المستند الإرشاد الناظر التلقيح التنقيح التوشيح الزراري

53-. حدَّثنا عَلِيُّ بنُ الجَعْدِ، قالَ: أخبَرَنا شُعْبَةُ: عن أَبِي جَمْرَةَ، قالَ:

كُنْتُ أَقْعُدُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ، يُجْلِسُنِي [1] عَلَىَ سَرِيرِهِ، فقالَ: أَقِمْ عِنْدِي حتَّىَ أَجْعَلَ لَكَ سَهْمًا مِنْ مالِي. فأَقَمْتُ مَعَهُ شَهْرَيْنِ، ثُمَّ قالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ لَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: «مَنِ القَوْمُ؟_أَوْ: مَنِ الوَفْدُ؟_» قالُوا: رَبِيعَةُ. قالَ: «مَرْحَبًا بِالقَوْمِ _أَوْ بِالوَفْدِ_ غَيْرَ خَزايا وَلا نَدامَىَ». فقالَوا [2] : يا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لا نَسْتَطِيعُ أَنْ نأتِيَكَ إِلَّا فِي شَهْرِ الحَرامِ [3] ، وَبَيْنَنا وَبَيْنَكَ هذا الحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، فَمُرْنا بِأَمْرٍ فَصْلٍ، نُخْبِرْ [4] بِهِ مَنْ وَراءَنا، وَنَدْخُلْ بِهِ الجَنَّةَ. وَسأَلُوهُ عن الأَشْرِبَةِ، فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ، وَنَهاهُمْ عن أَرْبَعٍ؛ أَمَرَهُمْ بِالإِيمانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، قالَ: «أَتَدْرُونَ ما الإِيمانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ؟» قالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قالَ: «شَهادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وإِقامُ الصَّلاةِ، وإِيتاءُ الزَّكاةِ، وَصِيامُ رَمَضانَ، وأَنْ تُعْطُوا مِنَ المَغْنَمِ الخُمُسَ». وَنَهاهُمْ عن أَرْبَعٍ: عَنِ الحَنْتَمِ والدُّبَّاءِ والنَّقِيرِ والمُزَفَّتِ _وَرُبَّما قالَ: المُقَيَّرِ_ وقالَ: «احْفَظُوهُنَّ، وأَخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ وَراءَكُمْ».

الأطراف



[1] في رواية أبي ذر وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «فيُجْلِسُنِي»، وعزاها في (ص) إلىَ رواية الأصيلي بدل رواية السَّمعاني عن أبي الوقت
[2] في رواية الأصيلي: «قالوا».
[3] في رواية أبي ذر عن الكُشْمِيْهَنِيِّ ورواية ابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «الشهرِ الحرامِ».
[4] صحَّح عليها في اليونينيَّة.





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

53- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ)؛ بفتح الجيم، وسكون العين، [/ج1ص144/]

ابن عبيدٍ الهاشميُّ الجوهريُّ البغداديُّ، المُتوفَّى سنة ثلاثين ومئتين، (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج، (عَنْ أَبِي جَمْرَةَ)؛ بالجيم والرَّاء، اسمه: نصرٌ، بالصَّاد المُهمَلَة، ابن عمران الضُّبعيُّ؛ بضمِّ المُعجَمَة وفتح الموحَّدة، البصريِّ، المُتوفَّى سنة ثمانٍ وعشرين ومئةٍ، (قَالَ: (كُنْتُ أَقْعُدُ)؛ بلفظ المضارع حكايةً عن الحال الماضية؛ استحضارًا لتلك الصُّورة للحاضرين، (مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما؛ أي: عنده في زمن ولايته البصرةَ من قِبَلِ عليِّ بن أبي طالبٍ، (يُجْلِسُنِي)؛ بضمِّ أوَّله من غير فاءٍ في «أصل فرع اليونينيَّة» كهي، مِنْ: أَجْلَسَ، وفي هامشها عن أبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: ((فَيُجْلِسُني))، أي: يرفعني بعد أن أقعد (عَلَى سَرِيرِهِ)؛ فهو عطفٌ على «أقعدُ»؛ بالفاء؛ لأنَّ الجلوس على السَّرير قد يكون بعد القعود وغيره، وقد بيَّن المصنِّف في «العلم» [خ¦87] من رواية غُنَدر عن شعبة السَّبب في إكرام ابن عبَّاسٍ له، ولفظه: «كنت أترجم بين ابن عبَّاسٍ وبين النَّاس» (فَقَالَ: أَقِمْ)؛ أي: توطَّن (عِنْدِي)؛ لتساعدني بتبليغ كلامي إلى من خَفِيَ عليه من السَّائلين، أو بالتَّرجمة عن الأعجميِّ وله [1] ؛ لأنَّ أبا جمرةَ كان يعرف بالفارسيَّة، وكان يترجم لابن عبَّاسٍ بها، (حَتَّى) أن (أَجْعَلَ لَكَ سَهْمًا)؛ أي: نصيبًا (مِنْ مَالِي)؛ سبب الجعل الرُّؤيا التي رآها في العمرة، كما سيأتي _إن شاء الله تعالى_ بحول الله وقوَّته في «الحجِّ» [خ¦1567] . قال أبو جمرة: (فَأَقَمْتُ مَعَهُ)؛ أي: عنده مدَّة [2] (شَهْرَيْنِ) بمكَّة، وإنَّما عبَّر بـ: «مع» المُشْعِرةِ بالمُصاحَبَة دون «عند» المقتضية لمُطابَقَة «أَقِمْ عندي»؛ لأجل المُبالَغَة، وفي رواية مسلمٍ بعد قوله: «وبين النَّاس»: «فأتت امرأةٌ تسأله عن نبيذ الجرِّ فنهى عنه، فقلت: يا بْن عبَّاسٍ، إنِّي أنتبذ في جرَّةٍ خضراءَ نبيذًا حلوًا، فأشرب منه فيقرقر بطني، قال: لا تشرب منه، وإن كان أحلى من العسل، (ثُمَّ قَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ)؛ هو ابن أَفْصَى؛ بهمزة مفتوحةٍ، وفاءٍ ساكنةٍ، وصادٍ مُهمَلَةٍ مفتوحةٍ، ابن دُعْميٍّ؛ بضمِّ الدَّال المُهمَلَة، وسكون العين المُهمَلَة، وبياءِ النِّسبة، أبو قبيلة، كانوا ينزلون البحرين، وكانوا أربعة عشر رجلًا بالأشجِّ، ويُروَى أنَّهم أربعون، فيحتمل أن تكون [3] لهم وفادتان، أو أنَّ الأشراف أربعةَ عَشَرَ، والباقي تبعٌ، (لَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم) عام الفتح، وكان سببُ مجيئهم إسلامَ منقذ بن حبَّان وتعلُّمه الفاتحة وسورة «اقرأ»، وكتابته عليه الصلاة والسلام لجماعة عبد القيس كتابًا، فلمَّا رحل إلى قومه؛ كتمه أيَّامًا، وكان يصلِّي؛ فقالت زوجته لأبيها المنذر بن عائذٍ وهو الأَشَجُّ: إنِّي أنكرتُ فِعْلَ بَعْلي منذ قَدِمَ من يثرب، إنَّه لَيغسل أطرافه، ثمَّ يستقبل الجهة؛ يعني: الكعبة، فيحني ظهره مرَّة، ويقع أخرى، فاجتمعا فتحادثا ذلك، فوقع الإسلام في قلبه وقرأ عليهمُ الكتاب، وأسلموا وأجمعوا المسير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلمَّا قدموا؛ (قَالَ) صلى الله عليه وسلم: (مَنِ الْقَوْمُ؟ أَوْ) قال: (مَنِ الْوَفْدُ؟)، شكَّ شعبة أو أبو جمرة، (قَالُوا): نحن (رَبِيعَةُ)؛ أي: ابن نزار بن معد بن عدنانَ، وإنَّما قالوا: ربيعة؛ لأنَّ عبد القيس من أولاده، وعبَّر عن البعض بالكلِّ؛ لأنَّهم بعض ربيعة، ويدلُّ عليه ما عند المصنِّف في «الصَّلاة» [خ¦523] : «فقالوا: إنَّا _هذا الحيَّ_ من ربيعة» (قَالَ) صلى الله عليه وسلم: (مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ، أَوْ) قال: (بِالْوَفْدِ)، وأوَّل من قال: «مرحبًا» سيفُ بن ذي يزنٍ، كما قاله العسكريُّ، وانتصابه على المصدريَّة بفعلٍ مُضمَرٍ؛ أي: صادفوا رُحبًا؛ بالضَّمِّ؛ أي: سعةَ حالٍ كونهَم (غَيْرَ خَزَايَا)، جمع خزيانٍ على القياس؛ أي: غير أَذِلَّاء، أو غير مستحيين لقدومكم، مبادرين دون حربٍ يوجب استحياءكم، و«غير»: بالنَّصب حالٌ [4] ، ويُروَى _بالخفض_ صفةٌ لـ: «القوم»، وتعقَّبه أبو عبد الله الأبيُّ: بأنَّه يلزم منه وصف المعرفة بالنَّكرة، إلَّا أن تُجعَل الأداة في القوم للجنس؛ كقوله: [مِنَ الكامل]

~ ولقد أمرُّ على اللئيم يسبُّني .............................

فالأَوْلى: أن تكون بالخفض على البدل، (وَلَا نَدَامَى) جمع «نادمٍ» على غير قياسٍ، وإنَّما جُمِعَ كذلك إتباعًا لـ: «خزايا»؛ للمُشاكَلَة والتَّحسين، وذكر القزَّاز: أنَّ «ندمان» لغةٌ في «نادم»، فجمعُه المذكورُ على هذا قياسٌ، (فَقَالُوا)، وللأَصيليِّ: ((قالوا)): (يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ)؛ أي: الإتيانَ إليك (إِلَّا فِي الشَهْرِ الْحَرَامِ)؛ لحرمة القتال فيه عندهم، والمُرَاد الجنس، فيشمل الأربعةَ الحُرُم، أو العهد، والمُرَاد: شهر رجبٍ، كما صرَّح به في رواية البيهقيِّ، وللأَصيليِّ وكريمة: ((إلَّا في شهر الحرام))؛ وهو من إضافة [/ج1ص145/] الموصوف إلى الصِّفة؛ كصلاة الأولى، والبصريُّون يمنعونها، ويؤوِّلون ذلك على حذف مُضَافٍ؛ أي: صلاة السَّاعة الأولى، وشهر الوقت الحرام، وقول الحافظ ابن حجرٍ: هذا من إضافة الشَّيء إلى نفسه، تعقَّبه العينيُّ: بأنَّ إضافة الشَّيء إلى نفسه لا تجوز، (وَ) الحال أنَّ [5] (بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ)؛ بضمِّ الميم، وفتح المُعجَمَة، مخفوضٌ بالمُضافِ [6] بالفتحة؛ للعلميَّة والتَّأنيث، وهذا _ مع قولهم: يا رسول الله_ يدلُّ على تقدُّم إسلامهم على قبائل مُضَرَ الذين كانوا بينهم وبين المدينة، وكانت مساكنهم بالبحرين وما والاها من أطراف العراق، (فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ) بالصَّاد المُهمَلَة، وبالتَّنوين في الكلمتين، على الوصفيَّة لا بالإضافة؛ أي: يفصل بين الحقِّ والباطل، أو بمعنى: المُفصل المُبين، وأصل «مُرْنَا»: «اُؤْمُرْنا» بهمزتين، من: «أَمَرَ» «يَأْمُر»، فحُذِفتِ الهمزةُ الأصليَّة؛ للاستثقال، فصار «اُمرنا»، فاستغنى عن همزة الوصل فحُذِفَت، فبقي «مُرْ» على وزن «عُلْ»؛ لأنَّ المحذوف فاءُ الفعل، (نُخْبِرْ بِهِ مَنْ)؛ أي: الذي استقرَّ (وَرَاءَنَا)؛ أي: خلفنا من قومنا الذين خلَّفناهم في بلادنا، و«نُخْبِرْ»: بالجزم جوابًا للأمر، وهو الذي في «فرع اليونينيَّة»، وبالرَّفع لخلوِّه من ناصبٍ وجازمٍ، والجملة في محلِّ جرٍّ صفةٌ لـ: «أمرٍ»، (وَنَدْخُلْ بِهِ الْجَنَّةَ)؛ إذا قُبِلَ برحمة الله، ويجوز الجزم والرَّفع في «ندخلْ» كـ: «نخبرْ» عطفًا عليها. نعم؛ يتعيَّن الرَّفع في هذه على رواية «حذف الواو»، وتكون جملةً مُستأنَفَةً لا محلَّ لها من الإعراب، (وَسَأَلُوهُ) صلى الله عليه وسلم (عَنِ الأَشْرِبَةِ)؛ أي: عن ظروفها، أو سألوه عن الأشربة التي تكون في الأواني المختلفة، فعلى التَّقدير الأوَّل: المحذوفُ: المُضافُ، وعلى الثَّاني: الصِّفة، (فَأَمَرَهُمْ) صلى الله عليه وسلم (بِأَرْبَعٍ)؛ أي: بأربع جملٍ أو خصالٍ، (وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ، أَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ بِاللهِ وَحْدَهُ) تفسيرٌ لقوله: «فأمرهم بأربعٍ»، ومن ثمَّ حذف العاطف، (قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللهِ وَحْدَهُ؟ قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ) صلى الله عليه وسلم: هو (شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ)؛ برفع «شهادةُ» خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، ويجوز جرُّه على البدليَّة، (وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ الْمَغْنَمِ الْخُمُسَ)، واستُشكِل قوله: «أمرهم بأربعٍ» مع ذكر خمسةٍ، وأجيب بزيادة الخامسة؛ وهي «أداء الخُمُس»؛ لأنَّهم كانوا مجاورين لكفَّار مُضَرَ، وكانوا أهلَ جهادٍ وغنائم، وتُعقِّب: بأنَّ المؤلِّف عقد الباب على أنَّ «أداء الخُمُس» من الإيمان، فلا بدَّ أن يكون داخلًا تحت أجزاء الإيمان، كما أنَّ ظاهر العطف يقتضي ذلك، أو أنَّه عدَّ «الصَّلاة» و«الزَّكاة» واحدةً؛ لأنَّها قرينتها في كتاب الله تعالى، أو أنَّ «أداء الخُمُس» داخلٌ في عموم «إيتاء الزَّكاة»، والجامع بينهما إخراج مالٍ مُعيَّنٍ في حالٍ دون حالٍ، وعن البيضاويِّ: أنَّ الخمسةَ تفسيرٌ للإيمان؛ وهو: أحد الأربعة المأمور بها، والثَّلاثة الباقية حذفها الرَّاوي؛ نسيانًا أوِ اختصارًا، أو أنَّ الأربعة: «إقام الصَّلاة...» إلى آخره، وذكر «الشَّهادتين»؛ تبرُّكًا بهما؛ كما في قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنَ شَيءٍ فَأَنَّ لِلهِ خمُسَهُ} [الأنفال: 41] ؛ لأنَّ القوم كانوا مؤمنين، ولكن ربَّما كانوا يظنُّون أنَّ الإيمان مقصورٌ على الشَّهادتين، كما كان الأمر في صدر الإسلام، وعُورِضَ: بأنَّه وقع في رواية حمَّاد بن زيدٍ عن أبي جمرة عند المؤلِّف في «المغازي» [خ¦4369] : «آمركم بأربعٍ: الإيمان بالله شهادة أن لا إله إِلَّا الله، وعقد واحدةً»، وهو يدلُّ على أنَّ الشَّهادة إحدى الأربع، وعنده في «الزَّكاة» [خ¦1398] من هذا الوجه: الإيمان بالله، ثمَّ فسَّرها لهم: بشهادة أن لا إله إلَّا الله، وهو يدلُّ أيضًا على عدِّها في الأربع؛ لأنَّه أعاد الضَّمير في قوله: «فسَّرها» مُؤنَّثًا، فيعود على الأربع، ولو أراد تفسير الإيمان؛ لأعاده مُذَكَّرًا، وأُجِيب: بزيادة أداء الخُمُس، قال أبو عبد الله الأُبِّيُّ: وأتمُّ جوابٍ في المسألة: ما ذكره ابن الصَّلاح من أنَّه معطوفٌ على أربعٍ؛ أي: أمرهم بأربعٍ وبإعطاء الخُمُسِ، وإنَّما كان أتم؛ لأنَّ به تتَّفق الطَّريقان، ويرتفع الإشكال. انتهى. ولم يذكر «الحجَّ»؛ لكونهم سألوه أن يخبرهم بما يدخلون بفعله الجنَّة، فاقتصر لهم على ما يمكنهم فعله في الحال، ولم يقصد إعلامهم بجميع الأحكام التي تجب عليهم فعلًا وتركًا، ويدلُّ على ذلك: اقتصاره في المناهي على الانتباذ في الأوعية، مع أنَّ في المناهي ما هو أشدُّ في التَّحريم من الانتباذ، لكنِ اقتصرَ عليها؛ لكثرة تعاطيهم لها، أو لأنَّه لم يُفرَض _كما قاله عياضٌ_ [/ج1ص146/]

إلَّا في سنة تسعٍ، ووفادتُهم في سنة ثمانٍ؛ أي: على أحد الأقوال في وقت فرضه، ولكنَّ الأرجحَ: أنَّه فُرِضَ سنة ستٍّ، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، أو لكونه لم يكن لهم سبيلٌ إليه من أجل كفَّار مُضَرَ، أو لكونه على التَّراخي، أو لشهرته عندهم، أو أنَّه أخبرهم ببعض الأوامر، ثمَّ عطف المؤلف على قوله: «وأمرهم» قوله: (وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنِ الْحَنْتَمِ)؛ أي: عن الانتباذ فيه؛ وهو؛ بفتح المُهمَلَة، وسكون النُّون، وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة؛ وهي: الجرَّة، أو الجرار الخُضْر أو الحُمْر أعناقُها على [7] جنوبها، أو متَّخذةٌ من طينٍ وشعرٍ ودمٍ، أوِ «الحنتم»: ما طُلِيَ من الفخَّار بالحنتم المعمول بالزُّجاج وغيره، وسقطت: ((عن)) الثَّانية لكريمة، (وَ) عن الانتباذ في (الدُّبَّاءِ)؛ بضمِّ المُهمَلَة، وتشديد المُوحَّدة والمدِّ: اليقطين، (وَ) عنِ الانتباذ في (النَّقِيرِ)؛ بفتح النُّون، وكسر القاف؛ وهو: ما يُنقَر من [8] أصل النَّخلة، فيُوعَى فيه، (وَ) عن الانتباذ في (الْمُزَفَّتِ) _بالزَّاي والفاء_: ما طُلِيَ بالزِّفت، (وَرُبَّمَا قَالَ: الْمُقَيَّرِ)؛ بالقاف، والمُثنَّاة التَّحتيَّة المُشدَّدة المفتوحة؛ وهو: ما طُلِيَ بالقار، ويُقَال له: القَيْر؛ وهو نبتٌ يُحرَق إذا يبس، تُطلَى به السُّفن وغيرها كما تُطلَى بالزِّفت، (وَقَالَ: احْفَظُوهُنَّ وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ) بفتح الهمزة (مَنْ وَرَاءَكُمْ)؛ أي: الذين كانوا أو استقرُّوا، ومعنى النَّهيِ عن الانتباذ في هذه الأوعية بخصوصها؛ لأنَّه يسرع إليها الإسكار، فربَّما شرب منها من لم يشعر بذلك، ثمَّ ثبتت الرُّخصة في الانتباذ في كلِّ وعاءٍ، مع النَّهيِ عن شرب كلِّ مُسْكِرٍ، ففي «صحيح مسلمٍ»: «كنت نهيتكم عن الانتباذ إلَّا في الأسقية، فانتبذوا في كلِّ وعاءٍ، ولا تشربوا مسكرًا».

وفي الحديث: استعانة العالِمِ في تفهيم الحاضرين والفهم عنهم، واستحباب قول «مرحبًا» للزُّوَّار، وندب العالم إلى إكرام الفاضل، ورواته ما بين بغداديٍّ، وواسطيٍّ، وبصريٍّ، واشتمل على التَّحديث، والإخبار، والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في عشرة مواضع: هنا، وفي «خبر الواحد» [خ¦7266] ، و«كتاب العلم» [خ¦87] ، وفي «الصلاة» [خ¦523] ، وفي «الزَّكاة» [خ¦1398] ، وفي «الخُمُس» [خ¦3095] ، وفي «مناقب قريشٍ» [خ¦3510] ، وفي «المغازي» [خ¦7266] ، وفي «الأدب» [خ¦6176] ، وفي «التَّوحيد» [خ¦7556] ، وأخرجه مسلمٌ في «الإيمان» وفي «الأشربة»، وأبو داود، والتِّرمذيُّ، وقال: حسنٌ صحيحٌ، والنَّسائيُّ في «العلم» و«الإيمان» و«الصَّلاة».

[1] «وله»: مثبتٌ من (ب)و (م).
[2] «مدَّة»: سقط من (م).
[3] في (ب) و(س): «يكون».
[4] «وغير: بالنَّصب حال»: سقط من (م).
[5] «أنَّ»: سقط من (س).
[6] في (م): «بالإضافة».
[7] في (م): «في».
[8] في (ب) و(س): «في».





عيل المنصوبة بعامل مضمرٍ لازمٍ إضمارُه، تستعمله العربُ كثيرًا، ومعناه: صادفتَ رُحبًا.

(غَيْرَ): منصوبٌ على الحال، ويؤيِّدُه رواية البخاريِّ: «مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ الَّذِينَ جَاؤُوا غَيْرَ...».

وقال الكرمانيُّ: (إنْ قلتَ: إنَّه بالإضافة صار معرفةً، فكيف يكون حالًا؟ قلتُ: شرطُ تعرُّفه أن يكونَ المضافُ ضِدًّا للمضاف إليه ونحوه، وهنا ليس كذلك، ويروى أيضًا بكسر الرَّاء صفةً لـ«القوم»، فإن قلتَ: إنَّه نكرةٌ، فكيف [1] وقعت [2] صفةً للمعرفة؟ قلتُ: بلامِ الجنسِ قَرُبتِ المسافةُ بينه وبين النَّكرة، فحكمُه حكمُ النَّكرة؛ إذ لا توقيت ولا تعيين فيه) انتهى.

وقال الطِّيبيُّ: («غَيْرَ»: حال عن «الوفد» أو «القوم»، والعامل فيه الفعل المقدَّر).

وقال النوويُّ: (والمعروف الأوَّل) ؛ أي: نصب (غَيْرَ).

(إِلَّا فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ): كذا بتعريفهما، وقيل: الرِّواية الصَّحيحة: (فِي شَهْرِ الحَرَامِ) ؛ بتعريف (الْحَرَامِ) وإضافة (الشَّهْرِ) إليه، مِن إضافةِ الشَّيء إلى نفسه؛ كـ (مسجد الجامع) ؛ أي: شهر الوقت الحرام، قاله الزَّركشيُّ.

(مُضَرَ): غيرُ مصروفٍ [3] للعلميَّة والتَّأنيث.

(بِأَمْرٍ فَصْلٍ): بالصِّفةِ لا بالإضافةِ.

(نُخْبِرْ): بالجزمِ جوابُ (فَمُرْنَا)، والرَّفعِ على أنَّه صفةُ (أَمْرٍ).

(مَنْ): مفعولٌ.

(وَنَدْخُلْ): معطوفٌ على (نُخْبِرْ)، وسيأتي [خ¦87] .

وقال الزَّركشيُّ: (قال القُرطبيُّ: قيَّدناه على مَنْ يُوثَق به برفع «نُخْبِر» على الصفة لـ«أَمْرٍ»، وأمَّا «نَدْخُل» فقيَّدناه بالرَّفع أيضًا على الصِّفة، وبالجزم فيه [4] على جوابِ الأمرِ).

(بِهِ): الباء للسببيَّة، فإنَّ الدُّخول بفضل الله تعالى، والعمل الصالح سببه؛ كما أنَّ الأكل سبب الشِّبَع، والمُشْبِعُ هو الله.

(شَهَادَة): إمَّا بدلٌ فتجرُّ، أو خبرُ مبتدأٍ؛ أي: هو كذا، فيُرفع.

[1] في النسختين: (كيف)، والمثبت من مصدره.
[2] في (ب): (وقع).
[3] في (ب): (منصرف).
[4] في (ب): (فيهما)، والمثبت من (أ) هو الصواب الموافق لمصدره، وعبارة القرطبي في «المفهم»: (قيَّدناه على مَنْ يُوثَقُ بعلمِه: «نُخْبِرُ» مرفوعًا، «وندخل» مرفوعًا ومجزومًا؛ فرفعهما على الصفة لـ«أَمْرٍ»، وجزمُ «ندخُلْ» على جوابِ الأمرِ المتضمِّنِ للجزاء؛ فكأنَّه قال: إنْ أمرتَنَا بأمرٍ واضحٍ؛ فعلناه ورجَوْنَا دخولَ الجنةِ بذلك الفعلِ)، قال الدماميني في «مصابيح الجامع» (1/158) بعد نقله كلام القرطبي: (يريدُ على روايةِ حذفِ الواو من «ندخل»، وأمَّا على رواية البخاريِّ هنا بإثباتها؛ فلا يتأتَّى الجزمُ في الثاني مع رفعِ الأوَّل).





53- قوله: (أَخْبَرَنَا [1] شُعْبَةَ عَنْ أَبِي جَمْرَةَ): هو بفتح الجيم وبالرَّاء، واسمُه نصرُ بنُ عِمرانَ الضُّبعيُّ، يروي عنِ ابن عبَّاسٍ، وابنِ عمرَ، وغيرِهما، وعنه: شعبةُ، وجماعةٌ، ثقةٌ، تُوفِّي سنة (128 هـ ) [2] ، أخرج له الجماعةُ، قال الجيَّانيُّ: (وليس في الكتابين _ يعني: «البخاريَّ» و«مسلم»- بعد هذا مَن اسمُه جَمْرة ولا أبو جَمْرة بالجيم) ، قال: (وفي نسخةِ أبي ذرٍّ عن أبي الهيثم: أبو حمزة عن عائذ بن عمرو؛ بالحاء والزاي، وذلك وهم وقع في «باب عمرة [3] الحديبية») انتهى، وقد ذكر ابن قُرقُول هذا المكان ومكانين آخرين وَهِمَ الرُّواة فيها؛ فانظر ذلك إن أردته.

تنبيه: ذكر بعضُ الحُفَّاظ عن شُعبةَ: أنَّه روى عن سبعةِ أشخاصٍ يُقال لكلٍّ منهم: أبو حمزة، رَوَوا كلُّهم عنِ ابن عبَّاسٍ، وكلُّهُم بالحاء والزاي، إلَّا أبا جَمْرة نصرُ بنُ عِمران، ويُدرَكُ فيه الفرقُ بينهم بأنَّ شعبة إذا قال: (عن أبي جَمْرة، عنِ ابن عبَّاسٍ) وأطلقَ؛ فهو نصرُ بنُ عِمران، وإذا روى عن غيره؛ فهو يذكُرُ اسمَه أو نسبَه، والله أعلم [4] .

وهذا الكلام متعقَّبٌ أذكر [5] تعقبه في (كتاب النذر) إن شاء الله تعالى، وذلك أنَّ الدِّمياطيَّ ذكر هذا الكلام هناك.

قوله: (إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ): الوفدُ: الجماعة المختارة [6] من القوم؛ ليتقدَّموهم في لُقِيِّ العُلماء والمصير إليهم في المُهِمَّات، واحدهم: وافد، وقد تقدَّم الوعد بذكر الوفد الذين قدموا عليه عليه الصَّلاة والسَّلام، فاعلم أنَّهم كانوا أربعةَ عشرَ راكبًا [7] ، وذكر [8] بعض الحفَّاظ في ترجمة أبي خيرة الصُّبَاحيِّ: أنَّهم كانوا أربعين رجلًا فأسلموا، ونحوه لابن عبد البَرِّ، والجمع بين (أربعةَ عشرَ) و (أربعين) أنَّ من قال: (أربعةَ عشرَ) ؛ عدَّ الرؤساء، ومن قال: (أربعين) ؛ عدَّ المجموع، والله أعلم، وسيأتي جمعٌ آخرُ في ذلك.

رئيسهم الأشجُّ العَصَريُّ؛ بفتح العين والصَّاد المهملتين، واسمه المنذر بن عائذ؛ بمُثنَّاة تحت، وذال معجمة، وقيل: المنذر بن الحارث [/ج1ص35/] بن زياد، وقيل غير ذلك، سمَّاه عليه الصَّلاة والسَّلام به؛ لأثرٍ كان في وجهه.

ومَزْيَدة بن مالك المحاربيُّ، وعُبَيدة بن همَّام المحاربيُّ، وهو بضمِّ العين، وفتح الموحَّدة، وكذا ذكره في المضموم الذَّهبيُّ في «تجريده»، وصُحار بن العبَّاس، وقيل: ابن عيَّاش المُرِّيُّ، وعَمرو بن مَرْجُوم العَصَريُّ -وهو بالجيم- واسم أبيه: عبد قيس بن عمرو، والحارث بن شعيب العَصَريُّ، ولا أعلم هذَا في الصَّحابة، إلَّا أن يكون أحد نُسب إلى جدِّه، أو جدٍّ له أعلى، أو في اسم أبيه اختلاف، أو المشهور فيه خلاف شعيب، أو نُسِب إلى خلاف الظاهر، والحارث بن جندب من بني عائش، ذكر ذلك النوويُّ بنحوه، ولم يذكر فيهم (جهْم بن قثم) ، وجهم هذا هو [9] الذي كانت به الجراحة، وكان يَخْبَؤُها حياءً من النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ونقل النَّوويُّ ذلك [10] في «شرح مسلم» عن صاحب «التَّحرير»، وقد رأيت في «مبهمات أبي زُرعة» ولد شيخنا العراقيِّ ما لفظه: (روى الخطيب في «المتَّفِق والمفترِق» في ترجمة زيد بن عليٍّ بإسناده عن عوف قال: حدَّثني زيد بن عليٍّ أبو القموص قال: حدَّثني أحد الوفد الذين وفدوا على رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من عبد القيس قال: فإنْ لَمْ يكن قيس بن النُّعمان؛ فأنا أُنسيت اسمه...؛ وذكر الحديث، فاستفدنا بهذا [11] تعيين تاسعٍ) انتهى، وهو قيس بن النُّعمان العبديُّ، أحد وفد عبد القيس، له حديث في «أبي داود» في (الأشربة) في (باب الأوعية): (عن وهب بن بقيَّة، عن خالد، عن عوف، عن أبي القموص زيد بن عليٍّ قال: حدَّثني رجل من الوفد الذين وفدوا إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من عبد القيس -يحسب عوف أنَّ اسمه قيس بن النُّعمان- فقال: «لا تشربوا في نقير...»؛ الحديث، فلا حاجة إذن إلى عزو تعيينه إلى «المتَّفق والمفترق»، فهذا في «أبي داود»، وقد ذكر السُّهيليُّ في وفد عبد القيس آخرين غير مَن ذكرهم [12] ؛ وهم: (أبو الوازع الزَّارع بن عامر، وابن أخته مطر بن هلال العنزيُّ...) إلى أن قال: (ومنهم: ابن أخت أبي الوازع وكان به جنون) ؛ فذكر قصَّته... إلى أن قال: (ومنهم: أبو خيرة الصُّبَاحيُّ) ، والله أعلم.

وجابر بن عبيد، قال ابن عبد البَرِّ: (أحد وفد عبد القيس) ، فتكمَّلوا [13] أربعةَ عشرَ، وقد تقدَّم أنَّ بعضهم قال: (إنَّهم أربعون) ، فعلى هذَا؛ يدخل فيهم مثل أبان المحاربيُّ، وعُمير بن جودان العبديُّ، ورسيم العبديُّ، والجارود بن المعلَّى [14] ، وجودان غير منسوب، والظاهر أنَّه والد عمير، ومُشَمْرِج بن خالد العَصَريُّ ابن أخت الوفد، وزيد بن صُحار، وذكر الذَّهبيُّ شخصًا آخر سمَّاه: (جارية بن جابر العَصَريَّ أحد وفد عبد القيس) انتهى، وجارية بالجيم، وهؤلاء وفدوا عام الفتح قبل خروجه عليه الصَّلاة والسَّلام إلى مكَّة.

فائدة: قال بعض الحفَّاظ من شيوخ شيوخنا -كما [15] تقدَّم-: كانوا أربعين، ويقال: أربعةَ عشرَ، قال: فلا منافاة؛ لأنَّهم وفدوا مرَّتين؛ وهم: الأشجُّ العَصَريُّ، واسمه المنذر بن عائذ -كما تقدَّم- وكان رئيسهم، والأشعث ابن جُودان العبديُّ، والأصحُّ فيه: عمير، وجابر بن عبيد العَصَريُّ، وجارية بن جابر العَصَريُّ، وجهْم بن قُثَمَ، والحارث بن جندب من بني عائش، وحسَّان بن أبي حسَّان، والحارث بن شعيب العَصَريُّ، وحوثرة العَصَريُّ، وزارع بن عامر العبديُّ، وابن أخته مطر بن هلال، وصُحار بن العبَّاس [16] ، وسفيان بن خولي بن عبد عمرو العَصَريُّ، وشهاب بن متروك العبديُّ، وعبد الله وقيل: عبد الرحمن بن جابر العبديُّ، وعُبيدة بن همَّام المحاربيُّ، وعمرو بن شعيب العَصَريُّ، وعمرو بن المرجوم العبديُّ، وقيس بن النُّعمان العبديُّ، وكعب بن الأعور بن مالك بن عمرو بن عوف، وكان من الشجعان الأشراف، ومَزْيَدة بن مالك المحاربيُّ، وهمَّام بن ربيعة العَصَريُّ، وهمَّام بن معاوية بن شبابة، نقلهما الذَّهبيُّ عنِ ابن سعد، وأبو خيرة الصُّبَاحِيُّ، وهو الذي روى: «اللهمَّ؛ اغفر لعبد القيس...»، وقال: (زوَّدنا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الأراك نستاك به) ، روى داود بن المساور، عن مقاتل بن همَّام، عن أبي خيرة الصُّبَاحِيِّ، قال: (كنت في الوفد الذين أتَوا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وكنَّا أربعين راكبًا، فنهانا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عنِ الدُّبَّاء، والحنتم، والنَّقير، والمُزفَّت، قال: ثمَّ أمر لنا بأراك، فقال: «استاكوا بهذا»، فقلنا: يا رسول الله؛ عندنا العُسب، ونحن نجتزئ به، قال: فرفع يديه وقال: «اللهمَّ؛ اغفر لعبد القيس؛ إذ أسلموا طائعين غير كارهين»، والقائف، وإياس، ورستم العبديُّ، والجارود بن المعلَّى [17] ، وجودان، ومُشَمْرِج بن خالد العَصَريُّ، وزيد بن صُحار، ذكر الرُّشاطيُّ قدومهم [18] كان [19] مرَّتين، وذلك في (ترجمة الصُّبَاحِيِّ: أنَّ القائف وإياسًا) [20] ابني عبس قدما في الوفد الأوَّل، وأنَّ منازلهم البحرين، واختلف في عددهم، فروى ابن سعد أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كتب إلى أهل البحرين، فقدم عليه عشرون رجلًا رأسهم الأشجُّ، وأنَّ ذلك كان عام الفتح، وذكر النَّوويُّ: (أنَّهم أربعةَ عشرَ رجلًا) ، وذكر ابن الأثير: (أنَّهم ثلاثةَ عشرَ راكبًا، وأنَّ قدومهم سنة تسع وسنة عشر) [21] ، قال الحافظ قطب الدِّين عبد الكريم الحلبيُّ: (وذكر شيخنا أبو محمَّد بن أبي جمرة أنَّ قدومهم كان في رجب) ، قال الحافظ قطب الدين: (وقد وقع لي خمسةٌ وثلاثون رجلًا مسمَّون، وقد أفردتهم في جزء) انتهى.

قوله: (رَبِيعَةُ): هذه نسبة إلى جدِّهم الأعلى، فإنَّ عبد القيس بن أَفْصَى -بفتح الهمزة، ثمَّ فاء ساكنة، ثمَّ صاد مهملة مفتوحة- بن دُعْمِيٍّ -بضمِّ الدَّال، ثمَّ عين ساكنة، مهملتين، ثمَّ ميم مكسورة، ثمَّ ياء مشدَّدة، مصروف- بن جَدِيلة بن أسَد بن ربيعة بن نِزار.

قوله: (مَرْحَبًا): هو منصوب بفعل مُضمَر لا يظهر؛ أي: صادفتَ رُحْبًا، وأتيتَ رُحْبًا وسَعة، فاستأنِسْ، وقيل: بل انتصب على المصدر؛ أي: رحب الله بك مرحبًا، فوضع المرحب موضع الترحيب، وهو قول الفرَّاء، وإنَّما مدحهم بهذا؛ لأنَّهم أتَوا مسلمين طوعًا؛ فلم يصبهم خزيٌ بذنوبهم، ولا سَبْيٌ لحريمهم [22] .

قوله: (غَيْرَ خَزَايَا): منصوبٌ على الحال، هكذا الرواية، ويؤيِّده ما في مكان آخر من «صحيح البخاريِّ»: «مرحبًا بالقوم الذين جاؤوا غيرَ خزايا»، وأشار صاحب «التَّحرير» إلى أنَّه رُوي بكسر الرَّاء على الصَّفة لـ (القوم) ، والمعروف الأوَّل، قاله النَّوويُّ.

قوله: (خَزَايَا وَلاَ نَدَامَى): كذا هنا، وجاء في غير هذا الموضع: (غير الخزايا ولا النَّدامى) ؛ بالألف واللَّام، وفي رواية لمسلم: (غير خزايا ولا النَّدامى) ، وكلُّه صحيح، وأمَّا معناه؛ فالخزايا: جمع خَزْيَان؛ كَحَيْرَان وَحَيَارَى: المُذَلِّين المهانين المقبوحين بوطء البلاد، وقتل النُّفوس، وسبي النِّساء، والنَّدامى هنا: جمع ندمان؛ بمعنى: نادم؛ وهي لغة في (نادم) ، حكاها الجوهريُّ وغيره، وعلى هذا؛ فهو على بابه، وقيل: جمع نادم؛ إتباعًا لـ (الخزايا) ، وكان الأصل: نادمين، وأتبع لـ (خزايا) [23] ؛ تحسينًا للكلام، وهو كثير في كلام العرب.

قوله: (إِلاَّ فِي شَهْرِ الْحَرَامِ): وفي نسخة هي في هامش أصلنا: (الشَّهر الحرام) ، وعليها علامة راويها، والمراد: جنس الأشهر الحرم، وهي أربعة: ذو القعدة، وذو الحجَّة، والمحرَّم، ورجب، وإنَّما مُكِّنوا في هذه دون غيرها؛ لأنَّ العرب كانت لا تقاتل فيها، وقد اختُلِف في نَسْخ تحريم [24] القتال فيها على قولين؛ مذهب الجمهور: النسخ.

وقوله: (في شهر الحرام): هو من باب إضافة الشَّيء إلى نفسه، وفيه مذهبان مشهوران، (وفي حفظي: أنَّه في رواية: رجب) [25] .

قوله: (مُضَرَ): هو غير مصروف، لأنَّه معدول وفيه العلميَّة والتَّأنيث؛ لأنَّها قبيلة معروفة.

قوله: (فَصْلٍ): أي: قاطعٍ يقطع ويبيِّن؛ ومنه: قوله تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ} [الطارق: 13] .

قوله: (نُخْبِرْ بِهِ): بالجزم جواب الأمر، ويجوز رفعه، وعن القرطبيِّ قال: (قيَّدناه على من يُوثَق به: (نخبرُ) ؛ بالرَّفع على الصِّفة لـ (أَمْرٍ) .

قوله: (ونَدخُلْ بِهِ الجَنَّةَ): يجوز جزمه ورفعه، وعن القرطبيِّ قال: (قيَّدناه بالرَّفع أيضًا على الصِّفة، وبالجزم على جواب الأمر) .

قوله: (فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ، [وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ] ، أَمَرَهُمْ: بِالإِيمَانِ بِاللهِ): اعلم أنَّه عدَّ خمسةً، وقد فسَّرها لهم بالشَّهادتين، والصَّلاة، والزَّكاة، والصَّوم، ثمَّ ذكر لهم أداء الخُمُس، وجوابه: أنَّه أمرهم بالأربع التي وعدهم، ثمَّ زادهم خامسة؛ وهي أداء الخُمُس؛ لأنَّهم كانوا مجاورين كفَّار مضرَ، وكانوا أهل جهاد.

وجواب آخر: وهو أنَّ أوَّل الأربع إقام الصلاة، وذَكَرَ كلمة التَّوحيد؛ لأنَّها [26] الأساس، وفي هذا الجواب نظر؛ لأنَّ في بعض طرقه في «الصَّحيحين»: «شهادة أن لا إله إلَّا الله -وعقد واحدة- وإقام الصَّلاة...» إلى آخره، فعقدُ الواحدة ظاهرٌ في أنَّ الإيمان من الأربع، وقد رواه البخاريُّ في (كتاب الأدب) ، وفيه: «أقيموا الصَّلاة»، وليس فيه ذكر الشَّهادتين، وفي بعض طرقه حذف (الصَّوم) ، وقد ذكر ابن المُنَيِّر في (باب [/ج1ص36/] أداء الخُمُس من الدِّين) هذا القول؛ أعني: أنَّ الإيمان غير معدود، وأنَّه لا ينتظم الكلام إلَّا كذلك؛ فانظره.

قوله: (عَنِ الْحَنْتَمِ): هو بحاء مهملة مفتوحة، ثمَّ نون ساكنة، ثمَّ مُثنَّاة فوق مفتوحة، ثمَّ ميم، فسَّره أبو هريرة: بأنَّه الجرار الخضر، كما في «مسلم» في (الأشربة) ، وقال به أيضًا عبد الله بن مغفل من الصَّحابة، وهو قول الأكثرين أو كثيرين من أهل اللُّغة، وقيل: الأبيض والأخضر، وهو ما طُلِي بالحنتم المعلوم من الزُّجاج وغيره، وقيل: هو الفخَّار كلُّه، وقيل: الخضر في تفسير أبي هريرة: السود بالزفت، قال الحربيُّ: (وهي جرار مزفَّتة) ، وقيل: هي جرار يحمل فيها الخمر من مصر أو [27] الشَّام، وقيل: هي جرار مُضرَّاة بالخمر، وقيل: هي جرار تُعمَل من طين قد عُجِن [28] بشعر ودم، وهو قول عطاء، فنُهِي عنها؛ لنجاستها.

قوله: (والدُّبَّاءِ): هو بضمِّ الدَّال المهملة، وقد تُكسَر، وتشديد الموحَّدة، وبالمدِّ على وزن (المُكَّاء) ، والمُكَّاء: طائر، وحُكِي في (الدُّبَّاء) القصر: القرْع؛ ساكن الرَّاء، جمع (دُباءة) ، قال شيخنا الشَّارح في (المناقب): (وذُكِر عنِ القزَّاز: أنَّها قصرت في لغيَّة) .

قوله: (والنَّقِيرِ): هو بفتح النون، وكسر القاف، ثمَّ مُثنَّاة تحت ساكنة، ثمَّ راء؛ وهي النخلة تنقر -أي: يحفر في جوفها أو جنبها- ويُلقى فيها الماء والتَّمر؛ للانتباذ، وقد فسَّره في الحديث في «صحيح مسلم» فقال: (هي النخلة تُنْسَح نَسْحًا، وتُنْقر نقرًا؛ أي: تُقشَر ويُحفَر فيها) .

قوله: (المُقَيَّر): هو المُزَفَّت المذكور قبله، وهو المطليُّ بالقار، وهو الزِّفت، وقيل: الزِّفت: نوع من القار.

تنبيه: اعلم أنَّ هذا [29] النهي كان في أوَّل الإسلام، ثمَّ نسخ، وناسخه حديث بريدة في «مسلم»: أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «كنت نهيتكم عنِ الانتباذ في الأسقية؛ فانتبذوا في كلِّ وعاء، ولا تشربوا مُسكِرًا»، وسيأتي ما في هذا اللفظ، وهو (الأسقية) في (الأشربة) ، وهذا مذهب الشافعيِّ والجمهور، وذهبت طائفة: إلى أنَّ النهي باقٍ؛ منهم: مالك، وأحمد، وإسحاق، حكاه الخطَّابيُّ عنهم قال: (وهو مرويٌّ عن عمر [30] وابن عبَّاس) ، وقال شيخنا الشَّارح في (الأشربة): (وذكره أحمد أيضًا عن عمر بن عبد العزيز، وأنَّه كتب بذلك إلى عديِّ بن أرطاة بالبصرة، قلت: أخرج ابن أبي شيبة عن عمر [31] بإسناد جيِّد عنِ البراء قال: أمرني عمر أن أنادي يوم القادسيَّة: لا تنتبذوا في دبَّاء ولا حنتم ولا مُزفَّت) انتهى [32] ، والقادسيَّة سنة خمسَ عشرةَ من الهجرة.

[1] في النسخ: (عن) ، والمثبت موافق لما في «اليونينيَّة» و (ق) .
[2] في (ب): (138 هـ ) .
[3] في (ب): (غزوة) ، والمثبت رواية أبي ذر عن الكشميهني.
[4] «مقدمة ابن الصلاح» (ص*) ، وانظر «التقييد والإيضاح» لزين الدين العراقي (*) .
[5] في (ب): (إذا) .
[6] في (أ): (المجتازة) .
[7] (راكبًا): ليس في (ب) .
[8] في (ج): (فذكر) .
[9] (هو): ليس في (ج) .
[10] في (ج): (ونقل ذلك النووي) .
[11] زيد في (ب): (المعنى) .
[12] في (ج): (ذكرتهم) .
[13] في (ب): (فكملوا) .
[14] في (ج): (العلاء) .
[15] في (ب): (لما) .
[16] في (ب): (العياش) .
[17] في (ب): (العلاء) .
[18] في (ب): (عددهم) .
[19] (كان): ليس في (ب) .
[20] ما بين قوسين ليس في (ب) .
[21] زيد في (ب) و (ج): (وذكر أبو محمَّد بن أبي جمرة: أنَّ قدومهم كان في رجب) ، وضرب عليها في (أ) ، وهو الأصوب؛ لتكرارها بعد.
[22] في (ب): (يخزيهم) .
[23] في (ب): (للخزايا) .
[24] (تحريم): ليس في (ب) .
[25] ما بين قوسين ليس في (ب) .
[26] زيد في (ب): (الثلث) .
[27] زيد في (ب): (من) .
[28] في (ب): (عمل) .
[29] زيد في (ب): (الدين) .
[30] زيد في (ب): (وفيه) .
[31] (عن عمر): ليس في (ب) .
[32] «التوضيح» (27/*) .





53- ( عَنْ أَبِي جَمْرَةَ ) بجيم مفتوحة وراء مهملة: نصر بن عمران.

( غَيْرَ خَزَايَا ) جمع خزيان بنصب ( غير ) على الحال، ورُوِيَ بالكسر على الصفة للقوم. قال النووي: والمعروف الأول.

( وَلا نَدَامَى ) كان القياس: ولا نادمين جمع نادم من الندم؛ فإن ندامى جمع ندمان من المنادمة، غير أنَّه أُخرج على وزن الأول وهو خزايا، كقولهم: العدايا والعشايا؛ وإنَّما مدحَهُم بهذا لأنَّهم أتوا مسلمين طوعًا، فلم يصبهم حرب يؤذيهم ولا سَبْي [ب:10] يخزيهم.

( لاَ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلَّا فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ ) كذا بتعريفهما، وقيل: الرواية الصحيحة: «في شهر الحرام» بتعريف «الحرام» وإضافة الشهر إليه، من إضافة الشيء إلى نفسه كـ«مسجد الجامع» أي: شهر الوقت الحرام، ويعنون به رجبًا؛ لتفرده بالتحريم من بين شهور الحل بخلاف سائر الأشهر الحرم فإنها متوالية.

ويروى: «في شهرٍ حرام» بتنكيرهما، وهو يصلح لرجب وحده ولجميع الأشهر [/ج1ص48/] الحُرم.

( نُخْبِرُ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا ) ( من ) بفتح الميم وهو مفعول.

( وَنَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ ) كذا ثبت بالواو، وفي رواية بحذفها، قال القرطبي: قيدناه على من يوثق به برفع ( نخبر ) على الصفة لـ( أمر )، وأما ( ندخل ) فقيدناه بالرفع أيضًا على الصفة، وبالجزم فيهما على جواب الأمر.

( الْحَنْتَمِ ) بفتح الحاء المهملة وسكون النون وفتح المثناة فوق: جِرَارٌ خضر مطلية بما يسدُّ مسامَّ الخزف، ولها التأثير في النبيذ كالمزفَّت، الواحدة: حنتمة.

( الدُّبَّاءِ ) بضم الدَّال وتشديد الباء الموحدة ممدود: القرع.

( النَّقِيرِ ) بنون مفتوحة وقاف: أصل النخلة ينقر فيتخذ منها وعاء ينتبذ فيه.

( الْمُزَفَّتِ ) بزاي وفاء مشددة: وعاء مطلي بالزفت، وإنَّما نهى عن الانتباذ في هذه الأوعية؛ لأنها تسرع الشدة في الشراب، وتحريم الانتباذ في هذه الظُّروف كان في صدر الإسلام ثم نسخ، هذا مذهبنا، وذهب مالك وأحمد إلى بقاء التحريم. [/ج1ص49/]

( فَأَخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ ) بفتح ( من ) في رواية البخاري، وبكسرها في رواية ابن أبي شيبة.


53- ( عَنْ أَبِي جَمْرَةَ ): بالجيم والرَّاء.

( مَنِ الْقَوْمُ أَوْ مَنِ الْوَفْدُ ): شكٌّ من أحد الرُّواة، إمَّا أبو جمرة أو من دونه، قال ابن حجر: وأظنُّ من شعبة، فإنَّه في رواية قرَّة وغيره بغير شكٍّ، وأغرب من قال: إنَّه من ابن عبَّاس.

قال النَّوويُّ: الوفد: الجماعة المختارة للتَّقدُّم في لُقيِّ العظماء، وأحدهم: وافد. [/ج1ص216/]

قال: ووفد عبد القيس المذكورون كانوا أربعة عشر راكبًا، كبيرهم الأشجُّ؛ واسمه: المنذر بن عائذ، وسمَّى منهم صاحب «التَّحرير» غيرَ الأشجِّ: منقذَ بنَ حبَّان، ومزيدةَ بن مالك، وعمرو بن مرحوم، والحارث بن شعيب، وعبيدة بن همَّام، والحارث بن جندب، وصُحار بن العبَّاس بصاد مضمومة وحاء مهملتين.

زاد ابن حجر: وعقبة بن جروة، وقيس بن النُّعمان، والجَهْم بن قُثم، والرُّسْتُم، وجويرية، والزَّارِع، فهؤلاء أربعة عشر.

وقد روى الدُّولابيُّ عن أبي خَيْرَة الصُّبَاحيُّ قال: «كنت في الوفد الذين أتوا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من عبد القيس وكنَّا أربعين رجلًا».

قال ابن حجر: فلعلَّ الأربعة عشر هم رؤوس الوفد، وممَّن سُمِّيَ منهم غير من سبق: مطر أخو الزَّارَّع، وابن أخته ولم يُسمَّ، ومُشَمرج، وجابر بن الحارث، وخزيمة بن عبد عمرو، وهمَّام بن ربيعة، وجارية _ بالجيم _ ابن جابر، ونوح بن مخلد؛ فهؤلاء بضعة وعشرون.

( مَرْحَبًا ): نصب بمضمر، أي: صادفت رُحْبًا -بضمِّ الرَّاء-، أي: سعة، قال العسكريُّ: أوَّل من قال: مرحبًا: سيف بن ذي يزن.

( غَيْرَ ) بالَّنصب حال، وروي بالكسر صفة، والمعروف الأوَّل، وفي الأدب: «مرحبًا بالوفد الذين جاؤوا غير..» [خ:6176]

( خَزَايَا ) جمع خزيان، وهو الذي أصابه خزي.

( نَدَامَى ): جمع ندمان من النَّدم، كنادم، حكاه الجوهريُّ وغيره، وقيل: ندمان خاص بالمنادمة ونادم بالنَّدم، وجمعه: نادمون، فعدل عنه [/ج1ص217/]للإتباع كالعشايا والغدايا، وفي النَّسائيِّ: «مرحبًا بالوفد ليس الخزايا ولا النَّادمين».

قال ابن أبي جمرة: بشَّرَهم بالخيرِ عاجلًا وآجلًا، لأنَّ النَّدامة إنَّما تكون في العاقبة.

( إِلاَّ فِي الشَهْرِ الْحَرَامِ )، للأَصِيلي وكريمة: «في شهر الحرام»، وهي رواية مسلم من إضافة الشَّيء إلى نفسه كمسجد الجامع ونساء المؤمنات، أي: شهر الوقت الحرام، واللَّام في الأولى للجنس، ففي المغازي: «أشهر الحرم»، [خ:4368] وفي المناقب: «إلَّا في كلِّ شهر حرام». [خ:3510]

وقيل: للعهد، أي: رجب، وصرَّح به عند البيهقيِّ؛ لأنَّ مضر كانت تبالغ في تعظيمه، ولهذا أضيف إليهم في حديث أبي بكرة، / حيث قال: رجب مضر.

( بأمرٍ ) بالتَّنوين لا بالإضافة.

( فَصْلٍ ): فاصل، أي: يفصل بين الحقِّ والباطل، أو بَيِّنٍ واضح.

( نخبرُ ) بالرَّفع صفة، والجزم جوابًا.

( مَنْ ) بالفتح لا غير.

( وَنَدْخُلُ ) بالوجهين، وروي بإسقاط الواو، فليس إلَّا الجزم جوابًا، ورفع «نخبر».

( فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ ) قيل: أوَّل الأربع: إقام الصَّلاة، وذكر الشَّهادتين للتَّبرُّك وتقديمِ ما هو الأصل؛ فإنَّهم إنَّما سألوا عن الأعمال لتقدُّم إيمانهم، فإنَّهم من أقدم النَّاس إسلامًا، فوقع الأمر بالأعمال، ولهذا سقط ذكر الشَّهادتين في طريق أخرى.

وقيل: الأربع ما عدا أداء الخمس، كأنَّهم أعلمهم أوَّلًا بقواعد الإسلام وفروض الأعيان، ثمَّ أعلمهم بما يلزمهم إخراجه إذا وقع لهم جهاد، ولم يقصد إلى ذكرها بعينها؛ لأنَّها مسبَّبة عن الجهاد، ولم يكن الجهاد إذ ذاك فرض عين، ولذلك لم يذكر الحجَّ؛ لأنَّه لم يكن فُرِض.

وقيل: عدَّ أوَّلًا بأربع، فلمَّا [وفَّى] [1] زاد، ولا ضير في ذلك.

وقيل: عدَّ الصَّلاة والزَّكاة واحدة؛ لأنَّها قرينتها في القرآن.

وقيل: أداء الخمس داخل في إيتاء الزَّكاة، والجامع بينهما أنَّهما إخراج مال معيَّن في حال دون حال.

ووقع في «سنن البيهقيِّ» و«مسند أحمد» زيادة: «وتحجُّوا البيت الحرام». [/ج1ص218/]

( عَنِ الْحَنْتَمِ ): فيه حذف، أي: شرب ما يُنتبذ فيها، وصرَّح به في رواية النَّسائيِّ، وهي بفتح المهملة وسكون النُّون وفتح الفوقيَّة: الجِرَار الخُضْر، الواحدة: حنتمة.

( وَالدُّبَّاءِ ): بضمِّ المهملة وتشديد الموحَّدة والمدِّ _ وحُكِيَ قصره _: القرع، والمراد: اليابس منه.

( وَالنَّقِيرِ ): بفتح النُّون وكسر القاف: أصل النَّخلة يُنقر فيُتَّخذ منه وعاء.

( وَالْمُزَفَّتِ ): بالزَّاي والفاء: ما طلي بالزِّفت.

( وَرُبَّمَا قَالَ الْمُقَيَّرِ ) أي: بدل ( المزفَّت ) وهو بالقاف والتَّحتيَّة: ما طلي بالقار، وهو نبت يحرق إذا يبس ويطلى به كما يطلى بالزِّفت.

وفي «مسند الطَّيالسيِّ» بسند حسن عن أبي بكرة قال: «أمَّا الدُّبَّاء: فإنَّ أهل الطَّائف كانوا يأخذون القرع فيخرطون فيه العنب ثمَّ يدفنونه حتَّى يهدر ثمَّ يموت، وأمَّا المقيَّر: فإنَّ أهل اليمامة كانوا ينقرون أصل النَّخلة، ثمَّ ينبذون الرُّطب والبسر، ثمَّ يدعونه حتَّى يهدر ثمَّ يموت، وأمَّا الحنتم: فجرار كانت تُحمل إلينا فيها الخمر، وأمَّا المزفَّت فهذه الأوعية التي فيها الزِّفت».

ومعنى النَّهي عن الانتباذ في هذه الأوعية بخصوصها: أنَّه يسرع إليها الإسكار، فربَّما شرب منها من لا يشعر بذلك، ثمَّ نسخ وثبتت الرُّخصة في الانتباذ في كلِّ وعاء مع النَّهي عن شرب مسكر.

( مَنْ وَرَاءَكُمْ ): بالفتح موصولة. [/ج1ص219/]

[1] ما بين معقوفتين في غير [ع] : (دنا)





53- وبه قال: ((حدثنا علي بن الجَعْد)) ؛ بفتح الجيم وسكون العين، أبو الحسن ابن عُبيد؛ بضم العين، الجوهري، الهاشمي، البغدادي، المتوفى فيها سنة ثلاثين ومئتين، ((قال: أخبرنا شعبة)) ؛ هو ابن الحجاج، ((عن أبي جمرة)) ؛ بالجيم والراء، واسمه نصر بن عمران بالصاد المهملة، الضُّبَعي؛ بضم الضاد المعجمة، بعدها موحدة مفتوحة، بعدها عين مهملة، البصري المتوفى سنة ثمان وعشرين ومئة، والضُّبَعي: نسبة لبطن من عبد القيس.

((قال: كنت أقعد)) بلفظ المضارع حكاية حالٍ ماضية؛ استحضارًا لتلك الصورة للحاضرين، ((مع ابن عباس)) رضي الله عنهما؛أي: عنده زمن ولايته بالبصرة من قِبَل علي بن أبي طالب، ((يُجلسني)) ؛ بضم أوله من غير فاء، مِن أجلس، وفي رواية: بالفاء؛ أي: يرفعني بعد أن أقعد.

((على سريره)) عطف على (أقعد) ؛ لأنَّ الجلوس على السرير بعد القعود، وروى المؤلف في (العلم) السبب في إكرام ابن عباس له، ولفظه: (كنت أترجم بين ابن عباس وبين الناس، والترجمة: التعبير بلغة عن لغة لمن لا يفهم، فقيل: كان يتكلم بالفارسية، وكان يترجم لابن عباس عن من تكلم بها، وفيه دليل على جواز الترجمة والعمل بها، وجواز المترجم الواحد؛ كما قاله القاضي.

قلت: قال أئمتنا الأعلام: والواحد يكفي للتزكية والرسالة والترجمة؛ لأنَّها خبر وليست بشهادة حقيقية، ولهذا لا يشترط لفظة الشهادة؛ فليحفظ.

((فقال: أقم)) ؛ أي: توطن ((عندي)) ؛ لتساعدني بتبليغ كلامي إلى من خفي عليه من السائلين، ((حتى)) أن ((أجعل لك سهمًا)) ؛ أي: نصيبًا ((من مالي)) ، سبب الجعل الرؤيا التي رآها في العمرة؛ كما سيأتي في الحج، قال أبو جمرة: ((فأقمت معه)) ؛ أي: عنده مدة ((شهرين)) بمكة، وإنما عبر بـ (مع) المقتضية للمصاحبة دون (عند) المقتضية لمطابقة (أقم عندي) ؛ للمبالغة.

وفي رواية مسلم بعد قوله (وبين الناس) : (فأتت امرأة تسأله عن نبيذ الجر، فنهى عنه، فقلت: يا بن عباس: إنِّي انتبذت [1] في جرة خضراء نبيذًا حلوًا فأشرب منه فيقرقر بطني، قال: لا تشربْ منه وإن كان أحلى من العسل.

((ثم قال: إنَّوَفْد)) ؛ أي: جماعة ((عبد القيس)) أبو القبيلة، وهو ابن أَفْصَى؛ بهمزة مفتوحة، وفاء ساكنة، وصاد مهملة مفتوحة، ابن دُعْمي؛ بضم الدال المهملة، وسكون العين المهملة، وبياء النسبة، ابن جَديلة؛ بفتح الجيم، ابن أسد بن ربيعة بن نزار، كانوا ينزلون البحرين وحوالي القطيف، وكانوا أربعة عشر رجلًا بالأشج، ويُروى أنهم أربعون، فيحتمل أن يكون لهم وفادتان، أو أن الأشراف أربعة عشر والباقي تبع، وأسماؤهم وبيانهم موضح في «عمدة القاري» غاية الإيضاح.

((لما أتوا النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم)) عام الفتح قبل خروجه من مكة، وكان سبب وفودهم كما في «عمدة القاري» إسلام منقذ بن حبان، وتعلمه الفاتحة وسورة اقرأ، وكتابته عليه السلام لجماعة عبد القيس كتابًا، فلما رحل إلى قومه؛ كتمه أيامًا، وكان يصلي، فقالت زوجته لأبيها المنذر بن عائذ وهو الأشج: إنِّي أنكرت فعل بعلي منذ قدم مِن يثرب؛ إنه ليغسل أطرافه، ثم يستقبل الجهة، يعني: الكعبة، فيحني ظهره مرة ويقع أخرى، فاجتمعا فتحادثا في [2] ذلك، فوقع الإسلام في قلبه، وقرأ عليهم الكتاب، وأسلموا وأجمعوا المسير إلى رسول الله عليه السلام، فلما قدموا؛ ((قال)) عليه السلام ((مَن القوم؟ أو)) قال ((مَن الوفد؟)) شك شعبة أو أبو جمرة، ((قالوا)) نحن ((ربيعة)) ؛ أي: ابن نزار بن معَدِّ بن عدنان، وإنما قالوا: ربيعة؛ لأنَّ عبد القيس من أولاده، وعبر عن البعض بالكل؛ لأنَّهم بعض ربيعة، ويدل له ما في المؤلف في (الصلاة) ، فقالوا: إنا هذا الحي من ربيعة.

((قال)) عليه السلام: ((مرحبًا بالقوم أو)) قال ((بالوفد)) ، وأول من قال: مرحبًا: سيف بن ذي يزن، وانتصابه على المصدرية بفعل مضمر؛ أي: صادفوا رُحبًا؛ بالضم؛ أي: سعة، حال كونهم ((غير خزايا)) جمع خزيان على القياس؛ أي: غير أذلاء أو غير مستحيين لقدومكم مبادرين دون حرب يوجب استحياءكم، و (غير) بالنصب حال، ويروى: بالخفض صفة لـ (القوم) .

((ولا ندامى)) جمع نادم على غير قياس، وإنما جُمع كذلك؛ اتباعًا لـ (خزايا) للمشاكلة والتحسين، وذكر القزاز: أن (ندمان) لغة في (نادم) ، فجمعه المذكور على هذا قياس، ((فقالوا)) ، وللأصيلي: (قالوا) : ((يا رسول الله؛ إنا لا نستطيع أن نأتيك)) ؛ أي: الإتيان إليك، ((إلا في الشهر الحرام)) سُمي الشهر شهرًا؛ لشهرته وظهوره، وحرامًا؛ لحرمة القتال فيه عندهم، والمراد الجنس، فيشمل الأربعة الحُرُم، والمراد شهر رجب، كما صُرِّح به في رواية البيهقي.

وفي رواية: (إلا في شهر الحرام) ، وهو من إضافة الموصوف إلى الصفة كمسجد الجامع، والبصريون يمنعونها ويؤولون ذلك على حذف مضاف؛ أي: ومسجد الوقت الجامع، وشهر الوقت الحرام.

وقول ابن حجر: هذا من إضافة الشيء إلى نفسه، رده الشيخ الإمام بدر الدين العيني بأن إضافة الشيء إلى نفسه لا تجوز؛ كما عُرِف في موضعه؛ فليحفظ، وفي رواية: (إلا في أشهر الحُرُم) ، تقديره: في أشهر الأوقات الحُرُم، و (الحُرُم) ؛ بضمتين جمع حرام، وفي رواية: (إلا في كل شهر حرام) .

((و)) الحال ((بيننا وبينك هذا الحي من كفار مُضَرَ)) ؛ بضم الميم وفتح المعجمة، مخفوض بالمضاف بالفتحة؛ للعلمية والتأنيث، وهذا مع قولهم: (يا رسول الله) ، يدل على تقدم إسلامهم على قبائل مضر الذين كانوا بينهم وبين المدينة، وكانت مساكنهم بالبحرين وما والاها من أطراف العراق.

((فمرنا بأمرٍ فصْلٍ)) ؛ بالصاد المهملة وبالتنوين في الكلمتين على الوصفية، لا بالإضافة؛ أي: يفصل بين الحق والباطل، أو بمعنى: المفصَّل المبين، وأصل (مرنا) : أأمرنا؛ بهمزتين؛ من أمر يأمر،[/ص34/] فحذفت الهمزة الأصلية؛ للاستثقال، فصار (أمرنا) ، فاستغني عن همزة الوصل فحذفت، فبقي (مُر) على وزن (عُل) ؛ لأنَّ المحذوف فاء الفعل.

((نخبر به مَن)) ؛ أي: الذي استقرَّ، ((وراءَنا)) ؛ أي: خلفنا مِن قومنا الذين خلَفناهم في بلادنا، و (نخبر) بالجزم جوابًا للأمر، وبالرفع لخلوِّه من ناصبٍ وجازم، والجملة في محلِّ جرِّ صفة لـ (أمر) ، ((وندخل به الجنة)) إذا قُبِل بفضله تعالى، ويجوز الجزم والرفع في (ندخل) كـ (نخبر) ؛ عطفًا عليها، لكن يتعيَّن الرفع في هذه على رواية إسقاط الواو، وتكون الجملة مستأنفة لا محلَّ لها من الإعراب.

((وسألوه)) عليه السلام ((عن الأشربة)) ؛ أي: عن ظروفها، أو سألوه عن الأشربة التي تكون في الأواني المختلفة، فعلى الأول: المحذوف المضاف، وعلى الثاني: الصفة.

((فأمرهم)) عليه السلام ((بأربع)) ؛ أي: بأربع جمل أو خصال، ((ونهاهم عن أربع: أمرهم بالإيمان بالله وحده)) تفسيرٌ لقوله: (فأمرهم بأربع) ، ومن ثَم حذف العاطف، ((قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال)) عليه السلام: هو ((شهادة أن لا إله إلَّا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله)) ؛ برفع شهادة خبر مبتدأ محذوف، ويجوز الجرُّ على البدلية، ((وإقام الصلاة)) ؛ أي: أدائها بأوقاتها على الوجه المعلوم.

((وإيتاء الزكاة)) ؛ أي: إعطاؤها في مصارفها، ((وصيام رمضان)) فيه دليلٌ على عدم كراهة قول رمضان من غير تقييد بالشهر، ((و)) الخامس ((أن تعطوا من المغنم الخُمُس)) ؛ بضم الخاء المعجمة والميم، وإنما أمرهم بأربع وذكر لهم خمسًا؛ لأنَّهم كانوا مجاورين كفَّارَ مُضر وكانوا أهلَ جهاد وغنائم، فزاد الخامس لذلك، ولم يذكر لهم الحجَّ؛ لكونه على التراخي لا يمنع من الأمر به، وفيه خلاف، فعند الإمام أبي يوسف؛ وهو رواية عن إمامنا الإمام الأعظم: وجوبه على الفور، وعليه الفتوى، وهو مذهب مالك، وعند الإمام محمَّد الشيباني؛ وهو رواية أيضًا عن الإمام الأعظم: أنَّه على التراخي، وهو مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل؛ لأنَّ فرض الحج كان بعد الهجرة، وأنَّه عليه السلام كان قادرًا على الحج في سنة ثمان وفي سنة تسع ولم يحجَّ إلَّا في سنة عشر.

وأجيبَ: بأنَّه عليه السلام كان عالمًا بإدراكه فلذلك أخَّره، بخلاف غيره مع ورود الوعيد في تأخيره بعد الوجوب، أو لشهرته عندهم، أو لكونه لم يكن فُرِض؛ لأنَّ قدومهم كان في سنة ثمان قبل فتح مكَّة، وهو فُرِض في سنة تسع على قول، والأصحُّ: أنَّه فُرِض سنة ست كما سيأتي، أو لكونه لم يكن سبيل لهم إليه من أجل كفَّار مُضر.

ثم عطف المؤلف على قوله: (وأمرهم) قوله: ((ونهاهم عن أربع: عن الحَنْتَم)) ؛ أي: عن الانتباذ فيه؛ وهو بفتح المهملة، وسكون النون، وفتح المثناة الفوقية، وهي الجرَّة أو الجِرار الخُضر أو الحمر، أعناقها على جنوبها، أو متخذَة من طين، وشعر، ودم، أو (الحنتم) : ما طُلي من الفخار بالحنتم المعمول بالزجاج وغيره، وسقطت (عن) الثانية لكريمة.

((و)) عن الانتباذ في ((الدُّباء)) ؛ بضمِّ المهملة، وتشديد الموحدة، والمدِّ؛ اليقطينُ الكبير الأبيض، ((و)) عن الانتباذ في ((المزفَّت)) ؛ بالزاي والفاء: ما طلي بالزِّفت، ((وربما قال: المقيَّر)) ؛ بالقاف والمثناة التحتية المشددة المفتوحة؛ وهو ما طلي بالقار، ويقال له: القير؛ وهو نبت يحرق إذا يبس، تطلى به السفن وغيرها كما تطلى بالزفت.

((وقال: احفظوهن وأخبروا بهن)) ؛ بفتح الهمزة، ((مَن وراءَكم)) ؛ أي: الذين كانوا أو استقروا، فـ (مَن) موصولة مبتدأ، و (وراءكم) خبره، ومعنى النهي عن الانتباذ في هذه الأوعية بخصوصها؛ لأنَّه يُسرع إليها الإسكار، فربَّما شرب منها مَن لم يشعر بذلك، ثم ثبتت الرخصة في الانتباذ في كلِّ وعاء، مع النهي عن شرب كلِّ مُسكر، ففي «مسلم»: «كنتُ نهيتُكم عن الانتباذ إلَّا في الأسقية فانتبذوا في كلِّ وعاء، ولا تشربوا مُسكرًا»، وهو مذهب إمامنا الإمام الأعظم والجمهور، وهو قول الشافعي، وذهب مالك، وأحمد، وإسحاق إلى أن النهي باقٍ، والصواب الجزم بالإباحة؛ لتصريح النسخ؛ كما علمت، والله أعلم.

وفي الحديث استعانة العالم في تفهيم الحاضرين والفهم عنهم، وفيه استحباب قول: مرحبًا للزائرين، وندب العالم إلى إكرام الفاضل، وفي قوله: (أجعل لك سهمًا من مالي) دليل على جواز أخذ الأجرة على التعليم؛ كما قاله ابن التين، قلت: مذهب إمامنا رأس المجتهدين الإمام الأعظم التابعي الجليل ومَن قال بقوله: أنَّ الاستئجار على الطاعات لا يصح، واستثنى المتأخرون تعليم القرآن، فجوَّزوا الاستئجار عليه؛ لخوف الضياع، والأذان والإمامة؛ للعلة المذكورة؛ لأنَّهما من شعائر الدين، فهذه الثلاثة مستثناة للضرورة.

قال في «الهداية»: الأصل أنَّ كل طاعة يختصُّ بها المسلم لا يجوز الاستئجار عليها عندنا؛ لقوله عليه السلام: «اقرؤوا القرآن ولا تأكلوا به...» الحديث، فالاستئجار على الطاعات مطلقًا لا يصح عند أئمتنا الأعلام، اهـ .

فالمُفتَى به: جواز أخذ الأجرة؛ استحسانًا، على تعليم القرآن، لا على القراءة المجرَّدة كما صرح به أئمَّة المذهب، وهو قول أحمد، وعطاء، والضحَّاك، والزهري، والحسن، وابن سيرين، وطاووس، والشعبي، والنخلي، فقارئ القرآن بالأجرة لا يستحق الثواب لا للميت ولا للقارئ؛ لأنَّ الاستئجار على قراءة القرآن باطلة، ولم يفعلها أحد من الخلفاء، وكذا الوصية بذلك باطلة.

وهذا كله مع قطع النظر عما يحصل في زماننا من المنكرات التي يتوصَّلون إليها بحيلة قراءة القرآن والتهاليل؛ من الغناء، والرقص، واللهو، واللعب في بيوت الأيتام، ودق الطبول، وإقلاق الجيران، والاجتماع بحسان المردان، فكل من له معشوق لا يتيسر له الاجتماع به إلَّا في ذلك المكان فيجلس كلٌّ منهم بجنب معشوقه بعد إلقاء العمائم وثقيل الثياب، ويظهرون أنواع الخلاعات والرقص بما يسمونه الحربية، ويهيج بهم الهيام بسماع الغناء بأصوات حسان، وتخلع الولدان، فعند ذلك تذهل العقول ولا يدري شيخهم ما يقول، وتجتمع النسوان من كل مكان، ثم يأكلون الطعام الحرام في بيوت الأيتام، ثم يهبون ما تحصّل منهم في تلك الأوقات الخاسرات إلى روح مَن كان سببًا في اجتماعهم على هذه المنكرات، نعوذ من الجهل العظيم بالله الكريم، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله العلي العظيم الحليم.

[1] في الأصل: ( أنتبذ).
[2] في الأصل من دون (في)والسياق يقتضيها.