التعريف بالمشروع


الحمد لله الذي شرَّف هذه الأمَّة بنور الوحي وخصَّها بكرامة الإسناد، والصلاة والسلام على المبعوث بنور السُّـنة والكتاب، وعلى آله وأصحابه الأنجاب، الذين كان منهم كل حرص وثبات، وبعد: فإنه لا يخفى على ذي لبٍّ أنَّ محبة النبيِّ صلعم ونصرته لا تكون إلا بتصديقه، ونشر دعوته، وإحياء سُنَّته عن طريق العمل بما جاء بها، وبتيسيرها لمن أراد أن يتعرف عليها.


ولقد حرص المسلمون منذ عهد الصحابة ♥ على ذلك، وهيَّأ الله سبحانه وتعالى لحفظها -قولاً وتطبيقاً- أجيالاً من العلماء في كل عصر، بذلوا كلَّ نفيس فداءً لها، نافين عنها تحريف كل غالٍ، وانتحال كل مبطل، وتأويل كل جاهل.


فقاموا بتدوينها في: المسانيد، والجوامع، والسُّنن، والمستدركات، والمستخرجات، والأجزاء، وأسسوا لعلم الرواية، ونصبوا ميزاناً دقيقاً لقبولها أو ردِّها.


فانفردوا تاريخياً بضبط هدي نبيهم صلعم وشمائله وسيرته ممَّا لم يفعله أحد من أتباع المرسلين، ولا غيرهم، فكانوا بحقٍّ خير خلف لخير سلف.


وقد برزت في سماء العلم شموسٌ نفع الله بها العباد والبلاد، ومن هؤلاء الأعلام العظام، والأئمة الكرام، الذين شادوا معالم هذا العلم، وأناروا طريقه، وحازوا قصْبَ السبْق فيه، وشرفَ حمل سُنَّة رسول الله صلعم حفظاً وعلماً وروايةً ودرايةً، الإمام المحدث محمد بن إسماعيل البخاري☼، الذي صنَّف كتابه الجامع الصحيح، فبارك الله له فيه، وتلقَّته الأمة بالقَبول على مرِّ العصور، وجيلاً بعد جيل، وكثرت المؤلَّفات الصيِّبة النافعة التي تناولته بشتى الأوجه، فهذا يضبط ألفاظه ورواياته، وهذا يشرح حديثه، وذاك يمحِّص رجاله، وآخر يتناول غريبه، حتى لا يكاد يخلو جانب من الجوانب إلا وخُدِم فيه.


ورغم كثرة هذه الجهود وأهميتها إلا أنَّ غالبها لم يرَ النور بعد، إما لعدم العلم به، أو لتعذر الوقوف على أصوله الخطية، أو لتجاهل دور النشر له لانعدام جدواه الاقتصادية، وبعض الكتب طبع طبعات قديمة نفذت من الأسواق، وأصبحت في عداد المفقودات، على عكس كتب أخرى أُتخمت بطبعاتها الأسواق، مع أنَّ أكثرها لم ينل العناية اللائقة به.


ونظراً لتقدُّم العلوم التقنية، وحاجة الأمة لخدمة تليق بهذا الكتاب المبارك وتقوم بحقِّه، وقياماً بواجب النُّصرة، وخدمة لسنة خير الخلق صلعم، لاسيَّما بعد هذه الحرب الضَّروس التي نشهدها على صحيح البخاري خصوصاً وعلى السُّنة النبوية المطهَّرة عموماً، ما دفع كثيراً من الباحثين والمتخصصين لتوجيه الدعوات بضرورة إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري ☼ مقابلةٍ على نسخ خطية معتمدة، تحل الإشكاليات الموجودة في النسخ المطبوعة التي تتداولها الأيدي، وتكشف اللثام عن طرق وروايات الصحيح التي تناولتها شروحه ولمَّا تأت عليها أي من النسخ المطبوعة له، لذلك كلِّه فقد قامت دار الكمال المتحدة باستثمار إمكانات أجهزة الحاسوب لخدمة هذا المصدر الحديثيِّ الفذِّ، ليتيسر لطلاب العلم والباحثين في كل بقاع الأرض أقصى إمكانيات الاستفادة من الجهود المباركة لعلماء الأمة المخلصين وشموسها العاملين، فكان هذا البرنامج الرائد الذي جمع فأوعى، وضمَّ بين ثناياه وحوى الكثير من هذه الكتب والمراجع، المطبوع منها والمخطوط على حدٍّ سواء، فأشبع نهمة الطالب، وسدَّ جَوعة الباحث، بأسلوب تقني حديث ومميز.


حيث تمَّ جمع ما أمكن جمعه من الأصول الخطية للجامع الصحيح، وكذا للكتب والمؤلفات التي ألِّفت حوله أو دارت في فلكه، وقد تجاوزت نسخ الصحيح الخطية الثلاثمائة نسخة، وتجاوزت عدد المؤلفات المائتي عنواناً حتى الآن، بعضها يتألف من ورقات معدودة، وبعضها يربو عن ثلاثين مجلداً، وقد استغرق منَّا هذا الجمع أكثر من ثماني سنوات، ولا يزال العمل عليه قائماً على قدمٍ وساق، وخلال هذه الفترة بدأنا العمل بضبط صحيح الإمام البخاري على نسخ خطية غاية في النَّفاسة والضبط والإتقان، وكذا بدأنا بضبط ومقابلة الكتب التي بين أيدينا من أمهات الشروح والحواشي والجوامع وكتب الرجال على أصولها الخطية.


وفي نفس الوقت كان العمل مستمراً دون كللٍ لإنجاز البنية البرمجية للمشروع، والتي ستجمع كلَّ هذه المؤلفات مع أصولها الخطية ضمن برنامج حاسوبي واحد، قد وصفه أكثر من عالم وباحث بأنه مشروع الأمة في هذا القرن بلا منازع، فللَّه الحمد والمنة.