نجاح القاري لصحيح البخاري

حديث: كان النبي إذا كان يوم عيد خالف الطريق

          986- (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) كذا وقع للأكثرين غير منسوب، وفي رواية علي بن السكن: ((محمد بن سلام))، كذا للحَفْصي، وجزم به الكلاباذي، وكذا ذكره أبو الفضل بن طاهر، وكذا الكرمانيُّ في «شرحه»، وفي رواية: <محمد هو ابن سلام>.
          وذكر في «أطراف خلف»: أنَّه وجد حاشية: هو محمد بن مقاتل، قال الحافظ العسقلانيُّ: والأول هو المعتمد.
          (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وفي رواية: <حدثنا> (أَبُو تُمَيْلَةَ) بضم المثناة الفوقية وسكون التحتية بينهما ميم مفتوحة مصغراً (يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ) الأنصاريُّ المروزيُّ.
          (عَنْ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ) بضم الفاء على صيغة التصغير، وقد تقدَّم في أوَّل كتاب «العلم» [خ¦59] (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ) بن المعلى الأنصاريِّ المدنيِّ قاضيها.
          (عَنْ جَابِرٍ) وفي رواية: <عن جابر بن عبد الله ☺>، ورجال إسناد هذا الحديث ما بين مروزيٍّ ومدنيٍّ.
          (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلعم إِذَا كَانَ) أي، وقع وحصل فـ«كان» تامَّة (يَوْمُ عِيدٍ) بالرفع فاعل «كان» (خَالَفَ الطَّرِيقَ) أي: رجع في غير طريق الذَّهاب إلى المصلَّى، وفي رواية الإسماعيلي: ((كان إذا خرج إلى العيد رجع من غير الطَّريق الذي ذهب فيه)).
          والحكمة في ذلك: إمَّا أن يشهد له الطَّريقان، أو يشهد له الإنس والجن من سكَّان الطريق، أو يسوِّي بينهما في الفضل والمرور بمروره، أو أنَّ طريقه إلى المصلَّى كانت على اليمين، فلو رجع منها لرجع على جهة الشَّمال فرجع في غيرها، أو أراد أن يُظِهر شعائر الإسلام فيهما، أو يظهر ذكر الله، أو يغيظ المنافقين، أو اليهود، أو يرهبهم بكثرة من معه.
          أو أراد أن يتبرَّكوا بمروره وبرؤيته، أو أراد أن يقضي حاجةَ مَنْ يحتاج من نحو صدقة واسترشاد إلى شيءٍ واستشفاعٍ ونحو ذلك، أو أراد أن يُجيب من يستفتي في أمر دينه، أو أراد أن يسلِّم عليهم فيحصل لهم أجر الرَّدِّ، أو أراد أن يزورَ أقاربه الأحياء أو الأموات، أو أراد أن يصل رحمه، أو أراد أن يتفاءلَ بتغيُّر الحال إلى المغفرة والرِّضا، أو أراد أن يتصدَّق على فقرائهما.
          والأحسن في ذلك أن يُقال: إنَّه كان طريقه التي يَتوجَّه فيها أبعد من التي رجع فيها، فأراد تكثير الأجر بتكثير الخطا في الذَّهاب؛ لأنَّ الذهاب أفضل من الرُّجوع.
          وقد قال إمام الحرمين وغيره: الرُّجوع ليس بقربةٍ، لكن المختار أنَّ أجر الخطى كما يثبت في الذَّهاب يثبت في الرُّجوع أيضاً.
          وفي الحديث: استحباب مخالفة الطَّريق يوم العيد في الذَّهاب إلى المصلَّى والرُّجوع منه، وهو مذهب جمهور العلماء، قال مالك: وأدركنا الأئمة يفعلونه.
          وقال أبو حنيفة: يستحبُّ له ذلك، فإن لم يفعلْ فلا حرج عليه، وقال الترمذيُّ: أخذ بهذا بعض أهل العلم / فأستحبُّه للإمام، وبه يقول الشافعيُّ.
          وذكر في «الأم»: أنَّه يُستحبُّ للإمام والمأموم، وبه قال أكثر الشافعيَّة، وقال الرافعيُّ: لم يتعرَّض في «الوجيز» إلَّا للإمام، وبالتَّعميم قال أكثر أهل العلم.
          ومنهم من قال: إن عُلِم المعنى وبقيت العلة بقي الحكم، وإلَّا انتفى بانتفائها، فإن لم يعلم المعنى بقي الاقتداء.
          وقال الأكثرون: يبقى الحكم، ولو انتفت العلَّة للاقتداء، كما في الرَّمَلِ والاضطباع، والله أعلم.
          (تَابَعَهُ) أي: أبا تُميلة المذكور (يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ) البغداديُّ أبو محمد المؤدب، وقد مرَّ في باب «الوضوء مرَّتين» [خ¦158].
          (عَنْ فُلَيْحٍ عَنْ سَعِيْدٍ) المذكورَين (عَنْ أَبِي هُرَيْرَة) ☺.
          (وَحَدِيثُ جَابِرٍ) ☺. (أَصَحُّ) هكذا وقع عند جمهور رواة البخاريِّ من طريق الفربري، ولكن فيه إشكالٌ واعتراضٌ على البخاريِّ ☼ ؛ لأنَّ قوله: «وحديث جابر أصحُّ» ينافي قوله: «تابعه»؛ لأنَّ المتابعة تقتضي المساواة، فكيف الأصحيَّة؟. لأنَّ قوله: أصح أفعل التَّفضيل، فيقتضي زيادة على المفضَّل عليه.
          ويزول الإشكال بأحد الوجهين:
          أحدهما: ما ذكره أبو عليٍّ الجياني أنَّه سقط قوله: «وحديث جابر أصحُّ» من رواية إبراهيم بن معقل النَّسفي عن البخاريِّ.
          والآخر: ما ذكره أبو مسعودٍ في كتابه قال: قال البخاريُّ في كتاب العيدين: «قال محمَّد بن الصَّلت عن فُليح عن سعيد عن أبي هريرة ☺ بنحو حديث جابر ☺».
          فقال الغسَّاني: لم يقع لنا في «الجامع» حديث محمَّد بن الصَّلت إلَّا من طريق أبي مسعودٍ ولا غنى بالباب عنه لقول البخاريِّ: «وحديث جابرٍ أصحُّ»؛ يعني: فحينئذٍ تظهر الأصحية؛ لأنَّه يكون حديث أبي هريرة ☺ صحيحاً، ويكون حديث جابر أصحَّ منه.
          ألا ترى أنَّ الترمذيَّ روى في «جامعه»: حدَّثنا عبد الأعلى وأبو زرعة قالا: حدثنا محمد بن الصلت عن فُليح بن سليمان، عن سعيد بن الحارث، عن أبي هريرة ☺ قال: كان النبيُّ صلعم إذا خرج يوم العيد في طريقٍ رجع عن غيره، ثمَّ قال: حديث أبي هريرة حديث غريب.
          وروى أبو نُعيم أيضاً في «مستخرجه» ما يزيل الإشكال بالكلية فقال: أخرجه البخاريُّ عن محمد عن أبي تُميلة، وقال: تابعه يونس بن محمد عن فُليح.
          وقال محمَّد بن الصَّلت: عن فُليح، عن سعيد، عن أبي هريرة ☺: وحديث جابرٍ أصحُّ، وبهذا قال البرقانيُّ أيضاً.
          وكذا قال البيهقيُّ: إنَّه وقع كذلك في بعض النسخ، وحاصل الكلام، كما قال الكرمانيُّ: أنَّ الصَّواب إما طريقة النَّسفي بإسقاط قوله: ((وحديث جابرٍ أصح))، وإمَّا طريقة أبي مسعود وأبي نُعيم بزيادة حديث محمَّد بن الصَّلت الموصول عند الدَّارمي لا طريقة الفربريُّ، والله أعلم.
          وقد اعترضَ على البخاريِّ بوجهين / آخرين:
          أحدهما: ما اعترضَه أبو مسعود في «الأطراف» على قوله: «تابعه يونس» فقال: إنَّما رواه يونس بن محمَّد، عن فليح، عن سعيد، عن أبي هريرة لا جابر ☻ .
          والآخر: أنَّ البخاريَّ روى حديث جابرٍ المذكور، وحكم بأنَّه أصحُّ من حديث أبي هريرة ☻ مع كون البخاريِّ قد أدخل أبا تُميلة في كتابه «الضعفاء».
          وأُجيب عن الأول: بمنع الحصر، فإنَّ الإسماعيلي وأبا نُعيم أخرجا في «مستخرجيهما» من طريق أبي بكر بن أبي شيبة عن يونس عن فُليح عن سعيدٍ عن أبي هريرة ☺.
          وعن الثَّاني: بأنَّ أبا حاتمٍ الرازي قال: إنَّ أبا تُميلة ثقة، وكذا وثَّقه يحيى بن معين والنسائيُّ ومحمد بن مسلم، واحتجَّ به مسلم وبقيَّة الستة، فليتأمل.
          وقال الحافظُ زين الدِّين العراقي: مدار هذا الحديث مع هذا الاختلاف على فُليح بن سليمان، وهو وإن احتجَّ به الشيخان. فقد قال فيه ابن معين: لا يُحتجُّ بحديثه، وقال مرَّة: ليس بثقةٍ، وقال مرَّةً: ضعيفٌ، وكذا قال النسائيُّ، وقال أبو داود: لا يحتجَّ بحديثه. وقال الدارقطنيُّ: يختلفون فيه ولا بأس به. وقال ابنُ عديٍّ: هو عندي لا بأس به، وقال السَّاجي: ثقة، وذكره ابن حبَّان في «الثقات».