المستند

تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : محمد رشاد السيروان
الأجزاء : 1
حول الكتاب : جزء في بيان منزلة صحيح البخاري، برزت في التحفة سمات عصر القسطلاني وسماته الشخصية:
أولًا: من الناحية العلمية:
1_ الموسوعية في تناول الأفكار.
2_ الاعتماد في أمهات المسائل وخطيرها على المعتمد من كتب أهل العلم في الحديث والعقيدة الأشعرية واللفتات التربوية الصوفية.
ثانيًا: من حيث الأسلوب:
1_ التدرج في شرح نصوص الأحاديث. فهو أولًا يعرف برجال السند، ثم يشرحه لغويًا وبلاغيًا ومن ثم يربطه بالمعتقدات الإسلامية، ويشرحه من الناحية الشرعية، وينتقل من الشرح الشرعي إلى التناول الذوقي لمفردات وجمل الحديث، ومن ثم يربط الكل بعقيدة التوحيد وواسع قدرة الله تعالى.
2_ عبارات التحفة سهلة قريبة للفهم، كما أنها تراعي حال السامع والقارئ للتحفة مهما كان مستواه العلمي، فالقسطلاني يشرح بوضوح لقليل العلم، ويشير بعمق لأمهات المسائل التي تمرس بها أهل العلم.
3_ عبارات التحفة مشوقة تناغي العقل والقلب معًا، وإن كان هناك ميل قوي للذوق القلبي.
4_ أحسن القسطلاني التنقل بين الأفكار، فهو كان يمتلك موهبة التعليم وتكوين الأفكار لا مجرد تلقينها.
التحفة في الميزان العلمي:
ألف القسطلاني التحفة بعد فترة نضوجه العلمي وهو الشيخ، الفقيه، الجامع للقراءات، المسند، العالم بأصول العربية.. لكن كثرة مشاغله ولعلها تأليفه للكتاب أذهلته عن بعض الأمور التي سأشير إليها. وهذا الذهول والوهم في العديد من المواضع لازماه إلى آخر حياته، وقد أشار شيخه السخاوي رحمة الله عليه إلى شيء من هذا حين ترجم له.
أولًا: من الناحية العلمية:
1_ أسرف القسطلاني في النقل حتى تكاد شخصيته العلمية لا تبدو إلا من خلال ربط وتجميع النقول.
2_ افتقر القسطلاني إلى الدقة في النقل.
3_ اعتمد القسطلاني بشكل مبالغ فيه على ضعيف وموضوع الآثار إلى جانب صحيحها.
4_ لفق القسطلاني بين روايات الأحاديث بحيث مزجها بما يخرج عن الرواية الأصلية لكل حديث ولكل طريق من طرق الحديث أو نسخ صحيح البخاري، ولعله سردها من حفظه دون رجوع إلى أصوله الخطية.
5_ لم يبيِّن القسطلاني وضع العديد من الأحاديث والآثار التي أوردها، ودلَّس في أسماء الكتب التي نقل عنها بحيث لا يكشف الوضع إلا بعد العودة إلى الأصول المنقول عنها.
6_ أكثر من الاعتماد على عنصر العاطفة في تسويغ العديد من الأفكار، وسرد نموذجًا للثقافة الرائجة في عصره دون مستند شرعيَّ لها.
ثانيًا: من حيث الأسلوب:
1_ لم تظهر شخصية القسطلاني العلمية في ما يتعلق بعلوم العقيدة واللغة العربية. بل اعتمد على عبارة من قبله، بشكل حرفيٍّ تقريبًا.
2_ غلبت الناحية الذوقيَّة الصوفيَّة في أسلوب القسطلاني في العديد من المواطن، على النقد العلمي لديه.
ما يقال في التحفة: التحفة كتاب تعليميٌّ مبسَّط، يحرك العلم والإيمان في نفس متلقيه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.
ولادته ونشأته: ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع رحمه الله في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.
أسرة القسطلاني: كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.
رحلته: بدأ رحمه الله تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.
مذهبه: أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.
معتقده: يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.
طريقته: قال النجم الغزي: كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة. اهـ.
شيوخه: في القراءات: تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811-897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801-870هـ).
وفي الفقه: عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو: العجلوني.
الحديث: عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.
قلت: في مقدمته لـ «تحفة السامع والقاري» و«إرشاد الساري» ذكر القسطلاني مشائخه المسندين الذين روى عنهم صحيح البخاري، والذين سأتحدث عنهم وأبين شجرة إسناد القسطلاني إلى البخاري رحمه الله.
محفوظاته: حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.
علومه: تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.
وفاته: توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 هـ الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري, بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.
منزلة القسطلاني: أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره, ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه ((إرشاد الساري)): كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من ((فتح الباري)) فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في ((شرح الجامع الصحيح)) لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: أظنه أخذه عن العز الوفائي. اهـ.
ومن خلال تحقيقي للتحفة تبين لي أنَّه فعلًا ينقل بشكل حرفي في العديد من المواطن دون أن يبين أنه ينقل عن غيره، بل إن الناظر يظنه ينتقل في النقل من عالم إلى آخر ومن كتاب إلى غيره، وفي الحقيقة هو ينقل عن مرجع واحد جمع تلك النقول من مصادرها، هذا دون أن يبين القسطلاني اسم مرجعه.
وحكى العيدروسي واقعة _ قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي _ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في ((فهرس الفهارس))، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.
وقال الكتاني: رأيت في بعلبك عند قاضيها إذ ذاك الشيخ أبي الخير ابن عابدين مجموعة للشيخ ابن عبد الحي الداودي الدمشقي فيها مانصه: حدثنا شيخنا أحمد المقري تحت القبة بجامع بني أمية أن الإمام القسطلاني زوج عائشة الباعونية وصاحب ((المواهب)) ذهب إلى دار الحافظ السيوطي فدخل على عادته، فاستأذن عليه، فلم يأذن له بالدخول لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان ذلك الوقت جالسًا عند الشيخ وهو يملي أحاديثه صلى الله عليه وسلم اهـ. فظهر من هذه الرواية السبب الذي من أجله لم يأذن السيوطي للقسطلاني، وانه كان في حال انجماع باطني وتشخيص خاص، فكره أن يقطع عليه حالته وتوجهه».
قلت: يتبين من القصة أن القسطلاني كان له عادة الدخول على السيوطي، وأما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان جالسًا فهذا يحمل على شعور الإمام السيوطي، وليس على حضور مادي للنبي صلى الله عليه وسلم.
تلامذته: من أشهر تلامذته الحافظ السخاوي رحمه الله.
مؤلفاته:
1) العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
2) فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
3) الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
4) مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
5) الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
6) تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
7) المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
8) إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. ط.
9) مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
10) مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
11) الاستذكار بأحاديث كتاب الأذكار، وقد يسمى الأنوار في الأدعية والأذكار، وهو ذاته لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، كما في نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
12) لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
13) مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
14) منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
15) مناهج الهداية بشرح معالم الرواية حقق كرسالة علمية ومنه نسخة في مكتبة قره جلبي زاده بتركيا تحت رقم (39) وأخرى في مكتبة رمضان أوغلي بتركيا تحت رقم (982).
نشاطه العلمي والاجتماعي: على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه.
علاقته بعلماء عصره: أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.
حليته رحمه الله: قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء.
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: كثير الأسقام.... كان الله له.
أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة.
وقال جار الله ابن فهد: ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازنى بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لى بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه.
وقال النجم الغزي: الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث.
وقال أيضًا: وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته.
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله.
جهود القسطلاني في خدمة صحيح البخاري رواية ودراية:
رواية: علم الحديث رواية هو علم يشتمل على أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته وصفاته وروايتها وضبطها وتحرير ألفاظها. وذلك صونًا للحديث عن الخلل في نقله. وتشتمل علوم الرواية على: آداب طالب الحديث. وآداب المحدث. وكيفية سماع الحديث وتحمله وضبطه. وصفة رواية الحديث وكيفية ضبطه. وكتابة الحديث وكيفية ضبطه.
ومن خلال تحفة السامع والقاري يتبين أن هذه العلوم ظهرت بدرجة جيدة إلى ممتازة عند القسطلاني في العديد من الجوانب:
1_ من حيث آداب طالب الحديث ظهر أدب القسطلاني الجم إزاء شيوخه بدرجة كبيرة.
2_ أما آداب المحدِّث فبرزت لديه من خلال رأفته وتلطفه بطالب العلم سامعًا له أو مطالعًا، حتى فضَّل العديد من علماء المتأخرين شرح القسطلاني للبخاري على سائر الشروح، وذلك لاكتمال صفات المعلم الناجح لدى القسطلاني، حتى إنه يمكن إعداد رسالة كبيرة حول منهج القسطلاني التعليمي.
3_ من حيث كيفية سماع الحديث وتحمله وضبطه:
أ_ لفتتنا عناية القسطلاني بتحمل الصحيح بأعلى درجات التحمل، وهي السماع من الشيخ أو القراءة عليه، دون الاكتفاء بمجرد الإجازة، بسياق سنده إلى البخاري رحمه الله، حيث روى صحيحه عبر كبار مسندي ومحدثي عصره، وميز بين رواية كل منهم عندما ساق أسانيدهم.
ب_ اعتنى القسطلاني ببيان صيغ التحمل من «حدَّثنا» و«أخبَرَنا »، وبين سماعه من المسندين بقراءته أوقراءة غيره. كما استعمل صيغة «روينا» لبيان روايته للصحاح بالسند المتصل إلى مؤلفيها.
ت_ اعتنى رحمه الله ببيان حال رجال البخاري الذين روى البخاري حديث الختم عنهم، من حيث ضبطهم وعدالتهم، واتصال السند بينهم.
ث_ اعتنى بذكر فروق الروايات عندما تتوفر تلك الفروق، وإن كان في هذا ناقلًا عن غيره. ولكنه في العديد من الأحيان مزج بين النسخ المروية للكتاب الواحد. كما فعل في العديد من أحاديث البخاري، فقد مزج بين نسخ صحيح البخاري، وكما فعل حين مزج بين روايات الصحاح للحديث؛ هذان السببان أخرجا الحديث الذي يذكره القسطلاني في بعض الأحيان عن أن يكون من رواية أي واحد من هذه الصحاح.
ج_ من حيث الضبط اعتنى القسطلاني بضبط الكلمات عن طريق الرواية الحديثية وعن طريق الدراسة اللغوية، ناقلًا في كل ذلك عن أكابر معاصريه وسابقيه. وإن كان سيبلغ غاية عالية في ضبط صحيح البخاري لدى شرحه له في كتابه إرشاد الساري، حين يضبط كلمات الأحاديث وأسماء رجال الأسانيد بالكتابة دون الاكتفاء بشكل الأحرف بالحركات.
ح_ طبق القسطلاني رحمه الله علوم مصطلح الحديث حين نبه على درجة الحديث الذي يرويه إما تصريحًا بأنه صحيح أو حسن أو غريب، وإما باستعمال صيغ التضعيف مثل: (يحكى) و (قيل). وإن كان أغفل في العديد من المرات الحكم على أحاديث شديدة الضعف بل وموضوعة.
خ_ انتبه القسطلاني رحمه إلى الفوائد الإسنادية التي ذكرها سابقوه من كبار المحدِّثين، كشيخه الشمس السخاوي، فذكرها ونوه بها.
دراية: يعرف علم الحديث دراية بأنه: علم بقوانين يعرف بها أحوال السند والمتن، من أجل التوصل إلى معرفة المقبول من المردود.
أ_ من خلال عبارات تصحيح وتضعيف الحديث التي ذكرها القسطلاني ومن خلال الحكم على الأحاديث والتنويه بمدى صحة الحديث نتبين أن القسطلاني رحمه الله كان على دراية واسعة بعلوم المصطلح، وإن كان لم يطبقها بنفسه على مدى واسع، هذا في التحفة أما في إرشاد الساري فأترك الحكم عليه لمن يطالعه من أهل العلم.
ب_ اضطرب القسطلاني رحمه الله في تقرير قواعد تصحيح وتضعيف الحديث، وأخشى أن يكون غلب عليه أحيانًا ما يعرف بغفلة الصالحين، حين يروي الحديث أو حين يقترب من الحكم عليه خصوصًا بالتضعيف أو الوضع.
وبعد فهذه التحفة محققة على الوسع نفعنا الله بها، وأسأل الله قبولها من القسطلاني ومنا وممن يطالعها.
عملنا : نسخنا الكتاب من هذه النسخة الفريدة وخرجنا الأحاديث والأشعار الواردة، وعزونا كل قول إلى مصدره، ونبهنا على مواضع التصحيف، وبقي أن ننبه إلى أن فهارس المخطوطات أشارت إلى وجود نسخة خطية من الكتاب في دار الكتب الوطنية في الجزائر ولدى مراجعتها لم تك للقسطلاني فتنبه.

تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : محمد رشاد السيروان
الأجزاء : 1
حول الكتاب : جزء في بيان منزلة صحيح البخاري، برزت في التحفة سمات عصر القسطلاني وسماته الشخصية:
أولًا: من الناحية العلمية:
1_ الموسوعية في تناول الأفكار.
2_ الاعتماد في أمهات المسائل وخطيرها على المعتمد من كتب أهل العلم في الحديث والعقيدة الأشعرية واللفتات التربوية الصوفية.
ثانيًا: من حيث الأسلوب:
1_ التدرج في شرح نصوص الأحاديث. فهو أولًا يعرف برجال السند، ثم يشرحه لغويًا وبلاغيًا ومن ثم يربطه بالمعتقدات الإسلامية، ويشرحه من الناحية الشرعية، وينتقل من الشرح الشرعي إلى التناول الذوقي لمفردات وجمل الحديث، ومن ثم يربط الكل بعقيدة التوحيد وواسع قدرة الله تعالى.
2_ عبارات التحفة سهلة قريبة للفهم، كما أنها تراعي حال السامع والقارئ للتحفة مهما كان مستواه العلمي، فالقسطلاني يشرح بوضوح لقليل العلم، ويشير بعمق لأمهات المسائل التي تمرس بها أهل العلم.
3_ عبارات التحفة مشوقة تناغي العقل والقلب معًا، وإن كان هناك ميل قوي للذوق القلبي.
4_ أحسن القسطلاني التنقل بين الأفكار، فهو كان يمتلك موهبة التعليم وتكوين الأفكار لا مجرد تلقينها.
التحفة في الميزان العلمي:
ألف القسطلاني التحفة بعد فترة نضوجه العلمي وهو الشيخ، الفقيه، الجامع للقراءات، المسند، العالم بأصول العربية.. لكن كثرة مشاغله ولعلها تأليفه للكتاب أذهلته عن بعض الأمور التي سأشير إليها. وهذا الذهول والوهم في العديد من المواضع لازماه إلى آخر حياته، وقد أشار شيخه السخاوي رحمة الله عليه إلى شيء من هذا حين ترجم له.
أولًا: من الناحية العلمية:
1_ أسرف القسطلاني في النقل حتى تكاد شخصيته العلمية لا تبدو إلا من خلال ربط وتجميع النقول.
2_ افتقر القسطلاني إلى الدقة في النقل.
3_ اعتمد القسطلاني بشكل مبالغ فيه على ضعيف وموضوع الآثار إلى جانب صحيحها.
4_ لفق القسطلاني بين روايات الأحاديث بحيث مزجها بما يخرج عن الرواية الأصلية لكل حديث ولكل طريق من طرق الحديث أو نسخ صحيح البخاري، ولعله سردها من حفظه دون رجوع إلى أصوله الخطية.
5_ لم يبيِّن القسطلاني وضع العديد من الأحاديث والآثار التي أوردها، ودلَّس في أسماء الكتب التي نقل عنها بحيث لا يكشف الوضع إلا بعد العودة إلى الأصول المنقول عنها.
6_ أكثر من الاعتماد على عنصر العاطفة في تسويغ العديد من الأفكار، وسرد نموذجًا للثقافة الرائجة في عصره دون مستند شرعيَّ لها.
ثانيًا: من حيث الأسلوب:
1_ لم تظهر شخصية القسطلاني العلمية في ما يتعلق بعلوم العقيدة واللغة العربية. بل اعتمد على عبارة من قبله، بشكل حرفيٍّ تقريبًا.
2_ غلبت الناحية الذوقيَّة الصوفيَّة في أسلوب القسطلاني في العديد من المواطن، على النقد العلمي لديه.
ما يقال في التحفة: التحفة كتاب تعليميٌّ مبسَّط، يحرك العلم والإيمان في نفس متلقيه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.
ولادته ونشأته: ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع رحمه الله في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.
أسرة القسطلاني: كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.
رحلته: بدأ رحمه الله تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.
مذهبه: أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.
معتقده: يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.
طريقته: قال النجم الغزي: كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة. اهـ.
شيوخه: في القراءات: تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811-897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801-870هـ).
وفي الفقه: عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو: العجلوني.
الحديث: عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.
قلت: في مقدمته لـ «تحفة السامع والقاري» و«إرشاد الساري» ذكر القسطلاني مشائخه المسندين الذين روى عنهم صحيح البخاري، والذين سأتحدث عنهم وأبين شجرة إسناد القسطلاني إلى البخاري رحمه الله.
محفوظاته: حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.
علومه: تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.
وفاته: توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 هـ الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري, بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.
منزلة القسطلاني: أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره, ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه ((إرشاد الساري)): كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من ((فتح الباري)) فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في ((شرح الجامع الصحيح)) لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: أظنه أخذه عن العز الوفائي. اهـ.
ومن خلال تحقيقي للتحفة تبين لي أنَّه فعلًا ينقل بشكل حرفي في العديد من المواطن دون أن يبين أنه ينقل عن غيره، بل إن الناظر يظنه ينتقل في النقل من عالم إلى آخر ومن كتاب إلى غيره، وفي الحقيقة هو ينقل عن مرجع واحد جمع تلك النقول من مصادرها، هذا دون أن يبين القسطلاني اسم مرجعه.
وحكى العيدروسي واقعة _ قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي _ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في ((فهرس الفهارس))، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.
وقال الكتاني: رأيت في بعلبك عند قاضيها إذ ذاك الشيخ أبي الخير ابن عابدين مجموعة للشيخ ابن عبد الحي الداودي الدمشقي فيها مانصه: حدثنا شيخنا أحمد المقري تحت القبة بجامع بني أمية أن الإمام القسطلاني زوج عائشة الباعونية وصاحب ((المواهب)) ذهب إلى دار الحافظ السيوطي فدخل على عادته، فاستأذن عليه، فلم يأذن له بالدخول لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان ذلك الوقت جالسًا عند الشيخ وهو يملي أحاديثه صلى الله عليه وسلم اهـ. فظهر من هذه الرواية السبب الذي من أجله لم يأذن السيوطي للقسطلاني، وانه كان في حال انجماع باطني وتشخيص خاص، فكره أن يقطع عليه حالته وتوجهه».
قلت: يتبين من القصة أن القسطلاني كان له عادة الدخول على السيوطي، وأما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان جالسًا فهذا يحمل على شعور الإمام السيوطي، وليس على حضور مادي للنبي صلى الله عليه وسلم.
تلامذته: من أشهر تلامذته الحافظ السخاوي رحمه الله.
مؤلفاته:
1) العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
2) فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
3) الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
4) مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
5) الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
6) تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
7) المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
8) إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. ط.
9) مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
10) مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
11) الاستذكار بأحاديث كتاب الأذكار، وقد يسمى الأنوار في الأدعية والأذكار، وهو ذاته لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، كما في نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
12) لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
13) مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
14) منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
15) مناهج الهداية بشرح معالم الرواية حقق كرسالة علمية ومنه نسخة في مكتبة قره جلبي زاده بتركيا تحت رقم (39) وأخرى في مكتبة رمضان أوغلي بتركيا تحت رقم (982).
نشاطه العلمي والاجتماعي: على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه.
علاقته بعلماء عصره: أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.
حليته رحمه الله: قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء.
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: كثير الأسقام.... كان الله له.
أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة.
وقال جار الله ابن فهد: ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازنى بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لى بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه.
وقال النجم الغزي: الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث.
وقال أيضًا: وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته.
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله.
جهود القسطلاني في خدمة صحيح البخاري رواية ودراية:
رواية: علم الحديث رواية هو علم يشتمل على أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته وصفاته وروايتها وضبطها وتحرير ألفاظها. وذلك صونًا للحديث عن الخلل في نقله. وتشتمل علوم الرواية على: آداب طالب الحديث. وآداب المحدث. وكيفية سماع الحديث وتحمله وضبطه. وصفة رواية الحديث وكيفية ضبطه. وكتابة الحديث وكيفية ضبطه.
ومن خلال تحفة السامع والقاري يتبين أن هذه العلوم ظهرت بدرجة جيدة إلى ممتازة عند القسطلاني في العديد من الجوانب:
1_ من حيث آداب طالب الحديث ظهر أدب القسطلاني الجم إزاء شيوخه بدرجة كبيرة.
2_ أما آداب المحدِّث فبرزت لديه من خلال رأفته وتلطفه بطالب العلم سامعًا له أو مطالعًا، حتى فضَّل العديد من علماء المتأخرين شرح القسطلاني للبخاري على سائر الشروح، وذلك لاكتمال صفات المعلم الناجح لدى القسطلاني، حتى إنه يمكن إعداد رسالة كبيرة حول منهج القسطلاني التعليمي.
3_ من حيث كيفية سماع الحديث وتحمله وضبطه:
أ_ لفتتنا عناية القسطلاني بتحمل الصحيح بأعلى درجات التحمل، وهي السماع من الشيخ أو القراءة عليه، دون الاكتفاء بمجرد الإجازة، بسياق سنده إلى البخاري رحمه الله، حيث روى صحيحه عبر كبار مسندي ومحدثي عصره، وميز بين رواية كل منهم عندما ساق أسانيدهم.
ب_ اعتنى القسطلاني ببيان صيغ التحمل من «حدَّثنا» و«أخبَرَنا »، وبين سماعه من المسندين بقراءته أوقراءة غيره. كما استعمل صيغة «روينا» لبيان روايته للصحاح بالسند المتصل إلى مؤلفيها.
ت_ اعتنى رحمه الله ببيان حال رجال البخاري الذين روى البخاري حديث الختم عنهم، من حيث ضبطهم وعدالتهم، واتصال السند بينهم.
ث_ اعتنى بذكر فروق الروايات عندما تتوفر تلك الفروق، وإن كان في هذا ناقلًا عن غيره. ولكنه في العديد من الأحيان مزج بين النسخ المروية للكتاب الواحد. كما فعل في العديد من أحاديث البخاري، فقد مزج بين نسخ صحيح البخاري، وكما فعل حين مزج بين روايات الصحاح للحديث؛ هذان السببان أخرجا الحديث الذي يذكره القسطلاني في بعض الأحيان عن أن يكون من رواية أي واحد من هذه الصحاح.
ج_ من حيث الضبط اعتنى القسطلاني بضبط الكلمات عن طريق الرواية الحديثية وعن طريق الدراسة اللغوية، ناقلًا في كل ذلك عن أكابر معاصريه وسابقيه. وإن كان سيبلغ غاية عالية في ضبط صحيح البخاري لدى شرحه له في كتابه إرشاد الساري، حين يضبط كلمات الأحاديث وأسماء رجال الأسانيد بالكتابة دون الاكتفاء بشكل الأحرف بالحركات.
ح_ طبق القسطلاني رحمه الله علوم مصطلح الحديث حين نبه على درجة الحديث الذي يرويه إما تصريحًا بأنه صحيح أو حسن أو غريب، وإما باستعمال صيغ التضعيف مثل: (يحكى) و (قيل). وإن كان أغفل في العديد من المرات الحكم على أحاديث شديدة الضعف بل وموضوعة.
خ_ انتبه القسطلاني رحمه إلى الفوائد الإسنادية التي ذكرها سابقوه من كبار المحدِّثين، كشيخه الشمس السخاوي، فذكرها ونوه بها.
دراية: يعرف علم الحديث دراية بأنه: علم بقوانين يعرف بها أحوال السند والمتن، من أجل التوصل إلى معرفة المقبول من المردود.
أ_ من خلال عبارات تصحيح وتضعيف الحديث التي ذكرها القسطلاني ومن خلال الحكم على الأحاديث والتنويه بمدى صحة الحديث نتبين أن القسطلاني رحمه الله كان على دراية واسعة بعلوم المصطلح، وإن كان لم يطبقها بنفسه على مدى واسع، هذا في التحفة أما في إرشاد الساري فأترك الحكم عليه لمن يطالعه من أهل العلم.
ب_ اضطرب القسطلاني رحمه الله في تقرير قواعد تصحيح وتضعيف الحديث، وأخشى أن يكون غلب عليه أحيانًا ما يعرف بغفلة الصالحين، حين يروي الحديث أو حين يقترب من الحكم عليه خصوصًا بالتضعيف أو الوضع.
وبعد فهذه التحفة محققة على الوسع نفعنا الله بها، وأسأل الله قبولها من القسطلاني ومنا وممن يطالعها.
عملنا : نسخنا الكتاب من هذه النسخة الفريدة وخرجنا الأحاديث والأشعار الواردة، وعزونا كل قول إلى مصدره، ونبهنا على مواضع التصحيف، وبقي أن ننبه إلى أن فهارس المخطوطات أشارت إلى وجود نسخة خطية من الكتاب في دار الكتب الوطنية في الجزائر ولدى مراجعتها لم تك للقسطلاني فتنبه.