الأبواب والتراجم لصحيح البخاري

[كتاب مواقيت الصلاة]

((9)) كتاب مَوَاقِيت الصَّلاة
قال الحافظ: المواقيت: جمع ميقات، وهو مِفْعَال من الوقت، وهو القَدْر المُحَدَّد للفعل من الزَّمان أو المكان. انتهى.
ومناسبته بما سبق، وكذا الكلام على المناسبات بين أبواب كتاب الصَّلاة تقدَّم في أوَّل كتاب الصَّلاة.
(1) (باب مَوَاقِيت الصَّلاة وفَضْلِها)
اختلفت نسخ البخاري في ذكر عنوان الكتاب والباب كما يظهر من نسخ الحاشية، والأوجه عندي نسخة (كتاب مواقيت الصَّلاة وفضلها) (باب مواقيت الصَّلاة) والضَّمير في فَضْلِها راجع إلى الصَّلاة، فالكتاب مشتمل على بيان مواقيت الصَّلاة، وعلى فضائل الصَّلاة، وعلى هذا فلا يحتاج
ج2ص306
إلى توجيهات في بيان المناسبة بين الأبواب والكتاب، ثمَّ قوله (باب مواقيت الصَّلاة) وبعد ذكر كتاب المواقيت لا تكرار فيه، فإنَّ المقصود بالباب عندي بيان مبدأ المواقيت كما هو دأب المصنِّف، فإنَّه يشير في أوائل أكثر الكتب إلى مبدأ هذا الحكم نصًّا أو إشارة، كما لا يخفى على من أمعن النَّظر في تراجم البخاري.
وعلى هذا يكون (باب المواقيت) متضمِّنًا لأمرين: بيان المبدء، وبيان الفضل، وهذا هو الأوجه عندي، ويحتمل أن يكون الغرض منه بيان الفضل فقط، فيكون قوله (وفضلها) عطفا تفسيريًا، وبيان الفضل ظاهر من الحديث، فإنَّ جبريل عليه السَّلام نزل لتعليمها عشر مرَّات في يومين، وهذا لغاية الاهتمام بذلك.
وقال شيخ المشايخ في ((التَّراجم)) إنَّما عقَّبه بـ (باب مواقيت الصَّلاة) لأنَّ المراد بكتاب المواقيت كتابها مطلقًا، وببابها المواقيت من حيث إنَّها شرعت بالوحي أم بالاجتهاد، وأدرج المصنِّف في كتاب مواقيت الصَّلاة أبوابًا دالَّة على فضائل الصَّلاة. انتهى. فأشار شيخ المشايخ إلى أنَّها ذُكِرَت استطرادًا وتبعًا.
ثمَّ يشكل على تقسيم أوقات الصَّلاة عدم التَّوازن والتَّناسب فيها، فإنَّ الوقت فارغ من الصَّباح إلى الظُّهر، ثمَّ تتوالى الصَّلوات إلى ثلث اللَّيل، ثمَّ لا صلاة إلى الصَّباح طول اللَّيل، وتكلَّموا على الحكم في ذلك بوجوه كثيرة، ولا ريب في أنَّ حكم الله تبارك وتعالى في أحكامه وتنويعها كثيرة لا تدركها القوَّة البشريَّة، وإنَّما تكلموا عليها حسبما بلغت إليها فراستهم وارتقت إليها قوَّتهم الفكريَّة.
وتكلَّم على حكم قسمة المواقيت مشايخ عديدة منهم الرَّازي في ((التَّفسير الكبير)) و ((شارح المنهاج)) والشَّيخ التَّهانوي _ قُدِّس سرُّه _ في ((المصالح العقليَّة)).
والأوجه عند ذلك المبتلى بالسَّيِّئات المعترف بالتَّقصيرات أنَّ الله عزَّ وجل لم يخلقنا إلَّا للعبادة فقط، كما حصره في قوله عزَّ اسمه: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56]، وكان حقُّ ذلك صرف الأوقات كلها في العبادات وأهمها الصَّلاة، كالملائكة فإنَّ منهم القائمين والرَّاكعين السَّاجدين إلى يوم القيامة، لا سيما إذا كان الأجر منه عزَّ اسمه يصل إلينا في كلِّ ساعة ونفس، في صورة النَّفَس، والصِّحة، والسَّماعة، والرُّؤية، وقوَّة البطش، والمشي، وغير ذلك من الأيادي المتوالية في كلِّ ساعة، فقد صدق عزَّ اسمه: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [النحل:18]، ولا مراء في أنَّ عدَّ منافع نعمة واحدة أيضًا من نعمه تعالى خارج عن الطَّاقة البشريَّة، فكان حقُّ ذلك أن نقوم في الطَّاعة في كلِّ ساعة من ليل ونهار، لكنَّ أرحم الرَّاحمين لمَّا رأى عجزنا واحتياجنا إلى المنام والمعاش وغير ذلك من الحوائج، منَّ علينا بتقسيم الملَوَين، فجعل من كل واحد منهما نصفًا لحقِّ العبادة، ونصفًا لنا لحوائجنا، فإنَّ الحوائج تختلف فإنَّ بعضها يختصُّ باللَّيل وبعضها يختصُّ بالنَّهار، ولذا لم يوجب في النِّصف من كل منهما صلاة، وأوجب في النِّصف الآخر من كل منهما صلوات، وكان حق ذلك أن يصرف هذا النِّصف بتمامه في الصَّلاة.
ولذا قال أهل الأصول: إنَّ العزيمة في كلِّ صلاة أن يؤدِّي في تمام الوقت، فكان ينبغي أن يؤدِّي كل صلاة من أوَّل وقته إلى آخر وقته، لكنَّ أرحم الرَّاحمين منَّ علينا مرَّة أخرى إذ قبل من جميع الأوقات عدة ركعات تُؤَدَّى في وقت يسير، إلَّا أنَّ الطَّبائع لمَّا كانت على أحوال مختلفة فبعضها متقاصرة متكاسلة في أداء ما يطلب منهم، وبعضها مستعدَّة مجتهدة، يعدون
ج2ص307
صرف جميع أوقاتها في أداء ما رضي مالكهم غاية سعادتهم ومنتهى مأمولهم، فرض الله عزَّ اسمه ركعات عديدة رعاية للأولين ومَنًّا عليهم، وشرع للآخرين النَّوافل المخصوصة في أوقاتهم الخاصَّة تكميلًا لما انتقص من أوقاته عزَّ اسمه، فشرع بمقابلة الظُّهر الضُّحى، وبمقابلة العصر الإشراق، كما يومئ إليه حديث علي في الشَّمائل إذ قال: «إذا كانت الشَّمس من ههنا كهيئتها من ههنا عند العصر صلَّى ركعتين، وإذا كانت الشَّمس من ههنا كهيئتها من ههنا عند الظُّهر صلَّى أربعًا... » [1] الحديث، وبمقابل العشائين التَّهجُّد في آخر اللَّيل.
ومن رحمته الواسعة أنَّ الصَّحيفة إذا كانت في طرفيها عبادة يُكَفَّر بفضلها ما بينهما، كما دلَّت عليه النُّصوص الكثيرة من الآيات والأحاديث، قال عزَّ اسمه: {أَقِمِ الصَّلاة طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود:114]، وفي ((الدُّرِّ)) برواية أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فيما يذكر عن ربِّه تبارك وتعالى: اذكرني بعد العصر وبعد الفجر ساعة أكْفِكَ فيما بينهما [2] (فضائل ذكر)، حتَّى ورد عن ابن عبَّاس مرفوعًا: «افْتَحُوا عَلَى صِبْيَانِكُمْ أَوَّلَ كَلِمَةٍ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَلَقِّنُوهُمْ عِنْدَ الْمَوْتِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَإنَّه مَنْ كَانَ أَوَّلَ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَآخِرَ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، ثمَّ عَاشَ أَلْفَ سَنَةٍ لم يُسْئلَ عَنْ ذَنْبٍ وَاحِدٍ» [3]، وذكر ابن الجوزي إيَّاه في الموضوعات مُتَعَقَّب كما في رسالتي (فضائل الذِّكر) عن ((اللآلئ )) وغيره.
قال ابن عابدين في بيان كراهة السَّمر بعد العشاء: والمعنى فيه أن يكون اختتام الصَّحيفة بالعبادة كما جعل ابتدائها بها، ليُمْحَى ما بينهما من الزَّلَّات، ولذا كره الكلام قبل صلاة الفجر، وتمامه في الإمداد [4]. انتهى.
ولذلك ندب عندي التَّعجيل في الظُّهر والتَّأخير في العصر ليكونا في طرفي الوقت الذي هو حقُّه تعالى، وأيضًا منتظر الصَّلاة يكون في حكم الصَّلاة، فلانتظار الصَّلاة الأخرى يعد مصليًّا في سائر وقته عزَّ اسمه، ولأجل ذلك ندب عندي تعجيل المغرب وتأخير العشاء، ولولا ضعف الضَّعيف وسقم السَّقيم لأخره إلى شطر اللَّيل ليحصي جميع وقته تعالى، ومن ههنا يظهر معنى قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «اعْتِمُوا بهذِهِ الصَّلاة فإِنَّكُمْ فُضِّلتُمْ بِها على سائِرِ الأمَمِ» [5]، فإنَّ ظاهر كونها صلاة لنا أن نبادر بها تنويهًا بشأنها، ونأتي بها في أوَّل أوقاتها اهتمامًا بهما، لكنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم جعل كونها صلاة لنا علَّة لتأخيرها، فهذا لا يستقيم إلَّا بالنَّظر الدَّقيق على ما قلنا من أنَّ الأصل فيها كان أدائها في آخر وقتها لتقع في آخر النِّصف من حقِّه عزَّ اسمه، فمقتضى الاهتمام بهما أن تؤدَّى في أصل وقتها وهو آخر الوقت المباح، ولهذه الوجوه العديدة قلت أوَّلًا: إنَّ هذه الحكمة أولى عندي من الأقوال الأخر التي ذكرت في ذلك، لإنَّه يظهر من ذلك معنى الرِّوايات الأخر، ويطابقه الأصول، ويظهر منه وجه تعجيل الظُّهر والمغرب، وتأخير العصر والعشاء، وغير ذلك من المعاني اللَّطيفة التي تظهر عند التَّأمُّل في الرِّوايات. انتهى من ((هامش اللَّامع)).
ج2ص308


[1] أخرجه الترمذي، أبواب السفر، باب كيف كان تطوع النَّبيّ صلى الله عليه وسلم بالنهار، (رقم: 598)، والنسائي، كتاب الإمامة، الصَّلاة قبل العصر... (رقم: 874).
[2] أخرجه أبو نعيم في الحلية حديث محمد بن صبيح بن السماك، وقال: " غريب من حديث الحسن عن أبي هريرة.
[3] الموضوعات لابن الجوزي، كتاب ذكر الموت.
[4] حاشية ابن عابدين:1/368.
[5] أخرجه أبو داود في الصَّلاة، باب وقت العشاء الآخرة، (رقم: 421)، وفي مسند أحمد عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، (رقم: 22066).