المستند التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

602-. حدَّثنا أبو النُّعْمانِ، قالَ: حدَّثنا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمانَ، قالَ: حدَّثنا أَبِي: حدَّثنا أبو عُثْمانَ:

عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّ أَصْحابَ الصُّفَّةِ كانُوا أُناسًا [1] فُقَراءَ، وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: «مَنْ كان عِنْدَهُ طَعامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثالِثٍ، وَإِنْ أَرْبَعٌ [2] فَخامِسٌ أَوْ سادِسٌ [3] ». وَإِنَّ [4] أَبا بَكْرٍ جاءَ بِثَلاثَةٍ، فانْطَلَقَ [5] النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَشَرَةٍ، قالَ: فهو أَنا وَأَبِي وَأُمِّي [6] _فَلا أَدْرِي قالَ [7] : وامْرَأَتِي؟- وَخادِمٌ بَيْنَنا وَبَيْنَ بَيْتِ [8] أَبِي بَكْرٍ، وَإِنَّ أَبا بَكْرٍ تَعَشَّىَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ لَبِثَ حَيْثُ [9] صُلِّيَتِ العِشاءُ، ثُمَّ رَجَعَ فَلَبِثَ حَتَّىَ تَعَشَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجاءَ بَعْدَما مَضَىَ مِنَ اللَّيْلِ ما شاءَ اللَّهُ، قالت [10] لَهُ امْرَأَتُهُ: وَما [11] حَبَسَكَ عن أَضْيافِكَ _أَوْ قالتْ: ضَيْفِكَ_؟ قالَ: أَوَما عَشَّيْتِيهِمْ؟! قالتْ: أَبَوْا حَتَّىَ تَجِيءَ، قَدْ عُرِضُوا [12] فَأَبَوْا. قالَ: فَذَهَبْتُ أَنا فاخْتَبَاتُ، فقالَ: يا غُنْثَرُ. فَجَدَّعَ وَسَبَّ، وَقالَ: كُلُوا، لا هَنِيئًا. فقالَ: واللَّهِ لا أَطْعَمُهُ أَبَدًا. وايْمُ اللَّهِ، ما كُنَّا نَأخُذُ مِنْ لُقْمَةٍ إِلَّا رَبا مِنْ أَسْفَلِها أَكْثَرُ منها، قالَ: يَعْنِي حَتَّىَ شَبِعُوا [13] . وَصارَتْ أَكْثَرَ مِمَّا كانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَنَظَرَ إِلَيْها أبو بَكْرٍ فَإِذا هِيَ كَما هِيَ أَوْ أَكْثَرُ منها [14] ، فقالَ لامْرَأَتِهِ: يا أُخْتَ بَنِي فِراسٍِ، ما هَذا؟! [15] قالتْ: لا وَقُرَّةِ [16] عَيْنِي، لَهِيَ [17] الآنَ أَكْثَرُ منها قَبْلَ ذَلِكَ بِثَلاثِ مَرَّاتٍ [18] . فَأَكَلَ منها أبو بَكْرٍ وَقالَ: إِنَّما كان ذَلِكَ [19] مِنَ الشَّيْطانِ. يَعْنِي يَمِينَهُ، ثُمَّ أَكَلَ منها لُقْمَةً، ثُمَّ حَمَلَها إلى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَصْبَحَتْ [20] عِنْدَهُ، وَكانَ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمٍ عَقْدٌ، فَمَضَى الأَجَلُ، فَفَرَّقَنا [21] اثْنا [22] عَشَرَ رَجُلًا، مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُناسٌ، اللَّهُ أَعْلَمُ كَمْ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ [23] ، فَأَكَلُوا منها أَجْمَعُونَ. أَوْ كَما قالَ.

الأطراف



[1] في رواية أبي ذر والكُشْمِيْهَنِيِّ: «ناسًا».
[2] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و«أَرْبَعٍ»، وكتب فوقها «معًا». وفي رواية الأصيلي وأبي ذر: «أربعةٌ» و«أربعةٍ».
[3] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و«فَخامِسٍ أَوْ سادِسٍ»، وكتب فوقهما «معًا».
[4] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و«أَنَّ»، وبكسر الهمزة هي رواية أبي ذر و [عط] (ب، ص).
[5] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر و [عط] ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «وانطلق».
[6] هكذا في رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ أيضًا، وفي رواية السَّمعاني عن أبي الوقت وأبي ذر عن الحَمُّويي: «أنا وأبي»، وفي رواية أبي ذر عن المُستملي: «أنا وأمي».
[7] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر و [عط] ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «ولا أدري هل قال».
[8] في رواية أبي ذر وابن عساكر والأصيلي ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «بينَ بيتِنا وبيتِ»، وفي رواية [عط] وأخرىَ عن أبي ذر: «بينَ بيتنا وبين بيت».
[9] صحَّح عليها في اليونينيَّة. وفي رواية أبي ذر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت ورواية [عط] : «حتىَ»، وقيِّدت رواية أبي ذر في (و، ب، ص) بروايته عن الكُشْمِيْهَنِيِّ، وفي حاشية رواية ابن عساكر: «حين».
[10] صحَّح عليها في اليونينيَّة.
[11] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «ما» بإسقاط الواو.
[12] في رواية [عط] : «عَرَضُوا» بفتح العين والراء المخففة.
[13] قوله: «قالَ: يَعْنِي حَتَّىَ شَبِعُوا» ليس في رواية أبي ذر وابن عساكر و [ق] و [عط] ، «لا الحمرة إلىَ». وفي رواية أبي ذر والأصيلي ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت بدلها: «قال: وشبعوا»، وفي رواية ابن عساكر بدلها: «قال: شبعوا». وفي رواية [عط] : «قالَ: فشبعوا».
[14] لفظة: «منها» ليست في رواية ابن عساكر عن أبي ذر، وعزا في (ب، ص) نسبةَ عدم وجودها إلىَ رواية [عط] وابن عساكر.
[15] في رواية ابن عساكر: «ما هذه؟!».
[16] في (ن) بالرفع، وبالضبطين في نسخة البقاعي.
[17] في (ص): «لَهْيَ»، وهو موافق لما في نسخة الزاهدي.
[18] في رواية الأصيلي و [عط] : «مِرار».
[19] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و«ذَلِكِ».
[20] صحَّح عليها في اليونينيَّة.
[21] في رواية أبي ذر: «فعرَّفْنا»، وذكر في (ب، ص) أنَّ بهامش اليونينية ما نصُّه: التخفيف للحمويي والمُستملي [يعني: فَفَرَقْنا] ، والتثقيل لأبي الهيثم.اهـ.
[22] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر و [عط] ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «اثنَيْ».
[23] في رواية [عط] زيادة: «منهم».





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

602- ( وَإِنْ أربِعٌ فَخَامِسٌ أَوْ سَادِسٌ ) قيَّده بعضهم بالجر في الجميع بتقدير: وإن كان عنده طعام أربعٍ فليذهب بخامس أو سادس، فحذف المضاف وأبقى عمله، كما رواه يونس عن العرب: مررت برجل صالح وإن لا صالح فطالح، على تقدير: إن لا أمرَّ بصالح فقد مررت بطالح، والرفع أحسن على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه.

( حَتَّى تَعَشَّى ) بمثناة وشين معجمة، كذا للبخاري، وفي مسلم: «نعس» بنون وسين مهملة، قال القاضي: وهو الصواب.

( قَدْ عُرِضُوا ) قيل: بضم العين وتشديد الراء المكسورة، أي: أُطعِمُوا من العُرَاضَة وهي المِيرَة، قاله الجوهري. وقال في «المطالع»: وهو بتخفيف الراء [/ج1ص190/] والقياس تثقيلها.

( يَا غُنْثَرُ ) بغين معجمة مضمومة ثم نون ساكنة ثم ثاء مثلثة مفتوحة ومضمومة أيضًا هو الثقيل الوخم، وقيل: ذباب أزرق يكون في الصحراء، شبِّهه به تحقيرًا، وقيل: بعين مهملة مفتوحة وبمثناة مفتوحة بعد النون، ومعناه: يا لئيم.

( فَجَدَّعَ ) بجيم ودال مهملة مشددة، أي: دعا عليه بقطع الأنف أو الأذن أو الشفة، وقيل: هو السبُّ.

( وَايْمُ اللَّهِ ) الهمزة وصل، وقيل: قطع.

( رَبَا ) بموحدة من أسفل.

( أكثر ) بالمثلثة وبالموحدة.

( قَالَتْ: لاَ وَقُرَّةِ عَيْنِي ) بالكسر على القسم، قيل: أرادت النبي صلى الله عليه وسلم، ولفظ «لا» زائدة ويحتمل أنَّها نافية، وفيه حذف، أي: لا شيء غير ما أقول، وهو قرة عيني هي أكثر منها.


602# (وَإِنْ أَرْبَعٌ فَخَامِسٌ أَوْ سَادِسٌ) قيده بعضهم بجرِّ الجميع [1] ، والتقدير: وإن كان عنده طعامُ أربعٍ، فليذهب بخامس أو سادسٍ، فحذف الجار وأبقى عمله؛ كقراءة بعضهم: ?واللَّه يريد الآخرةِ? [الأنفال:67]؛ أي: يريد [2] ثوابَ الآخرةِ، وكما روى يونس عن العرب: مررت برجلٍ صالحٍ، وإن لا صالحٍ فطالحٌ، على تقدير: وإن لا أمرُّ بصالحٍ، فقد مررتُ بطالحٍ.

(فَلَبِثَ حَتَّى تَعَشَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) تعشى _ بمثناة من فوق وعين مهملة وشين معجمة [3] _، كذا في البخاري [4] ، ووقع في «صحيح مسلم»: ((حتَّى نعس)) بنون وعين وسين مهملتين، قال القاضي: وهو الصواب.

(أَوَمَا عَشَّيْتِيهِمْ) قال المهلَّبُ: فيه أن الولد والأهل يلزمهم من التحفي [5] بأمور الضيف مثلُ ما يلزمُ صاحبَ المنزل.

قال ابن المنيِّر: وفيه حجةٌ لتصحيح ذبحِ الولدِ المدلِّ عن [6] أَبيه الضحيةَ قبل حضوره؛ لأنه مأذونٌ بالعادة فيه.

وفيه إيماءٌ لتنفيذ نكاح الأخ أختَه البكرَ إذا أمضاه الأبُ؛ بخلاف الأجنبي.

قلت: الظاهرُ أنْ لا حجةَ ولا إيماءَ في ذلك.

(قَدْ عُرِّضُوا) قيل: بضم العين وتشديد الراء المكسورة؛ أي: أُطعموا

@%ج1ص241%

من العُراضة _ بضم العين_، وهي المِيرةُ، حكاه الزركشي عن الجوهريِّ.

وقال في «المشارق»: عُرِضوا _ بتخفيف الراء _، على ما لم يسمَّ فاعله؛ أي: أُطعموا، والعَراضة _ بفتح العين _: الهدية.

(يَا غُنْثَرُ!) بغين معجمة مضمومة فنون ساكنة فثاء مثلثة.

قال القاضي: بالفتح والضم عن أبي الحسين وغيره.

وذكر الخطَّابي فيه عن النسفي: أنه بعينٍ مهملةٍ وتاء مثناة من فوق، وفسَّره بالذباب الأخضر [أو] الأزرق، والصحيح الأول، ومعناه:

يا لئيمُ يا دنيءُ! تحقيراً له [7] ، تشبيهاً بالذباب [8] ، والغُنْثَرُ: ذبابٌ، كذا في «المشارق».

(فَجَدَّع) بجيم مفتوحة ودال مشددة؛ أي: دعاءٌ بقطع الأنف أو الأذن أو الشفة، وقيل: هو السبُّ.

(وَأيْمُ اللهِ) بقطع همزة ((أيم)) ووصلها، وقد مرَّ ضبطه.

(رَبَا) براء وموحدة.

(أَكثَرُ) بالمثلثة والموحدة.

(فقالت: لا وَقُرَّةِ عَيْني) ((لا)): إما زائدة أو نافية؛ أي: لا شيء غير [9] ما أقوله وحقِّ قرةِ عيني لهي الآن أكثرُ منها قبلَ ذلك ثلاث مرات.

قيل: وأرادت بقرَّة عينها: النبيَّ صلى الله عليه وسلم. ففيه: الحلف بالمخلوق، ويحتمل: وخالقِ قرةِ عيني!

(فَفَرَّقَنَا اثْنَي عَشَرَ رَجُلاً) هكذا بالياء في بعض النسخ، ووجهها واضحٌ، وهو النصب على الحال من مفعول ((فرَّقنا))، وفي بعضها بالألف على لغة بالحارثِ بنِ كعب، قاله ابن مالكٌ.

[1] في (م): ((الجمع)).
[2] ((يريد)): ليست في (ق).
[3] ((شين معجمة)): ليست في (ق).
[4] في (ق) و(ج): ((كذا للبخاري)).
[5] في (ق): ((التحرض)).
[6] في (ق) و(د): ((على)).
[7] في (ق): ((محقراً)).
[8] في (ق) زيادة: ((الأخضر)).
[9] في (م) و(ج): ((وغير)).





602- قوله: : (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ): تقدَّم مرارًا أنَّه مُحَمَّد بن الفضل عارم، وتقدَّم بعض ترجمته، ولم لُقِّب عارمًا، ومَن لقَّبه.

قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ): هذا هو النَّهديُّ، عبد الرَّحمن بن ملٍّ، تقدَّم بعض ترجمته، وضبط (ملٍّ) ؛ فانظره إنْ أردته.

قوله: (أَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ كَانُوا أُنَاسًا فُقَرَاءَ): تقدَّم أنَّ (الصُّفَّة) موضعٌ مُظلَّلٌ من المسجد كان للمساكين والمهاجرين والغرباء يأوون إليه، قال شيخنا -كما تقدَّم-: (إنَّ صاحب «الحلية» عدَّ منهم مئة ونيِّفًا) انتهى، وقد ذكرت أنا أنَّ السَّهرورديُّ ذكرهم في «عوارفه»، فقال: (نحوُ أربع مئة) انتهى، وقد تقدَّم أنَّ في «الصَّحيحين [1] »: قال أبو هريرة: (لقد رأيت سبعين من أهل الصُّفَّة) ، والله أعلم [2] .

قوله: (بِثَالِثٍ): هذا هو الصَّواب، وهو أصحُّ من رواية «مسلم»: (فليذهب بثلاثة) ؛ لأنَّ ظاهرها صيرورتُهم خمسةً، وحينئذٍ لا يمسك رمق أحدٍ، بخلاف الاثنين، فيتأوَّل على أنَّ المراد: فليذهب بتمام ثلاثة، والله أعلم.

قوله: (وَإِنْ أَرْبَع؛ فَخَامِس أَوْ سَادِس): (أربع) و (خامس) و (سادس): مجرور منوَّن، ويجوز رفعه معه [3] .

قوله: (وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ): (أنَّ) ؛ بالفتح معطوف على (أنَّ أصحاب الصُّفَّة) ، وكذا بعده: (وَأنَّ النَّبيَّ) ، ويجوز أن تُكسَر، وتكون ابتدائيَّة، والله أعلم.

قوله: (وَأُمِّي): أمُّه أمُّ رومان، تقدَّم أنَّها بضمِّ الرَّاء وفتحها، وتقدَّم اسمُها والخلافُ فيه، وأنَّها دعد، ويقال: زينب، وهي مِن بني فراس بن غنم بن مالك بن كنانة.

قوله: (حَتَّى تَعَشَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): كذا في «البخاريِّ»، وفي «مسلم»: (حتَّى نعس) ، قال القاضي: وهو الصَّواب، وكذا قال ابن قُرقُول في (العين مع الشين) ، وقال في (النُّون مع العين): (إنَّه تعشَّى عند النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ثمَّ لبث حتَّى صلَّيت العشاء، ثمَّ رجع فلبث [4] حتَّى تعشَّى النَّبيُّ [5] صلَّى الله عليه وسلَّم، فجاء، هكذا ذكره البخاريُّ في «باب السَّمر في العلم»، وذكره «مسلم»: «حتَّى نعس النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم»، وهو الصَّواب؛ إذ قد ذكر تعشيِّه قبل هذا وقبل صلاة العشاء) ، انتهى.

قوله: (فَقَالَتْ [6] لَهُ امْرَأَتُهُ): تقدَّم أنَّها أمُّ رومان أعلاه.

قوله: (أَوَمَا عَشَّيْتِهِمْ [7] ؟): (أوَما): بفتح الواو على الاستفهام، وقد تقدَّم متى تُفتَح ومتى تُسكَّن، و (عشَّيْتِهم) ؛ بكسر التَّاء بعد الياء الساكنة من غير ياء بعد التَّاء؛ فاعلمْه.

قوله: (قَدْ عُرِضُوا): هو بضمِّ العين المهملة، وكسر الرَّاء، قال ابن قُرقُول: بتخفيف الرَّاء المكسورة على ما لم يُسَمَّ فاعلُه؛ أي: أُطعِمُوا وأُهْدُوا، والعُراضة: الهديَّة، يقال: ما أعرضهم؛ أي: ما أَطعمَهم وأَهْدى إليهم، وفي نسخة الدِّمياطيِّ: [ (عَرَضوا) ؛ بفتح العين والرَّاء، ثمَّ كُتِب تجاهها ما لفظه: أي: خادم أبي بكر وابنه عبد الرَّحمن ومَن رُتِّب لخدمة الأضياف، عَرَضُوا الطَّعام على الأضياف] [8] انتهى، وقال بعضهم: بضمِّ العين، وتشديد الرَّاء المكسورة؛ أي: أُطعِمُوا من العراضة؛ وهي الميرة، قاله الجوهريُّ، ثمَّ ذكر كلام «المطالع»، ثمَّ قال: (والقياس تثقيلها) انتهى.

قوله: (فَقَالَ يَا غُنْثَرُ): هو بالغين المعجمة المضمومة، ثمَّ نونٍ ساكنةٍ، ثمَّ ثاءٍ مُثلَّثةٍ مفتوحةٍ، ثمَّ راءٍ، قال ابن قُرقُول: («غنثر»؛ بفتح الثَّاء [/ج1ص207/] وضمِّها عن أبي الحسين وغيره، وذكر [9] الخطَّابيُّ فيه عن النَّسفيِّ: فتح العين المهملة، وتاء منقوطة باثنتين من فوقها، وفسَّره بالذُّباب الأخضر الأزرق، والصَّحيح الأوَّل؛ ومعناه: يا لئيم يا دنيء؛ تحقيرًا له وتشبيهًا بالذباب، والغُنْتَر: ذباب، وقيل: مأخوذ من الغَثْر؛ وهو السقوط، وقيل: هو بمعنى: يا جاهل، [ومنه] قولُ عثمان رضي الله عنه: «هؤلاء رعاعٌ غَثَرةٌ»، والأغثر: الجاهل، ومنه: الغاثر، و«غَثْر» معدول عنه، ثمَّ زيدت فيه النُّون، قال الخطَّابيُّ: وأحسبه الثقيل الوَخِم) [10] انتهى، وفي «النِّهاية» اختصر، فقال: («يا غنثر»: هو الثَّقيل الوَخِم، وقيل: الجاهل، من الغثارة: الجهل، والنُّون زائدة، ورُوِي بالعين المهملة، والتَّاء بنقطتين) [11] ، وقد ذكره في المهملة فقال: («عنتر»، هكذا جاء في رواية، وهو الذُّباب، شبَّهه به؛ لشدَّة أذاه، ويُروَى [12] بالغين المعجمة، والثاء المُثلَّثة) [13] انتهى.

قوله: (فَجَدَّعَ): هو بالجيم، والدَّال المهملة المُشدَّدة؛ أي: دعا عليه بقطع الأنف، أو الأذن، أو الشفة، وهو بالأنف أخصُّ، وإذا أُطلِق؛ غلب عليه، وقيل: معناه: السَّبُّ، وفيه بُعْدٌ؛ لعطف السَّبِّ عليه، وقوله: (فجدع): قال ابن قُرقُول: (كذا للجُرجانيِّ وأبي ذرٍّ ورواة البخاريِّ ورواة مسلم؛ كلُّهم يشدُّ الدَّال، وعند المروزيِّ في بابٍ: «وجَزِع»؛ بالزَّاي، وهو وَهَمٌ، إنَّما [14] دعا عليه بقطع الأطراف، ويكون «جدع» بمعنى: سبَّ أيضًا، قاله النَّابغة:

~......... .....تبتغي مَن تجادع

أي: تُسابِب) [15] انتهى.

قوله: (لاَ أَطْعَمُهُ): هو بفتح الهمزة والعين؛أي: آكلُه.

قوله: (وَايْمُ اللهِ): تقدَّم الكلام عليها، وأنَّها بوصل الهمزة، ويقال: بقطعها؛ وهي حلف؛ كقولهم: يمين الله.

قوله: (إِلاَّ رَبَا): أي: زاد.

قوله: (أَكْثَرُ): هو بالمثلَّثة، مَرْفوعٌ، فاعل (رَبَا) .

قوله: (وَصَارَتْ أَكْثَرَ): هي في أصلنا بالمُثلَّثة، ويقال: بالمُوَحَّدة.

قوله: (يَا أُخْتَ بَنِيْ فِرَاسٍ): أي: يا مَن هي مِن بني فراس، وقد تقدَّم نسبُها قريبًا.

قوله: (لا وقرَّةِ عَيْنِي): تعني: النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم، قاله الدَّاوديُّ، يعني: أقسمت به، انتهى، وفي «الصِّحاح»: (وقد قرَّت عينُه تقِرُّ وتقُرُّ: سخنت، وأقرَّ اللهُ عينَه؛ أي: أعطاه، فلا تطمح إلى مَن هو فوقه، ويقال: حتَّى تبردَ ولا تسخن، فللسُّرور دمعةٌ باردةٌ، وللحزن دمعةٌ حارَّة) ، [و (لا) زائدة؛ فاعلمه] [16] ، ويحتمل أنَّها نافية؛ أي: لا شيء غيرُ ما أقول؛ وهو -وقرَّة عيني-: هي أكثر منها».

قوله: (إِنَّمَا كَانَ ذَلِكِ): هو بكسر الكاف، خطاب [17] لامرأته أمِّ رومان.

قوله: (مِنَ الشَّيْطَانِ؛ يَعْنِي: يَمِينَهُ): وفي رواية: (بسم الله، الأولى من الشيطان؛ يعني: يمينه) ، فأخزاه الصِّدِّيق بالحِنث الذي هو خيرٌ.

قوله: (عَقْدٌ): هو العهد والميثاق واليمين.

قوله: (فَتَعَرَّفْنَا [18] اثنَيْ عَشَرَ رَجُلًا): أي: صرنا عرفاء متقدِّمين [19] على غيرنا، وكذا قاله الدِّمياطيُّ بحروفه، قال في «المطالع» بعد أن ذكر هذا: (ورواه بعضهم: «فتفرَّقنا»، وكذا لأكثرهم في «البخاريِّ» في «كتاب الصَّلاة»: «ففرقنا [20] اثني [21] عشر رجلًا»، للنَّسفيِّ: «فعُرِّفْنَا اثني عشر رجلًا» وهذا أوجه، وفي «مسلم»: «فَعرَّفَنا»؛ بفتح الفاء، وعند ابن ماهان فيه تخليط...) [22] إلى آخره، وعلى الأصل الذي سمعت فيه على العراقيِّ عدَّةُ نسخٍ وهي: (فَفُرِقنا) و (فَرَّقَنا) ، (اثني) و (اثنا) ، و (فتَعَرَّفْنَا) [23] و (فَعُرِّفْنَا) ، وأمَّا (اثنا) ؛ فقد ذكرتُ لك أنَّ في بعض النُّسخ: (اثني) ، وكذا في «مسلم» بهما، وكلاهما صحيح، والأوَّل جارٍ [24] على لغة مَن جعل المثنَّى بالألف في الأحوال الثَّلاثة، وهي لغةُ قبائلَ مِن العرب، هذا إذا كانت الرواية تقتضي أن يكون (اثني) منصوبًا، فإنْ كانت تقتضي الرَّفع؛ فلا كلامَ، والله أعلم [25] .

[1] في (ب): (الصحيح) .
[2] (والله أعلم): سقط من (ب) .
[3] (معه): سقط من (ب) .
[4] (فلبث): سقط من (ج) .
[5] (النبي): سقط من (ب) .
[6] كذا في النُّسخ، وفي «اليونينيَّة» و (ق): (قالت) ؛ بغير فاء.
[7] كذا في النُّسخ و (ق) ، وفي «اليونينيَّة»: (عَشَّيْتِيهِمْ) .
[8] ما بين معقوفين سقط من (ب) .
[9] في النُّسخ: (وذكره) ، ولعلَّ المثبت هو الصَّواب.
[10] «مطالع الأنوار»: (*) .
[11] «النهاية في غريب الحديث»: (*) .
[12] في (ج): (وروي) .
[13] «النهاية في غريب الحديث»: (*) .
[14] في (ب): (وإنما) .
[15] «مطالع الأنوار»: (*) .
[16] ما بين معقوفين سقط من (ج) .
[17] في (ب): (وخطاب) .
[18] كذا في (أ) و (ج) ، وفي (ق): (فَفرّقنَا) معًا، وفي «اليونينيَّة»: (فَفَرَّقَنَا) ، وفي (ب): (فعرفنا) .
[19] في (ج): (مقدمين) ، وكذا في «المطالع».
[20] في (ب): (فتفرقنا) .
[21] في مصدره: (اثنا) .
[22] «مطالع الأنوار»: (*) .
[23] في (ب): (تفرقنا) .
[24] في (ج): (جاز) .
[25] زيد في (ب): (بالصواب) .





602- (وَإِنْ أَرْبَع فَخَامِس...): بجرِّها؛ تقديرُه: إنْ كانَ عندَه طعامُ أربعٍ؛ فليذهبْ بخامسٍ أو بسادسٍ، وبرفعِها تقديرُه أيضًا كذلكَ، لكن بإعطاءِ المضافِ إليه ـ وهو (أَرْبَع) ـ إعرابَ المضاف؛ وهو (طَعَامُ)، وبإضمارِ مبتدأٍ للفظِ (خَامِسٌ).

إنْ قلتَ: كيفَ يُتصوَّرُ السَّادسُ إذا كانَ عندَه طعامُ أربعٍ؟

قلتُ: معناه: فليذهبْ بخامسٍ، أو سادسٍ مع الخامسِ، والعقلُ يدُلُّ عليه؛ إذْ (السادس) يستلزمُ (خامسًا)، وكأنَّه قال: فليذهبْ بواحدٍ، أو باثنينِ، والحاصلُ: أنَّ (أَوْ) لا تدُلُّ على منعِ الجمعِ بينهما، ويَحتملُ أنْ يكونَ معنى (أَوْ سَادِسٍ): وإنْ كانَ عندَه طعامُ خَمْسٍ؛ فليذهبْ بسادسٍ؛ فيكونُ مِنْ بابِ عطفِ الجملةِ على الجملةِ.

وقال المالكيُّ: (هذا الحديث ممَّا حُذِفَ فيه بعدَ «إِنْ» والفاءِ فِعلانِ وحرفا جرٍّ باقٍ عَمَلَاهُما، وتقديرُه: مَنْ كانَ عندَه طعامُ اثنينِ؛ فليَذهبْ بثالثٍ، وإِنْ قامَ بأربعةٍ؛ فليَذهبْ بخامسٍ أو سادسٍ.

ومِن بقاءِ الجرِّ بالحرفِ المحذوفِ: «صلاةُ الرَّجلِ في الجماعةِ تُضعَّفُ على صلاتِه في بيتِه وفي سوقِه خمسٍ وعشرينَ ضِعفًا» ؛ أي: بخمسٍ، وقولُه: «أَقْرَبِهِمَا مِنْكَ بَابًا» في جوابِ مَن قالَ: «إِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي»، وقولُه: «فَضْلُ الصَّلَاةِ بِالسِّوَاكِ عَلَى الصَّلَاةِ بِغَيْرِ سِوَاكٍ سَبْعِينَ صَلَاةً» ؛ أرادَ: إلى أقربِهما، وبسبعينَ؛ ذكرَهُما صاحبُ «جامعِ المسانيد»).

(فَهُوَ): أي: الشَّأنُ.

(أَنَا): (أَنَا) مبتدأٌ، وخبرُه محذوفٌ يدُلُّ السِّياقُ عليه [1] ؛ نحو: في الدَّار، أو أهله.

(وَأُمِّي): [في بعضها: وأبي ] ، والصحيحُ هو الأوَّل.

(وَخَادِمٌ): يَحتملُ العطفَ على (أُمِّي)، وعلى (امْرَأَتِي)، والثَّاني أقربُ لفظًا.

(بَيْنَ بَيْتِنَا وَبَيْتِ): ظرفٌ لـ (خَادِمٌ).

(وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ): بالفتحِ معطوفٌ على (أَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ)، وكذا بعدَه (وَأَنَّ النَّبِيَّ)، ويجوزُ الكسرُ على الابتداءِ.

(وَاَيْمُ اللهِ): مبتدأٌ خبرُه محذوفٌ؛ أي: قَسَمِي.

(لَا وَقُرَّةِ عَيْنِي): بجرِّ (قُرَّةِ) على القَسَمِ.

الدَّاوديُّ: أرادتْ بـ (قُرَّةِ عينِها): النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فأقسمتْ به، و«لَا» زائدةٌ، ويَحتملُ أنْ تكونَ نافيةً، وفيه محذوفٌ؛ أي: لا شيءَ غيرَ ما أقولُ، وهو قرَّة عيني، لَهي أكثرُ منها، أو: لا أعلم.

(ذَلِكِ) ؛ بكسرِ الكافِ؛ خطابٌ لمؤنَّثٍ.

(فَفَرَّقَنَا): الفاءُ فصيحةٌ؛ أي: فجاؤُوا إلى المدينةِ [فَفَرَّقَنَا] .

(اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا) كذا في «البخاريِّ»، وبعضِ نسخِ «مسلمٍ» [ح:2057] ، وفي بعضِها: (اثْنَي عَشَرَ)، وكلاهُما صحيحٌ، والأوَّلُ جائزٌ على لغةِ مَنْ جَعَلَ المثنى بالألفِ في الأحوالِ الثَّلاثةِ، وهي لغةُ قبائلَ مِنَ العربِ، قال تعالى: {إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} [طه: 63] .

وقال ابنُ التِّينِ عن بعضِهم: (لعلَّ ضَبْطَه [2] «فَفُرِّقْنَا» بضمِّ الفاءِ ـ يعني: الثانية ـ ويكونُ «اثْنَا عَشَرَ» ارتفعَ على أنَّه مبتدأٌ، وخبرُه «مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُنَاسٌ»).

ومميِّزُ (كَمْ) محذوفٌ؛ أي: كم رجلٍ [مَعَ كُلِّ رَجُلٍ] .

[1] في (ب): (عليه السياق).
[2] في النسختين: (ضبط)، والمثبت من «عمدة القاري» (4/260).





602- وبالسَّند قال: (حدَّثنا أَبُو النُّعْمَانِ) محمَّد بن الفضل السَّدوسيُّ (قَالَ: حدَّثنا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) التَّيميُّ [1] (قَالَ: حدَّثنا أَبِي) سليمان بن طرخان قال: (حدَّثنا أَبُو عُثْمَانَ) عبد الرَّحمن بن مُلٍّ النَّهديُّ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ) الصِّديِّق رضي الله عنهما: (أَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ) الَّتي كانت بآخر المسجد النَّبويِّ مظلَّلًا عليها (كَانُوا أُنَاسًا) بهمزةٍ مضمومةٍ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((ناسًا)) (فُقَرَاءَ) يأوون إليها (وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ؛ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ) من أهل الصُّفَّة، (وَإِنْ) كان عنده طعام (أَرْبَعٌ؛ فَخَامِسٌ)؛ أي: فليذهب معه بخامسٍ منهم (أَوْ سَادِسٌ) مع الخامس؛ أي: يذهب معه بواحدٍ أو باثنين، أو المراد: إن كان عنده طعام خمسةٍ؛ فليذهب بسادسٍ، فهو من عطف جملةٍ على جملةٍ، وفيه حذف حرف الجرِّ وإبقاء عمله، ويجوز الرَّفع فيها [2] على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، ويُضمَر مُبتدأٌ للفظ «خامسٌ»؛ أي: فالمذهوب به خامسٌ، وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ: ((وإن أربعةٌ)) وكلمة «أو» للتَّنويع، والحكمة في كونه يزيد كلَّ واحدٍ واحدًا فقط: أنَّ عيشهم في ذلك [/ج1ص518/] الوقت لم يكن متَّسعًا، فمن كان عنده مثلًا ثلاثة أنفسٍ؛ لا يضيق عليه أن يطعم الرَّابع من قوتهم، وكذلك الأربعة فما فوقها [3] أو للإباحة، واستُنبِط منه: أنَّ (السُّلطان يفرِّق في المسغبة [4] الفقراء) على أهل السَّعة بقدر ما لا يجحف [5] بهم (وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ) الصِّدِّيق رضي الله عنه؛ بفتح همزة «أنَّ»، ولأبي ذَرٍّ: ((وإنَّ أبا بكرٍ))؛ بكسرها (جَاءَ بِثَلَاثَةٍ) من أهل الصُّفَّة (فَانْطَلَقَ)، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: ((وانطلق)) (النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَشَرَةٍ) منهم (قَالَ) عبد الرَّحمن بن أبي بكرٍ الصِّدِّيق [6] رضي الله عنه: (فَهْوَ)؛ أي: الشَّأن (أَنَا) في الدار (وَأَبِي وَأُمِّي)، ولأبوي ذَرٍّ والوقت عن الحَمُّوييِّ: ((أنا وأبي))؛ بالباء من غير ذكر «الأمِّ»، وللمُستملي: ((أنا وأمِّي))؛ بالميم من غير ذكر «الأب»، قال أبو عثمان النَّهديُّ: (فَلَا أَدْرِي قَالَ)، وللأربعة: ((ولا أدري هل قال))؛ أي: عبد الرَّحمن (وَامْرَأَتِي) أميمة [7] بنت عَدِيِّ بن قيسٍ السَّهميِّ (وَخَادِمٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَ بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ) بين [8] : ظرفٌ لـ: «خادمٌ»، والمراد: أنَّه شركةٌ بينهما في الخدمة، وللأربعة: ((بين بيتنا وبيت أبي بكرٍ))، ولأبي ذَرٍّ: ((بين بيتنا وبين بيت أبي بكرٍ)) [9] (وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ) رضي الله عنه (تَعَشَّى)؛ أي: أكل العشاء؛ وهو طعام آخر النَّهار (عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثمَّ لَبِثَ) في داره (حَيْثُ) بالثَّاء المُثلَّثة [10] ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ وأبي الوقت: ((حتَّى))، ولابن في نسخةٍ: ((حين)) (صُلِّيَتِ الْعِشَاءُ) بضمِّ الصَّاد وكسر اللَّام مُشدَّدةً، مبنيًّا للمفعول (ثمَّ رَجَعَ) أبو بكرٍ إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم (فَلَبِثَ) عنده (حَتَّى تَعَشَّى) ولـ: «مسلمٍ»: «حتَّى نعس» (النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وفيه على رواية: «حتَّى تعشَّى» مع و«أنَّ أبا بكرٍ تعشَّى» تكرارٌ يأتي الكلام عليه _إن شاء الله تعالى_ في باب: «علامات النُّبوَّة في الإسلام» [خ¦3581] [11] ، (فَجَاءَ بَعْدَ مَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللهُ، قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ) وهي أمُّ رومان، زينب بنت دُهْمان؛ بضمِّ المُهمَلة وسكون الهاء، أحد بني فراس بن غنم بن مالك بن كنانة: (وَمَا)، وللأربعة: ((ما)) (حَبَسَكَ عَنْ أَضْيَافِكَ؟ _ أَوْ قَالَتْ: ضَيْفِكَ _) بالإفراد مع كونهم ثلاثةً؛ لإرادة الجنس (قَالَ) أبو بكرٍ لزوجته: (أَو َمَا عَشَّيْتِيهِمْ [12] ؟) بهمزة الاستفهام، والياء المتولِّدة من إشباع كسرة التَّاء، وفي نسخةٍ: ((عشَّيتِهم))؛ بحذفها، والعطف على مُقدَّرٍ بعد الهمزة (قَالَتْ أَبَوْا)؛ أي: امتنعوا من الأكل (حَتَّى تَجِيءَ، قَدْ عُرِضُوا) بضمِّ العين وكسر الرَّاء المُخفَّفة؛ أي: عُرِضَ الطَّعام على الأضياف، فحذف الجارَّ وأوصل الفعل، أو هو من باب القلب؛ نحو: عرضت النَّاقة على الحوض [13] ، وفي روايةٍ: ((عَرَضوا))؛ بفتح العين والرَّاء مُخفَّفةٌ؛ أي: الأهل من الولد والمرأة والخادم على الأضياف (فَأَبَوْا) أن يأكلوا (قَالَ) عبد الرَّحمن: (فَذَهَبْتُ أَنَا فَاخْتَبَأْتُ) خوفًا من أبي وشتمه (فَقَالَ) أبو بكرٍ: (يَا غُنْثَرُ) بضمِّ الغين المُعجَمة وسكون النُّون وفتح المُثلثَّة وضمِّها؛ أي: يا ثقيل، أو يا جاهل، أو يا دنيء، أويا لئيم (فَجَدَّعَ) بفتح الجيم والدَّال المُهمَلة المُشدَّدة، وفي آخره عينٌ مُهمَلةٌ؛ أي: دعا على ولده بالجدع؛ وهو قطع الأذن أو الأنف أو الشَّفة (وَسَبَّ) ولده؛ ظنًّا منه أنَّه فرَّط في حقِّ الأضياف (وَقَالَ) أبو بكرٍ رضي الله عنه لمَّا تبيَّن له أنَّ التَّأخير منهم: (كُلُوا لَا هَنِيئًا) تأديبًا لهم؛ لأنَّهم تحكَّموا على ربِّ المنزل بالحضور معهم، ولم يكتفوا بولده مع إذنه لهم في ذلك، أو هو خبرٌ؛ أي: أنَّكم لم تتهنَّوا بالطَّعام في وقته، قال البرماويُّ: وهذا ينبغي الحمل عليه، ثمَّ حلف أبو بكرٍ ألَّا يطعمه (فَقَالَ: وَاللهِ، لَا أَطْعَمُهُ أَبَدًا، وَايْمُ اللهِ) قسمي؛ بهمزة الوصل، وقد تُقطَع (مَا كُنَّا نَأْخُذُ مِنْ لُقْمَةٍ إِلَّا رَبَا) الطَّعام؛ أي: زاد (مِنْ أَسْفَلِهَا)؛ أي: اللُّقمة (أَكْثَرُ مِنْهَا) برفع الرَّاء فقط [14] ، كما في «اليونينيَّة» (قَالَ) عبد الرَّحمن: يَعْنِي [15] (حَتَّى شَبِعُوا)، ولأبوَي الوقت وذَرٍّ والأَصيليِّ: ((قال: وشبعوا))، وفي روايةٍ: ((فشبعوا)) [16] (وَصَارَتْ)؛ أي: الأطعمة (أَكْثَرَ) بالمُثلَّثة، وفي بعض النُّسخ: ((أكبر))؛ بالمُوحَّدة (مِمَّا كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ) رضي الله عنه (فَإِذَا هِيَ)؛ أي: الأطعمة أو الجفنة (كَمَا هِيَ) على حالها الأوَّل لم تنقص شيئًا (أَوْ) هي (أَكْثَرُ مِنْهَا)، ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر: ((أو أكثرُ))؛ بالرَّفع في «اليونينيَّة» لا غير [17] (فَقَالَ) أبو بكرٍ (لاِمْرَأَتِهِ) أمِّ عبد الرَّحمن: (يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ) بكسر الفاء وتخفيف الرَّاء، آخره سينٌ مُهمَلةٌ؛ أي: [/ج1ص519/] يا من هي من بني فراسٍ، وقد اختُلِف في نسبها [18] اختلافًا كثيرًا ذكره ابن الأثير (مَا هَذَا؟) استفهامٌ عن حال الأطعمة، ولابن عساكر: ((ما هذه؟)) (قَالَتْ) أمُّ رومان: (لَا) شيء غير ما أقوله (وَ) حقِّ (قُرَّةِ عَيْنِي) رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ففيه الحلف بالمخلوق، أو المراد: وخالق قرَّة عيني، أو لفظة «لا» زائدةٌ، وقرَّة العين يُعبَّر بها عن المسرَّة ورؤية ما يحبُّه الإنسان؛ لأنَّ العين تقرُّ ببلوغ الأمنية، فالعين تقرُّ ولا تتشوَّف لشيءٍ، وحينئذٍ يكون مُشتقًّا من القرار [19] ، وقول الأصمعيِّ: أقرَّ الله عينه؛ أي: أبرد دمعه؛ لأنَّ دمع الفرح باردٌ ودمع الحزن حارٌّ، وتعقَّبه بعضهم فقال: ليس كما ذكره، بل كلُّ دمعٍ حارٌّ، قال [20] : ومعنى قولهم [21] : هو [22] قرَّة عيني إنَّما يريدون: هو رضا نفسي (لَهِيَ)؛ أي: الأطعمة أو الجفنة (الآنَ أَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِثَلَاثِ مَرَّاتٍ)، وللأَصيليِّ: ((مرارٍ))، وهذا النُّموُّ كرامةٌ من كرامات الصِّدِّيق، آيةٌ من آيات النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ظهرت على يد أبي بكرٍ (فَأَكَلَ مِنْهَا)؛ أي: من الأطعمة أو من الجفنة (أَبُو بَكْرٍ) رضي الله عنه (وَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِك) بكسر الكاف وفتحها (مِنَ الشَّيْطَانِ _ يَعْنِي: يَمِينَهُ_) وهي [23] قوله: والله لا أطعمه أبدًا، فأخزاه بالحنث الَّذي هو خيرٌ، أو المراد: لا أطعمه معكم، أو في هذه السَّاعة، أو عند الغضب، لكن هذا مبنيٌّ على جواز تخصيص العموم في اليمين بالنِّيَّة، أو أنَّ الاعتبار بخصوص السَّبب لا بعموم اللَّفظ الوارد عليه، قاله البرماويُّ والعينيُّ كالكرمانيِّ (ثمَّ أَكَلَ) أبو بكرٍ (مِنْهَا)؛ أي: من الأطعمة أو من الجفنة (لُقْمَةً) أخرى؛ لتطييب قلوب أضيافه، وتأكيدًا لدفع الوحشة (ثمَّ حَمَلَهَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ) صلَّى الله عليه وسلَّم (وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ عَقْدٌ)؛ أي: عهد [24] مهادنةٍ (فَمَضَى الأَجَلُ) فجاؤوا إلى المدينة (فَفَرَّقَنَا) حال كون المُفرَّق (اثْنَي عَشَرَ رَجُلًا)، ولغير الأربعة: ((اثنا عشر))؛ بالألف على لغة من يجعل [25] المُثنَّى كالمقصور في أحواله الثَّلاثة، والمعنى: ميَّزنا أو جعلنا كلَّ رجل من اثني عشر رجلًا [26] فرقةً، ولأبي ذَرٍّ: ((فَعرَّفنا))؛ بالعين المُهمَلة وتشديد الرَّاء؛ أي: جعلناهم عرفاء، وفي «اليونينيَّة»: بسكون الفاء، وفيها أيضًا بالتَّخفيف للحَمُّوييِّ والمُستملي، والتَّثقيل لأبي الهيثم [27] (مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُنَاسٌ، اللهُ أَعْلَمُ كَمْ) رجلٍ [28] (مَعَ كُلِّ رَجُلٍ) وجملة: «الله أعلم» اعتراضٌ؛ أي: أناسٌ اللهُ يعلم عددهم، وزاد في روايةٍ: ((منهم)) (فَأَكَلُوا مِنْهَا)؛ أي: من الأطعمة (أَجْمَعُونَ، أَوْ كَمَا قَالَ) عبد الرَّحمن بن أبي بكرٍ رضي الله عنهما، والشَّكُّ من أبي عثمان، فإن قلت: ما وجه المُطابَقة بين الحديث والتَّرجمة؟ أُجيب: من اشتغال أبي بكرٍ بمجيئه إلى بيته ومراجعته لخبر [29] الأضياف، واشتغاله [30] بما دار بينهم من المُخاطَبة والمُلاطَفة والمُعاتَبة.

ورواة هذا الحديث خمسةٌ، وفيه رواية صحابيٍّ عن صحابيٍّ، ومخضرمٌ وهو أبو عثمان، والتَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «علامات النُّبوَّة» [خ¦3581] و«الأدب» [خ¦6141] ، ومسلمٌ في «الأطعمة»، وأبو داود في «الأيمان والنُّذور»، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصَّواب [31] ، وإليه المرجع والمآب [32] .

[1] في (ب): «التَّميميُّ»، وهو خطأٌ.
[2] في (م): «فيهما».
[3] قوله: «والحكمة في كونه يزيد كلَّ واحدٍ واحدًا فقط... لا يضيق عليه أن يطعم الرَّابع من قوتهم، وكذلك الأربعة فما فوقها» سقط من (م).
[4] في (ب): «المسبغة»، وهو تحريفٌ، وفي (د): «السُّلطان في المشقَّة يفرِّق الضعفاء».
[5] في (د): «يحيف»، وفي نسخةٍ في هامشها كالمُثبَت.
[6] «الصِّدِّيق»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[7] في (م): «آمنة»، وفي (ص): «أميَّة».
[8] «بين»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[9] قوله: «ولأبي ذَرٍّ: «بين بيتنا وبين بيت أبي بكرٍ»»، سقط من (م).
[10] في (ب) و(س): «بالمُثلَّثة».
[11] قوله: «وفيه على رواية: «حتَّى تعشَّى»... «علامات النُّبوَّة في الإسلام»»، سقط من (د).
[12] في (د): «عشَّيتِهم».
[13] في (د): «عرضت الحوض على النَّاقة»، وليس بصحيحٍ.
[14] «فقط»: ليس في (د).
[15] «يعني»: ليس في (م).
[16] في (د): «وشبعوا»، وليس بصحيحٍ.
[17] «بالرَّفع في اليونينيَّة لا غير»: ليس في (م).
[18] في (م): «نسبتها».
[19] في (س): «الفرار»، وهو تصحيفٌ.
[20] «قال»: مثبتٌ من (ص) و(م).
[21] في (د): «ومع قولهم»، وهو تحريفٌ.
[22] في غير (د): «و».
[23] في (د): «وهو».
[24] في (ص): «عقد».
[25] في (د) و(ص): «جعل».
[26] «عشر رجلًا»: سقط من (ص) و(م)، و«رجلًا»: سقط من (د).
[27] قوله: «وفي «اليونينيَّة»: بسكون الفاء... والتَّثقيل لأبي الهيثم»، سقط من (م).
[28] «رجل»: مثبتٌ من (ص) و(م).
[29] في (م): «بخبر».
[30] في (م): «اشتغال».
[31] قوله: «والله سبحانه وتعالى أعلم بالصَّواب»، ليس في (د).
[32] «وإليه المرجع والمآب»: مثبت من (ص) و(م).





602- ( أُنَاسًا ): للكشميهنيِّ: « ناسًا ».

( وَإِنْ أَرْبَعٍ فَخَامِسٍ ): بالجرِّ، أي: ومن كان عنده طعام أربعٍ فليذهب بخامسٍ على حدِّ: « مررت برجل صالح إن لا صالحٍ فطالحٍ »، [أي:] [1] إن لا أمرُّ بصالح فقد مررت بطالح.

( فَهُوَ أَنَا وَأَبِي ): للمُسْتملي بدله: « وأمِّي »، وللكشميهنيِّ ذكرهما.

( حَيْثُ صُلِّيَتِ الْعِشَاءُ ): للكشميهنيِّ: « حتَّى ».

( فَلَبِثَ حَتَّى تَعَشَّى ): [لمسلم: « نعس»] [2] قال عياض: وهو الصَّواب. [/ج2ص637/]

[1] ما بين معقوفتين زيادة في [ف] .
[2] ما بين معقوفتين في [ع] : (بمسلم تعش) والمثبت من غيرها





146/602# قال أبو عبد الله: حدَّثنا أبو النُّعْمانِ: حدَّثنا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمانَ: حدَّثنا أَبِي: حدَّثنا أبو عُثْمانَ:

عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وذكر قصَّةَ أضياف من فقراءِ [1] أهلِ الصُّفَّة، حملهم أبو بكر إلى منزله، وأمرهم أن يطعموهم [2] ، وبقي أبو بكر عند النبيِّ صلى الله عليه وسلم حتَّى تَعَشَّىَ ومضى [3] مِنَ اللَّيْلِ ما شاءَ اللهُ، فلمَّا جاء قالت لَهُ امْرَأَتُهُ: َما حَبَسَكَ عن أَضْيافِكَ؟ قالَ: أَوَما عَشَّيْتِيهِمْ؟! قالتْ: أَبَوْا حَتَّىَ تَجِيءَ. قالَ: فَذَهَبْتُ أَنا فاخْتَبَأْتُ، فقالَ: يا عَنْتَر. وسبَّ وجَدَّع. وذكر الحديث بطوله.

قوله: (يا عَنْتَر) هكذا [4] حدَّثناه خَلَفٌ الخَيَّام عن ابن معقل [5] بالعين غير المعجمة [6] وبالتاء

@%ص141%

التي هي أختُ الطاء مَضمومتين، ورواه مرَّة أُخرى: «يا غُنثُر» [7] بالغين المعجمة والثاء [8] المثلَّثة، فإن كانت الرواية [9] الأولى بالعين مَحفُوظة فإنَّها مفتوحة العين [10] والتاء.

قلت: [11] سألتُ أبا عُمرَ [12] عنه فقال: سمعت أبا العبَّاس [13] أحمد بن يحيى يقول: العَنتَر الذُباب؛ وسُمِّي عَنتراً لصوته [14] ، فشبَّهَه [15] حين حَقَّره وصَغَّره بالذباب [16] .

فأما الغُنْثُر _بالغين المعجمة_ [17] فهو مأخوذٌ من الغَثَارَة، وهي الجَهل، يقال: رَجُلٌ أغثرُ. وقوله: (يا غُنثُر) مَعدولُ عنه، كما قيل: يا حُمقُ؛ من أَحَمَقَ، والنون زيادة [18] .

قلت أنا [19] : هذا لا يقال له معدول؛ بل [20] المعدول مثل عمر وزفر، إنَّما يقال له: مزيد؛ زيد له فيه النون، مثاله من بابه [21] : غندر. [22]

[1] (فقراء) سقط من (ط).
[2] في (ط): (يطعموكم).
[3] في الأصل (وصلى) والمثبت من (ط).
[4] في النسخ الفروع: (كذا).
[5] قوله: (عن ابن معقل) زيادة من النسخ الفروع، وفي (أ) و (ف): (أبي معقل).
[6] في (ر) و (ف) و (م): (غير معجمة).
[7] (يا غنثر) سقط من (ط).
[8] في (م): (والثالثة).
[9] (الرواية) سقطت من (ط).
[10] في (ط): (الغين).
[11] قوله: (قلت) زيادة من (ط).
[12] في الأصل: (أبا عمرو)، وجاء في الهامش: صوابه، أبو عمر، وهو أبو عُمر الزاهد غلام ثعلب. وفي (ط): (سألت أخبرنا عمرو) والمثبت من الفروع.
[13] في (ط): (سمعت أخبرنا العباس).
[14] في (ف): (لضرته).
[15] في النسخ الفروع: (فكأنه).
[16] في (ط): (بالذبابة).
[17] في (ط): (بالغين المرفوع).
[18] في (ط): (زائدة) وانظر التاج (غثر).
[19] في (ف): (قال الشيخ)، و (أنا) ليست في (م).
[20] (بل) ليست في (ر).
[21] في (م): (باب).
[22] قوله: (قلت أنا.... غندر) زيادة من النسخ الفروع.





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

602# قوله: (يَا غُنْثَرُ): معناه يا لئيم يا دنيء، و(الغنثر): الذُّباب، وقيل: يا أحمق، وقيل: الجاهل.

قوله: (فَجَدَّعَ): معناه: دعا عليه بقطع الأنف والأذن والشَّفة، ومعناه: السَّبُّ والشَّتم.

قوله: (رَبَا مِنْ أَسْفَلِهَا): أي: ارتفع وزاد الطَّعام، فأزال النَّكد الذي حصل له بهذه الكرامة، فعاد مسرورًا، وانقلب الشَّيطان خاسئًا، فيه: للرَّجل أن يسبَّ ولده وأهله على تقصيرهم

@%ج1ص28%

ببرِّ أضيافه.


لا تتوفر معاينة