المقاصد السنية في شرح حديث إنما الأعمال بالنية

الباب الرابع في بيان رواياته ومعناه

          الباب الرَّابع في بيان رواياته ومعناه، واستخراج أحكامه وتوضيح مَبْنَاه:
          رُوِيَ كما ذكرنا: (إنَّما الأعمال بالنِّيَّات) ورواية: (بالنِّيَّة)، ورُوِيَ: (العمل بالنِّيَّات) ورواية: (بالنِّيَّة)، وسيأتي تمام الكلام على الرِّوايات في أثناء الشَّرح، وهو حديثٌ مشهورٌ لا متواتر، خلافًا لمن زعم ذلك؛ لأنَّ الصَّحيح أنَّه لم يروه عن النَّبيِّ صلعم صلعم إلَّا سيِّدنا عمر، ولم يروِه عنه إلَّا علقمة، ولم يروِه عن علقمة إلَّا محمَّد بن إبراهيم، ولم يروِه عنه إلَّا يحيى بن سعيد الأنصاريُّ، وعنه انتشر، فقيل: رواه عنه أكثرُ من مئتي راوٍ، وقيل: سبع مئة، من أعيانهم مالكٌ والثَّوريُّ والأوزاعيُّ وابن المبارك والَّليث بن سعدٍ وحمَّاد بن زيدٍ / وسعيدٌ وابن عُيينة، وقد ثبت عن أبي إسماعيل الهرويِّ الملقَّب شيخ الإسلام: أنَّه كتبه عن سبع مئة رجلٍ أيضًا من أصحاب يحيى بن سعيد، فهو مشهور بالنِّسبة إلى آخره، غريبٌ بالنِّسبة إلى أوَّله.
          نعم، المشهور ملحقٌ بالمتواتر عند أهل الحديث، غير أنَّه يفيد العلم النَّظريَّ إذا كانت طُرقه متباينةً سالمةً من ضعف الرُّواة ومن التَّعليل، والمتواتر يُفيد العلم الضَّروريَّ، ولا تُشتَرط فيه عدالة ناقله، وبذلك افترقا.
          هذا وآثر المحدِّثون هذا الحديثَ في التَّقديم في طوالع مؤلَّفاتهم؛ تلويحًا بأنَّهم قصدوا بها وجه الله تعالى، وتحريضًا على أنَّ كلَّ أمرٍ ذي بال ينبغي أن يكون بإخلاص نيَّة، وصدق طويَّة.
          عن أمير المؤمنين أبي حفصٍ عمر بن الخطَّاب ☺ قال_ أي عمر_: (سَمِعْتُ رَسُولَ الله)؛ أي: كلامَه صلعم صلعم ؛ لامتناع سماع الجُثَّة، (يَقُولُ) حالٌ من (رسول الله)؛ أي: قائلًا، جيء به مضارِعًا بعدما سُمِع ماضيًا؛ لكونه حكاية حالٍ ماضيةٍ، ولإحضاره في ذهن السَّامع؛ لأنَّ المضارع ما يدلُّ على الحال الحاضر الَّذي من شأنه أن يُشاهَد كأنَّه يستحضر لفظه صورةَ كونه صلعم متكلِّمًا؛ ليُشاهدَها السَّامع؛ كما في قوله تعالى: { يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فتُثِيرُ سَحَابًا} [الرُّوم:48] إحضارًا لصورة إثارة السَّحاب مسخَّراتٍ بين السَّماء والأرض، على كيفيَّةٍ بديعة، وانقلاباتٍ متفاوتةٍ سريعة، دالَّةٍ على قدرته الباهرة، وسلطنته القاهرة.
          (إِنَّمَا) أداة حصر مركَّبة في الأصل من (إنَّ) التَّحقيقيَّة، و(ما) الكافَّة، وهي حرفٌ زائدٌ، خلافًا لمن زعم أنَّها النَّافية، وكون / (إنَّما) للحصر وإثباتِ الحكم لما بعدها ونفيِه عمَّا عداه هو الأصحُّ، أو هو نفيُ ما عداه عنه بحسب المقام من عموم؛ كما في {إنَّمَا إِلَهُكُمُ الله} [طه:98] أو خصوص كما في {إنَّمَا الله إِلَهٌ وَاحِدٌ} [النِّساء:171]؛ أي: باعتبار منكري التَّوحيد؛ إذ له تعالى صفاتٌ كثيرةٌ لا تُضبَط بحدٍّ، ولا تُحصى بعدٍّ.
          ثمَّ الأوَّل _وهو إثبات الحكم لما بعدها، ونفيُه عمَّا عداه_هو الحصر الحقيقيُّ، ويُسمَّى قَصْر الصِّفة على الموصوف، والثَّاني _وهو إثبات الحكم لما بعدها،ونفيُ غيره عنه_ هو الحصر الإضافيُّ، ويُسمَّى قصرَ الموصوف على الصِّفة، والمحكَّم في ذلك القرائن والسِّياق، فحيث عيَّنَّا الحصر في شيءٍ مخصوص؛ فهو إضافيٌّ، وإلَّا؛ فحقيقيٌّ.
          وهذا الحصر هنا يصحُّ أن يكون من الأوَّل، وأن يكون من الثَّاني؛ وذلك أنَّ المبتدأ والخبر يُؤوَّلان للمشتقِّ، والتَّقدير: إنَّما كامل الأعمال أو صحيحُها المنويُّ، لا غيره ممَّا لم يُنْوَ، فيكون من قصر الصِّفة، أو حصرُ العمل الكامل أو الصَّحيح في الكون بالنِّيَّة، لا يتجاوزه إلى عدمه، فيكون من قصر الموصوف إفرادًا.
          فإن قلت: شرط قصر الموصوف على الصِّفة إفرادًا عدمُ تنافي الوصفين، والحصول بنيَّة والحصول بلا نيَّةٍ متنافيان.
          قلتُ: التَّنافي بينهما إنَّما يكون إذا اعتُبِرَ محلُّهما واحدًا، وههنا قد اعتُبِرَ وصفين لشيئين، فلا تنافيَ بينهما، فكان كما إذا اعتقد المخاطَب أنَّ بعض أفراد الإنسان ناطقٌ، وبعضَه غيرُ ناطقٍ، فقلت له: (إنَّما الإنسان ناطق)؛ يكون قصرَ إفراد بلا شبهة، بل يجوز في قصر الموصوف إفرادًا وحدةُ محلِّ الوصفين المتضادَّين إذا اعتُبِرَ في زمانين؛ كما إذا اعتقد المخاطَب أنَّ زيدًا يصوم في بعض الأيَّام ويُفطر في بعضها، فقلتَ: (إنَّما زيدٌ صائمٌ)؛ يكون قصر إفراد / لِعدم التَّنافي.
          ثمَّ إفادة (إنَّما) الحصر؛ لتضمُّنها معنى(ما) و(إلَّا)؛ كما في كتب المعاني، وقالوا: يدلُّ على ذلك ثلاثة وجوه:
          الأوَّل: قول المفسِّرين في قوله تعالى: { إنَّمَا حَرَّمَ عَلَيكُمُ المَيْتَةَ} [البقرة:173] في قراءة النَّصب: معناه: ما حرَّم عليكم إلَّا الميتةَ، وهو مطابق لقراءة الرَّفع؛ لأنَّها تقتضي انحصارَ التَّحريم وقصره على الميتة، وذلك أنَّ (ما) في قراءة النَّصب في {إنَّمَا} كافَّة قطعًا؛ إذ لو كانت موصولةً؛ لبقي (إنَّ) بلا خبر، والموصول بلا عائد، بل لم يبقَ للكلام معنًى أصلًا، فإذا فسَّروا قراءة النَّصب بـ:ما حرَّم عليكم إلَّا الميتة؛ ثبت أنَّ {إنَّما} يتضمَّن معنى (ما) و(إلَّا)، وطابقت هذه القراءة قراءة الرَّفع؛ لأنَّ (ما) فيها موصولٌ صلتُه {حَرَّمَ عليكم} واقع اسمًا؛ لأنَّ التَّوكيد به، والعائد محذوف، و{المَيتَةُ} خبر (إنَّ)؛ أي: إنَّ الَّذي حرَّمه الله عليكم الميتة، وهذا مفيدٌ للحصر؛ كما أنَّ (المنطلقُ زيدٌ) و (زيدٌ المنطلق) كلاهما يقتضي انحصار الانطلاق في زيد.
          الثَّاني: قَول النُّحاة: (إنَّما) لإثبات ما يُذكَر بعده، ونفيِ ما سواه.
          الثَّالث: صحَّة انفصال الضَّمير معه ؛كصحَّته مع (ما) و(إلَّا)، فلو لم تكن (إنَّما) متضمِّنةً لمعنى (ما) و(إلَّا)؛ لم يصحَّ انفصال الضَّمير معها؛ لِمَا تقرَّر في علم العربيَّة أنَّه لا يصحُّ الانفصال إلَّا لتعذُّر الاتِّصال، قال الفرزدق:
أنا الذَّائد الحامي الذِّمار وإنَّما                     يُدافِعُ عن أحسابهم أنا أو مثلي
          ففصل الضَّمير _وهو (أنا) _ مع (إنَّما)؛ حيث لم يَقُل: (وإنَّما أدافع)؛ كما فصل عمرو بن معد يكرب مع (إلَّا) في قوله:
قد علمت(1) سلمى وجاراتُها                     ما قطَّر الفارسَ إلَّا أنا /
          وهذا الَّذي ذكرنا قول المحقِّقين، ثمَّ اختلفوا: هل تفيد الحصر بالمنطوق أو المفهوم؟
          قال برماويٌّ في «شرح ألفيته»: الصَّحيح: أنَّه بالمنطوق؛ لأنَّه لو قال: ما له عليَّ إلَّا دينار ؛كان إقرارًا بالدِّينار، ولو كان مفهومًا؛ لم يكن مُقِرًّا؛ لعدم اعتبار المفهوم بالأقارير، اهـ.
          وممَّن صرَّح بذلك أبو الحسين بن القطَّان، والشَّيخ أبو إسحاق الشِّيرازيُّ، والغزاليُّ، بل نقله البلقينيُّ عن جميع أهل الأصول من المذاهب الأربعة إلَّا اليسير كالآمديِّ.
          هذا،وكما أنَّ (إنَّما) تُفيد الحصر تفيد التَّأكيد؛ أي: تقوية الحكم الَّذي بعدها، قالوا: يجب أن يكون معلومًا أو منزَّلًا منزلته.
          فمن الأوَّل: قوله تعالى: {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ} [الأنعام:36] فإنَّ كلَّ عاقلٍ يعلم أنَّه لا تكون استجابة إلَّا ممَّن يسمع، وقولك: إنَّما زيدٌ أخوك وصاحبك القديم، لمن يقرُّ به ويعلمه، غير أنَّك تريد أن تُنبِّهَه على ما يجب له من حقِّ الأُخوَّة.
          ومن الثَّاني: (إنَّما الأعمال بالنِّيَّات)؛ إذ كون كمالها أو صحَّتها بالنِّيَّات كان غير معلوم قبل الإخبار، إلَّا أنَّه نُزِّل منزلته؛ للإشارة إلى أنَّه ممَّا لا يمكن ردُّه وإنكاره.
          لا يُقال: لا حاجة إلى التَّأكيد؛ لأنَّه لدفع الشَّكِّ وردِّ الإنكار، وذلك لا يكون في كلامه صلعم كالقرآن، إذ المخاطَب الصَّحابة ♥، وهم لا يُتَصوَّر منهم ذلك؛ لأنَّنا نقول: هي كما تفيد ذلك تفيد الاهتمام بمضمون الكلام، وتقريره، وإظهار كمال العناية به؛ كما في {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} [الفتح:1]، {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} [الكوثر:1] إلى غير ذلك، على أنَّ كلًّا من القرآن والحديث ليس مقصورًا على الصَّحابة.
          (الْأَعْمَالُ): أي كمالها أو صحَّتها، وستأتي حكمة هذا التَّقدير، و(الأعمال): جمع عمل، قِيل: إنَّه مختصٌّ / بفعل الجوارح، والصَّحيح الَّذي عليه الجمهور: أنَّه يتناول فعل الجوارح والقلوب والأقوال، فإنَّ صاحب «القاموس» فسَّر العمل بالفعل، وفسَّر الفعل بحركة الإنسان، فيشمل القول وسائر أفعال الجوارح؛ لأنَّ الإنسان عبارةٌ عن مجموع القلب والقالب، لا مجرَّد البدن، فهو المخاطَب بالتَّكاليف بجملته، وأفعال القالب وإن كانت كلُّها للقلب من وجهٍ لأنَّها بإشارته؛ كما يدلُّ عليه حديث: «ألا وإنَّ في الجسد مضغةً، إذا صلحت؛ صلح الجسد كلُّه، وإذا فسدت؛ فسد الجسد كلُّه، ألا وهي القلب»، لكنَّ القلب له أفعال تخصُّه، وتقبل الاختلاف باختلاف النِّيَّات في الجملة، فلا وجه لإخراجها من عموم الأعمال، كيف وقد روينا في الصَّحيح عن أبي هريرة: «أفضل(2) الأعمال إيمانٌ بالله ورسوله»، ومعلومٌ أنَّ الإيمان من أعمال القلب؛ إذ هو التَّصديق القلبيُّ، وأطلق ◙ العمل عليه، وعند الدَّيلميِّ وغيره من حديث أبي ذرٍّ: «ما من أحد يقول: لا إله إلَّا الله مئة مرَّة؛ إلَّا بعثه الله يوم القيامة ووجهُه كالقمر ليلة البدر، ولم يُرفع لأحد يومئذٍ عملٌ أفضل من عمله؛ إلَّا من قال مثل َقوله أو زاد عليه».
          وهذا كما ترى صريحٌ في إطلاق العمل على القول أيضًا، فقد ثبت صحَّة ما ذهب إليه الجمهور من العموم، وإن كانت أفعال القلوب في خصوص الحديث ليست مرادةً على عمومها من عموم الأعمال، بقرينة أنَّ محض النِّيَّة من أعمال القلب، فلو احتاجت لنيَّةٍ في الصِّحَّة أو تحصيل الثَّواب؛ لاحتاجت هذه النِّيَّة إلى نيَّة، وهلُمَّ جرَّا، فيلزم إمَّا الدَّور أو التَّسلسل، / وكلاهما محال، وأيضًا معرفة الله من أعمال القلب، فلو توقَّفت على النِّيَّة مع أنَّ النِّيَّة قصد المنويِّ بالقلب؛ لزم أن يكون عارفًا بالله قبل معرفته، وهو محال.
          ثمَّ إنَّما قدَّرنا فيما سبق لفظَ (الصِّحَّة) أو (الكمال) قبل (الأعمال)؛ تصحيحًا للكلام؛ لكثرة وجود الأعمال بدون نيَّة، وأيضًا فنفي الذَّوات ممنوعٌ بلا خلاف، فالحديث متروك الظَّاهر إجماعًا، فلا يُقال: التَّقدير خلاف الأصل، والمنفيُّ حقيقة العمل؛ لأنَّ محلَّ ذلك عند عدم الاحتياج، فحيث كان الدَّليل قائمًا على التَّقدير؛ فيُقدَّر إمَّا الصِّحَّة؛ أي: إنَّما صحَّة الأعمال بالنِّيَّات، فيدخل فيه جميعُ الأعمال الشَّرعيَّة؛ من الصَّلاة والزَّكاة والحجِّ والوضوء والغُسل...، وغير ذلك ممَّا يُطلب فيه النِّيَّة؛ عملًا بالعموم المستفاد من لام (الأعمال) الجنسيَّة، أو هي لعهد الذِّهن، والمعهود غير العاديَّة؛ كالأكل والشُّرب، إلَّا أن تقترن بقصد تعبُّد؛ أي: لا عملَ من حيث الاعتداد به إلَّا بنيَّة؛ لأنَّها معيار الاعتداد؛ فحيث صحَّت قُبِل، وحيث فسدت أو فُقِدت؛ فكلَا عملٍ، وغير عمل اللِّسان؛ كالقراءة والأذان والذِّكر، وعمل القلب؛ كالتَّوحيد والخوف والنِّيَّة، فلصراحة القصد فيهما لا يحتاجان إليها، وكذا الكفُّ لا يحتاج إليها؛ لأنَّه عملٌ قلبيٌّ من باب التُّروك، إلَّا من حيث الثَّواب، بأن يقصد بتركه الزِّنى مثلًا امتثالَ قول الشَّارع، وإنَّما وجبت في الصَّوم، مع أنَّه ترك تعاطي المُفطر؛ لأنَّه قصد به قمع الشَّهوة ومخالفة الهوى، فأُلحِق بالعمل، ومن التُّروك إزالة النَّجاسة، والخروج من الصَّلاة، فلا يحتاجان إليها أيضًا.
          وهذا التَّقدير للأئمَّة الثَّلاثة، فالشَّرح المذكور / على مقتضاه، وذهب إمامنا الأعظم أبو حنيفة وأصحابه والأوزاعيُّ والثَّوريُّ والحسن بن يحيى ومالكُ في رواية: إلى أنَّ الوضوء والغُسل من وسائل مقاصد العبادات، لا يحتاجان إلى نيَّة، زاد الحسن والأوزاعيُّ: والتَّيمُّم، بل قال مجاهد: لا يحتاج صيام رمضان إلى نيَّة، إلَّا أن يكون مسافرًا أو مريضًا؛ فلذا قالوا: المُقدَّر في الحديث إمَّا لفظ (ثواب) أو (كمال)؛ أي: إنَّما كمالُ الأعمال وثوابُها بالنِّيَّات، فيدخل فيه جميعُ الأفعال من وسائلَ ومقاصدَ وأفعالِ جوارحٍ ولو عاديَّة، وعمل اللِّسان ما عدا الأذان والتِّلاوة والأذكار، فلصراحة القصد فيها لا تحتاج في حصول الثَّواب إلى نيَّة، وكذا بعض أعمال القلب؛ كالخوف والنِّيَّة ومعرفة الله تعالى والتَّوبة لذلك، وكذلك لا يَفتقر إليها أداءُ الدَّين وردُّ الودائع، فالحديث عامٌّ مخصوص.
          هذا، وقال علماؤنا: تقدير الثَّواب هو الَّذي يطَّرد، فإنَّ كثيرًا من الأعمال يوجد وتُعتبر شرعًا بدونها، وكان إضمار (الثَّواب) متَّفقًا عليه، فهو المناسب، دون (الصِّحَّة)، وأيضًا يلزم من انتفاء الصِّحَّة انتفاءُ الثَّواب دون العكس، فكان هذا أقلَّ إضمارًا، فهو أولى.
          ويلزم أنَّ عند عدم النِّيَّة لا يبطل أصل العمل، وعلى إضمار (الصِّحَّة) يبطل، فلا يبطل بالشَّكِّ، فتعيَّن تقدير الثَّواب على أنَّ إضمار (الصِّحَّة) يؤدِّي إلى نسخ الكتاب بخبر الواحد، فإنَّ آية الوضوء تُخبر بوجوب غسل الأعضاء الثَّلاثة ومسح الرَّأس، وليس فيها ما يُشعِرُ بالنِّيَّة مُطلقًا، واشتراطها بخبر الواحد يؤدِّي إلى رفع الإطلاق وتقييده وهو [نسخ]. /
          وخلاصة تحقيق المقام: أنَّه لمَّا دلَّ هذا الكلام عقلًا على عدم إرادة حقيقته؛ لوجود كثيرٍ من الأعمال بدون نيَّة، فلا يصحُّ نفي العاري عنها؛ وجب أن يُحمل على محمَل صحيح من عدم اعتبار حكم العاري لا نفيه، وذلك بتقدير (الصِّحَّة) و(الكمال) كما قرَّرنا أوَّلًا، أو بتقدير لفظ (حُكْم)؛ أي: إنَّما حُكْم الأعمال بالنِّيَّات، والحكم نوعان: أُخرويٌّ؛ وهو الصِّحَّة والفساد.
          وإذا صار اللفظ مجازًا عن النَّوعين المختلفين؛ كان مشتركًا بينهما بحسب الوضع النَّوعيِّ، فلا يجوز إرادتُهما جميعًا، أمَّا عندنا؛ فلأنَّ المشترك لا عمومَ له، وأمَّا عند الشَّافعيِّ؛ فلأنَّ المجازَ لا عمومَ له، بل يجب حملُه على أحد النَّوعين، فحمله الشَّافعيُّ ☼ على النَّوع الثَّاني؛ بناءً على أنَّ المقصود الأهمَّ من بعثة النَّبيِّ صلعم صلعم بيانُ الحِلِّ والحرمة، والصِّحَّة والفساد، ونحو ذلك، فهو أقرب إلى الفهم، فيكون المعنى: إنَّ صحَّة الأعمال لا تكون إلَّا بالنيَّة، فلا يجوز الوضوء بدونها، وحمله أبو حنيفة ☼ على النَّوع الأوَّل؛ أي: إنَّ ثواب الأعمال لا يكون إلَّا بنيَّة، وهذا لوجهين:
          الأوَّل: أنَّ الثَّواب ثابتٌ اتِّفاقًا؛ إذ لا ثواب بدون النيَّة، فلو أُريد الصِّحَّة أيضًا؛ يلزم عموم المشترك أو المجاز.
          الثَّاني: أنَّه لو حُمِل على الثَّواب؛ لكان باقيًا على عمومه؛ إذ لا ثوابَ بدون النِّيَّة أصلًا، بخلاف الصِّحَّة، فإنَّها تكون بدون النِّيَّة؛ كالبيع والنِّكاح.
          على أنَّ قوله: (وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى) يدلُّ على الثَّواب والأجر؛ لأنَّ الَّذي له إنَّما هو الثَّواب، وأمَّا العمل؛ فعليه، فكان إضمار (الثَّواب) هو المناسب، وهناك / وجوهٌ أُخَر في تقدير هذا المقام تركناها خوف المَلَل.
          تنبيه:
          لا يخفى أنَّ الخلاف في اشتراط النِّيَّة وعدمِه إنَّما هو في الوسائل الأصليَّة دون المقاصد، وحينئذٍ فاشتراطُها فيها إمَّا بالإجماع أو بآية: {وما أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِيْنَ لَهُ الدِّيْنَ} [البيِّنة:5].
          هذا، ولقد أذكرُ في حديث الجسد السَّابق لطيفةً أدبيَّةً ترتاح لسماعها النُّفوس، في المناظرة بين القلب والعين، ولوم كلٍّ لصاحبه، والحكم بينهما؛ وهي: لمَّا كانت العين رائدة، ومحبَّة القلب زائدة، وهذه لها لذَّة النَّظر، وهذا له لذَّة الظَّفَر؛ كانا في الهوى شريكَي عِنان، وفرسَي رِهان، فلمَّا وقعا في السُّهاد والحَرَق، وأضرَّ بصاحبِهما الأرَق؛ قال القلب: يقول الأرَّجاني، لطَرْفِه الجاني:
تمتَّعتُما يا مُقلتيَّ بنظرةٍ                     وأوردتُما قلبيَ شرَّ الموارد
أعَينَيَّ كُفَّا عن فؤادي فإنَّه                     من البغي سعيُ اثنين في قتل واحد
          وقال آخر:
عُوقِب قلبي وجنى ناظري                     وربَّما عُوقِب مَن لا جنى
          وقال الآخر:
يا مَن يرى سقمي يزيد                     وعلَّتي أعيتُ طبيبي
لا تعجبنَّ فهكذا                     تجني العيونُ على القلوبِ
          فلمَّا سمعت العين إنشادَه، وفهمت مرادَه؛ أشارت إليه، وأخذت في الإنكار عليه، فقالت: يا لَلعجب من ظالمٍ يتظلَّم، وأخرس يتكلَّم! أليس الخبر الَّذي شاع وذاع؛ أنَّك أنت الملِك ونحن الأتباع؟! تُرسلني فيما تريد، كالبريد، وتُعقِب ذلك بالتَّهديد؟! أمَا سمعت قول أبي هريرة ☺: (القلب ملِك، والأعضاء جنوده، فإن طاب / الملِك؛ طابت جنودُه)، وبضدِّها تتميَّز الأشياء، وقولَ سيِّد الأنام، عليه أفضل الصَّلاة والسَّلام: «ألا وإنَّ في الجسد مضغةً، إذا صلحت؛ صلح لها سائرُ الجسد، وإذا فسَدت؛ فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب»، فبين ذنبي وذنبِك إذ ذاك، كما بين عَمائي وعَماك، وقد قال علَّام الغيوب: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ} [الحج:46]، فلمَّا سمعت النَّفس ما دار بينهما من الجدال؛ قالت في الحال:
أنا ما بين عَدوَّيـ                     ـنِ هما قلبي وطرفي
ينظر الطَّرف ويهوى الـ                     ـقلب والمقصودُ حَتْفي
          وأنشدت:
فوالله ما أدري أنفسي ألومُها                     على الحبِّ أم عيني القريحةَ أم قلبي
فإن لُمْتُ قلبي قال لي: العين أبصرت                     وإن لُمْتُ عيني قالتِ الذَّنب للقلب
فعيني وقلبي قد تقاسمتُما دمي                     فيا ربِّ كُنْ عونًا على العين والقلب
          قيل: والحاكم بينهما؛ الَّذي يحكم بين الرُّوح والجسد إذا اختصما، كما ورد في الأثر، عن سيِّد البشر: «لا تزال الخصومة يوم القيامة بين الخلائق حتَّى يختصم الرُّوح والجسد، فيقول الجسدُ للرُّوح: وأنتَ الَّذي حرَّكتَني وأمرتَني وحرفتَني، وإلَّا؛ فأنا لم أكن أتحرَّك، ولا أفعل بدونك، فيقول الرُّوح له: وأنتَ الَّذي أكلت وشربت [و]تنعَّمت، فأنت الَّذي تستحقُّ العقوبة، فيُرسِل الله إليهما ملَكًا يحكمُ بينهما، فيقول: مَثَلُكما مَثَلُ مُقعَد بصير، وأعمى يمشي، دخلا بستانًا، فقال المُقعَد للأعمى: أنا أرى ما فيه من الثِّمار، ولكن لا أستطيع القيام، وقال الأعمى: أنا أستطيع القيام، ولكن لا أُبصر شيئًا، فقال له المُقعَد: تعال، فاحملني، فأنت تمشي وأنا أتناول، فعلى مَن تكون العقوبة؟ فيقولان: / عليهما، قال: فكذلك أنتما».
          هذا، ولنرجع إلى الأصل.
          قوله: (بِالنِّيَّاتِ) الباء تحتمل السَّببيَّة والمصاحبة؛ أي: ثواب الأعمال أو صحَّتها بسبب النِّيَّات أو بمصاحبتها، وهي متعلِّقة بمحذوفٍ خبر المبتدأ، تقديره: كائن مثلًا، و(النِّيَّات) جمع نيَّة؛ بتشديد الياء فيهما، مصدر (نوى)؛ إذا قصد، من باب ضرب.
          فهي لغةً: قصد القلب إلى عمل؛ أي: حالةٌ قلبيَّةٌ باعثةٌ على العمل، وقيل: من النَّوَى؛ بفتح الواو والألف المقصورة، بمعنى البُعد، فكأنَّ النَّاويَ للشَّيء يطلب بقصده وعزمه ما لم يصل إليه بجوارحه وحركاته الظَّاهرة؛ لبعده عنه، فجُعِلت وسيلةً إلى بلوغه، وأصلها: (نِوْية)؛ بكسر النُّون وسكون الواو، قُلِبت واوها ياءً؛ مناسبةً للكسرة قبلها، وقد تُخفَّف من (ونى)؛ إذا فتر؛ لأنَّ تصحيحها يحتاج إلى رويَّة وفكر.
          وشرعًا: كما في «شرح الحافظ ابن حجر على البخاريِّ» نقلًا عن البيضاويِّ: توجُّه القلب نحوَ إيجاد فعل أو تركه، موافق لغرض جلب نفعٍ أو دفع ضرٍّ، حالًا أو مآلًا، ولكنَّها هنا محمولة على معناها اللُّغويِّ؛ ليحسن تطبيقُه على ما بعده وتقسيمُ أحوال المهاجر، فإنَّه تفصيلٌ لما أُجمِل أوَّلًا، اهـ.
          وإنَّما جُمِعَت في هذه الرِّواية؛ قصدًا للتَّنويع؛ إذ المصدر لا يُجمَع إلَّا باعتبار الأنواع، وهنا لمَّا قابلت الأعمال، وكان كلُّ عملٍ له نيَّةٍ؛ إذ مقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة آحادًا؛ جُمِعَت باعتبار تغاير العاملين، أو مقاصد النَّاوين؛ كقصده تعالى، أو تحصيل موعوده، أو اتِّقاء وعيده، وفي معظم الرِّوايات: (بالنِّيَّة) بالإفراد على الأصل؛ لاتِّحاد محلِّها؛ وهو القلب، كما أنَّ مرجعها واحد؛ وهو الإخلاص للواحد الَّذي لا شريك له، فتناسب إفرادها، بخلاف الأعمال، فإنَّها / متعلِّقةٌ بالظَّواهر، وهي متعدِّدة، فناسب جمعها.
          تنبيه مهمٌّ:
          النِّيَّة ليست داخلةً تحت الاختيار؛ إذ من المعلوم أنَّها ليست قولَ القائل بلسانه أو بقلبه: نويت، بل هي انبعاث القلب وميلُه القويُّ إلى ما بان له أنَّ فيه غرضًا عاجلًا أو آجلًا، والميل إذا لم يوجد لا يمكن اكتسابُه بمجرَّد الإرادة؛ أي: تخيُّلها، بل ذلك كقول الشَّبعان: نويت أن أشتهيَ الطَّعام وأميلَ إليه، أو قول الفارغ: نويتُ أن أعشق فلانًا وأُحبَّه وأُعظِّمه بقلبي، فذلك محال، بل لا طريق إلى اكتساب صرف القلب إلى الشَّيء وتوجُّهه نحوه إلَّا باكتسابٍ صحَّ أسبابه، وذلك ممَّا قد يقدر عليه، وقد لا يقدر عليه، فالنِّيَّة تجري مجرى الفتوح منه تعالى، قد تتيسَّر في بعض الأوقات، وقد تتعذَّر، نعم؛ من غَلَب على قلبه أمر الدِّين؛ يتيسَّر عليه كثيرًا إحضارُ النِّيَّة للخيرات، وأمَّا من غلبت الدُّنيا عليه؛ فلا يتيسَّر له ذلك في الفرائض إلَّا بجهدٍ جهيدٍ.
          وغايته: أن يتذكَّر النَّار ويُحذِّر نفسَه بعقابها، أو نعيمَ الجنَّة ويرغِّبها فيها، فربَّما ينبعث له داعية ضعيفة، فيُثاب على قدر رغبته ونيَّته، وأمَّا الطَّاعات على نيَّة إجلال الله تعالى لاستحقاق المعبوديَّة؛ فلا يتيسَّر للرَّاغب في الدُّنيا، وهو أعزُّ النِّيَّات وأعلاها، وعبادة الإصرار، فهذه مراتبُ العبادات الثَّلاث، وأمَّا العبادة طلبًا للدُّنيا والآخرة؛ فبعضهم يقول: إنَّها مردودة؛ لقوله صلعم صلعم حكايةً عن ربِّه تعالى: «أنا أغنى الشُّركاء عن الشِّرك، فمن عمل لي عملًا أشرَكَ فيه غيري؛ فأنا منه بريء»؛ أي: لاشتماله على الرِّياء، ويُؤيِّدُه قولُ المحاسبيُّ في «رعايته»: الإخلاص أن تُريده بطاعته ولا تريد سواه.
          ثمَّ الرِّياء كما يكون في العمل يكون في تركه؛ بشهادة قول الفُضَيل: ترك العمل لأجل النَّاس رياء، والعمل لأجلهم شرك، والإخلاص / أن يُعافيَك الله منهما.
          هذا، ويتعلَّق بالنِّيَّة سبع مباحث منظومة في قول بعضهم:
حقيقة، حكم، محلٌّ، وزمن                     كيفيَّة، شرط، ومقصودٌ حسن
          تقدَّم بيان حقيقتها لغةً وشرعًا.
          وحكمها: الافتراض في العبادة المقصودة، والنِّيَّة في الوسيلة.
          ومحلُّها: القلب، وأمَّا اللِّسان؛ فلا اعتبارَ به، وهل تُستحبُّ به أو تُسنُّ أو تكره؟ أقوال، اهـ «مجمع»، وفي «فتح القدير»: لم يُنقل عن النَّبيِّ صلعم ،ولا عن أصحابه التَّلفُّظ بالنِّيَّة، لا في حديث صحيح ولا ضعيف،اهـ، وقِيل أيضًا: لم يُنقل عن أحدٍ من الأئمَّة الأربعة، وفي «المنية»: كره بعض مشايخنا النُّطق باللِّسان، ورآه آخرون سنَّة، وفي «القُنية» و«المُجتبى»: المختار أنَّه مُستحبٌّ، اهـ.
          وزمنها: أوَّل العبادة.
          وكيفيَّتها: تختلف بحسب المنويِّ.
          وشرطُها: إسلام النَّاوي وتمييزه، وتحقيق الوجوب أو ظنُّه، وعدمُ المنافي.
          والمقصود منها: تمييز رُتَب العبادات بعضِها عن بعض.
          مهمَّة: ما يقع في النَّفس على خمس مراتب؛ الأولى: الهاجس؛ وهو أوَّل ما يلقى فيها، ثمَّ: جريانه فيها، وهو الخاطر، ثمَّ: حديث النَّفس، وهو ما يقع فيها من التَّردُّد هل يفعل أو لا، ثمَّ: الهمُّ، ثمَّ العزم؛ وهو قوَّةُ ذلك القصد والجزمُ به.
          فالهاجس لا يُؤخذ به، وهو قصد ترجيح الفعل إجماعًا؛ لأنَّه ليس من فعله، وإنَّما هو شيءٌ طرَقه قهرًا عليه، وما بعده من الخاطر وحديث النَّفس _وإن قدر على دفعهما_ مرفوعان بالحديث الصَّحيح: «إنَّ الله تجاوز عن أمَّتي ما حدَّثت به أنفسَها ما لم تتكلَّم به _أي: في المعاصي القوليَّة_ أو تعمل به»؛ أي: في المعاصي الفعليَّة؛ لأنَّ حديثَها إذا ارتفع فما قبله أولى، وهذه المراتب لا أجر فيها في الحسنات أيضًا؛ لعدم القصد، وأمَّا الهمُّ؛ فقد بُيِّنَ في الحديث: / أنَّ الهَمَّ بالحسنة يُكتَب حسنةً، والهَمَّ بالسَّيِّئة لا يُكتب سيِّئةً، ويُنظَر، فإن تركها لله تعالى؛ كُتِبَ حسنة، وإن فعلها؛ كُتِبَ سيِّئةً واحدةً، وأنَّ الهَمَّ مرفوع، وأمَّا العزم؛ فالمحقِّقون على أنَّه يُؤاخذ به، ومنهم من جعله من الهمِّ المرفوع، وفي «البزَّازيَّة»: من همَّ بمعصيةٍ؛ لا يأثم إن لم يُصمِّم عزمه، وإن عزم؛ يأثم إثمَ العزم، لا إثم العمل بالجوارح، إلَّا أن يكون أمرًا يتمُّ بمجرَّد العزم كالكفر، انتهى.
          يقول العبد الضَّعيف: الَّذي يدلُّ عليه أحاديث الهمِّ: أنَّ العزم من الهمِّ، كما قاله بعضهم، ففي «الصَّحيحين» وغيرهما: «من همَّ بحسنةٍ فلم يعملْها؛ كتبها الله عنده حسنةً كاملةً، وإن همَّ بها فعملها؛ كتبها الله عنده عشر حسناتٍ إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وإن همَّ بسيِّئة فلم يعملها؛ كتبها الله عنده حسنةً كاملة، وإن همَّ بها فعملها؛ كُتبت له سيِّئة واحدة»، وعند التِّرمذيِّ وصحَّحه مرفوعًا إلى الله تبارك وتعالى: «إذا همَّ عبدي بحسنةٍ؛ فاكتبوها له حسنة، فإن عملها؛ فاكتبوها بعشرة أمثالها، فإن تركها؛ فاكتبوها له حسنة» إلى غير ذلك.
          ووجه الدَّلالة: أنَّه لم يذكر بعد الهمِّ إلَّا العمل مصدَّرًا بالفاء التَّعقيبيَّة، فدلَّ على أنَّ الهمَّ هو الَّذي يعقبه العمل إن فعل ولم يترك، والَّذي يعقبه الفعل هو العزم لا ما قبله، ويُوضِّحه: أنَّ الكلام فيما سبق في بيان ما يُكتَب عليه وما لا يُكتب عليه، فلو كان المراد بالهمِّ ما قبل العزم، وكان العزم على السَّيِّئة يُكتب سيِّئةً؛ كما ذهب إليه القاضي الباقلَّانيُّ ومن قال بقوله؛ كان مُقتضى السِّياق التَّنصيص عليه، لا على العمل، فإنَّه قبل العمل، فكان ينبغي / أن يُقال: ومن همَّ بسيِّئةٍ فلم يعزم عليها؛ كتبه الله _أي: همُّه_ حسنةً كاملة، لكن لم يَقُل إلَّا: «لم يعملها»، وقال: «كتبها الله»؛ بعود الضَّمير إلى السَّيِّئة المهموم بها.
          ويزيده وضوحًا حديث البخاريِّ في (كتاب التَّوحيد) عن أبي هريرة: أنَّ رسول الله صلعم قال: «يقول الله ╡: إذا أراد عبدي أن يعمل سيِّئةً؛ فلا تكتبوها عليه حتَّى يعملها، فإذا عملها؛ فاكتبوها بمثلها، وإن تركها من أجلي؛ فاكتبوها حسنةً» الحديث؛ وذلك أنَّه جعل غاية عدم الكتابة العمل، لا العزم؛ لأنَّه قال: «حتَّى يعملها»، ولم يَقُل: حتَّى يعزم، فدلَّ على أنَّ ما قبل العمل لا يُكتب عليه منه شيء أصلًا، فدخل فيه العزم، ثمَّ رأيتُ لابن حجر في شرح هذا الحديث،:واستدلَّ بمفهوم الغاية في قوله: «فلا تكتبوها حتَّى يعملها»، وبمفهوم الشَّرط في قوله: «إذا عملها؛ فاكتبوها بمثلها» من قال: إنَّ العزم على فعل المعصية لا يُكتب سيِّئةً حتَّى يقع العمل ولو بالشُّروع، انتهى.
          وهو استدلالٌ واضح لدى الإنصاف، والله أعلم.
          ثمَّ ظاهر حديث أنس مرفوعًا: «من همَّ بحسنةٍ فلم يعملها؛ كُتِبَ له حسنة، فإن عملها؛ كُتِبَ له عشر، ومن همَّ بسيِّئة فلم يعملها؛ لم يُكتب عليه شيء، فإن عملها؛ كُتِبَ عليه سيِّئة»: أنَّ التَّارك لا يُكتَب عليه لا العزمُ ولا السَّيِّئة المعزومُ عليها إذا كان التَّرك بشرطه المذكور في حديث أبي هريرة عند البخاريِّ: «وإن تركها من أجلي»، ووقع عند مسلم: «وإن تركها؛ فاكتبوها له حسنة، إنَّما تركها من جَرَّايَ»؛ بفتح الجيم وتشديد الرَّاء وبعد الألف ياء المتكلِّم، وهي بمعنى: من أجلي؛ وذلك لمَّا تقرَّر أنَّ النَّكرة في سياق النَّفي تفيد العموم، ولكنَّ حديث أبي هريرة عند مسلم: «ومن همَّ بسيِّئة فلم يعملها؛ لم تُكتب، وإن عملها؛ كُتبت» إنَّما يدلُّ على عدم كتابة السَّيِّئة المعزوم / عليها.
          وأمَّا نفس العزم؛ فمسكوت عنه، ومقتضى قاعدة أنَّ تخصيص بعض أفراد العامِّ بالذِّكر لا يخصِّص العامَّ: هو أن يكون حديثُ أنس وأمثالُه على عمومه، إلَّا أنَّه يُخَصُّ منه إرادة الإلحاد في الحرم إذا فُسِّر بالمعصية والإصرار، أمَّا الأوَّل؛ فلآية: {وَمَنْ يُرِدْ فِيْهِ بِإِلْحَادٍ} [الحجِّ:25]، والأحاديث الَّتي في معناها، وأمَّا الثَّاني؛ فلأنَّ عدم الكتابة مشروط بالتَّرك، وصاحب الإصرار غير تارك.
          فإن قُلت: قد نَقل أبو الطَّيِّب الباقلَّانيُّ عن بعض المحقِّقين: أنَّ من عزم على المعصية، ووطَّن نفسه عليها؛ يأثم، واحتجَّ عليه بحديث: «إذا التقى المسلمان بسيفَيهما؛ فالقاتل والمقتول في النَّار»، قالوا: يا رسول الله! هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: «كان حريصًا على قتل صاحبه»، فعلَّل بالحرص، وأنَّ ما وقع في أحاديث الهمَّ محمولٌ على أنَّ ذلك فيمن لم يوطِّن نفسَه على المعصية، وإنَّما مرَّ ذلك بفكره من غير استقرار، ويُسمَّى هذا همًّا، ويفرَّق بين الهمِّ والعزم، انتهى.
          قلت: قال في «فتح الباري»: قال المازريُّ: وخالفه كثير من الفقهاء والمحدِّثين والمتكلِّمين، ونقل ذلك عن نصِّ الشَّافعيِّ، قال الحافظ: ويؤيِّده قوله في حديث أبي هريرة، فيما أخرجه مسلم، من طريق همَّام: «أنَّى أغفرها له ما لم يعملها؟» فإنَّ الظَّاهر أنَّ المراد بالعمل عملُ الجارحةِ المعصيةَ المهمومَ بها، انتهى.
          أقول: وتحرير الجواب عن احتجاج الباقلَّانيِّ: أنَّ اللِّقاء وإشهارَ السَّيف فعلٌ اختياريٌّ، نفاه من حرصه على قتل صاحبه، فلم تكن المؤاخذة إلَّا بالعمل النَّاشئ عن الحرص على القتل، لا بمجرَّد الحرص، وإنَّما علَّله بالحرص؛ تنبيهًا على أنَّ اللِّقاء وإشهار السِّلاح لم يَكُن بقصد دفع الصائل، بل بقصد القتل المحرَّم، فيكون فعلًا اختياريًّا برز بنيَّةٍ سيِّئة، وإنَّما الأعمال / بالنِّيَّات.
          وأمَّا حمل الهمِّ في الأحاديث على ما قبل العزم؛ ففيه ما مرَّ من أنَّه لو كان المراد هو هذا؛ لكان ينبغي أن يُقال: ومن همَّ بسيِّئة فلم يعزم عليها؛ كُتبت له حسنةً، فإنَّ العزم المجرَّد لو كان مؤاخَذًا به؛ كان مُقتضى السِّياق التَّنصيصَ عليه، لا على العمل الَّذي هو بعده؛ لأنَّ الكلام إنَّما هو في بيان ما يُكتب عليه، وما يُعفى عنه، وأيضًا يلزم أنَّ من همَّ بسيِّئة فعملها أن يكتب عليه سيِّئتان؛ هما العزم والعمل المعزوم عليه، لكنَّ اللَّازم باطل بالنَّصِّ على أنَّ المكتوب واحدة؛ وهي السَّيِّئة المعمولة.
          ومقتضاه: أن لا يكتب عليه العزم، وأن لا تُضاعف السَّيِّئة المعمولة كما تضاعف الحسنة، وهذا الثَّاني صرَّح به روايةُ الإمام أحمد من حديث خُرَيْم بن فاتك مرفوعًا: «ومن عملها؛ كُتبت عليه واحدةً ولم تُضاعف عليه...» الحديث، وما نقله الإمام النَّوويُّ عن عيَاض: من أنَّ عامَّة السَّلف من الفقهاء والمحدِّثين على ما ذهب إليه الباقلَّانيُّ؛ لكثرة الأحاديث الدَّالَّة على المؤاخذة بأعمال القلوب، واستحسنه وأيَّده بقوله تعالى: {إنَّ الَّذِيْنَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيْعَ الفَاحِشَةُ فِي الَّذِيْنَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيْمٌ} [النُّور:19]، وقوله تعالى: {اجْتَنِبُوا كَثِيْرًَا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثمٌ} [الحجرات:12] قال: وقد تظافرت نصوص الشَّرع وإجماع العلماء على تحريم الحسَد واحتقار المسلمين وإرادة المكروه بهم، وغير ذلك من أعمال القلوب، انتهى.
          فأُورد عليه بما تحريره: أنَّ ذلك لا ينهَضُ دليلًا ولا يقومُ حجَّةً على أنَّ العزم المجرَّد يُؤاخَذ به؛ لأنَّ أعمال القلوب مطلقًا أفعالٌ اختياريَّة لها، مسبوقة بمبادئها الَّتي منها العزمُ عليها؛ كسائر الأفعال الاختياريَّة، مستقلَّة بكونها طاعاتٍ أو معاصٍ أو مباحات؛ / لكونها مُتحقِّقة في الباطن على التَّمام والكمال، فكون الشَّخص آثمًا بفعل ما كان منها من المعاصي _كالمذكورات بالإجماع_ لا يُقدَّم حجَّةً على كونه آثمًا بمجرَّد العزم على سيِّئة الجوارح؛ للفرق الظَّاهر بين الوسيطة والمقصود بالذَّات؛ أي: بين العزم والفعل التَّامِّ المسبوق بالعزم.
          والحاصل: أنَّ محلَّ النِّزاع إنَّما هو العزم على المنهيَّات الخارجيَّة؛ فعليًّة كانت أو قوليَّة، وأمَّا عمل القلب الاختياريِّ؛ فإنَّه عمل تامٌّ مسبوق بالعزم، لا نفس العزم، فلا يكون محلَّ النِّزاع، وبالله التَّوفيق.
          ثمَّ إرادة المكروه بالمسلمين إن رجعت إلى معنى الحسد؛ فهي من أعمال القلوب، وإن أُريد بها العزم على إيصال الأذى؛ فهي محلُّ النِّزاع لا الإجماع، وعلى فرض الإجماع على حُرمتها لا يُنافي الحديث الدَّالَّ على التَّجاوز عنه، بل يُوضِّحه، واستُشكِل بأنَّ العزم إنَّما اعتُبِرَ في حصول الحسنة المهموم بها، فكيف لم يُعْتَبر في حصول السَّيِّئة المهموم بها؟
          يقول هذا العاجز: لعلَّ الحكمة في ذلك أنَّ الله سبحانه وتعالى من حيث إنَّه الشَّكورُ الَّذي يُجازي باليسير الكثيرَ، ذو الفضل العظيم؛ اعتبر الحسنةَ المهمومَ بها في وجودها الذِّهنيِّ، وكتبها واحدةً كاملةً؛ أي: كتبها كحسنةٍ معمولة في الخارج، موجودة خارجًا وذهنًا، وهذا معنى كمالها، لَا أنَّها تُضاعَف كما قِيل، ومن حيث إنَّه تعالى عفوٌّ غفورٌ يُحِبُّ العفو؛ لم يعتبر السَّيِّئة المهمومَ بها في وجودها الذِّهنيِّ سيِّئةً، بل عَفا عنها فلم يكتبها لا كاملةً ولا ناقصة، وزاد من فضله أنَّه من تركها من أجل الله؛ كتبها حسنةً كاملة؛ أي: بالمعنى السَّابق.
          ثمَّ أقول: ظاهر قوله: «كتبها الله حسنةً» وقوله: «فاكتبوها له حسنة» يقتضي / أنَّ الَّذي يُكتَب حسنة هو السَّيِّئة المتروكة من أجل الله، المكفوف عنها بعد الهمِّ بها، وأمَّا نفس الكفِّ؛ فمسكوت عنه هنا، لكن أفصح عنه حديث البخاريِّ: «على كلِّ مسلمٍ صدقة»، قالوا: فإن لم يفعل؟ قال: «فليمسك عن الشَّرِّ؛ فإنَّه صدقة» فإنَّه يقتضي أنَّ نفس الإمساك هو الكفُّ، وهو فعل اختياريٌّ، وفي «القاموس»: كففته عنه: دفعته وصرفته؛ فكفَّ، هو لازم ومتعدٍّ، انتهى.
          واللازم أثر المُتعدِّي، وحاصلٌ به، فإذا كان من أجل الله؛ كان معروفًا، وكلُّ معروفٍ صدقة، ثمَّ من المعلوم أنَّه إذا تحقَّق الكفُّ؛ انتفى المنهيُّ عنه المهموم به، فانتفاؤه مُترتِّبٌ على الكفِّ المقدور، فيكون مقدورًا باعتبار سببه المقدور، كأنَّه من هنا يكتب السَّيِّئة المتروكة من أجل الله حسنةً معمولة، والله أعلم.
          ثمَّ التَّرك إذا لم يكن من أجله، بل لأمرٍ آخر؛ كالخوف من المخلوقين؛ فقد قيل: إنَّه يُعاقب عليه إذا كان بهذه النِّيَّة؛ لأنَّ تقديم خوف المخلوقين على خوف الخالق محرَّم، وأُورد عليه: بأنَّ التَّقديم قد يكون لكونه يرجو العفو من الله تعالى، ولا يرجوه من المخلوقين، فيكون من باب حديث أبي سعيد عند ابن ماجه: «يا ربُّ؛ رجوتك، وتركتُ النَّاس» قيل: إنَّه لُقِّن حجَّته.
          أقول: الأشمل الأوضح أن يُقال: إنَّ الكفَّ فعل اختياريٌّ، فيختلف باختلاف النِّيَّات، وإنَّما الأعمال بالنِّيَّات، فإن كان الكفُّ من أجل الله كان حسنةً، أو لغرض نفسيٍّ مباح كان مباحًا، أو لغرضٍ محرَّم آخر كان الكفُّ سيِّئةً، وعلى التَّقادير كلِّها لا يُكتَب عليه السَّيِّئة المهموم بها؛ لأنَّه لم يعملها وإن كتب عليه سيِّئة الكفِّ على التَّقدير الأخير، والحمد لله الَّذي هدانا لهذا، وما كنَّا لنهتديَ لولا أن هدانا الله.
          (وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى)؛ أي: جزاء الَّذي نواه، أو جزاء مَنويِّه من خير أو شرٍّ، / فـ(ما) تحتمل الموصوليَّة والمصدريَّة، والحصر هنا من حصر المُسنَد _وهو الجارُّ والمجرور_ في المسند إليه، وهو (ما) باعتبار ما بعده؛ أي: والحاصل لكلِّ امرئٍ مقصودٌ على الَّذي نواه، أو على مَنويِّه، ويجوز عكس هذا الحصر؛ أي: جزاء ما نواه كلُّ امرئ مقصودٌ على الاتِّصاف به، لا يتجاوزه إلى الاتِّصاف بغيره، فهو من قصر الموصوف على صفته؛ كما في { لَكُمْ دِيْنُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الكافرون:6]، فإنَّ معناه: دينكم مقصور على الاتِّصاف بـ{لكُم}، لا يتَّصف بـ{لِي}، وديني مقصور على الاتِّصاف بـ{لِي}، لا يتَّصف بـ{لكُم}، وينصره: {إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا على رَبِّي} [الشُّعراء:113]، فإنَّ معناه _كما في «المفتاح»_ حسابهم مقصورٌ على الاتِّصاف بـ{عَلَى ربِّي}، لا يتجاوزه إلى الاتِّصاف بـ(على غيره).
          ثمَّ (كلِّ) هنا لعموم الأفراد؛ لأنَّها إن أُضيفت لمنكَّر كما هنا؛ كانت لعموم أفراده، وإن لمعرَّف؛ فلعموم أجزائه؛ فلذا يصدق: (كلُّ رمَّان مأكول)، دون: (كلُّ الرُّمَّانِ مأكول)؛ لأنَّ قِشره لا يؤكل.
          و(المرء):الرَّجل، والأنثى: امرأة ومرأة ومَرَة، وقِيل: المرء الإنسان، في «القاموس»: والمرء _مثلَّثة الميم_ الإنسان أو الرَّجل، انتهى، فعلى التَّفسير الأوَّل يشمل المرأةَ، دون الثَّاني.
          ثمَّ كلمة (ما) _كما قدَّمنا_ تحتمل الموصوليَّة والمصدريَّة، وعلى كلٍّ فهي مبتدأ قُدِّمَ خبرُه عليه؛ إفادةً للحصر.
          و(نوى) هنا: من النِّيَّة الشَّرعيَّة، إمَّا صلة أو صفة، وهذه الجملة _كما نقله القاريُّ عن الطيِّبيِّ_ إشارة إلى ما تثمره النِّيَّة من القَبول والرَّدِّ، إلى أن قال: وتوضيحُه: أنَّه أشار في الجملة الأولى إلى أنَّ الأعمال الشَّرعيَّة تتوقَّف صحَّتها على النِّيَّة اللُّغويَّة، وأشار في الثَّانية إلى اعتبار النِّيَّة الشَّرعيَّة بقوله: إنَّه حاصل للمرء كلُّ ما نواه، سواءٌ كان محمودًا أو مذمومًا، فيُعلم منه أنَّه يمكن أن تُجعل العادات عباداتٍ _كالمآكل والمشارب والمناكح والملابس / والطِّيب، ونحوها من المباحات_ إذا نوى بها القوَّة على الطَّاعات، أو قصد إقامة السُّنَّة، أو دفْع الرَّائحة المؤذية عن الخلق؛ لاستيفاء اللَّذات.
          وقد تنعكس القضيَّة بأن تصير العبادات عادات، فلا يتفرَّع عليه مثوبات، بل عقوبات؛ كمن قعد في المسجد للتَّفكُّه بالمحادثة، والتَّلذُّذ بالمجالسة، وللمناظرات على سبيل المباحات، ونحوها من المباحات أو الممنوعات، ففي الخبر: «من تطيَّب في الله؛ جاء يوم القيامة وريحُه أطيبُ من المسك، ومن تطيَّب لغير الله؛ جاء يوم القيامة وريحُه أنتنُ من الجيفة»، وكذا ورد وعيدُ من تعلَّم القرآن لغير الله ونحو ذلك، ففي الجملة: كلُّ عمل صدر عن العبد لداعي الحقِّ؛ فهو العمل الَّذي ينفعه، وما لا؛ فلا يُفيده، بل يضرُّه، انتهى.
          وفيما نقله بعض مناقشاتٍ ليس هذا محلَّ بسطِها، فإذا سمح لي الزَّمان بصفاء قدرٍ يسيرٍ منه؛ ربَّما رجعت لتحقيق بعض مباحثَ تتعلَّق بهذا الحديث الشَّريف، ومناقشة من كتب عليه في تفرقتهم بين النِّيَّة الأولى حيث حملوها على اللُّغويَّة، وبين الثَّانية حيث حملوها على الشَّرعيَّة، وإن كنت الآن درجت عليه، وفي أمورٍ أُخَرَ لاحت لي وقت الكتابة.
          هذا وفي «العينيِّ» على «البخاريِّ»: أنَّ الجملة الثَّانية تأكيد للأولى، فإنَّه ذكر الحكم أوَّلًا، وأكَّده ثانيًا؛ تنبيهًا على شرف الإخلاص، وتحذيرًا من الرِّياء المانع من الخلاص، اهـ ملخَّصًا.
          ومثله لكثيرٍ من الشُّرَّاح، وإن درج في «شرح الأربعين» المولى العثمانيُّ على خلاف ذلك؛ حيث قال: والمراد بهذه الجملة غيرُ ما أُريد بما قبلها؛ لابتدائه بأنَّ الأعمال إنَّما تكون بالنِّيَّة، وهذه بأنَّ كلَّ امرئٍ لا يكون له إلَّا منويُّه، قال: وكفاك به دليلًا على منع / النِّيابة في العبادة والتَّوكيل في النِّيَّة، وخصَّ منه تفرقة الزَّكاة وذبح الأُضحية، فيجوز التَّوكيل فيهما وفي نيَّتهما مع القدرة على النِّيَّة، وفي الحجِّ مع عدمها، انتهى.
          ثمَّ كشف المصطفى صلعم عمَّا في تينك القاعدتين؛ لما فيهما من نوع إجمالٍ قد يخفى؛ قصدًا للإيضاح، ونصًّا على صورة السَّبب الباعث على الحديث؛ وهي أنَّ رجلًا خطب امرأة تُسمَّى قَيلة؛ بفتح الأوَّل، وتُكنَّى بأمِّ قيس، فأبت حتَّى يُهاجر لأجلها، فهاجر، فعرَّض به تنفيرًا من مثل قصده، فقال: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله)؛ قصدًا ونيَّةً وعزمًا، الفاء يحتمل أن تكون مُفصِحةً عن شرط مقدَّر؛ أي: وإذا ثبت أنَّ لكلِّ امرئٍ ما نوى؛ فمن... إلخ، وأن تكون لعطف المفصَّل على المُجمَل؛ لأنَّ هذا تفصيل لبعض ما سبق؛ زيادة في البيان، وتنصيصًا على الدَّاعي لهذا الحديث.
          و(مَن) يحتمل كونها موصولة أو شرطيَّة، وحينئذٍ تكونُ جملة (فهجرته إلى الله ورسوله)؛ أي: ثمرة ومنفعة، خبرًا على الأوَّل، وجوابًا على الثَّاني.
          و(كان) تحتمل التَّمام والنَّقص، فعلى الأوَّل: الجارُّ والمجرور صلة (هجرة)، وعلى الثَّاني: متعلِّق بمحذوف خبرها؛ أي: فمن كانت هجرته قد وقعت إلى الله ورسوله.
          و(الهجرة): (فِعْلة) من الهجر؛ أي: التَّرك لغةً، وشرعًا: مفارقة دار الكفر إلى دار الإسلام؛ خوف الفتنة، والمراد: الانتقال من الوطن إلى غيره، ولكنَّ هذا مستحيل في حقِّه تعالى، فهو إمَّا على التَّشبيه البليغ؛ أي: كأنَّه هاجر إليه، أو الاستعارة المكنيَّة، أو هو على حذف مضافَين؛ أي: محلِّ رضاه وثوابه ورحمته، أو يُقال: الانتقال إلى محلٍّ يجده فيه، ووجدان كلِّ أحد على ما يليق به، ألا ترى ما اشتُهر على ألسنة القوم من السَّير إلى الله، ونحو ذلك، / أو يُقال: إنَّ ذكر الله للتَّعظيم والتَّبرُّك، ومثله غير عزيز، ألا ترى إلى ما قرَّروه في {إنَّ الَّذِيْنَ يُبَايِعُونَكَ} [الفتح:10] أنَّ المُعاملة مع حبيب الله كالمعاملة مع الله؛ فيده يده، وبيعته بيعته، والهجرة إليه هجرة إليه، وأمثال هذه المسامحات في كلام الشَّارع كثيرة {فأينما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله} [البقرة:115].
          وحاصله: أنَّه أُريد بالهجرة هنا مطلقُ الانتقال والتَّجاوز إلى شيء صوريًّا أو معنويًّا، وإذا حُملت (إلى) على معنى اللَّام؛ اندفع الإشكال من أصله.
          ثمَّ لفظ الجلالة اختلف فيه العلماء اختلافاتٍ كثيرة؛ لأنَّه كما تحيَّرت الألبابُ في المسمَّى تحيَّرت في الاسم، فقيل: إنَّه عَلَم، وقيل: إنَّه اسم جنس، وقيل: إنَّه صفة.
          وإلى الأوَّل ذهب الجمهور؛ حيث قالوا: إنَّه علَمٌ وُضِع للذَّات الواجب الوجود، المستحقِّ لجميع المحامد.
          أقول: (الذَّات) تُستعمل استعمال الشَّيء واستعمال النَّفس؛ فلذا يجوز تذكيره وتأنيثه، وآثروا التَّذكير هنا؛ لأشرفيَّته، والوصفان المذكوران لإيضاح المسمَّى، لا لاعتبارهما في المُسمَّى، وإلَّا؛ كان المُسمَّى مجموع الذَّات والصِّفة، مع أنَّه الذَّات فقط على الصَّحيح.
          إن قيل: يعكِّر عليه قولهم: هذا الاسم مستجمِعٌ لجميع الصِّفات، إذ هو يُفيد أنَّه يدلُّ عليها.
          قلنا: إنَّ هذا ليس شأن العلَم، بل معناه: أنَّه دالٌّ على ذاتٍ جامع لجميعها، فهو من وصف الدَّالِّ بوصف المدلول، أو يُقال: استجماعُه لجميع الصِّفات باعتبار المعنى الملحوظ، مرجِّحًا للتَّسمية به المفهوم من أصله الَّذي هو له على الأصحِّ كما يأتي، وهذا المعنى هو الألوهيَّة المتضمِّنة جميع صفات الكمال.
          واستدلَّ الجمهور بثلاثة أوجه:
          الأوَّل: أنَّه يُوصف ولا يُوصف به.
          الثَّاني: أنَّه لا بدَّ له تعالى من اسمٍ تجري عليه صفاتُه، كما هو قانون الوضع اللُّغويِّ ومقتضى استعمالات العرب، / ولا يصلح له ممَّا يُطلق عليه سواه؛ لظهور معنى الوصفيَّة في غيره بخلافه.
          الثَّالث: أنَّه لو لم يكن عَلَمًا بأن كان صفةً أو اسم جنس؛ لكان كلِّيًّا، فلا يكون (لا إله إلَّا الله ) توحيدًا، مع أنَّه توحيد بالإجماع، وبُحِثَ في الأوَّلَين بأنَّهما إنَّما ينفيان كونه وصفًا، لا كونه اسم جنس؛ لأنَّه يُوصَف ولا يُوصَف به، ولأنَّه يكفي في جريان تلك الصِّفات، قال البيضاويُّ: الأظهر أنَّه وصف في أصله، لكنَّه لمَّا غلب عليه سبحانه؛ بحيث لا يُستعمل في غيره، وصار كالعَلَم؛ أُجريَ مُجرى العَلَم في إجراء الوصف عليه، وامتناع الوصف به، وعدم تطرُّق احتمال الشَّرِكة، اهـ.
          وقوله: (لمَّا غلب) ...إلخ دفعٌ للوجوه المذكورة في إثبات كونه عَلَمًا وصفيًّا لذاته المخصوصة.
          وحاصله: أنَّه لمَّا غلب على ذاته تعالى، وصار كالعلم الوضعيِّ؛ أُجريَ مُجراه في صحَّة وصفه وامتناع الوصف به، فاندفع الأوَّل، وكذا الثَّاني؛ لأنَّ إجراء الأوصاف عليه تعالى لا يتوقَّف على أن يكون له علمٌ وضعيٌّ، بل يكفي فيه أن يكون له ما يجري مَجرى العلَم الوضعيِّ ممَّا غلب عليه، وفي عدم تطرُّق احتمال الشَّركة إليه.
          فاندفع الثَّالث؛ لأنَّ إفادة (لا إله إلَّا الله) التَّوحيدَ لا تتوقَّف على كون الجلالة عَلَمًا وضعيًّا لذاته المخصوصة، أو من الأعلام الغالبة المختصَّة بها، كذا في «حواشي الشَّيخ زاده»، ولا يخفى أنَّ المفهوم من كلام الشَّيخ زاده أنَّه عند البيضاويِّ صار عَلَمًا بالغلبة، ويُشعر به قول البيضاويِّ: (وصف في أصله)، وصرَّح به السَّيروانيُّ عليه، فهو إنَّما يُنكر كونه عَلَمًا وضعيًّا.
          هذا، وتمام تحقيق هذا البحث يستدعي طولًا لا تحتمله هذه العُجالة، وقد بُسِطَ في محلِّه.
          ثمَّ اختلف على القول بأنَّه علَم بالوضع؛ فقيل: إنَّه منقول؛ أي: مأخوذ من أصله بنوع تصرُّف، وقيل: مرتجل، لا أصل له ولا اشتقاق، بل هو اسم موضوع ابتداءً / لذاته المخصوصة، وعلى أنَّه منقول؛ قيل: إنَّه منقول ومشتق من أصل لا يعلمه إلَّا الله.
          قال العلَّامة الأمير: لا يخفى ضعف هذا القِيل؛ إذ حيث لم يُعلم الأصل؛ فمن أين الحكم بالاشتقاق؟! فإن أراد الأدب؛ فليقف عن أصل الاشتقاق، وقيل: من (أَلَهَ)؛ بفتحات؛ إذا عبد، فـ(إله) بمعنى: مألوه؛ ككتاب بمعنى: مكتوب، أو إذا تحيَّرت العقول في عظمته _سبحان من لا يعلم قدرَه غيرُه_ فالعجز عن الإدراك إدراك، ومن كلام العارف المقدسيِّ في «مفاتيح الكنوز»:
يا أيُّها المدَّعي لله عرفانا                     وقد تفرَّد بالتَّوحيد إعلانا
ويطلب الحقَّ بالعقل الضَّعيف وبالـ                     ـقياس والرَّأي تحقيقًا وتبيانا
ظننتَ جهلًا بأنَّ الله تدركه                     ثواقبُ الفكر أو تدريه إيقانا
أو العقول أحاطتْه بديهتُها                     وهل أقامت به لولاه بُرهانا
الله أعظمُ شأنًا أن يُحيط به                     علمٌ وعقلٌ ورأيٌ جلَّ سلطانا
          هذا، وعدَّ بعضهم ثمانيةَ أقوال في أصل الاشتقاق، ثمَّ مذهب الجمهور أنَّ الاسم الكريم عربيٌّ وضعًا، وقيل: عجميٌّ وضعًا، وأصله قيل: بالعبرانيَّة، وقيل: بالسُّريانيَّة؛ لأنَّها تُعرَّب بحذف الألف الأخيرة، وإدخال (أل)؛ لأنَّ العِبرانيِّين يقولون: (لاهًا) كثيرًا، ومعناه كما نقله الشنوانيُّ: من له القدرة، وأكثر أهل العلم على أنَّه الاسم الأعظم؛ لجمعه جميع صفات الكمال، ولأنَّه أعرف المعارف بلا خلاف، وعدم الاستجابة به؛ لعدم استجماع شرائط الدُّعاء، ومن ثمَّ كان رئيسَ الأسماء المقدَّم عليها الموصوف بها الجامع لجميع معانيها، ولم يتكرَّر غيرُه في القرآن تكرُّرَه؛ لأنَّه جاء فيه ألفي مرَّة وخمس مئة وستِّين مرَّة ░2560▒، ولم يكن عند مشايخ الصُّوفيَّة لصاحب مقام _كما نقله الخادمي عنهم_ ذكرٌ فوق الذِّكر باسم / الله مجزَّءًا، قال الله لنبيِّه: {قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ} [الأنعام:91] وقال جماعة: هو الحيُّ القيُّوم، واختاره النَّوويُّ، وقيل: الرَّحمن، وقيل: ذو الجلال والإكرام، وقيل: مُبهم ؛كليلة القدر وساعة الإجابة، وعن الجُنيد وغيره: أنَّ الاسم الأعظم يختلف باختلاف حال الدَّاعي، فكلُّ اسمٍ من أسمائه تعالى دعا العبد فيه ربَّه مستغرقًا في بحر التَّوحيد؛ فهو الاسم الأعظم بالنسبة إليه، وقد سُئل أبو يزيد البسطاميُّ عن الاسم الأعظم، فقال: ليس له حدٌّ محدود، وإنَّما هو فراغ قلبك لوحدانيَّته، فإذا كنت كذلك؛ فادفع إلى أيِّ اسم شئت؛ فإنَّك تسير به من المشرق إلى المغرب، انتهى.
          وفيه نحوٌ من أربعين قولًا، وقد أُفرِد بالتَّأليف، وأعظميَّته: إمَّا باعتبار مدلوله، أو باعتبار كثرة الثَّواب عليه، أو باعتبار إجابة الدَّاعي به عاجلًا؛ كما يؤخذ من قوله صلعم في شأنه: «إذا دُعِيَ به؛ أجاب، وإذا سُئل به؛ أعطى».
          هذا، وقوله في الحديث المشروح: (وَرَسُولِهِ) بالجرِّ عطفًا على لفظ الجلالة، اسم مفعول بمعنى: مُرسَل، من الإرسال، وبيْن الرَّسول والنَّبيِّ العموم ُوالخصوص المطلق؛ لاجتماعهما في إنسان حرٍّ أُوحيَ إليه الشرع، وأُمِرَ بتبليغه، وانفراد النَّبيِّ فيما إذا لم يؤمَر، وقيل غير ذلك؛ كما هو مبسوط في مواد «شرح جمع الجوامع» وغيرها.
          فائدة: قد يُقصد بالجزاء أو الخبر بيان شهرة وعدم تغيُّر؛ ليتَّحد بالشَّرط أو المبتدأ لفظًا كما هنا، فلا يُقال: إنَّ التَّغاير واجب، وقد اتَّحد الشَّرط والجزاء هنا؛ لأنَّه لفظيٌّ، وهو من مقاصد البلغاء بالاعتبار المذكور، قال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ} [الواقعة:10]؛ أي: هم المشهورون بما وُصِفوا به، لم يتغيَّروا عنه، كما أنَّ المعنى في الحديث: فهجرته إلى من يُثيب جزيل الثَّواب، ويُعطي عفوًا بغير حساب، وقال الشَّاعر / العربيُّ:
خليلي خليلي دون ريبٍ وربَّما                     آلان امرؤٌ قولًا فظُنَّ خليلا
          أي: خليلي مَن لم يتغيَّر في حضوره وغَيبته، فلا ريب في خُلَّته، على أنَّك قد علمتَ زوال الإشكال بتقديرنا عقب الشَّرط: قصدًا ونيَّة، وعقب الجزاء: ثمرةً ومنفعةً، فإنَّ هذا القدر كافٍ في التَّغاير، فافهم؛ تَرْشُد.
          (وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا)؛ أي: يُحصِّلها، فشبَّه الحصول بإصابة السَّهم الغرضَ، بجامع الفوز بالمراد، فاستعار له الإصابة، ثمَّ اشتقَّ منها الفعل _أعني: يُصيبها_ فوقعت الاستعارة في المصدر أصليَّة، وفي الفعل تبعيَّة، ويصحُّ اعتبارها مكنيَّة؛ حيث شبَّه الدُّنيا بالغرض الَّذي يُصاب بالسَّهم، وأثبت لها الإصابة تخييلًا.
          و(دُنْيَا) فُعلَى؛ كـ(حُبلَى) ؛ ضمًّا وقصرًا وتأنيثًا، ومِن ثَمَّ مُنِعت الصَّرف، وحُكِيَ كسرها، سُمِّيت بذلك؛ لدُنوِّها من الزَّوال، أو لسبقها الآخرة، فهي من الدُّنوِّ، أو من الدَّناءة؛ لدناءتها وخسَّتها، وهي دار الأكدار والهموم، والأحزان والغُموم، ترفع الجاهل، وتضع العالم؛ كما قال بعضهم:
عتبتُ على الدُّنيا بتقديم جاهلٍ                     وتأخير ذي فضلٍ، فقالت: خُذِ العُذرا
بنو الجهل أبنائي لهذا رفعتُهم                     وأهل التُّقى أبناءُ ضرَّتي الأُخرى
          وفي حقيقة الدُّنيا قولان للمُتكلِّمين:
          أحدهما: ما على وجه الأرض مع الهواء والجوِّ.
          الثَّاني: كلُّ المخلوقات من الجواهر والأعراض الموجودة قبل الدَّار الآخرة.
          أو كانت هجرته (إلى امرأة ينكِحُها) وفي رواية: <يتزوَّجها>، وهذا العطف من عطف الخاصِّ على العامِّ؛ لأنَّ (دنيا) نكرة في سياق النَّفي، فتَعُمُّ المرأةَ وغيرها، وفي تخصيصها بالذِّكر تلويح بأنَّها سببٌ لورود الحديث، أو بأنَّها فتنةٌ عظيمةٌ ينبغي الحذر منها؛ بشهادة: «ما تركت بعدي فتنةً أضرَّ على الرِّجال من النِّساء».
          قال سفيان / الثَّوريُّ ☼: قال إبليس: سهمي الَّذي إذا رميتُ به لم أُخطئ: النِّساء.
          وقال بعض العارفين: ما أَيِسَ الشَّيطان من إنسانٍ قطُّ إلَّا أتاه من قِبَل النِّساء، ومِن ثَمَّ قيل:
إنَّ النِّساء مع الدَّراهم فتنةٌ                     لا تأمننَّ عليهما إنسانا
قد يُذهِبا عقلَ الذَّكيِّ أخي التُّقى                     ويرى إساءة فعله إحسانا
          هذا، وذمَّ الدُّنيا وتزوُّج المرأة مع إباحتهما قيل: لخروجه في صورة طالب الهجرة مُخفيًا خلافه، ومثل ذلك كلُّ عبادةٍ خرج إليها الشَّخص وقصدُه خِلافَها؛ كالحجِّ يخرج إليه ظاهرًا وقصده التِّجارة، وطلب العلم؛ يقصد به حصول رياسةٍ أو ولايةٍ؛ لمجرَّد حظِّ نفسه وجمعه حطام الدُّنيا، أمَّا إذا كانت الولاية غيرَ آخذة حقَّها من الإنصاف، وترك الاعتساف والأهليَّة، وكان متوفِّرًا فيه هذه الشُّروط، آمنًا واثقًا من نفسه بعدم الفتنة؛ فيتعيَّن عليه طلبُها، وإن كان غالبًا لا يقبل زماننا إلَّا ما فيه، فلعلَّه أن يغفل مدَّةً ما.
          (فَهِجْرتُه إلى ما هاجَرَ إليهِ) جواب الشَّرط، أو خبر المبتدأ، على ما مرَّ؛ أي: ما اشتهر بالذَّمِّ والحقارة، ومن ثَمَّ جيء بالضَّمير، ولم يُوضع موضعه ظاهر _كما مرَّ_ إعراضًا عن تكريرها وكراهته، وغضًّا لهما.
          ثمَّ التَّعبير هنا بـ(إلى) وثمَّة بـ(اللام) لإفادة أنَّ من كانت هجرته لأجل تحصيل ذلك؛ كان هو نهاية هجرته، لا يحصل له غيره، هذا، ثمَّ ظاهره أنَّه لا ثواب لمن كان الباعث له على هجرته غير ما أظهره من العبادة؛ لترتُّب الحكم فيه على القصد المجرَّد الَّذي هو مدار الثَّواب وعدمه، أمَّا إذا كان الباعث له كلاهما؛ كالحجِّ والتِّجارة؛ فيحتمل أنَّه لا يُثاب؛ لترتُّب الحكم على ما مرَّ، وحديث: «أنا أغنى الشُّركاء عن الشِّرك»، ويحتمل / أنَّه يُثاب؛ لأنَّ خروجه لم يتمحَّض للدُّنيا.
          تتمَّة:
          قال بعضهم: أقسام الهجرة خمسة:
          الأولى: إلى أرض الحبشة.
          الثَّانية: من مكَّة إلى المدينة.
          الثَّالثة: هجرة القبائل إلى رسول الله صلعم.
          الرَّابعة: هجرة من أسلم من أهل مكَّة.
          الخامسة: هجرة ما نهى الله عنه.
          واستدرك ثلاثة أخرى:
          الأولى: الهجرة الثَّانية إلى أرض الحبشة، فإنَّ الصَّحابة هاجروا إليها مرَّتين.
          الثَّانية: هجرة من كان مُقيمًا ببلاد الكفر، ولا يقدر على إظهار الدِّين، فإنَّه يجب عليه أن يُهاجر إلى دار الإسلام؛ كما صرَّح به بعض العلماء.
          الثَّالثة: الهجرة إلى الشَّام في آخر الزَّمان، عند ظهور الفتن؛ كما رواه أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله صلعم صلعم يقول: «سيكون هجرة بعد هجرة، فخيار أهل الأرض أَلزَمُهم مَهَاجَرَ إبراهيم، ويبقى في الأرض شرار أهلها...» الحديث، ورواه أحمد في «مُسنَده»، فجعله من حديث عبد الله بن عمر، قال صاحب «النِّهاية»: يُريد به الشَّام؛ لأنَّ إبراهيم ╕ لمَّا خرج من العراق؛ مضى إلى الشَّام، وأقام به.
          فإن قيل: قد تعارضت الأحاديث في هذا الباب، فروى البخاريُّ ومسلم من حديث ابن عبَّاس قال: قال رسول الله صلعم: «لا هجرة بعد الفتح، ولكنْ جهادٌ ونيَّة، وإذا استُنفِرتم؛ فانفروا»، وروى البخاريُّ عن ابن عمر قوله: «لا هجرة بعد الفتح»، وفي رواية له: (لا هجرة اليوم، أو بعد رسول الله صلعم)، وروى البخاريُّ أيضًا: أنَّ عُبَيد بن عمر سأل عائشة عن الهجرة، فقالت: (لا هجرة اليوم، كان المؤمنون يفرُّ أحدهم بدينه إلى الله ورسوله؛ أن يُفتَن عليه، فأمَّا اليوم؛ فقد أظهر الله الإسلام، والمؤمن يعبد ربَّه / حيث شاء، ولكن جهاد ونيَّة) ... إلى غير ذلك ممَّا يدلُّ على انقطاع الهجرة.
          وروى أبو داود والنَّسائيُّ من حديث معاوية قال: سمعت رسول الله صلعم يقول: «لا تنقطع الهجرة حتَّى تنقطع التَّوبة، ولا تنقطع التَّوبة حتَّى تطلع الشَّمس من مغربها»، وروى أحمد من حديث ابن السَّعديِّ مرفوعًا: «لا تنقطع الهجرة ما دام العدوُّ يُقاتل» وفي حديث جُنادة: «إنَّ الهجرة لا تنقطع ما كان الجهاد».
          أقول: قال العلَّامة العينيُّ في «شرح البخاريِّ»: قلت: وَفَّق الخطَّابيُّ بين هذه الأحاديث بأنَّ الهجرة كانت في أوَّل الإسلام فرضًا، ثمَّ صارت بعد فتح مكَّة مندوبًا إليها غير مفروضة، قال: فالمنقطعة منها الفرض، والباقية هي النَّدب، على أنَّ حديث معاوية فيه مقالٌ.
          وقال ابن الأثير: الهجرة هجرتان:
          إحداهما: الَّتي وعد الله عليها بالجنَّة، كان الرَّجل يأتي النَّبيَّ صلعم ، ويَدَع أهله وماله لا يرجع بشيءٍ منه، فلمَّا فُتِحت مكَّة؛ انقطعت هذه الهجرة.
          والثَّانية: من هاجر من الأعراب وغزا مع المسلمين، ولم يفعل كما فعل أصحاب الهجرة الأولى، وهو المراد بقوله: «لا تنقطع الهجرة حتَّى تنقطع التَّوبة».
          قلت: وفي الحديث الآخر ما يدلُّ على أنَّ المراد بالهجرة الباقية هجرُ المناهي والسَّيِّئات، وهو ما رواه أحمد في «مُسنده»: أنَّ النَّبيَّ صلعم قال: «الهجرة خصلتان؛ إحداهما: تهجر السَّيِّئات، والأخرى: تهاجر إلى الله ورسوله، ولا تنقطع الهجرة ما تُقُبِّلت التَّوبة، ولا تزال التَّوبة مقبولةً حتَّى تطلع الشَّمس من مغربها، فإذا طلعت؛ طبع الله على كلِّ قلبٍ بما فيه، وكفى النَّاس العمل»، وفي آخر عند أحمد: جاء رجلٌ أعرابيٌّ فقال: يا رسول الله؛ إنَّ الهجرة إليك حيث كنتَ أم إلى أرضٍ معلومة، أم لقومٍ خاصَّة، أم إذا متَّ انقطعت؟ قال: فسكت رسول الله صلعم ساعةً، ثمَّ قال: «أين السَّائل عن الهجرة؟» / فقال: ها أنا ذا يا رسول الله، قال: «إن أقمت الصَّلاة وآتيتَ الزَّكاة فأنت مهاجرٌ، وإن متَّ بالخضرمة» قال: يعني: أرضًا باليمامة، وفي رواية له: «الهجرة أن تهجر الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وتُقيم الصَّلاة، وتؤتيَ الزَّكاة، ثمَّ أنت مهاجرٌ وإن متَّ بالخضرمة».


[1] زاد في الأصل: (سلمت).
[2] في الأصل: (أفضال).