التنبيهات المجملة على المواضع المشكلة

حديث عدي في نزول: {حتى يتبين لكم الخيط}

           ░17▒ ومنها: ما روى البخاريُّ ومسلم جميعًا في كتاب «الصوم»، من طريق حُصَيْنٍ، عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ☺ ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ} [البقرة:187] عَمَدْتُ إِلَى عِقَالٍ أَبْيَضَ وَعِقَالٍ أَسْوَدَ فَجَعَلْتُهُمَا تَحْتَ وِسَادَتِي فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ فِي اللَّيْلِ فَلَا يَسْتَبِينُ لِي، فَغَدَوْتُ(1) عَلَى رَسُولِ اللهِ صلعم وَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «إِنَّمَا ذَاكَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ»، وأخرجه البخاريُّ من حديث هُشَيم، ومسلم من حديث عبد الله بن إدريس، كلاهما عن حُصَين.
          ثم رواه البخاريُّ في «التفسير» من / طريق أبي عَوَانَةَ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيٍّ ☺ ، قَالَ: أَخَذَ عَدِيٌّ عِقَالًا أَبْيَضَ وَعِقَالًا أَسْوَدَ حَتَّى كَانَ بَعْضُ اللَّيْلِ نَظَرَ [فَلَمْ يَسْتَبِينَا](2) فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: يَا رَسُولَ الله؛ جَعَلْتُ تَحْتَ وِسَادِتي عِقَالَيْنِ، قَالَ: «إِنَّ وِسَادَكَ إِذًا لَعَرِيضٌ؛ أَنْ كَانَ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ وَالْأَسْوَدُ تَحْتَ وِسَادَتِكَ».
          وفي طريق جَرِيرٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ☺ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله؛ مَا الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ؟ أَهَذِهِ(3) الْخَيْطَانُ؟ قَالَ: «إِنَّكَ لَعَرِيضُ الْقَفَا إِنْ أَبْصَرْتَ الْخَيْطَيْنِ»، ثُمَّ قَالَ: «لَا بَلْ هُوَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ».
          وأخرج الترمذيُّ في «التفسير» من «جامعه»، من حديث سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ☺ ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صلعم عَنِ الصَّوْمِ(4) فَقَالَ: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ} [البقرة:187] قَالَ: فَأَخَذْتُ عِقَالَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْيَضُ وَالآخَرُ أَسْوَدُ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِمَا(5) ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلعم : «إِنَّمَا هُوَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ»، وقال فيه الترمذيُّ: حديث حسن.
          فهذه الرِّوايات الثلاث ليس فيها تقييِّد ذلك بنزول الآية، وهذا هو الصَّحيح، ومقتضى الرِّواية الأولى المتفق عليها: أنَّ ذلك كان عند نزول الآية، وهو مشكل؛ لأنَّ قدوم عديٍّ ☺ وإسلامه كان بالاتِّفاق في شهر شعبان من سنة سبع، ونزول الآية كان في أوَّل الإسلام قبل / ذلك بزمنٍ طويلٍ، فإنَّ الاتِّفاق على أنَّ هذه الآية نزلت ناسخة لما كان عليه الصَّحابة في أوَّل فرض الصوم من تحريم الأكل والجماع على الإنسان بعد ما ينام، إلى أن اتفقت قصَّة عمر ☺ وقيس بن صرمة ☺ ونزل قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَة الصِّيَامِ الرَّفَثُ} الآية [البقرة:187] ، قال السُّدِّيُّ، وأبو العالية، والربيع بن أنس: كان ذلك في أوَّل الإسلام، ثمَّ نسخه الله تعالى، ومعلوم أنَّ فرض رمضان كان في سنة اثنتين من الهجرة، فيكون نزول هذه الآية إمَّا في تلك السنة، أو في سنة ثلاث، ولم ينقل أحد أنَّ هذا الحكم تمادى إلى سنة سبع بعد إسلام عدي بن حاتم ☺ .
          وفي «صحيح البخاريِّ»، من طريق أَبِي(6) إِسْحَاقَ السَّبِيْعيِّ(7) : سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بنَ عازبٍ ☺ قَالَ: لَمَّا نَزَلَ صَوْمُ رَمَضَانَ كَانُوا لَا يَقْرَبُونَ النِّسَاءَ رَمَضَانَ كُلَّهُ وَكَانَ رِجَالٌ يَخُونُونَ أَنْفُسَهُمْ فَأَنْزَلَ الله تعالى: {عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ} الآية [البقرة:187] .
          ففي هذه الرِّواية أيضًا إشعار بأنَّ ذلك كان في أوَّلِ الإسلام(8) فالذي يظهر أنَّ عديًّا ☺ لمَّا سمع الآية؛ تأوَّل فيها ما تأوله فيه غيره من الصَّحابة ♥ عند نزولها كما سيأتي، إلَّا أن ذلك كان عند نزول الآية، فتكون الرِّواية الأولى حدَّث بها بعض الرُّواة بالمعنى، ولم يتفطَّن الشَّيخان لما فيها من المخالفة(9) من تقييِّد ذلك بنزول الآية.
          وأيضًا فالآية لم تنزل بكمالها من أوَّل الأمر، بل تأخر نزول قوله تعالى: {مِنَ الفَجْرِ / عن نزول بقيِّتها، فقد روى أبو حازم عن سهل بن(10) سعد ☻ قال: أنزلت: {فَكُلُوا واشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ}، ولم ينزل: {مِنَ الفَجْرِ}، فكان رجال إذا أرادوا الصوم، ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله: { مِنَ الفَجْرِ} فعلموا أنَّما يعني اللَّيل والنَّهار، متَّفق عليه، وهذا لفظ البخاريِّ، فهذه قضيَّة أخرى، غير(11) واقعة عدي ☺ (12) ، وهي متقدمة على قصَّة عدي، والله أعلم.


[1] في الأصل: ((قال مررت)).
[2] زيادة من أصول الرواية.
[3] في الأصل: ((بن)).
[4] في الأصل: ((وهذه)).
[5] في الأصل: ((الصومة)).
[6] في الأصل: ((إليها)).
[7] في الأصل: ((السبعي)).
[8] في الأصل: ((الكفر)).
[9] في الأصل: ((المبالغة)).
[10] في الأصل: ((سليمان)).
[11] في الأصل: ((عن)).
[12] في الأصل: ((عنهما)).