أسامي شيوخ البخاري وكناهم وأنسابهم وتواريخ وفياتهم وأسامي من رووا عنهم وكناهم وأنسابهم


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : أسامي شيوخ البخاري وكناهم وأنسابهم وتواريخ وفياتهم وأسامي من رووا عنهم وكناهم وأنسابهم
اسم المؤلف الكامل : الصغاني رضي الدين أبو الفضائل الحسن بن محمد
تاريخ الوفاة : 650
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : حسنين سلمان مهدي
الأجزاء : 1
حول الكتاب : بَنَى الصَّغَانيُّ رحمه الله صَرحَ كِتابِهُ مِن لَبِناتِ المصنَّفاتِ الَّتي سَبَقَته إلى المَوضوعِ، ولَيسَ بِدْعًا في ذلِكَ هُنا؛ فإنَّ التَّلخِيصَ والاختِصَارَ للكُتُبِ السَّابقةِ لَهُ _في الموضوعِ الَّذي يَتصدَّى للتأليف فيه_ صِفةٌ لازِمةٌ بارِزةٌ في مؤلَّفاتِهِ عُمُومًا، عَلى أَنَّه لَا يَقتَصِرُ عَلَى التَّلخِيصِ المُجرَّدِ مِن الإِضافاتِ والتَّنبِيهاتِ والتَّعليقاتِ الَّتي تُضفِي عَلَى النصِّ رَونقًا مُحبَّبًا لَدَى المُطالِعِ؛ بسببِ مَا تُوصِلُهُ إِلَيهِ مِن مَعلُوماتٍ قَد يَصعُبُ عَلَيهِ الوُقُوفُ عَلَيها بالتَّنقِيبِ الشَّخصيِّ في بُطُونِ الكُتُبِ.
ما يُؤَاخَذُ عَليهِ أبو الفضائلِ رحمه الله أنَّه لا يُصرِّحُ بمَصدَرِ اقتباسِهِ الأَساسِ الَّذي يشكِّل حَجَرَ الزَّاويةِ في لُحمةِ الكِتابِ، إنَّما يَحُوزُ النصَّ المقتَبَسَ إِلى حَظِيرتِهِ، ويَحصِدُ العِباراتِ المَنقُولَةِ إلى حَضِيرتِهِ، دونَ بَيانٍ ولَا تَنويهٍ إَلى أَغصانِ مَجانِيهِ، ولَا تتَّضِحُ أُصُولُ صِبغَتِه إلَّا بمراجَعَةِ ألوانِ الطَّيفِ السابِقةِ لَه في هذا الخِضمِّ، وهذا يُوقِعُ الباحِثَ في إِرباكٍ شَديدٍ؛ إذْ لَا تتوفَّر المصادِرُ نَفسُها بَينَ يَدَيه دَومًا، خُصُوصًا لَدَى المتأَخِّرينَ مِن أمثالِنا الواقِفِينَ عَلَى أَطلالِ حضَارةٍ تناهَبَتها الأَيدِي والأَطماعُ والفِتَنُ والمِحَنُ تَنَاهُبَ القَصْعَةِ الوَقْفِ المَشَاعِ!
وقَد تبيَّن أنَّ مصدَرَه الأَساس الَّذي نَسَجَ مِن قِماشتِه ثَوبَ هذا الِكتابِ هو كتابُ «الهِدايَةِ والإرشادِ في معرفة أهل الثِّقة والسَّدَاد» للحافِظِ أبي نَصْرٍ أَحمَدَ بنِ مُحمَّدِ بنِ الحُسَينِ البُخاريِّ الكَلَاباذِيِّ (المتوفَّى سنةَ 398ه)؛ فهُو يتابِعُ عِبارَتَه حتَّى في أخطائِهِ وأَوهامِهِ، ولَم يُصرِّح باسمِه _لا باسمِ كِتابِهِ_ عِندَ النَّقلِ عَنه إلَّا في مَوضِعَينِ مِن الكِتابِ فَقَطْ، أَحَدُهما عَلَى وَجهِ الانتِقادِ لَهُ.
ثُمَّ هُوَ يُرَمِّمُ النَّقصَ الَّذي يَعتَري كِتابَ الكَلَاباذِيِّ _مِن ناحِيَةِ تَراجُمِ شُيُوخِ الإِمامِ البُخَاريِّ أَو تَفاصِيلِها_ بالرُّجُوعِ ثانِيًا إِلَى كِتابِ «التَّعدِيلِ والتَّجرِيحِ لِمَن خَرَّجَ عَنه البُخاريُّ في الجامِعِ الصَّحِيح» للحافِظِ أَبي الوَلِيدِ سُلَيمَانِ بنِ خَلَفٍ البَاجِيِّ (المتوفَّى سنةَ 474ه)، وإِلَى كِتابِ «المُعجَم المُشتَمِل عَلَى ذِكْرِ أَسماءِ شُيُوخِ الأَئِمَّةِ النَّبَل» للحافِظِ مُؤَرِّخ الشَّامِ أَبي القَاسِمِ عَلِيِّ بنِ الحَسَنِ بنِ هِبَةِ اللهِ ابنِ عَسَاكِرَ الدِّمَشْقيِّ (المتوفَّى سنةَ 571ه)، وهُوَ لا يُصرِّحُ باسمِ الكِتابَينِ أَيضًا ولَا باسمِ مؤلِّفَيهِما.
ومِن الغَريبِ أَنَّ في هذهِ المَصادِرِ عِدَّةَ تَراجُمَ قَد فاتَت عَلَى أبي الفضَائِلِ رحمه اللهُ فَلَم يَذكُرْها في كِتابِهِ هذا، واستَدركناها عَليهِ مِنها في ضِمنِ مَا استَدرَكناهُ مِن تَراجُمِ شيُوخِ الإِمام البُخارِيِّ، ولَا أَظنُّها تَفلَّتَت عَليهِ إِلَّا بتأَثيرِ التَّعَبِ والكَلَلِ؛ فَقَد أَلَّف كِتابَه في أَوَاخِرِ شَهرِ رَمَضَانَ صائِمًا مُعتَكِفًا، كَمَا صرَّح بذلِكَ في خِتامِ الكِتابِ.
وَوَراءَ هذِهِ المَصادِرِ مَصدَرٌ رابِعٌ، كَانَ الصَّغَانيُّ رحمه اللهُ حَرِيصًا عَلَى تَتبُّعِ مَادَّتِه العِلميَّةِ بِغَرَضِ الانتِقادِ أَكثرَ مِن كَونِهِ بغَرَضِ الإِفادَةِ، أَلَا وهُوَ كِتَابُ «شُيُوخِ البُخاريِّ» للحافِظِ أَبي عَلِيٍّ أَحمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ أَحمَدَ البَرَدَانِيِّ البَغداديِّ (المتوفَّى سنةَ 498ه)، وقَد صَرَّح باسمِهِ في كُلِّ مَواضِعِ نَقلِهِ عَنه.
أمَّا في قضيَّةِ تَعِيينِ شَخصيَّةِ شُيُوخِ الإِمامِ البُخاريِّ الَّذينَ كانَ يُورِدُهُم مُبهَمِينَ مِن النَّسَبِ؛ فَقَد كانَ يَرجِعُ بالإِضافِةِ إِلَى ما تَقَدَّمَ إِلَى كِتابِ «تَقيِيدِ المُهمَلِ وتَميِيز المُشْكِل» للحافِظِ أَبي عَلِيٍّ الحُسَينِ بنِ مُحَمَّدٍ الغَسَّانِيِّ الجَيَّانِيِّ (المتوفَّى سنةَ 498ه)، وقَد نَقَلَ عَنه نَصًّا بحُرُوفِهِ دُونَ تَنوِيهٍ إِلَيهِ أَو تَصرِيحٍ باسمِهِ أَو اسمِ مؤلِّفِه.
هذا في مَا يخُصُّ مَصَادِرَهُ في استِيعابِ أَسماءِ شُيُوخِ الإِمامِ البُخارِيِّ؛ وهُم الهَيكَلُ الأَساسِ لبُنيَةِ الكِتابِ، أمَّا المصادِرُ الثانويَّة المُسانِدةِ لعَمَليَّة بناءِ جسَدِ الِكتابِ _والَّتي يَعُودُ إِلَيها لِتَدعِيمِ مادَّةِ التَّراجُمِ العِلميَّةِ، خُصُوصًا مَا أَخَلَّ بِهِ الكَلَاباذِيُّ أَو ابنُ عَسَاكِرَ في كِتابَيهِمَا مِن تَحدِيدِ سَنَةِ وَفاةٍ أَو مَكانِها أَو ما شَابَهَ ذلِكَ مِن المَعلُوماتِ_ فهُوَ يصرِّح بها أحيانًا، ويَكتَفي في أَغلَبِ الأَحيانِ بتَسميَةِ مؤلِّفيها عِندَ نَقلِهِ لأَقوالِهم؛ اعتِمادًا علَى شُهرةِ مؤلَّفاتِهم عِندَ ذَوِي الاختِصاصِ الَّذينَ هُم قُرَّاءُ الكِتابِ المُفتَرَضُونَ.
وَقَد اعتَمَدَ عَلَى مَجموعةٍ مِن كُتُب التَّراجُمِ الشَّهيرةِ الذَّائِعةِ الصِّيتِ؛ كـ «التأريخ الكَبير» للإِمامِ البُخاريِّ، وكتاب «الجَرحِ والتَّعديلِ» للحافِظِ أَبي مُحمَّدٍ عَبدِ الرَّحمنِ بن أَبي حاتمٍ مُحَمَّدِ بنِ إِدرِيسَ الرَّازِيِّ (المتوفَّى سنةَ 327ه)، وكِتابِ «الأَسامِي والكُنَى» للحافِظِ أَبي أَحمدَ مُحَمَّدِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ أَحمَدَ الحاكِمِ الكَرابِيسيِّ (المتوفَّى سنةَ 378ه)، وما شابَهَها مِن الكُتُبِ المَعرُوفةِ المُتدَاوَلَةِ، وَلم يَنقُل مِن كِتابٍ غَيرِ مَعروفٍ لَدَى عُمُومِ الطَّلبةِ.
وقَد كَانَت كُتُبُ التَّوارِيخِ البُلدانيَّةِ عَلَى رَأْسِ قائِمةِ مَصادِرِه؛ فَهوَ يَنقُل عَن «تارِيخِ مِصرَ» لأَبي سَعيدٍ عَبدِ الرَّحمنِ بنِ أَحمَدَ بن يُونُسَ بنِ عَبدِ الأَعلَى الصَّدَفيِّ (المتوفَّى سنةَ 347ه)، وعن «تاريخِ نَيسَابُورَ» لأَبي عَبدِ اللهِ مُحمَّدِ بنِ عَبدِ اللهِ بنِ أَحمَدَ ابنِ البَيِّعِ الحاكِمِ النَّيسابُوريِّ (المتوفَّى سنةَ 405ه)، وعن «تاريخ سَمَرقَندَ» لأَبي سَعْدٍ عَبدِ الرَّحمنِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ مُحمَّدٍ الإِدرِيسِيِّ (المتوفَّى سنةَ 405ه)، وهُوَ يُصرِّح بأَسماءِ هذه التَّوارِيخِ وبأَسماءِ أَصحابِها في الأَعَمِّ الأَغْلَبِ، أَمَّا عِندَما يَنقُلُ عن «تاريخِ مَدِينةِ السَّلَامِ» للحافِظِ أَبي بَكرٍ أَحمَدَ بنِ عَلِيِّ بنِ ثَابِتٍ الخَطِيبِ البَغداديِّ (المتوفَّى سنةَ 463ه)؛ فإِنَّه يَبخَسُهُ حَقَّه في الإِشارَةِ والإِشادَةِ؛ فعَلَى كَثرَةِ نَقلِهِ عَنه واعتِمادِهِ عَلَيهِ لَم يُصرِّح باسمِ الكِتابِ بَتاتًا، وإِنَّما صرَّح باسمِ الخَطيبِ في مَوضِعٍ وَحيدٍ فَقَطْ.
وقَد أَورَدَ الصَّغَانيُّ رحمه اللهُ المَعلُوماتِ الَّتي استَقاهَا مِن هذه المصادِرِ المتنَوِّعَةِ عَلَى النَّسَقِ المُتعَارَفِ عَلَيهِ في كُتُبِ التَّراجُمِ، ولَم يَخرُجْ عَن سِياقاتِ مَن سَبَقَه إِلَى هذا الفنِّ؛ فَهُو يَبتَدِئُ بسَرْدِ اسمِ صاحِبِ التَّرجمةِ، ويَذكُرُ الاختلافَ في اسمِهِ أَو نِسبَتِهِ إِنْ وُجِدَ، ويَسُوقُ بَعضَ المَعلُوماتِ والفَوائِدِ حَولَ بَعضِ أَجدَادِهِ.
ثُمَّ يُعرِّجُ بالشَّرحِ والبَيانِ لِبَعضِ الأَنسابِ والأَلقابِ، مَعَ تَوضِيحِ الوَجهِ اللُّغَويِّ الصَّحيحِ في ذلِكَ إِنْ وُجِدَ مَا يُخالِفُ أُصُولَ اللُّغةِ مِمَّا انتَشَرَ عَلَى أَلسِنَةِ المُحدِّثينَ.
ثُمَّ يَسرُدُ بَعدَ ذلِكَ شُيُوخَ صاحِبِ التَّرجمةِ الَّذينَ سَمِعَ مِنهُم، متقيِّدًا في ذلِكَ بِذِكْرِ أَسماءِ مَن حدَّثَ عَنهُم في «الجامِعِ الصَّحِيحِ» فَقَطْ دُونَ اتِّساعٍ في سَردِهِم، بَل إِنَّه قَد يقصِّرُ حتَّى في استِيعابِ هؤلاءِ.
ثُمَّ يُعيِّنُ مَواضِعَ رِوايَةِ الإِمامِ البُخاريِّ عَن صاحِبِ التَّرجمةِ في «الجامِعِ الصَّحِيحِ»، مُتابِعًا في ذلِكَ عِبارَةَ الحافِظِ أَبي نَصرٍ الكَلَاباذيِّ في «الهِدايَةِ والإِرشادِ»، وقَد يَزِيدُ عَلَيهِ أَحيانًا بِشَيءٍ مِن التَّوضِيحِ والتَّحديدِ لأَماكِنِ الرِّوايةِ، لكنَّه في كُلِّ ذلِكَ غَيرُ مُفتَرِعٍ للجَرْدِ ولَا مُستَقِلٌّ ببَيانِهِ، بل هُوَ تابِعٌ لجُهدِ سابِقيِه مِمَّن اعتَمَدَ عَلَى مصنَّفاتِهِم في هذا المَوضُوعِ؛ حتَّى إنَّه يُتابِعُهُم في أَخطائِهِم، بل إنَّه رُبَّما حَاوَلَ التَّحرُّرَ مِن عِباراتِهِم فيَتصَرَّف بِها بِما يُوقِعُهُ في الخطأِ حَيثُ نَجَوا هُمْ مِنهُ.
وهُوَ في هذا التَّعيينِ _تَبَعًا لأَصلِهِ الَّذي ينقُلُ عنه_ يُراعِي كَونَ صاحِبِ التَّرجمةِ مِمَّن أَكثرَ عنهُ الإِمامُ البُخاريُّ في «صحِيحِه»؛ فهؤلاءِ يُعيِّنُ المَوضِعَ الأَوَّلَ لِروايتِهِ عَنهم في «الصَّحِيحِ» دُونَ استِقصاءٍ، أمَّا إنْ كَانَ صاحبُ التَّرجمةِ ممَّن رَوَى عنه الإِمامُ البُخاريُّ شيئًا غَيرَ كَثيرٍ؛ فإِنَّه يَستَقصِي مَواضِعَ رِوايتِهِ عَنه، ومَا ينتابُهُ مِن التَّقصيرِ في خِلَالِ ذلِكَ الاستِيعابِ يَكُونُ نابِعًا مِن التَّبَعيَّةِ؛ فلَا يُعَصَّبُ برأْسِه إلَّا عَلَى وَجهِ الاستِنكارِ لِعَدَمِ استِقلَالِهِ في الجَرْدِ.
ثُمَّ يُحلِّي التَّرجمةَ بشيءٍ مِن تَفاصيلِ حَياةِ صَاحِبِها عَلَى وَجهِ الانتِقاءِ المَحضِ غَيرِ القائِمِ عَلَى تَركِيبٍ منطقيٍّ يُمكِنُ للباحِثِ استِشفافُهُ أو الوُقُوفُ عَليهِ بِجَلَاءٍ ووُضُوحٍ تامٍّ، وهُوَ يَفعَلُ ذلِكَ في ما يَبدُو تَروِيحًا وتَخفيفًا عَلَى القارِئِ مِن جَفَافِ مَوضُوعِ الكِتابِ.
ثُمَّ يَختمُ التَّرجمةَ بتَحديدِ زَمَنِ وَمَكانِ وَفاةِ صاحِبِها، ويَسُوقُ الاختلافَ في ذلِكَ إِنْ وُجِدَ.
وقَد أَشَارَ الصَّغَانيُّ رحمه اللهُ في مقدِّمةِ كتابِهِ إِلى التِزامِهِ بالتَّرميزِ بالحرف: (ق) فَوقَ اسمِ صاحِبِ التَّرجمةِ الَّذي اتَّفَق الإِمامانِ البُخاريُّ ومُسلمٌ عَلَى الرِّوايةِ عنهُ، لكنَّه لم يلتَزِم ذلِكَ إِلَّا في أَوَّلِ ترجمةٍ مَرَّت بِهِ داخلةً في نِطَاقِ شَرْطِه وأَغفَلَ البَاقِينَ وهُم كَثيرُونَ، ولَا شَكَّ أَنَّ الكَلَلَ في تتبُّعِ ذلِكَ قَد أَخَذَ مأْخَذَه مِنه؛ فأَهمَلَهُ.
غَيرُ هذا، فقَد حَفِظَ لنا الكِتابُ طَرَفًا مُهمًّا مِن نُصُوصٍ مَنقولةٍ عَن كُتُبٍ أَصبَحَت اليَومَ أَثرًا بَعدَ عَينٍ، وهذهِ _وإِنْ كَانَت قِيمةً اعتِباريَّةً_ تُضفِي عَلَى مادَّتِهِ العِلميَّةِ أَهميَّةً بالِغةً، وتَرفَعُ مِن مَكانَتِه لَدَى المتأَخِّرينَ مِن الباحِثِينَ، وإِلَّا فَباستثناءِ هذه النُّقُولِ، فإِنَّ الكِتابَ نِسبةً لأَهلِ عَصرِهِ لا إِضافَةَ حَقيقيَّة فيه؛ مِن ناحِيةِ كَونِ مؤلِّفه مِن غَيرِ المَعرُوفِينَ بالتَّخصُّص التَّامِّ في عِلمِ الحَدِيثِ الشَّرِيفِ ولَا في رِجالِهِ؛ فلَا يَتَوقَّع المُطالِعُ الوُقُوفَ عَلَى فَوائِدَ مُهمَّةٍ في مَوضُوعِ الكِتابِ، وهذا وَاقعٌ كَانَ المؤلِّفُ رحمه اللهُ نَفسُهُ عَلَى يَقينٍ مِنه؛ لِذلِكَ طَوَى الكِتابَ عَن فَضَاءِ النَّشْرِ، وأَحجَمَ عَن إذاعَتِه بَينَ طَلَبتِهِ المتقاطِرِينَ عَلَى حَوضِ أُستاذيَّتِه مِن كُلِّ أَرجاءِ المَعمُورةِ.
حول المؤلف : هو الحسن بن محمد بن الحسن بن حيدر العدوي العمري الصغاني – نسبة إلى قرية بمرو- الحنفي رضي الدين: أعلم أهل عصره في اللغة.
وكان فقيهًا محدثًا.
ولد في لاهور (بالهند) ونشأ بغزنة (من بلاد السند) ودخل بغداد، ورحل إلى اليمن، وتوفي ودفن في بغداد، بداره بالحريم الطاهري، وكان قد أوصى أن يدفن بمكه، فنقل إليها ودفن بها.
له تصانيف كثيرة منها (مجمع البحرين)، و (التكملة) ست مجلدات، جعلها تكملة لصحاح الجوهري، و (العباب) معجم في اللغة ألفه لابن العلقمي (وزير المستعصم)، بقيت منه أجزاء، و (الشوارد في اللغات) و (الأضداد) و (مشارق الأنوار)، ألفه للمستنصر العباسي، و (در السحابة في مواضع وفيات الصحابة)، و(مختصر الوفيات) و (ما تفرد به بعض أئمة اللغة) جزء.
عملنا : قامت اللجنة العلمية لدى دار الكمال المتحدة بمقابلة التراجم على كتب الحفاظ (ابن عدي، وابن منده، والكلاباذي) باعبتارها من مصادر المؤلف، والتنبيه على ما تفرد المؤلف بذكره عنهم، فرمزت ب (ع) لما تفرد به المؤلف عن ابن عدي، وبرمز (م) لما تفرد به المؤلف عن ابن منده، وبرمز(ك) لما تفرد به المؤلف عن الكلاباذي، ووضعت هذه الرموز قبل الرقم المتسلسل للترجمة.
كما قامت اللجنة العلمية بالتنبيه والاستدراك على بعض المواضع، لتتمم بذلك محاسن الكتاب، ورمزنا في أولها بالرمز (ل)؛ لتبرأ ذمة المحقق من تبعاتها.

أسامي شيوخ البخاري وكناهم وأنسابهم وتواريخ وفياتهم وأسامي من رووا عنهم وكناهم وأنسابهم


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : أسامي شيوخ البخاري وكناهم وأنسابهم وتواريخ وفياتهم وأسامي من رووا عنهم وكناهم وأنسابهم
اسم المؤلف الكامل : الصغاني رضي الدين أبو الفضائل الحسن بن محمد
تاريخ الوفاة : 650
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : حسنين سلمان مهدي
الأجزاء : 1
حول الكتاب : بَنَى الصَّغَانيُّ رحمه الله صَرحَ كِتابِهُ مِن لَبِناتِ المصنَّفاتِ الَّتي سَبَقَته إلى المَوضوعِ، ولَيسَ بِدْعًا في ذلِكَ هُنا؛ فإنَّ التَّلخِيصَ والاختِصَارَ للكُتُبِ السَّابقةِ لَهُ _في الموضوعِ الَّذي يَتصدَّى للتأليف فيه_ صِفةٌ لازِمةٌ بارِزةٌ في مؤلَّفاتِهِ عُمُومًا، عَلى أَنَّه لَا يَقتَصِرُ عَلَى التَّلخِيصِ المُجرَّدِ مِن الإِضافاتِ والتَّنبِيهاتِ والتَّعليقاتِ الَّتي تُضفِي عَلَى النصِّ رَونقًا مُحبَّبًا لَدَى المُطالِعِ؛ بسببِ مَا تُوصِلُهُ إِلَيهِ مِن مَعلُوماتٍ قَد يَصعُبُ عَلَيهِ الوُقُوفُ عَلَيها بالتَّنقِيبِ الشَّخصيِّ في بُطُونِ الكُتُبِ.
ما يُؤَاخَذُ عَليهِ أبو الفضائلِ رحمه الله أنَّه لا يُصرِّحُ بمَصدَرِ اقتباسِهِ الأَساسِ الَّذي يشكِّل حَجَرَ الزَّاويةِ في لُحمةِ الكِتابِ، إنَّما يَحُوزُ النصَّ المقتَبَسَ إِلى حَظِيرتِهِ، ويَحصِدُ العِباراتِ المَنقُولَةِ إلى حَضِيرتِهِ، دونَ بَيانٍ ولَا تَنويهٍ إَلى أَغصانِ مَجانِيهِ، ولَا تتَّضِحُ أُصُولُ صِبغَتِه إلَّا بمراجَعَةِ ألوانِ الطَّيفِ السابِقةِ لَه في هذا الخِضمِّ، وهذا يُوقِعُ الباحِثَ في إِرباكٍ شَديدٍ؛ إذْ لَا تتوفَّر المصادِرُ نَفسُها بَينَ يَدَيه دَومًا، خُصُوصًا لَدَى المتأَخِّرينَ مِن أمثالِنا الواقِفِينَ عَلَى أَطلالِ حضَارةٍ تناهَبَتها الأَيدِي والأَطماعُ والفِتَنُ والمِحَنُ تَنَاهُبَ القَصْعَةِ الوَقْفِ المَشَاعِ!
وقَد تبيَّن أنَّ مصدَرَه الأَساس الَّذي نَسَجَ مِن قِماشتِه ثَوبَ هذا الِكتابِ هو كتابُ «الهِدايَةِ والإرشادِ في معرفة أهل الثِّقة والسَّدَاد» للحافِظِ أبي نَصْرٍ أَحمَدَ بنِ مُحمَّدِ بنِ الحُسَينِ البُخاريِّ الكَلَاباذِيِّ (المتوفَّى سنةَ 398ه)؛ فهُو يتابِعُ عِبارَتَه حتَّى في أخطائِهِ وأَوهامِهِ، ولَم يُصرِّح باسمِه _لا باسمِ كِتابِهِ_ عِندَ النَّقلِ عَنه إلَّا في مَوضِعَينِ مِن الكِتابِ فَقَطْ، أَحَدُهما عَلَى وَجهِ الانتِقادِ لَهُ.
ثُمَّ هُوَ يُرَمِّمُ النَّقصَ الَّذي يَعتَري كِتابَ الكَلَاباذِيِّ _مِن ناحِيَةِ تَراجُمِ شُيُوخِ الإِمامِ البُخَاريِّ أَو تَفاصِيلِها_ بالرُّجُوعِ ثانِيًا إِلَى كِتابِ «التَّعدِيلِ والتَّجرِيحِ لِمَن خَرَّجَ عَنه البُخاريُّ في الجامِعِ الصَّحِيح» للحافِظِ أَبي الوَلِيدِ سُلَيمَانِ بنِ خَلَفٍ البَاجِيِّ (المتوفَّى سنةَ 474ه)، وإِلَى كِتابِ «المُعجَم المُشتَمِل عَلَى ذِكْرِ أَسماءِ شُيُوخِ الأَئِمَّةِ النَّبَل» للحافِظِ مُؤَرِّخ الشَّامِ أَبي القَاسِمِ عَلِيِّ بنِ الحَسَنِ بنِ هِبَةِ اللهِ ابنِ عَسَاكِرَ الدِّمَشْقيِّ (المتوفَّى سنةَ 571ه)، وهُوَ لا يُصرِّحُ باسمِ الكِتابَينِ أَيضًا ولَا باسمِ مؤلِّفَيهِما.
ومِن الغَريبِ أَنَّ في هذهِ المَصادِرِ عِدَّةَ تَراجُمَ قَد فاتَت عَلَى أبي الفضَائِلِ رحمه اللهُ فَلَم يَذكُرْها في كِتابِهِ هذا، واستَدركناها عَليهِ مِنها في ضِمنِ مَا استَدرَكناهُ مِن تَراجُمِ شيُوخِ الإِمام البُخارِيِّ، ولَا أَظنُّها تَفلَّتَت عَليهِ إِلَّا بتأَثيرِ التَّعَبِ والكَلَلِ؛ فَقَد أَلَّف كِتابَه في أَوَاخِرِ شَهرِ رَمَضَانَ صائِمًا مُعتَكِفًا، كَمَا صرَّح بذلِكَ في خِتامِ الكِتابِ.
وَوَراءَ هذِهِ المَصادِرِ مَصدَرٌ رابِعٌ، كَانَ الصَّغَانيُّ رحمه اللهُ حَرِيصًا عَلَى تَتبُّعِ مَادَّتِه العِلميَّةِ بِغَرَضِ الانتِقادِ أَكثرَ مِن كَونِهِ بغَرَضِ الإِفادَةِ، أَلَا وهُوَ كِتَابُ «شُيُوخِ البُخاريِّ» للحافِظِ أَبي عَلِيٍّ أَحمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ أَحمَدَ البَرَدَانِيِّ البَغداديِّ (المتوفَّى سنةَ 498ه)، وقَد صَرَّح باسمِهِ في كُلِّ مَواضِعِ نَقلِهِ عَنه.
أمَّا في قضيَّةِ تَعِيينِ شَخصيَّةِ شُيُوخِ الإِمامِ البُخاريِّ الَّذينَ كانَ يُورِدُهُم مُبهَمِينَ مِن النَّسَبِ؛ فَقَد كانَ يَرجِعُ بالإِضافِةِ إِلَى ما تَقَدَّمَ إِلَى كِتابِ «تَقيِيدِ المُهمَلِ وتَميِيز المُشْكِل» للحافِظِ أَبي عَلِيٍّ الحُسَينِ بنِ مُحَمَّدٍ الغَسَّانِيِّ الجَيَّانِيِّ (المتوفَّى سنةَ 498ه)، وقَد نَقَلَ عَنه نَصًّا بحُرُوفِهِ دُونَ تَنوِيهٍ إِلَيهِ أَو تَصرِيحٍ باسمِهِ أَو اسمِ مؤلِّفِه.
هذا في مَا يخُصُّ مَصَادِرَهُ في استِيعابِ أَسماءِ شُيُوخِ الإِمامِ البُخارِيِّ؛ وهُم الهَيكَلُ الأَساسِ لبُنيَةِ الكِتابِ، أمَّا المصادِرُ الثانويَّة المُسانِدةِ لعَمَليَّة بناءِ جسَدِ الِكتابِ _والَّتي يَعُودُ إِلَيها لِتَدعِيمِ مادَّةِ التَّراجُمِ العِلميَّةِ، خُصُوصًا مَا أَخَلَّ بِهِ الكَلَاباذِيُّ أَو ابنُ عَسَاكِرَ في كِتابَيهِمَا مِن تَحدِيدِ سَنَةِ وَفاةٍ أَو مَكانِها أَو ما شَابَهَ ذلِكَ مِن المَعلُوماتِ_ فهُوَ يصرِّح بها أحيانًا، ويَكتَفي في أَغلَبِ الأَحيانِ بتَسميَةِ مؤلِّفيها عِندَ نَقلِهِ لأَقوالِهم؛ اعتِمادًا علَى شُهرةِ مؤلَّفاتِهم عِندَ ذَوِي الاختِصاصِ الَّذينَ هُم قُرَّاءُ الكِتابِ المُفتَرَضُونَ.
وَقَد اعتَمَدَ عَلَى مَجموعةٍ مِن كُتُب التَّراجُمِ الشَّهيرةِ الذَّائِعةِ الصِّيتِ؛ كـ «التأريخ الكَبير» للإِمامِ البُخاريِّ، وكتاب «الجَرحِ والتَّعديلِ» للحافِظِ أَبي مُحمَّدٍ عَبدِ الرَّحمنِ بن أَبي حاتمٍ مُحَمَّدِ بنِ إِدرِيسَ الرَّازِيِّ (المتوفَّى سنةَ 327ه)، وكِتابِ «الأَسامِي والكُنَى» للحافِظِ أَبي أَحمدَ مُحَمَّدِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ أَحمَدَ الحاكِمِ الكَرابِيسيِّ (المتوفَّى سنةَ 378ه)، وما شابَهَها مِن الكُتُبِ المَعرُوفةِ المُتدَاوَلَةِ، وَلم يَنقُل مِن كِتابٍ غَيرِ مَعروفٍ لَدَى عُمُومِ الطَّلبةِ.
وقَد كَانَت كُتُبُ التَّوارِيخِ البُلدانيَّةِ عَلَى رَأْسِ قائِمةِ مَصادِرِه؛ فَهوَ يَنقُل عَن «تارِيخِ مِصرَ» لأَبي سَعيدٍ عَبدِ الرَّحمنِ بنِ أَحمَدَ بن يُونُسَ بنِ عَبدِ الأَعلَى الصَّدَفيِّ (المتوفَّى سنةَ 347ه)، وعن «تاريخِ نَيسَابُورَ» لأَبي عَبدِ اللهِ مُحمَّدِ بنِ عَبدِ اللهِ بنِ أَحمَدَ ابنِ البَيِّعِ الحاكِمِ النَّيسابُوريِّ (المتوفَّى سنةَ 405ه)، وعن «تاريخ سَمَرقَندَ» لأَبي سَعْدٍ عَبدِ الرَّحمنِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ مُحمَّدٍ الإِدرِيسِيِّ (المتوفَّى سنةَ 405ه)، وهُوَ يُصرِّح بأَسماءِ هذه التَّوارِيخِ وبأَسماءِ أَصحابِها في الأَعَمِّ الأَغْلَبِ، أَمَّا عِندَما يَنقُلُ عن «تاريخِ مَدِينةِ السَّلَامِ» للحافِظِ أَبي بَكرٍ أَحمَدَ بنِ عَلِيِّ بنِ ثَابِتٍ الخَطِيبِ البَغداديِّ (المتوفَّى سنةَ 463ه)؛ فإِنَّه يَبخَسُهُ حَقَّه في الإِشارَةِ والإِشادَةِ؛ فعَلَى كَثرَةِ نَقلِهِ عَنه واعتِمادِهِ عَلَيهِ لَم يُصرِّح باسمِ الكِتابِ بَتاتًا، وإِنَّما صرَّح باسمِ الخَطيبِ في مَوضِعٍ وَحيدٍ فَقَطْ.
وقَد أَورَدَ الصَّغَانيُّ رحمه اللهُ المَعلُوماتِ الَّتي استَقاهَا مِن هذه المصادِرِ المتنَوِّعَةِ عَلَى النَّسَقِ المُتعَارَفِ عَلَيهِ في كُتُبِ التَّراجُمِ، ولَم يَخرُجْ عَن سِياقاتِ مَن سَبَقَه إِلَى هذا الفنِّ؛ فَهُو يَبتَدِئُ بسَرْدِ اسمِ صاحِبِ التَّرجمةِ، ويَذكُرُ الاختلافَ في اسمِهِ أَو نِسبَتِهِ إِنْ وُجِدَ، ويَسُوقُ بَعضَ المَعلُوماتِ والفَوائِدِ حَولَ بَعضِ أَجدَادِهِ.
ثُمَّ يُعرِّجُ بالشَّرحِ والبَيانِ لِبَعضِ الأَنسابِ والأَلقابِ، مَعَ تَوضِيحِ الوَجهِ اللُّغَويِّ الصَّحيحِ في ذلِكَ إِنْ وُجِدَ مَا يُخالِفُ أُصُولَ اللُّغةِ مِمَّا انتَشَرَ عَلَى أَلسِنَةِ المُحدِّثينَ.
ثُمَّ يَسرُدُ بَعدَ ذلِكَ شُيُوخَ صاحِبِ التَّرجمةِ الَّذينَ سَمِعَ مِنهُم، متقيِّدًا في ذلِكَ بِذِكْرِ أَسماءِ مَن حدَّثَ عَنهُم في «الجامِعِ الصَّحِيحِ» فَقَطْ دُونَ اتِّساعٍ في سَردِهِم، بَل إِنَّه قَد يقصِّرُ حتَّى في استِيعابِ هؤلاءِ.
ثُمَّ يُعيِّنُ مَواضِعَ رِوايَةِ الإِمامِ البُخاريِّ عَن صاحِبِ التَّرجمةِ في «الجامِعِ الصَّحِيحِ»، مُتابِعًا في ذلِكَ عِبارَةَ الحافِظِ أَبي نَصرٍ الكَلَاباذيِّ في «الهِدايَةِ والإِرشادِ»، وقَد يَزِيدُ عَلَيهِ أَحيانًا بِشَيءٍ مِن التَّوضِيحِ والتَّحديدِ لأَماكِنِ الرِّوايةِ، لكنَّه في كُلِّ ذلِكَ غَيرُ مُفتَرِعٍ للجَرْدِ ولَا مُستَقِلٌّ ببَيانِهِ، بل هُوَ تابِعٌ لجُهدِ سابِقيِه مِمَّن اعتَمَدَ عَلَى مصنَّفاتِهِم في هذا المَوضُوعِ؛ حتَّى إنَّه يُتابِعُهُم في أَخطائِهِم، بل إنَّه رُبَّما حَاوَلَ التَّحرُّرَ مِن عِباراتِهِم فيَتصَرَّف بِها بِما يُوقِعُهُ في الخطأِ حَيثُ نَجَوا هُمْ مِنهُ.
وهُوَ في هذا التَّعيينِ _تَبَعًا لأَصلِهِ الَّذي ينقُلُ عنه_ يُراعِي كَونَ صاحِبِ التَّرجمةِ مِمَّن أَكثرَ عنهُ الإِمامُ البُخاريُّ في «صحِيحِه»؛ فهؤلاءِ يُعيِّنُ المَوضِعَ الأَوَّلَ لِروايتِهِ عَنهم في «الصَّحِيحِ» دُونَ استِقصاءٍ، أمَّا إنْ كَانَ صاحبُ التَّرجمةِ ممَّن رَوَى عنه الإِمامُ البُخاريُّ شيئًا غَيرَ كَثيرٍ؛ فإِنَّه يَستَقصِي مَواضِعَ رِوايتِهِ عَنه، ومَا ينتابُهُ مِن التَّقصيرِ في خِلَالِ ذلِكَ الاستِيعابِ يَكُونُ نابِعًا مِن التَّبَعيَّةِ؛ فلَا يُعَصَّبُ برأْسِه إلَّا عَلَى وَجهِ الاستِنكارِ لِعَدَمِ استِقلَالِهِ في الجَرْدِ.
ثُمَّ يُحلِّي التَّرجمةَ بشيءٍ مِن تَفاصيلِ حَياةِ صَاحِبِها عَلَى وَجهِ الانتِقاءِ المَحضِ غَيرِ القائِمِ عَلَى تَركِيبٍ منطقيٍّ يُمكِنُ للباحِثِ استِشفافُهُ أو الوُقُوفُ عَليهِ بِجَلَاءٍ ووُضُوحٍ تامٍّ، وهُوَ يَفعَلُ ذلِكَ في ما يَبدُو تَروِيحًا وتَخفيفًا عَلَى القارِئِ مِن جَفَافِ مَوضُوعِ الكِتابِ.
ثُمَّ يَختمُ التَّرجمةَ بتَحديدِ زَمَنِ وَمَكانِ وَفاةِ صاحِبِها، ويَسُوقُ الاختلافَ في ذلِكَ إِنْ وُجِدَ.
وقَد أَشَارَ الصَّغَانيُّ رحمه اللهُ في مقدِّمةِ كتابِهِ إِلى التِزامِهِ بالتَّرميزِ بالحرف: (ق) فَوقَ اسمِ صاحِبِ التَّرجمةِ الَّذي اتَّفَق الإِمامانِ البُخاريُّ ومُسلمٌ عَلَى الرِّوايةِ عنهُ، لكنَّه لم يلتَزِم ذلِكَ إِلَّا في أَوَّلِ ترجمةٍ مَرَّت بِهِ داخلةً في نِطَاقِ شَرْطِه وأَغفَلَ البَاقِينَ وهُم كَثيرُونَ، ولَا شَكَّ أَنَّ الكَلَلَ في تتبُّعِ ذلِكَ قَد أَخَذَ مأْخَذَه مِنه؛ فأَهمَلَهُ.
غَيرُ هذا، فقَد حَفِظَ لنا الكِتابُ طَرَفًا مُهمًّا مِن نُصُوصٍ مَنقولةٍ عَن كُتُبٍ أَصبَحَت اليَومَ أَثرًا بَعدَ عَينٍ، وهذهِ _وإِنْ كَانَت قِيمةً اعتِباريَّةً_ تُضفِي عَلَى مادَّتِهِ العِلميَّةِ أَهميَّةً بالِغةً، وتَرفَعُ مِن مَكانَتِه لَدَى المتأَخِّرينَ مِن الباحِثِينَ، وإِلَّا فَباستثناءِ هذه النُّقُولِ، فإِنَّ الكِتابَ نِسبةً لأَهلِ عَصرِهِ لا إِضافَةَ حَقيقيَّة فيه؛ مِن ناحِيةِ كَونِ مؤلِّفه مِن غَيرِ المَعرُوفِينَ بالتَّخصُّص التَّامِّ في عِلمِ الحَدِيثِ الشَّرِيفِ ولَا في رِجالِهِ؛ فلَا يَتَوقَّع المُطالِعُ الوُقُوفَ عَلَى فَوائِدَ مُهمَّةٍ في مَوضُوعِ الكِتابِ، وهذا وَاقعٌ كَانَ المؤلِّفُ رحمه اللهُ نَفسُهُ عَلَى يَقينٍ مِنه؛ لِذلِكَ طَوَى الكِتابَ عَن فَضَاءِ النَّشْرِ، وأَحجَمَ عَن إذاعَتِه بَينَ طَلَبتِهِ المتقاطِرِينَ عَلَى حَوضِ أُستاذيَّتِه مِن كُلِّ أَرجاءِ المَعمُورةِ.
حول المؤلف : هو الحسن بن محمد بن الحسن بن حيدر العدوي العمري الصغاني – نسبة إلى قرية بمرو- الحنفي رضي الدين: أعلم أهل عصره في اللغة.
وكان فقيهًا محدثًا.
ولد في لاهور (بالهند) ونشأ بغزنة (من بلاد السند) ودخل بغداد، ورحل إلى اليمن، وتوفي ودفن في بغداد، بداره بالحريم الطاهري، وكان قد أوصى أن يدفن بمكه، فنقل إليها ودفن بها.
له تصانيف كثيرة منها (مجمع البحرين)، و (التكملة) ست مجلدات، جعلها تكملة لصحاح الجوهري، و (العباب) معجم في اللغة ألفه لابن العلقمي (وزير المستعصم)، بقيت منه أجزاء، و (الشوارد في اللغات) و (الأضداد) و (مشارق الأنوار)، ألفه للمستنصر العباسي، و (در السحابة في مواضع وفيات الصحابة)، و(مختصر الوفيات) و (ما تفرد به بعض أئمة اللغة) جزء.
عملنا : قامت اللجنة العلمية لدى دار الكمال المتحدة بمقابلة التراجم على كتب الحفاظ (ابن عدي، وابن منده، والكلاباذي) باعبتارها من مصادر المؤلف، والتنبيه على ما تفرد المؤلف بذكره عنهم، فرمزت ب (ع) لما تفرد به المؤلف عن ابن عدي، وبرمز (م) لما تفرد به المؤلف عن ابن منده، وبرمز(ك) لما تفرد به المؤلف عن الكلاباذي، ووضعت هذه الرموز قبل الرقم المتسلسل للترجمة.
كما قامت اللجنة العلمية بالتنبيه والاستدراك على بعض المواضع، لتتمم بذلك محاسن الكتاب، ورمزنا في أولها بالرمز (ل)؛ لتبرأ ذمة المحقق من تبعاتها.