفي رواية همَّامٍ: «إذا نُودِي بالصَّلاة فأتوها وأنتم تمشون» (وَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ) أي: بالتَّأنِّي في الحركات واجتناب العبث (وَالْوَقَارِ) في الهيئة كغضِّ البصر، وخفض الصَّوت، وعدم الالتفات، أو الكلمتان بمعنًى واحدٍ، والثَّاني تأكيدٌ للأوَّل، وللأربعة _وعزاها الحافظ [3] ابن حجرٍ لغير أبي ذَرٍّ_: ((وعليكم السَّكينة والوقار)) بغير مُوحَّدةٍ، ويجوز فيهما الرَّفع والنَّصب، كما سبق آنفًا مع جواب استشكال دخول حرف الجرِّ على السَّكينة المتعدِّي بنفسه [4]، وقول ابن حجرٍ: لا يلزم من كونه يتعدَّى بنفسه امتناع تعديته بالباء، تعقَّبه العينيُّ بأنَّ نفيَ الملازمة غير صحيحٍ. انتهى.
وَرَاءُ [5] «الوقارِ» فيها الحركات الثَّلاث؛ كالسَّكينة في أحوالها الثَّلاثة للعطف عليها، وذكر الإقامة تنبيهًا على غيرها؛ لأنَّه إذا نهى عن إتيانها مسرعًا في حال الإقامة مع خوف فوت بعضها فما قبلها أَوْلى (وَلَا تُسْرِعُوا) بالأقدام، ولو خفتم فوات تكبيرة الإحرام أو غيرها، ولو فاتت [6] الجماعة بالكلِّيَّة فإنَّكم في حكم المصلِّين المخاطبين بالخشوع والإجلال والخضوع، فالمقصود من الصَّلاة حاصلٌ لكم وإن لم تدركوا منها شيئًا، والأعمال بالنِّيَّات، وعدم الإسراع مستلزمٌ لكثرة الخطا، وهو معنًى مقصودٌ بالذَّات وردت فيه أحاديث صحيحاتٌ، وفي «مسلمٍ»: «فإنَّ أحدكم إذا كان يعمد إلى الصَّلاة فهو في صلاةٍ» ففيه إشارةٌ _كما مرَّ_ أن يتأدَّب بآداب الصَّلاة، فإن قلت: إنَّ الأمر بالسَّكينة معارَضٌ بقوله تعالى في الجمعة: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ} [الجمعة: 9] أجيب: بأنَّه ليس المراد من الآية الإسراع، بل المراد الذَّهاب، أو هو بمعنى العمل والقصد؛ كما تقول: سعيت في أمري.
(فَمَا أَدْرَكْتُمْ) أي: إذا فعلتم ما أمرتكم به من السَّكينة والوقار وعدم الإسراع
ج2ص20
فما أدركتم مع الإمام من الصَّلاة (فَصَلُّوا) معه، وقد حصلت فضيلة الجماعة بالجزء الُمدرَك منها (وَمَا فَاتَكُمْ) منها (فَأَتِمُّوا) أي: أكملوه وحدكم، كذا [7] في أكثر الرِّوايات بلفظ: «فأتمُّوا»، وفي بعضها: ((فاقضوا)) والأوَّل هو الصَّحيح في رواية الزُّهريِّ، ورواه ابن عيينة بالثَّاني، وبه استدلَّ الحنفيَّة بأنَّ ما أدرك [8] المأموم مع الإمام هو آخر صلاته، فيُستَحبُّ له الجهر في الرَّكعتين الأخيرتين، وقراءة السُّورة مع الفاتحة، وبالأوَّل أخذ [9] الشَّافعيَّة على أنَّها أوَّلها، لكنَّه [10] يقضي بمثل [11] الَّذي فاته من قراءة السُّورة مع الفاتحة في الرُّباعيَّة، ولم يستحبُّوا إعادة الجهر في الأخيرتين أو ما يأتي به بعد آخرها لأنَّ الإتمام لا يكون إِلَّا للآخر؛ لأنَّه يستدعي سبق أوَّلٍ، وأجابوا بأنَّ القضاء وإن كان يُطلَق على الفائت غالبًا، لكنَّه يُطلَق أيضًا على الأداء، ويأتي بمعنى الفراغ، قال تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ [12]} [الجمعة: 10] وحينئذٍ فتُحمَل رواية «فاقضوا» على معنى الأداء والفراغ، وإذًا فلا تمسُّك بها، واستدلَّ بقوله: «وما فاتكم فأتمُّوا» على أنَّ من أدرك الإمام راكعًا لم تُحسَب له تلك الرَّكعة لأنَّه قد فاته [13] القيام والقراءة أيضًا، واختاره ابن خزيمة وغيره [14]، وقوَّاه السُّبكيُّ، والجمهورُ على أنَّه مُدْرِكٌ لها [15] لقوله عليه الصلاة والسلام لأبي بكرة حيث ركع دون الصَّفِّ [خ¦783]: «زادك الله حرصًا ولا تعد» ولم يأمره بإعادة تلك الرَّكعة، وأنَّه يدرك فضيلة الجماعة بجزءٍ من الصَّلاة وإن قلَّ.
ورواة هذا الحديث السِّتَّة مدنيُّون إِلَّا شيخ المؤلِّف فإنَّه عسقلانيٌّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في «باب المشي إلى الجمعة» [خ¦908]، ومسلمٌ والتِّرمذيُّ.
ج2ص21


[1] «عن»: ليس في (ص) و(م).
[2] «أنَّ»: ليس في (د) و(م).
[3] «الحافظ»: مثبتٌ من (ص) و(م).
[4] في هامش (ص): (قوله: «المتعدِّي بنفسه» أي: المتعدِّي عاملها بنفسه، ففي العبارة تسامحٌ). انتهى.
[5] في (م): «واو»، وهو تحريفٌ.
[6] في (د): «فوات».
[7] في (م): «كما».
[8] في (د): «أدركه».
[9] «أخذ»: ليس في (د).
[10] في (م): «لكن».
[11] في (د) و(م): «مثل».
[12] «{فِي الأَرْضِ}»: ليس في (ب) و(س).
[13] في (ص): «فات».
[14] قوله: «لأنَّه قد فاته القيام والقراءة أيضًا، واختاره ابن خزيمة وغيره» سقط من (د).
[15] في (ص): «بها».