(54)

ومنها قولُه صلى الله عليه وسلم: «هُوَ لَهاَ صَدَقَةً ٌ».

وقولُه صلى الله عليه وسلم: «مَا تَرَكْنَا صَدَقَةً ٌ» [خ¦3093] بالرفع والنصب.

وقولُه صلى الله عليه وسلم: «نَحنُ الآخِرُونَ السَّابقوُنَ يوَم القيامةِ، بَيْدَ/ كُلُِّ أُمَّةٍ أُوتُوا الكتابَ مِنْ قبلناَ» [خ¦3486] .

وقولُ أبي هريرة رضي الله عنه: (بَعَثَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَبَانَ على سَرِيَّةٍ) [خ¦4238] .

وفي قصة موسى صلى الله عليه وسلم: «في مَكَانٍ ثَرْيَانَ» [خ¦4726] .

وقولُه صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ سَبْعًا كَسَبْعِ يُوسُفَ»، وفي نسخة أبي ذَرٍّ [1] : «سَبْعٌ» [خ¦1007] .

وقولُه صلى الله عليه وسلم: «مَنِ اصْطَبَحَ بِسْبعِ تَمَراتٍ عَجْوَةً [2] » [خ¦5779] . [/ص217/]

وقولُه صلى الله عليه وسلم: «وَيْلُمِّهِ مِسْعَرَ حربٍ» [خ¦2731] [خ¦2732] .

قلتُ: يجوز في «هو لها صدقةٌ» الرفع على أَنَّه خبر (هو)، و(لها) صفةٌ قُدِّمت فصارت حالاً، كقوله:

~ والصالحاتُ عليها مُغلَقًا بابُ

فلو قَصَدَ بقاءَ [3] الوصفيةِ لقال [4] : (والصالحاتُ عليها بابٌ مغلَقٌ)، وكذا الحديث، لو قُصِدَت فيه الوصفيةُ بـ: (لها) لقيل: هو صدقةٌ لها، وتَكون [5] (لها) في موضع رفعٍ.

ويجوز أَنْ يُنْصَبَ (صدقةً) على الحال، ويُجعَل الخَبرُ (لها) [6] . /

و(ما) في «ما تركنا صدقةٌ» مبتدأٌ بمعنى (الذي)، و(تركنا) صلةٌ [7] ، والعائد محذوفٌ، و(صدقةٌ) خبرٌ، هذا على روايةِ مَن رَفَعَ، وهو الأَجودُ؛ لسلامته من التكلُّف، ولموافقته روايةَ مَن روى: «ما تَرَكنا فهو صدقةٌ» [خ¦3712] . [/ص218/]

وأمَّا النصبُ فالتقديرُ فيه: ما تركنا مبذولٌ صدقةً، فَحُذِفَ الخبر وبقي الحال كالعِوَضِ منه.

ونظيرُه: ((ونحن عُصبَةً)) [يوسف:8] بالنصب، وقد تقدَّم بيانُه.

و(بيدَ) بمعنى: (غيرُ)، والمشهورُ استعمالُها مَتْلُوَّةً بـ: (أنَّ) كقوله عليه الصلاة والسلام: «نَحنُ الآخِرونَ السَّابقونَ، بَيْدَ أَنَّهم أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبلِنا، وأُوِتيناهُ مِنْ بَعدِهم» [خ¦876] ، ومنه قولُ الشاعر:

~ بَيْدَ أَنَّ اللهَ قَدْ فَضَّلَكم فوقَ مَنْ أَحْكَأَ صُلْبًا بإزارِ

وقولُ الراجز [8] :

~ عَمْدًا فعلتُ ذاكَ بيدَ أَنِّي إِخَالُ لو هَلَكتُ لَم تُـَرنِّي/ [/ص219/]

والأصل في رواية مَنْ روى: «بيدَ كُلُّ أُمَّةٍ»: بيد أَنَّ كُلَّ أُمَّةِ، فَحُذِفَتْ (أنَّ) وبَطُل عملُها، وأُضيفَ [9] (بَيدَ) إلى المبتدأ والخبر اللذين كانا معمولي (أَنَّ).

وهذا الحذف [10] في (أنَّ) نادر، لكنه غيرُ مُسْتبعَدٍ في القياس على حذف (أنْ)؛ فإنَّهما أُختان في المصدرية، وشبيهَتان [11] في اللفظ.

وقد حَمل بعضُ النحويين على حذف (أنَّ) قولَ [12] الزبير رضي الله عنه [13] :

~ فلولا بَنُوهَا حَوْلَها لخَطَبْتُها [14]

ومما حُذِف فيه (أنَّ) واكتُفِيَ بصلتها قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ [15] } [الروم:24] [والأصل: أن يُريَكم] [16] ؛ لأنَّ الموضعَ موضعُ مبتدأٍ خبره [/ص220/] {مِنْ [17] آيَاتِهِ [18] }.

ومثلُه قولُه صلى الله عليه وسلم: «لا يَحلُّ لِامْرأَةٍ تُؤْمِنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ تُحِدُّ على مَيِّتٍ فوقَ ثلاثٍ» [خ¦1281] [خ¦1282] ، وقولُه صلى الله عليه وسلم: «لا يَحلُ لامْرأةٍ تَسْأَلُ طلاقَ أُخْتها» [خ¦5152] ؛ أراد: أَنْ تُحِدَّ، و: أَنْ تسألَ.

والمختارُ عِندِي في (بَيدَ) أَنْ تُجْعَلَ حرفَ/ استثناءٍ، ويكونَ التقديرُ: إلَّا كُلُّ أُمَّةٍ أُوتُوا الكتابَ مِنْ قبلنا، على معنى (لكنْ)؛ لأنَّ معنى (إلَّا) مفهومٌ منها، ولا دليلَ على اسميَّتها [19] .

وقولُ أبي هريرة رضي الله عنه: «بَعَثَ... أبَانَ» ليس فيه إشكالٌ؛ لأنَّ (أَبَانَ) علمٌ على وزن (أَفْعَل)، فيجبُ أن لَا يُصرَفَ [20] ، وهو منقولٌ مِنْ (أَبَانَ) ماضي (يُبِيْنُ)، ولو لم يكن منقولاً لوجبَ أن يُقالَ فيه: (أَبْيَنُ) بالتصحيح، وفي روايته مفتوحَ النون شاهدٌ على خطأ مَنْ ظنَّ أنَّ وزنَه (فَعَالٌ)؛ إذْ لو كان كذلك لَنُوِّن؛ لأنَّه على ذلك التقدير عارٍ من سبب ثَانٍ للعَلَمِيِّة.

وفي رواية: (ثَرْيانَ) بلا صرفٍ، شاهدٌ على أنَّ منعَ صرف (فَعْلَانَ) ليس مشروطاً بأنْ يكونَ له مؤنَّثٌ على (فَعْلَى)، بل شرطُه أن لا تلحقه تاءُ تأنيثٍ، [/ص221/] ويستوي في ذلك ما لا مُؤَنَّثَ له مِنْ قِبَلِ المعنى كـ: (لَحْياَنَ)، وما لا مُؤنَّثَ له من قِبَلِ الوَضعِ/ كـ: (ثَرْيَانَ)، وما له مؤنَّثٌ على (فَعْلَى) في اللغة المشهورة كسَكرانَ.

وقولُه: «اللهمَّ سَبْعاً كَسَبْعِ يُوسُفَ»، النصبُ فيه هو المختارُ؛ لأنَّ الموضعَ موضعُ فِعْلِ دُعاءٍ، فالاسمُ الواقعُ فيه بدلٌ من اللفظ بذلك الفِعْل، فيستحقُّ النصبَ، والتقديرُ في هذا الموضع المخصوص: اللهمَّ ابْعَثْ عليهم سَبْعاً، أو: سَلِّطْ عليهم سبعاً.

والرفع جائزٌ على إضمار مبتدأٍ، أو فِعْلٍ رافعٍ.

ويجوز في «تمراتِ عَجْوَةٍ» الإضافةُ وتركُها.

فمَن أضافَ فلا إشكالَ؛ لأنَّ (تمرات) مبهمةٌ، يحتملُ كونُها من العجوة ومن غيرها، فإضافتُها إلى العجوة إضافةُ عامٍّ إلى خاصٍّ، وهو مقتضى القياس، ونظيرهُ: ثيابُ خَزٍّ، وَحَبَّاتُ بُرٍّ.

ومن لم يُضِف (تمراتٍ) نوَّنَ، وجاء بـ: (عجوةٍ) أيضًا مجرورًا على أنَّه عطفُ بيانٍ، ويجوزُ نصبُه على التمييز. [/ص222/]

وأصل (وَيْلِمِّهِ): وَيْ لِأُمِّه، فحُذِفت الهمزةُ تخفيفًا؛ لأنه/ كلامٌ كَثُر استعمالُه، وجرى مَجْرى المَثَل.

ومن العرب مَنْ يَضُمُّ اللامَ، وفي ضمِّها وجهان:

أحدهما: أن يكونَ ضمَّ إِتْباعٍ للهمزة، كما كُسِرَتِ الهمزةُ إِتْباعًا لِلَّام في قراءة مَنْ قرأ: {فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ} [النساء:11] ، ثم حُذفت الهمزةُ وبَقِي تابعُ حركتِها على ما كان عليه.

الوجه الثاني: أَنْ يكونَ الأصل: وَيْلُ أُمِّهِ، بإضافة (وَيْلٍ) إلى (الأمِّ) تنبيهًا على ثُكْلهِا وَوَيْلها لفَقْدِه.

والأول أجوَدُ؛ ليتَّحدَ معنى المكسور والمضموم.

و (وَيْ) من أسماء الأفعال بمعنى: (أَتَعَجَّبُ)، واللامُ متعلِّقةٌ به.

ونُصِبَ (مِسْعَرَ حَرْبٍ) على التمييز. [/ص223/]

[1] قوله: (أبي ذر) ليس في (ج)، وهو الأصحُّ؛ لأنَّ الَّذي في اليونينية أنَّ روايةَ (سبعًا) بالنصب هي رواية أبي ذرٍّ والأصيليِّ ورواية السمعانيِّ عن أبي الوقت، وأنَّ روايةَ غيرهم بالرفع وهو المثبَت في متن اليونينية.
[2] في الأصل: (عَجوةٍ) بالجرِّ، والمثبت من (ب) و(ظ) موافقٌ لضبط اليونينية في كلِّ مواضع ورود الحديث في صحيح البخاريِّ (5445، 5768، 5769، 5779)، وهذا الحديث مقدَّم على سابقه في (ظ).
[3] في (ب): (قُصِد بقاءُ).
[4] في غير (ظ): (لقيل)، وهو غير متناسب مع السياق.
[5] في (ب) و(ج): (ويَكون).
[6] في (ج): (تَجعلَ الخبرَ لها)، وفي (ظ): (ويجعل (لها) الخبر)، وبهامش (ظ): (حاشية: يجوز في (لها) الحكم عليه بكونه حالاً من الصدقة، وأن تكون خبرًا لـ: (هو)، فإن جعلناه خبرًا نَصَبنا الصدقةَ على الحال، وإن جعلناه حالاً رَفَعنا (صدقةٌ) على الخبرية) ا ه.
[7] في (ظ): (صِلَتُه).
[8] في (ظ): (الآخر)
[9] في (ظ): (وأُضيفت).
[10] تصحَّفت في (ج) إلى: (الحديث).
[11] في الأصل: (وشَبيهان).
[12] في (ب) و(ج): (نحوَ قولِ).
[13] في الأصل: (ابن الزبيررضي الله عنهما)
[14] في (ب): (لَخَبَطتُها)، وهو موافقٌ لما في المطبوع وما في مصادر التخريج، وأشار إليها في هامش (ظ)، والمثبَت من سائر الأصول موافقٌ للمنقول عن المؤلِّف، انظر بغية الوعاة: 1/ 133.
[15] في (ظ) زيادة: ( {دأآود دأآوذ} ).
[16] ما بين المعقَّفتين ليس في الأصل، وهو مستَدرَكٌ بهامشه بخطٍّ متأخِّر.
[17] في (ظ): (ومن).
[18] في (ب) زيادة: (يريكم).
[19] في (ظ): (اسمها) وأشار بهامشها إلى ورود المثبَت في نسخةٍ.
[20] في (ب) و(ج): (يَنصرِفَ) بزيادة النون.





شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح
اسم المؤلف الكامل : ابن مالك أبو عبد الله محمد بن عبد الله الأندلسي
تاريخ الوفاة : 672
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1432
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : عبد الله ناصير
الأجزاء : 1
حول الكتاب : اسم الكتاب وتوثيقه:
ذكر ابنُ مالك اسمَ الكتاب في مَطلعه؛ فقال بعدَ الدِّيباجة: (هذا كتابٌ سمَّيته: شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح).
وكذلك اتفقت النسخ الخطية في طُرَرِها على تسميته بذلك، ومَن خالَف في هذه التسمية فإنما كان قصدُه الاختصار، كمَن سمَّاه: (التوضيح)، أو: (الشواهد)، ونحوهما، أو كان قصده التنويه إلى موضوع الكتاب، كمَن سمَّاه: (إعراب مشكل البخاريِّ)، ونحوه، والله أعلم.
أمَّا صحَّة نسبة هذا الكتاب إلى ابن مالك؛ فأمرٌ لا يَرقى الشكُّ بأدنى مستوياته إليه بَتاتًا؛ لاتِّفاق أغلب الآراء النَّحوية الواردة في الكتاب مع آراء المؤلِّف الواردةِ في مؤلِّفاته الأخرى المقطوع بنسبتها إليه، كشرح التسهيل، وشرح الكافية الشافية، وألفيته الشهيرة.
ويرسِّخ ذلك اتِّفاقُ المصادر والمراجع التي نقلت عن المؤلِّف آراءَه الواردةَ في هذا الكتاب مصرِّحينَ باسم الكتاب ونسبته إلى ابن مالك، كابن هشام، والزَّركشي، وابن حجر، والعيني، والسيوطي، والقسطلاني، والبغدادي، والملَّا علي القاري.
الباعثُ على تأليف الكتاب:
في بلاد الشام حيث استقرَّت الرِّحالُ بابن مالكٍ يافعًا، وبَزَغ نجمُه من أفقها متصَدِّرًا للإقراء بحَلَبَ أوَّل أمره، ثُمَّ متخصِّصًا بعلوم العربية مفيدًا ومعلِّمًا في التربة العادِلِيَّة في دمشقَ، هناكَ اتَّجهت إليه كَوكبةٌ من طلبة العلم بالرَّجاء في أن يتصَدَّى لبيان ما استشكلوه من تراكيبَ وعباراتٍ ثبتت في مرويَّاتهم العلمية، لم يجدوا لها مخرجًا في حدود معارفهم المتواضِعةِ قياسًا لسعة عِلم ابن مالكٍ وجلالته وعَمادته عندهم في هذا الباب، حيث كان كما وصفه الذَّهبيُّ بقوله: (وصرَف هِمَّته إلى إتقان لسان العرب حتى بلغ فيه الغاية، وحاز قَصَبَ السَّبْقِ، وأَربى على المتقدِّمين).
وقد استجاب الرجلُ لهذا الرجاء موَفَّقًا مُسَدَّدًا؛ فاستغلَّ فرصةَ عَقدِ الحافظ شَرَف الدين اليونينيِّ مَجالسَ لإسماع (صحيح الإمام البخاريِّ) سنة (666هـ) في دمشق، فحضر تلك المجالس – التي بلغت واحدًا وسبعين مجلسًا- تلميذًا وشَيخًا، مستَفيدًا ومُفيدًا في آنٍ معًا؛ حيث كان قاصدًا للانتفاع من نصوص (صحيح البخاريِّ) وهو في اعتقاد المسلمين قديمًا وحديثًا أصحُّ كِتابٍ بعدَ كتاب الله تعالى؛ ليلتقط من نصوصه التي لا يرقى إليها الشكُ من جهة ثبوتها ما يُعَزِّز ويؤيِّد به كثيرًا مِـمَّا كان يذهب إليه في مسائل النحو التي خالَف فيها الكِبارَ مِن أئمة العربية ممَّن سبَقه أو عاصره، مراعيًا في ذلك ما عُرفَ به الحافظ اليونيني (مُسمِعُ الصَّحيح) مِن الدقَّة والضَّبط والإتقان والحرصِ البالغ في تقييد اختلاف روايات الصحيح.
وكان من جهةٍ أُخرى قُطبَ رَحى تلك المجالس فيما يعرض من إشكالات نحوية ولغوية تَثبُت الروايةُ بها؛ فيبيِّن وجهَ قَبولِها ومستَنَدَ اعتمادِها، يقول ابن مالك متحدِّثًا عن تلك المجالس: (وكان السماع بحضرة جماعة من الفضلاء، ناظرين في نُسخٍ معتمد عليها، فكلما مرَّ بهم لفظ ذو إشكال بينت فيه الصواب، وضُبِطَ على ما اقتضاه علمي بالعربية، وما افتقر إلى بسط عبارة، وإقامة دلالة؛ أخَّرتُ أَمْرَهُ إلى جُزءٍ أَستَوفي فيه الكلامَ ممَّا يُحتَاجُ إليه من نَظيرٍ وشاهدٍ؛ ليكونَ الانتفاعُ به عامًّا، والبيانُ تامًّا، إن شاء الله تعالى).
وقد وفَّى المؤلِّف بوعده ذاكَ، فألَّف كتابه هذا (شواهد التوضيح)، ويبدو أنَّه كان يكتب ما يمرُّ به من إشكالات في المجلس الواحد في ورقةٍ، ثمَّ يعود إلى خلوته فينسِّق النَّظائِرَ، ويؤلِّف بينَ الإشكالات المتشابهة المدخَل، باسِطًا الكلامَ عليها، ويبدو أيضًا أنَّه كان يكتب كلامَه ذاكَ في كُرَّاسةٍ خاصَّةٍ أعدَّها لذلك؛ فقد أحالَ في أثناء الكتاب إلى مسألةٍ ذَكَر أنها قد تقدَّمت في المجموع نفسه، وليست في الكتاب بتاتًا، والله أعلم.
وقد تركت تلك المجالسُ أثرَها الطيِّبَ في ضمير ابن مالكٍ؛ فقسَّم كتابَه على وِفْقِها إلى واحدٍ وسبعين فصلًا؛ مُتَنسِّمًا برَكةَ أنفاسِها، مستعيدًا حَلاوةَ عُذُوبتِها في روحه، وحُقَّ له ذلك ولا رَيبَ.
ملامح الكتاب العامة:
لم يخرج ابن مالك في كتاب (شواهد التوضيح) عن خطِّه العامِّ وطريقته المتميِّزة وأسلوبه المتفرِّد في معالجة المسائل العلمية: من البساطة والسهولة ومحاوَلة تقريب المصطلح النحوي وأصوله وضوابطه إلى أكبر قدر ممكن من المستويات البسيطة للمستمعين والقُرَّاء، مع الحرص البالغ على تدعيم الأحكام والآراء بالأدلَّة العلمية والشواهد والإحالات على كبار أئمة العلم المعتَبَرين السابِقين له.
ولقد مكَّنت ابنَ مالك ثقافتُه الواسعة، واختصاصُه التامُّ بالعربية لغةً ونحوًا وتصريفًا، وتمكُّنه من علم القراءات، من أن يجعل من مؤلَّفاته بشكلٍ عامٍّ، و(شواهد التوضيح) منها خصوصًا، مصدرًا رئيسًا من مصادر التعرُّف على الشواهد النحوية بكل أشكالها، ابتداءًا بالقراءات القرآنية، مرورًا بالأحاديث النبوية الشريفة، فلغاتِ ولهجاتِ القبائل العربية، وانتهاءً بالأشعار والأراجيز.
وقد كان لكتابه هذا حظُّه الوافر من تلك الشواهد:
فاستشهد بـ: (257) آيةً كريمةً، منها (45) آيةً منقولةً عن غير القرَّاء السبعة المشهورين، منهم: الحسن البصري، وإبراهيمُ النخَعي، ويحيى بنُ وثَّاب، والأعمشُ، وطلحةُ بن سليمان، وأبو العالية، وابنُ مُحَيْصن، وأبو رجاء العُطَاردي.
واستشهد بـ: (82) حديثاً، عزا (12) حديثًا منها إلى مصادره من كتب الحديث كـ: (جامع المسانيد) لابن الجوزي، وقد اشتُهِر ابن مالك بتوسُّعه في باب الاحتجاج بالحديث والاعتماد عليه في تأييد آرائِه النحوية واللغوية؛ اعتقادًا منه بأنَّ النصوص النبوية الصحيحة محميَّةٌ من التحريف والتبديل داخِلَةٌ في حِمَى قولِ الله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9] ، وأنَّ الصحابة رضي الله عنهم كانوا سليمي السليقة العربية، فنقلوا النصوص النبوية كما سمعوها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنَّها انتقلَت منهم إلى أيادي الأئمة الحُفَّاظِ الذين كانوا أوَّل مِن شرَعَ بتَدوين الأحاديث النبوية الشريفة في حدود سنة (100ه) في زمن الخليفة الراشد عمرَ بنِ عبد العزيز رضي الله عنه بأمرٍ منه، وبقِيَت متداوَلَةً بعدَهم بيدِ المتقِنين أهلِ العناية والضِّبطِ من علماء الحديث الشريف جِيلًا بعدَ جيلٍ إلى زمن المؤلِّف.
واستشهد بـ: (35) قولاً من أقوال العرب، لم ينسب أكثرها إلى قائل مُعيَّن، بل كان يكتفي بعبارة: (قول بعض العرب)، ولقد أسند (13) قولًا منها إلى علماء اللغة الذين روَوها، مثل أبي عمرو بن العلاء، ويونسَ بنِ حبيبٍ، والكسائيِّ، وسيبويه، والفرَّاء، والأخفش، وغيرهم.
أمَّا لغاتُ القبائل العربية فقد ذكرها في (18) موضعاً، نَسَب أكثرها إلى القائلين بها، مثل: لغة قريش، والحجاز، وتميم، وكنانة، وبني الحارث بن كعب، وبني سُليم.
واستشهد بـ: (226) بيتاً شعريًّا، نسب منها (45) بيتاً لقائليها، وترك الباقي بلا نسبة، وقد انفرَدَ بذِكْرِ (72) بيتًا من الأبيات التي لم نجد مَن ذَكَرها غيرَه، بل كان هو مصدَرَ نقلِها وروايتِها عندَ مَن جاء بعدَه من أهل العلم باللغة والنحو، وقد عُرفَ المؤلِّف بذلك التفرُّدِ في الإيرادات الشعرية منذُ عصره؛ يقول الذَّهبيُّ: (وأَمَّا أَشعارُ العَرَبِ الَّتي يَستشهِدُ بِها على اللُّغة والنَّحو؛ فكانَت الأَئِمَّةُ الأَعلامُ يَتَحيَّرون فيه، ويَتَعَجَّبونَ مِن أينَ يأتي بها، وكان نَظمُ الشِّعرِ سَهلًا عليه، رَجَزُه وطَويلُه وبَسيطُه وغَيرُ ذلك).
ولعلَّ في آخر كلام الذَّهبيِّ مفتاحًا لإدراك ذلك السِّرِّ المحيِّر؛ فالَّذي يَبدو للباحثِ أنَّ كَثيرًا من تلك الشواهد الشعرية (الخاصَّة) كان يَتركَّب في ذهن ابن مالكٍ -لكونه شاعرًا فَحلًا متمكِّنًا- أثناءَ مطالَعتِه لشعر المتقدِّمينَ كصُورةٍ لصياغةٍ مُحتَمَلةٍ لتلك الأشعار، ثُمَّ تَطغَى تلك الصُّوَرُ الاحتماليَّةُ على مَخزونِ ذاكرتِه الثَّريِّ، فيُورِدُها أثناءَ احتجاجِه ظانًّا أنَّها من قَول غَيرِه، ويؤيِّد هذا الظنَّ أنَّه قد عزا بعضَ تلك الشواهد في (الشواهد) أو في مصنَّفاته الأُخرى إلى بعضِ الطائيِّينَ، وهو طائيٌّ، وأنَّه غالبًا ما يقول عندَ إيرادها: (ومِثلُه)، وهي عبارةٌ لا توحي بالرِّواية القاطعة عن الغير، ولا تَمنَع من اعتقاد كونِه هو القائل لذلك الشاهد على مَعنى إمكان وجودِه، لا وجودِه حقيقةً، والله أعلم.
والأمر على ذلك ما زالَ خَدِيجَ نَظَرٍ، وهو بحاجةٍ إلى بحثٍ متَقَصٍّ دَقيقٍ.
ولم يمنَع هذا التحيُّرُ -الَّذي ذكره الذَّهبيُّ- العلماءَ مِن نَقلِ تلكَ الشواهد عن ابن مالكٍ واعتماد كثيرٍ منها في مباحثهم؛ ثقةً منهم بابن مالكٍ وبسعة محفوظِه من التراث الشعريِّ العربيِّ؛ ناظِرينَ في تصرُّفهم ذاك إلى ما عُرفَ به الرَّجل من مَتانةِ الدِّين وصِدقِ اللَّهجة وملازَمة التَّقوى والوَرَع، عَلى أنَّ مَن توقَّف منهم عن قَبولِ ذلكَ منه إنَّما قَيَّدَه خَوفُه مِن الاحتمالِ الَّذي سُقناه آنِفُا، وقديمًا قال الإمام الخليلُ الفَرَاهيدِيُّ رحمه الله: (إنَّ النَّحارِيرَ رُبَّما أَدخَلُوا على النَّاسِ ما ليس مِن كلام العَرب؛ إِرادَةَ اللَّبسِ والتَّعنِيتِ)، وقد تَوَقَّف العلماءُ قديمًا عن قَبول روايات الكِبارِ من الأئمة القدماء القريبين من عصر الفصاحة إذا أحالوها على المجهولين، فكيف الحالُ بمَن عاش في عصور فساد اللسان العربيِّ واختلاطه بالعُجمة صِرفًا؟!
على أنَّ أسلوبَ ابن مالكٍ في تناول قضايا الكِتاب لَم يخلُ من تقبُّله لانتقاداتٍ وَجيهةٍ تُوَجَّه إليه، منها [1] . عدمُ تنسيق مباحث الكِتاب على وِفْقِ ترتيب صحيح البخاريِّ؛ لتسهل الفائدة على المُطالع، وقد ذَكَر المؤلِّف نفسُه في كلامه المتقدِّم الذي وصف فيه مجاِلسَ إسماع الصحيح: أنَّ تبيينَه للألفاظ المشكِلَة الوارِدة في نسخ الصحيح كان على نَسَقِ تَسميع الكِتاب؛ حيث قال: (وكان السماع بحضرة جماعة من الفضلاء، ناظرين في نُسخٍ معتمد عليها، فكلما مرَّ بهم لفظ ذو إشكال بيَّنت فيه الصوابَ، وضُبِطَ على ما اقتضاه علمي بالعربية).
فلا يُدرى والحالُ هذه ما الذي حادَ بالمؤلِّف عن ترتيب كتابه على نَسَق تلكَ المجالس.
[2] . عدمُ إيرادِه للمباحث المتماثلة في فصلٍ واحدٍ، وهذا انتقادٌ متفرِّعٌ من الذي قَبلَه؛ فإنَّه لو التزَمَ إيرادَ مباحثِ كتابِه على نَسَق الصحيح لَما كان لهذا الانتقادِ من معنًى يستحقُّ الذِّكرَ به، فإنَّه إذ لم يلتزم نَسَق الصحيح كان ملزَمًا بالتزام نَسَق القضايا التي عالجَها.
[3] . عدمُ تقيُّدِه في إيراد الأحاديث المشكِلَة بألفاظ أحاديث الصحيح؛ حيث أورَدَ ألفاظ أحاديث أخرجها مسلمٌ في صحيحه وغيرُه، وفي هذا خروجٌ بالكتاب عن نِطاقِه الذي حدَّده اسمُه الذي اختاره المؤلِّف له،كما لا يَخفى.
على أنَّ إيرادَ هذه الانتقاداتِ لا يقلِّل بتاتًا من قيمة هذا الكِتابِ، ولا يُعكِّر على صَفوِ مكانتِه العِلمية.
حول المؤلف : الإمام أبو عبد الله جمالَ الدين محمد ابنَ مالك الطائيَّ - المولودَ في الأندلس في حدود سنة (600هـ)، والمتوفَّى في دمشق سنة (672ه)- يُعَدُّ من أشهر علماء النحو والعربية النبلاء، الذين أنجبتهم هذه الأمةُ العامرةُ بالإبداع والتفوُّق، وكان كما وصفه مترجِموه: (واحِدَ عَصرِه).
ومِن المَكانَة الساميَةِ المَرموقة التي تسنَّمَها هذا الإمام البارع تفرَّعَت مَكانة مصنَّفاته وآثاره العِلمية الكثيرة التي تركها ذُخرًا للطلبة ومثابةً للباحثين؛ بما امتازَت به من دقَّةٍ في المنهج البَحثيِّ، وروعةٍ في التنظيم والتقسيم، وبَراعةٍ منقطعة النظير في الطَّرح والتناوُل، وإنصافٍ في النِّقاش والحِجاج، وغزارةٍ في المادَّة العِلمية المبثوثة خِلالَها.
عملنا : اتَّجهت هِمم طَلبة العلم - منذُ حياة ابنِ مالكٍ فهَلُمَّ جَرًّا- لتحصيل مؤلَّفات هذا الإمام العلَم الَّذي جَنَّح بمعارفه على آفاق عصرِه وما تلاه من العصور، والعنايةِ بها عنايةً فائقةً تامَّةً، وكان مِن بين أهمِّ تلك المؤلَّفات التي تداوَلَها العلماء تَحصيلًا ودَرْسًا، نَسخًا وسماعًا: كتابُ (شواهد التوضيح)، ويكفي الباحثَ لتصوُّر ذلك الحرصِ تعدُّدُ النسخ الخطية لهذا الكتاب، واتِّساعُ رقعةِ نُسَخِها جغرافيًّا وزَمَنيًّا، وانتشارها في أرجاء المَعمورة.
وفي عصرنا الحديث نال هذا الكتابُ حظَّه من الاهتمام في مَجال النشر:
فنُشر الكِتابُ أوَّلَ الأَمر في الهندِ سنةَ (1319ه) نَشرةً مجرَّدةً من التدقيق والتحقيق، كانت الغايةُ منها إِلحاقَ الكِتاب برَكب المطبوعات، وإخراجَه مِن حَيِّز المخطوط الَّذي لا يَنالُه كثيرٌ مِن الطَّلبة، ناهيكَ عن عامَّة القُرَّاء، ولم تَخلُ نشرتُهم تلك -كأخواتها- من وقوع الأخطاء العلمية الفادحة، بَدءًا بالتَعتيم على المخطوطات المعتمَد عليها في النشر، وانتهاءً بسوء الصفِّ ورداءَة الإخراج الطباعيِّ.
ثُمَّ انتبَهَ بَعدُ إلى حاجةِ الكتاب إلى التحقيق الأستاذُ محمَّد فؤاد عبد الباقي؛ فقام بخدمتِه وتحقيقه: بتخريج نصوصه وضَبطِ شواهدِه، في جُهدٍ مشكورٍ مندَرجٍ في طَيِّ جهودِه الكثيرة في خدمة التراث الإسلاميِّ، خصوصًا منه ما يتعلَّق بعلوم اللغة العربية، ونشرَه في القاهرة سنةَ (1957م).
لكنَّ نشرتَه تلكَ لم تَخلُ مِن وجود النقص في نصِّ الكتاب الأصليِّ، في مقابَلَة إدراج كلامٍ لَم تَجرِ به دَواةُ ابنُ مالكٍ مِن غير تنبيه إلى تلك الإدراجات المتمثِّلة بعناوين البحوث، مُضافًا إلى ذلك وقوعُ التحريفات والتصحيفات التي جارَت بكلام ابن مالكٍ وإيراداته عن قصدِه في بعض المسائل النحوية التي عالجَها في كتابه هذا، ولعلَّ ذلك الخلَل قد تسلَّل إلى نبوغِ الأُستاذ عبد الباقي المعرفيِّ المعروفِ، من خِلال عدم رجوعِه إلى نُسخٍ خَطِّيةٍ للكتاب، واعتمادِه المُجرَّد في ضبط النصِّ على الطبعة الهنديَّة فقط؛ فكان أَن أَلقَت تلكَ الطبعةُ بظِلالِ أوهامِها على عملِه.
وقد تنبَّه إلى تلكَ الثَّغَرات العِلمية في النشرتَين الدكتورُ طه محسن؛ فنبَّه إلى تلك الأخطاء والتحريفات في مَقالٍ نشَرَه، ثُمَّ استَمَرَّ عَزمُه على خِدمة الكِتاب ناظِرًا إلى انقضاءِ ما يَزيد على ربع قَرنٍ (في وقته ذاك) على صدور نشرة الأُستاذ عبد الباقي، وتوفُّرِ جملةٍ من مؤلَّفات ابن مالكٍ وغيرها من مراجع الدَّرس النَّحويِّ وشواهِدِه في نِطاق المَطبوعات، الأمرُ الذي يمكِّن للباحث الركونَ إليها في تخريج الشواهد وضبطها بما يَليق بمنزلة الكتاب؛ فانْبَرى لتحقيقه معتَمِدًا على أربعِ نُسَخٍ خطِّيَّةٍ وثَّقت في نفسِه كفايتَها _على حدِّ تعبيرِه_ لإِخراج نصٍّ صَحيحٍ للكتاب، ونُشر تحقيقُه في بغدادَ سنةَ (1405ه)، ثمَّ أُعيدَ نشره في القاهرة سنةَ (1413هـ).
وبرغم ما بذَله الدكتور طه محسن من جُهدٍ مشكورٍ في خدمة الكتاب نَصًّا وتَقديمًا، إلَّا أنَّ الكِتابَ كنَصٍّ ظلَّ في واقِعِ الحالِ مَحجوبًا عن نَيلِ ما يستحقُّه من عِنايةٍ عِلميةٍ تامَّة، وذلك من عِدَّة جِهاتٍ:
الأُولى: عَدَمُ ضبطِ النصِّ وإخراجِه كمَا مَشَقَه مؤلِّفُه رحمه الله، بلا زيادةٍ ولا نقصانٍ، حيث تبرُزُ مِن خِلَال ذلك الضَّبطِ العَمَادةُ الحقيقيَّةِ للمؤلِّف في باب نقل النصوص ونقدها، وتظهَرُ المَكانة الصحيحة لكتاب (الشواهد) في ضمن مؤلَّفات ابن مالكٍ؛ ككتابٍ ألَّفه في إِبَّان تألُّقه ونضوجه العِلميِّ، فيُعرَف من خِلال مباحثه الاتِّجاهاتُ التي استَقَرَّت إليها دَفَّةُ اجتهاده.
وقد وَقَع كِلا المحقِّقَين الفاضِلَين في هذا الخَلَل بشكلٍ أو بآخَرَ؛ من خِلال إصلاح العبارات والنصوص التي اتَّفقت الأصول الخطية على إيرادها بلفظ مصحَّفٍ أو مغلوطٍ أو مَنقوصٍ، ممَّا يدلُّ على أصالة هذا الخطأ وعدم تسرُّبه إلى الكتاب من أيدي النُّسَّاخ، غيرَ ناظرَين في تصرفهما ذلك إلى مراعاة شخصية ابنِ مالكٍ وإعطائِه حجمَه الحقيقيَّ كإمامٍ مختصٍّ بعلوم العربية، خاصَّةً وأنَّ أغلَب تلك الأخطاء نابعةٌ من عدم التخصص بعلم الحديث الشريف؛ كالخطأ في تسمية بعض الصحابة رضي الله عنهم، أو الاعتماد في الاحتجاج للمسألة بإيراد ألفاظ أحاديثَ نبويةٍ غير ثابتةٍ في الكتب الموثَّقة في هذا الباب، مضافًا إلى ذلك ما عُرفَ به المؤلِّف بكونه ممَّن حصَّل علمَ العربية بالقراءة الشخصية والمطالَعة، لا بالأخذ عن الشيوخ والدراسة على أيديهم، الأمرُ الذي يجعل احتمالَ ورود الخطأ عليه في بعض المواضع ممكِنًا جِدًّا.
ويلتَحق بمشكلة عدم الضبط عَدَمُ شَكْلِ النصِّ شَكلًا يحجُب القارئَ عن الوقوع في تحريف الفهم لعبارة ابن مالكٍ، ممَّا يوقعُه في نسبة قَولٍ مغلوطٍ إليه، أو تَعصيبِ مذهبٍ برأس هذا العالمِ النِّحرير لَم يقُل به بتاتًا.
الثانية: عدمُ توثيق القراءات القرآنية الواردة في النصِّ تَوثيقًا موسَّعًا؛ بذكر مَن وافَق القارئَ الذي سمَّاه ابنُ مالكٍ مِن القُرَّاء؛ تدعيمًا لروايته، ودفعًا لشُبهة تفرُّده بتلك القراءة عن ظنِّ المُطالِع.
الثالثة: عدمُ توثيق نصوص الأحاديث النبوية -التي عَقَدَ المؤلِّف لها فصولَ كتابِه وعلَّق عليها، أو أوردها ضمنَ كلامِه- توثيقًا مفصَّلًا مبيَّنًا؛ وذلك من خلال عزوِ كلِّ روايةٍ إلى صاحبها من رواة صحيح البخاري، والذين قيَّد أسماءَهم مرموزًا إليها الحافظُ اليونينيُّ في حواشي نسخته التي أسمعها بحضرة ابن مالكٍ، وتخريج الألفاظ التي ساقها ابن مالك من دواوين السُّنة النبوية المشهورة.
الرابعة: عدمُ ضَبط وتخريج الشواهد الشِّعرية التي اعتمَد عليها المؤلِّف في ترجيح ما ذهب إليه من مسائل علميةٍ بشكلٍ دَقيقٍ، وعدمُ عزوِها عزوًا كاملًا، أو تقييد الاختلاف في نسبتها إلى شعراء متعدِّدين؛ فإنَّ هناكَ أبياتًا ذكر الدكتور طه محسن في تحقيقه أنه لم يعثر عليها، أو لَم يعرِف قائلَها، أو أنَّ قائلها مجهولٌ، وهي موجودةٌ في دواوين شعراءَ كِبارٍ، أو مرويَّةٌ في الكتب عن بعضهم؛ كذي الرُّمَّة وجَريرٍ وكُثَيِّر عَزَّةَ وغيرِهم من الفحول.
الخامسة: وقوع التصحيفات والتحريفات في النصِّ، بما يشوِّه صفاءَه، ويكدِّر رَونَقَه.
إلى غير ذلك من قصورٍ في الإسعافات التي ينبغي على المحقِّق أن يقدِّمها ليشدَّ أَسرَ الكتاب، ويدعِّم ثِقةَ المُطالِعِ في قَبول ما وَرَدَ فيه.
ونَرجو أن نَكون قد وُفِّقنا إلى القِيام بذلك بجهدنا المتواضع في خدمة هذا الكتاب الفَذِّ، سائلين اللهَ تعالى أن يَتَقبَّل جُهدَ الجَميع، وأن يمنَّ علينا وعلى مَن سَبقنا إلى ذلك بالرحمة والمغفرة والجَزاءِ بأحسَن الأعمال يومَ العَرض عليه، إنَّه هو البَرُّ الرحيم.
وآخر دَعوانا أن الحمدُ لله ربِّ العالمين.
ملاحظة:
حافظنا على عناوين الدكتور محسن جزاه الله خيرا في الفهرسة الجانبية للمسائل التي ناقشها ابن مالك.

النسخ الخطية:
1- النسخة الأصل:
نسخة بنكيبور بالهند وهي المنعوتة في الحواش بالأصل، وهي المرفقة مع المتن في هذا البرنامج
الثانية:
نسخة عارف حكمت ورمز لها بـ(ب)
الثالثة:
نسخة مكتبة بايزيد بتركيا المرموز لها بـ (ج)
الرابعة:
نسخة المكتبة العمرية بسوريا وهي المرموز لها بـ (ظ).
الخامسة:
نسخة حامد التقي وهي المرموز لها بـ (س).
بالإضافة إلى النسخة القادرية التي ضبطها وأثبت فروقها الدكتور طه محسن جزاه الله خيرًا.