شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح

إبدال فاء ما كان على وزن «افتعل»

          ░61▒
          ومنها قولُ عائشةَ ♦: (كانت إِحْدَانا إذا كانت حائضًا فأرادَ رسولُ اللهِ صلعم أَنْ يُبَاشِرَهَا، أَمَرَهَا أَنْ تَتَّزِرَ). [خ¦302]
          وقولُ عُمرَ ☺: (وَمَا لَناَ والرَّمَلَ(1) ؟! إنَّما كُنَّا رَاءَيْنا بِهِ المشرِكِينَ وقَد أَهْلَكَهم اللهُ). [خ¦1605]
           ويُرْوَى: (رَايَيْنَا) بياءين.
          وفي حَديثِ أَبي عَبدِ الرحمن: (أنَّ عثمانَ ☺ حيثُ حُوصِرَ أَشْرَفَ عليهم). [خ¦2778]
          قلتُ: ما كان على وزن (افْتَعَل) مِمَّا فاؤُه واوٌ أو يَاءٌ، فإبدالُ فائِه/ تاءً لازمٌ في اللغة المشهورة، نحو: اتَّصلَ يَتَّصِلُ، واتَّسَر يَتَّسِرُ، فالتاء الأُولى في (اتَّصَلَ) بدلٌ من واوٍ، وفي (اتَّسَرَ) بدلٌ من ياءٍ.
          فإنْ كانت فاءُ(2) ما وَزْنُه(3) (افْتَعَل) همزةً؛ أُبدلَتْ ياءً بعدَ هَمزةِ الوَصل / مَبدُوءًا بها، نحو: ايْتَمَنَ(4) وايْتَمَرَ(5) وايْتِمَارٍ(6)، وأَلِفًا بعدَ هَمزةِ المتَكَلِّم، نحو: أَاتَمِرُ، وسَلِمتْ فيما(7) سوَى ذلك، نحو: يَأْتَمِرُ ائْتِمارًا فهو مُؤْتَمِرٌ.
          وقد يُشَبَّهُ هذا النوعُ بِما(8) فاؤُه واوٌ أو ياءٌ، فتَجِيءُ(9) بتاءٍ مُشَدَّدَةٍ قبلَ العين، لكنَّه مَقصورٌ على السَّماعِ، كـ: (اتَّزَرَ)، و(اتَّكَلَ) مِن الغَيْظِ، ومنهُ قِراءة ابنِ مُحَيْصِنٍ: ▬فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اتُّمِنَ أَمَانَتَهُ↨، بألف وَصْلٍ وتاءٍ مُشَدَّدَةٍ.
          وفي (وما لنا والرَّمَلَ) شاهدٌ على وُجُوبِ نصبِ المفعول معه بعد الضمير المجرور في نحو: (مَا لَكَ وزيدًا)، و(مَا شَأنُكَ وَعَمْرًا)، و(حَسْبُكَ وأَخَاكَ دِرْهَمٌ).
          وإنما وَجَبَ نصبُ ما وَلِيَ الواوَ في هذه الأمثلة وشِبْهِها؛ / لأنَّ مَتْلُوَّهَا ضميرٌ مجرورٌ، ولا يجوزُ العطفُ عليه إلَّا بإعادة الجارِّ.
          فلو كان بدلَ الضميرِ ظَاهرٌ(10) جاز الجرُّ والنصبُ، نحو: (ما لزَيْدٍ / والعَرَبَ يَسُبُّها).
          وأجاز الأَخْفَشُ والكوفيون العطفَ على الضمير المجرور دُون إعادة الجارِّ، فيجوز على مذهبهم: (مَا لَنَا والرَّمَلِ) بالجرِّ، ورَوَى الأَخْفَشُ في:
فَحَسْبُكَ والضَّحَّاكَ سيفٌ مُهَنَّدُ
          الجرَّ على العطفِ، والنصبَ على كونِه مفعولاً معه، والرفعَ بالابتداء وحَذْفِ الخَبر.
          وقولُه: (رَاءَيْنَا بهِ(11) المشرِكِين) معناهُ: أَظْهَرْنا لهم القُوَّةَ ونحنُ ضُعَفَاءُ، فجَعَل ذلك رِيَاءً؛ لأنَّ المُرَائيَ يُظْهِرُ غيرَ ما هو عليه. /
          ومِنْ رَوَاه بياءَين، حَمَله على (رِيَيَاءٍ)، والأصلُ: رِئَيَاءٌ، فقُلِبَت الهمزةُ ياءً لفَتحِها وكَسْرِ ما قَبلَها، وحُمِل الفِعلُ على المصدَرِ وإنْ لم تُوجَدِ الكَسرةُ، كما قالوا في (آخيتُ): وَاخَيتُ، حَمْلاً على يُوَاخي ومُوَاخَاةٍ، والأصل:/ يُؤاخِي ومُؤاخاةٌ، فَقُلبتِ الهمزةُ وَاوًا لفَتحِها بعدَ ضَمَّةٍ، وفُعِلَ ذلك بهمزةِ الفِعل الماضي وإِنْ لم تُوجَدِ الضمَّةُ؛ لِيَجرِيَ على سَنَنِ المضَارِع والمصدر.
          وفي قولِه: (حَيثُ حُوصِرَ أَشْرفَ عليهم) حُجَّةٌ للأَخْفَشِ في(12) جَوَازِ استعمالِ (حيثُ) ظَرفَ زَمَانٍ(13)؛ لأنَّ المعنى: حينَ حُوصِرَ أَشْرَفَ عليهم، ومثلُه قولُ الشاعر:
للفتى عَقْلٌ يَعِيشُ بهِ                     حَيثُ تَهدِي سَاقَهُ قَدَمُهْ /


[1] الذي في اليونينية: (وللرَّمَل)، وهو المثبَت في (ظ) مضبَّبًا عليه، لكنَّ النسخةَ التي شرح عليها القَسطلَّاني موافقةٌ لما نقله المؤلِّف، وقد أشار الحافظ ابن حجر إلى رواية مَن رواه بالنصب ولم يعيِّنه، انظر الإرشاد: 3/ 166، وفتح الباري: 3/ 471.
[2] في (ج) زيادة: (ما موصوله)، ولا معنى لها.
[3] بهامش (ج): (في نسخة: ما مَوزُونُه).
[4] تصحَّفت في (ب): (ايْتَمَر) بالراء بدل النون، وهو موافقٌ لما في النسخة القادرية.
[5] في (ب) زيادة: (به).
[6] العبارة في (ظ): (نحو: ايْتَمَرَ، وايْتَمَرَ بهِ، وايْتَمَرُوا ايْتِمارًا).
[7] لفظة: (ما) ليست في (ب).
[8] في (ج): (مما) بالميم.
[9] في (ب) و(ج) و(ظ): (فيجيء) بالياء.
[10] في (ظ): (فلو كان بدَلُ الضميرِ ظاهِرًا).
[11] لفظة: (به) ليست في الأصل.
[12] في الأصل: (على)، والمثبَت من سائر الأصول موافقٌ لما في النسخة القادرية.
[13] تحرَّفت في (ج) إلى: (مكان)، وانظر لرأيِ الأَخْفَش خزانة الأدب: 7/ 19.