الأبواب والتراجم لصحيح البخاري

[كتاب الحيل]

((90)) كتاب الحيل.
قال العلامة العيني: وهو جمع حيلة، وهي ما يُتَوَصَّل به إلى المقصود بطريق خفي. انتهى.
وهكذا في ((الفتح)) والقسطلاني.
وفي ((هامش اللامع)) قال الجوهري: الحيلة: اسم من الاحتيال ذكره في فصل الياء، ثم قال: وهو من الواو، يقال: هو أَحْيَل مِنْكَ، وأَحْوَلُ مِنْكَ؛ أيْ: أكثر حيلةً، وما أَحْيَلَه لغة فيما أَحْوَلَه كذا في العيني.
والمعروف بين العلماء أنَّ الحيل كلها محرمة عند مالك وأحمد، وجائزة عند الحنفية والشافعية، وإلى الأول مال البخاري كما يدل عليه كتاب الحيل وأبوابه.
قال ابن قدامة: الحيل كلها محرمة غير جائزة، وبه قال مالك، وأباح أبو حنيفة والشافعي بعضها إلى آخر ما بسط، وقد أطال ابن القيم في ((إعلام الموقعين)) الكلام على إبطال الحيل، وبحث فيه طويلًا، ومع ذلك ذكر المقصد الرابع أن يقصد بالحيلة أخذ حق أو رفع باطل، وقسمه على ثلاثة أقسام، ثم بسطها، وذكر أمثلتها، وذكر صور الحيل فيها
ج6ص1516
إلى أن قال: القسم الثاني: أن يكون الطريق مشروعة وما يفضي إليه مشروع، وقال أيضًا: ويدخل في هذا القسم التحيل إلى جلب المنافع وعلى دفع المضار، وقد ألهم الله تعالى ذلك لكل حيوان، فلأنواع الحيوانات من أنواع الحيل والمكر ما لا يهتدي إليه بنو آدم، وليس كلامنا وكلام السلف في ذم الحيل متنًا ولا لهذا القسم. انتهى.
وأنت خبير أن هذا منه تجويز، بل تحريض على أخذ بعض الحيل، فلا يمكن أن يقال: الحيل كلها باطلة، والحنفية والشافعية أيضًا لم يقولوا بأن الحيل كلها مباحة، فقد قال الحافظ: وهي عند العلماء على أقسام بحسب الحامل عليها، فإن توصل بها بطريق مباح إلى إبطال حق أو إثبات باطل فهي حرام، أو إلى إثبات حق أو دفع باطل فهي واجبة أو مستحبة، وإن توصل بها بطريق مباح إلى سلامة من وقوع في مكروه فهي مستحبة أو مباحة، أو إلى ترك مندوب فهي مكروهة، ولمن أجازها مطلقًا أو أبطلها مطلقًا أدلة كثيرة، فمن الأول قوله تعالى: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا} الآية [ص:44]، وقد عمل به صَلى الله عَليه وسَلَّم في حق الضعيف الذي زنى، وهو من حديث أبي أمامة بن سهل في ((السُّنن)) ومنه قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} [الطلاق:2] إلى أن قال: ومن الثاني قصة أصحاب السبت، وحديث «حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ، فَجَمَّلُوهَا، فَبَاعُوهَا، وَأَكَلُوا ثَمَنَهَا» وحديث النهي عن النجش، وحديث لَعْن الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ له.
والأصل في اختلاف العلماء في ذلك اختلافهم هل المعتبر في صيغ العقود ألفاظها أو معانيها؟، فمن قال بالأول أجاز الحيل، ثم اختلفوا فمنهم من جعلها تنفذ ظاهرًا وباطنًا في جميع الصور أو في بعضها، ومنهم من قال: تنفذ ظاهرًا لا باطنًا، ومن قال بالثاني: أبطلها، ولم يجز منها إلَّا ما وافق فيه اللفظ المعنى الذي تدل عليه القرائن الحالية، وقد اشتهر القول بالحيل عن الحنفية لكون أبي يوسف صنف فيها كتابًا، لكن المعروف عنه وعن كثير من أئمتهم تقييد أعمالها بقصد الحق. انتهى.
وفي ((الفيض)) اعْلَم أَنَّ البُخاري رحمه الله لم يُفَرِّقْ بين جَوازِ الحِيلَةِ ونفاذِها، وكُلُّ ما كان يَرِدُ على القَوْلِ بالجَوازِ أَوْرَدَهُ على القَوْلِ بالنَّفَاذِ مع فَرْقٍ جَلي بَيْنَ الأَمْرَيْنِ، ثم أوضح صاحب ((الفيض)) هذا الكلام، فارجع إليه لو شئت.
قلت: وترجم السرخسي رحمهم الله في ((المبسوط)) كتاب الحيل مستقلًا، وقال فيه: اختلف الناس في كتاب الحيل أنَّه من تصنيف محمد رحمه الله تعالى أم لا؟ كان أبو سليمان الجوزجاني ينكر ذلك، وأما أبو حفص رحمه الله تعالى كان يقول هو من تصنيف محمد، وكان يروي عنه ذلك، وهو الأصح، فإن الحيل في الأحكام المخرجة عن الإمام جائزة عند جمهور العلماء، وإنَّما كره ذلك بعض المتعسفين لجهلهم وقلة تأملهم في الكتاب والسُّنة، ثم بسط في دلائل جواز الحيل.
ثم قال: فالحاصل أن يتخلص به الرَّجل من الحرام أو يتوصل به إلى الحلال من الحيل فهو حسن، وإنَّما يكره ذلك أن يحتال في حق لرجل حتى يبطله، أو في باطل حتى يموهه، فما كان على هذا السبيل هو مكروه، وما كان على السبيل الذي قلنا أولًا فلا بأس به إلى آخر ما بسطه، قال الراغب: وأكثر استعمال الحيلة فيما في تعاطيه خبث، وقد تستعمل فيما فيه حكمة، ولهذا قيل في وصف الله عز وجل {وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} [الرعد:13]؛ أي: الوصول في خفية من الناس إلى ما فيه حكمة، وعلى هذا النحو وصف بالمكر والكيد لا على وجه المذموم تعالى الله عن القبيح. انتهى.
وفي ((تقرير)) مولانا محمد حسن المكي عن الشيخ الكنكوهي: الحيلة: جعل المباح وسيلة لتحصيل المقصود، فإن كان لتحصيل حقه أو لإحياء حق مسلم او لدفع الظلم عنه فجائز، وإن كان لإبطال حق مسلم أو لإلقائه في المهلكة فلا يجوز. انتهى.
وفي ((مقدمة بدائع الصنائع)) لناشره الشيخ محمد زكريا علي يوسف تلخيصًا لكلام الشيخ أبي زهرة ما نصه: ولقد ادَّعى بعض الناس أنَّ لأبي حنيفة كتابًا في الحيل كان فيه يفتى الناس
ج6ص1517
للتحلل من الأحكام الشرعية، والقيود الفقهية حتى لقد روي أنَّ عبد الله بن المبارك قال: من كان عنده كتاب الحيل لأبي حنيفة يستعمله أو يفتى به فقد بطل حجه، وبانت منه امرأته، ثم رد على هذا، وقال أيضًا: ويسقط دعوى التأليف أنَّ عبد الله بن المبارك الذين يروون عنه هذا القول كان من تلاميذ أبي حنيفة الذين يقدرونه حق قدره، وأنَّه هو الذي بيَّن آراء أبي حنيفة وقيمتها، ومكانه من الفقه للأوزاعي بالشام [1]، وإذا كان الأمر كذلك فنسبته ذلك القول إليه غير صحيحة، وبذلك تنهار دعوى أنَّ لأبي حنيفة كتابًا اسمه ((كتاب الحيل)) نعم وجدنا أنَّ لمحمد تلميذ الإمام أبي حنيفة كتابًا في الحيل يغلب على الظن أنَّه روى فيه ما كان يخرج به ذلك الإمام الأحكام تسهيلًا على الناس حتى لا يكونوا في حرج، ثم حقق أنَّ نسبة هذا الكتاب إلى محمد رحمه الله تعالى كيف هي؟ فإنَّه قد اختلف فيه أيضًا، فارجع إليه لو شئت.
(باب تَرْك الحِيَل)
قال الحافظ: قال ابن المنير: أدخل البخاري الترك في الترجمة لئلا يتوهم من الترجمة الأولى إجازة الحيل، إلى آخر ما ذكره.
قال الحافظ: قلت: وإنَّما أطلق أولا للإشارة إلى أنَّ من الحيل ما يشرع فلا يترك مطلقًا.
قوله (وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، في الأيمان وغيرها) قال الحافظ: قوله (في الأيمان وغيرها) من تفقه المصنف لا من الحديث، قال ابن المنير: اتسع البخاري في الاستنباط، والمشهور عند النظار حمل الحديث على العبادات، وحمله البخاري عليها وعلى المعاملات، ثم قال: والاستدلال بهذا الحديث على سد الذرائع وإبطال التحيل من أقوى الأدلة. انتهى.
وحمل الشيخ قُدِّس سِرُّه في ((اللامع)) قول المصنف في الترجمة في الإيمان المقابل للكفر إذ كتب: الإيمان بكسر الهمزة قدمه لكونه أصل العبادات. انتهى.
وهو الأوجه عندي بقرينة الصلاة المذكورة في الباب الآتي ويؤيده قوله (وغيره) بضمير المذكر، ولما حملت الشراح هذا اللفظ على أنَّه جمع يمين أولوا قوله (وغيره) قال الحافظ: وجعل الضمير مذكرًا على إرادة اليمين المستفاد من صيغة الجمع. انتهى. لكن النسخ مختلفة، ففي بعضها (وغيرها) لضمير المؤنث، وهو يؤيد ما اختاره الشراح، والله تعالى أعلم بالصواب.
ج6ص1518


[1] كذا في الأصل، أنظر الإمام أبو حنيفة حياته وعصره لمحمد أبو زهرة ص 471