المستند الإرشاد الناظر التلقيح التنقيح التوشيح الزراري

50-. حدَّثنا مُسَدَّدٌ، قالَ: حدَّثنا إِسْماعِيلُ بنُ إِبْراهِيمَ: أخبَرَنا أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ، عن أَبِي زُرْعَةَ:

عن أَبِي هُرَيْرَةَ، قالَ: كان النَّبِيُّ [1] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ، فأَتاهُ جِبْرِيلُ [2] فقالَ: ما الإِيمانُ؟ قالَ: «الإِيمانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ [3] وَبِلِقائِهِ [4] وَرُسُلِهِ [5] وَتُؤْمِنَ بِالبَعْثِ». قالَ: ما الإِسْلامُ؟ قالَ: «الإِسْلامُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلا تُشْرِكَ بِهِ [6] ، وَتُقِيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤَدِّيَ الزَّكاةَ المَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضانَ». قالَ: ما الإِحْسانُ؟ قالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كأَنَّكَ تَراهُ، فإِنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فإِنَّهُ يَراكَ». قالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قالَ: «ما المَسْؤُولُ [7] بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَسأُخْبِرُكَ عن أَشْراطِها: إِذا وَلَدَتِ الأَمَةُ رَبَّها، وإِذا تَطاوَلَ رُعاةُ الإِبِلِ البُهْمُ [8] فِي البُنْيانِ، فِي خَمْسٍ لا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ». ثُمَّ تَلا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ [9] }الآيَةَ [10] [لقمان: 34] ، ثُمَّ أَدْبَرَ، فقالَ: «رُدُّوهُ». فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فقالَ: «هذا جِبْرِيلُ، جاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ».

قالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: جَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنَ الإِيمانِ.

الأطراف



[1] في رواية [عط] : «رسول الله».
[2] صحَّح عليها في اليونينيَّة، وفي رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر و [عط] ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «فأتاه رجلٌ».
[3] في رواية الأصيلي زيادة: «وكتبه».
[4] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و«وَبِلِقايِهِ».
[5] في رواية الأصيلي: «وبرسله».
[6] في رواية الأصيلي والحَمُّويِي زيادة: «شيئًا».
[7] في رواية أبي ذر زيادة: «عنها».
[8] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و«البُهْمِ»، وكتب فوقها «معًا». وبهامش (ن): مَن ضمَّ الميم جعله نعتًا للرُّعاة، وهو الصواب، قاله عياض ورجَّحه، ومن كسر الميم جعله نعتًا للإبل، وهو بضم الباء، وهو صوابه، وهي رواية أبي ذر وغيره، وروي عن الأصيلي بفتح الباء وضمِّها، وضبطه القابسيُّ بالفتح، وحكي عنه الضم للباء والميم وإسكان الهاء، جعله نعتًا للرُّعاة، أي: السود، ووصْفُهم بالصمِّ البُكم [يعني: كما في رواية مسلم] يدلُّ علىَ أنَّه وصفٌ للرُّعاة لا للإبل، قاله عياض.اهـ. انظر المشارق: 1/200.
[9] في رواية الأصيلي زيادة: «{ وَيُنْزِلُ }» هكذا ضبطت في (ب، ص) على قراءة أبي عمرو ويعقوب وخلف وابن كثير وحمزة والكسائي، وأهمل ضبطها في (ن، و).
[10] لفظة: «الآية» ليست في [عط] .





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

50- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ)؛ هو ابن مسرهدٍ، (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن سهمٍ، وأمُّه عُلَيَّة؛ بضمِّ العين المُهمَلَة، وفتح اللَّام، وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة، قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو حَيَّانَ) _بفتح الحاء المُهمَلَة وتشديد المُثنَّاة التَّحتيَّة_ يحيى بن سعيد بن حيَّان [1] (التَّيْمِيُّ)؛ نسبةً إلى تيم الرِّباب الكوفيِّ، (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) هرم بن عمرو بن جرير البجليِّ، (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه أنَّه (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ) وفي روايةٍ: ((رسول الله)) (صلى الله عليه وسلم بَارِزًا)؛ أي: ظاهرًا (يَوْمًا لِلنَّاسِ) غير محتجبٍ عنهم، و«يومًا» نُصِبَ على الظَّرفيَّة، (فَأَتَاهُ رَجُلٌ)؛ أي: مَلَكٌ في صورة رجلٍ، وهي [2] رواية الأربعة، وفي روايةٍ في أصل متن «فرع اليونينيَّة» كهي: ((جبريل)) (فَقَالَ) بعد أن سَلَّم: يا محمَّد، كما في «مسلمٍ»، وإنَّما ناداه باسمه كما يناديه الأعراب تعميةً بحاله، أو لأنَّ له دالَّة المعلِّم: (مَا الإِيمَانُ)؟ أي: ما مُتعلَّقاتُه؟ (قَالَ) صلى الله عليه وسلم: (الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ)؛ أي: تصدِّق بوجوده، وبصفاته الواجبة له تعالى، وقد وقع السُّؤال بـ: «ما»، ولا يُسأَل بها إلَّا عنِ الماهيَّة، لكنَّ الظَّاهر أنَّه عليه الصلاة والسلام علم أنَّه سأله [/ج1ص138/]

عن متعلَّقات الإيمان، لا عن حقيقته، وإِلَّا؛ فكان الجواب: الإيمانُ، التَّصديقُ، وإنَّما فسَّر الإيمان بذلك؛ لأنَّ المُرَاد من المحدود الإيمان الشَّرعيُّ، ومن الحدِّ اللُّغويِّ، حتَّى لا يلزم تفسير الشَّيء بنفسه، وحَمَلَهُ الأبِّيُّ على الحقيقة، معلِّلًا بأنَّ السُّؤال بـ: «ما» بحسب الخصوصيَّة إنَّما يكون عن الحقيقة لا عن الحكم، وعلى هذا فقوله: «أن تؤمن...» إلى آخره؛ من حيث إنه جواب السُّؤال المذكور يتعيَّن أن يكون حدًّا؛ لأنَّ المقول في جوابه إنَّما هو الحدُّ، فإن قلت: لو كان حدًّا لم يَقُلْ جبريل عليه السلام في جوابه: «صدقتَ»، كما في «مسلمٍ»؛ لأنَّ الحدَّ لا يقبل التَّصديق، أُجِيب: بأنَّه إذا قِيلَ في الإنسان: إنَّه حيوانٌ ناطقٌ، وقُصِدَ به التَّعريف؛ فهو لا يقبل التَّصديق كما ذكرت، وإن قُصِدَ به أنَّه الذَّات المحكوم عليها بالحيوانيَّة والنَّاطقيَّة؛ فهو دعوى وخبر [3] ، فيقبل التَّصديق، فلعلَّ جبريلَ عليه الصلاة والسلام راعى هذا المعنى؛ فلذلك قال: «صدقتَ»، أو يكون قوله: «صدقت» تسليمًا، والحدُّ يقبل التَّسليم، ولا يقبل المنع؛ لأنَّ المنع طلب الدَّليل، والدَّليل إنَّما يتوجَّه للخبر، والحدُّ تفسيرٌ لا خبرٌ، قاله أبو عبد الله الأبِّيُّ [4] ، وأعاد لفظ «الإيمان»؛ للاعتناء بشأنَّه وتفخيمًا لأمره، (وَمَلَائِكَتِهِ)؛ جمع مَلَكٍ، وأصله: مَلْأَكٌ «مَفْعَلٌ» مِنَ: الألوكة؛ بمعنى: الرِّسالة، زِيدَت فيه «التَّاء»؛ لتأكيد معنى الجمع، أو لتأنيث الجمع، وهم: أجسامٌ [5] علويَّةٌ نورانيَّةٌ، مُشكَّلةٌ بما شاءت من الأشكال، والإيمان بهم: هو التَّصديق بوجودهم، وأنَّهم كما وصفهم الله تعالى: {عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} [الأنبياء: 26] ؛ أي: وأن تؤمن بملائكته، (وَ) أن تؤمن (بِلِقَائِهِ)؛ أي: برؤيته تعالى في الآخرة، كما قال الخطَّابيُّ، وتعقَّبه النَّوويُّ: بأنَّ أحدًا لا يقطع لنفسه بها؛ إذ هي مختصَّةٌ بمن مات مؤمنًا، والمرء لا يدري بِمَ يُختَم له؟ وأُجِيب: بأنَّ المُرَاد أنَّها حقٌّ في نفس الأمر، أو المُرَاد الانتقال من دار الدُّنيا، (وَ) أن تؤمن (بِرُسُلِهِ) عليهم الصَّلاة والسَّلام، وفي رواية غير الأَصيليِّ: ((ورسله))؛ بإسقاط المُوحَّدة؛ أي: التَّصديق بأنَّهم صادقون فيما أخبروا به عن الله تعالى، وتأخيرهم في الذِّكر؛ لتأخُّر إيجادهم، لا لأفضليَّة الملائكة، وفي هامش «فرع اليونينيَّة» كهي زيادة: ((وكتبه)) للأَصيليِّ؛ بإسقاط المُوحَّدة؛ أي: تصدِّق [6] بأنَّها كلام الله تعالى، وأنَّ ما اشتملت عليه حقٌّ، (وَ) أن (تُؤْمِنَ)؛ أي: تصدِّق (بِالْبَعْثِ) من القبور وما بعده؛ كالصِّراط والميزان، والجنَّة والنَّار، أو المُرَاد بعثة الأنبياء، وقد قِيلَ: إنَّ قوله: «وبلقائه» مُكرَّرةٌ؛ لأنَّها داخلةٌ في الإيمان بالبعث، وتغاير تفسيرهما يحقِّق أنَّها ليست مُكرَّرةً، وإنما أعاد «تؤمن»؛ لأنَّه إيمانٌ بما سيُوجَد، وما سبق: إيمانٌ بالموجود في الحال، فهما نوعان، ثمَّ (قَالَ)؛ أي: جبريل: يا رسول الله؛ (مَا الإِسْلَامُ؟ قَالَ) صلى الله عليه وسلم: (الإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ الله)؛ أي: تطيعه مع خضوعٍ وتذلُّلٍ، أو تنطق بالشَّهادتين، (وَلَا تُشْرِكَ بِهِ)؛ بالفتح، وفي نسخة كريمة: ((ولا تشركُ))؛ بالضَّمِّ [7] ، زاد الأَصيليُّ: ((شيئًا))، (وَ) أن (تُقِيمَ)؛ أي: تديمَ (الصَّلَاةَ) المكتوبة؛ كما صرَّح به في «مسلمٍ» [8] ، أو تأتيَ بها على ما ينبغي، وهو وتاليه من عطف الخاصِّ على العامِّ، (وَ) أن (تُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ)؛ قيَّد بها؛ احترازًا من صدقة التَّطوُّع؛ فإنَّها زكاةٌ لغويَّةٌ، أو من المُعجَّلة، أو لأنَّ العرب كانت تدفع المال للسَّخاء والجود، فنبَّه بالفرض على رفض ما كانوا عليه، قال الزَّركشيُّ: والظَّاهر: أنَّها للتَّأكيد، وفي رواية مسلمٍ [9] : «تقيم الصَّلاة المكتوبة، وتؤتي الزَّكاة المفروضة»، (وَتَصُومَ رَمَضَانَ) ولم يذكر الحجَّ؛ إمَّا ذهولًا أو نسيانًا من الرَّاوي، ويدلُّ له مجيئه في رواية كهمس: «وتحجَّ البيت إنِ استطعتَ إليه سبيلًا»، وقِيلَ: لأنَّه لم يكن فرضٌ، ودُفِعَ: بأنَّ في رواية ابن منده بسندٍ على شرط مسلمٍ: أنَّ الرَّجل جاء في آخر عمره صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر «الصَّوم» في رواية عطاء الخراسانيِّ، واقتصر في حديث أبي عامرٍ على «الصَّلاة والزَّكاة»، ولم يزد في حديث ابن عبَّاسٍ على «الشَّهادتين»، وزاد سليمان التَّيميُّ بعد ذكر الجميع: الحجَّ والاعتمار، والاغتسال من الجنابة، وإتمام الوضوء، وقد وقع هنا التَّفريق بين الإيمان والإسلام، فجعل الإيمان: عمل القلب، والإسلام: عمل الجوارح، فالإيمان: لغةً: التَّصديق مُطلَقًا، وفي الشَّرع: التَّصديق والنُّطق معًا، فأحدهما ليس بإيمانٍ، أمَّا التَّصديق؛ فإنَّه لا ينجِّي وحده من النَّار، وأمَّا النُّطق؛ فهو وحده نِفَاقٌ، فتفسيره في الحديث «الإيمانُ» بالتَّصديق، [/ج1ص139/] و«الإسلامُ» بالعمل؛ إنَّما فسَّر به إيمان القلب والإسلام في [10] الظَّاهر، لا الإيمان الشَّرعيَّ والإسلام الشَّرعيَّ، والمؤلِّف يرى أنَّهما والدِّينُ عباراتٌ عن واحدٍ، والمتَّضح: أنَّ محلَّ الخلاف إذا أُفْرِدَ لفظُ أحدِهما، فإنِ اجتمعا؛ تغايرا، كما وقع هنا، ثمَّ (قَالَ) جبريل: يا رسول الله؛ (مَا الإِحْسَانُ)؟ مبتدأٌ وخبرٌ، و«أل» للعهد؛ أي: ما الإحسان المتكرِّر في القرآن المترتِّب عليه الثَّواب؟ (قَالَ) رسول الله صلى الله عليه وسلم مُجِيبًا له: الإحسان: (أَنْ تَعْبُدَ الله)؛ أي: عبادتُك اللهَ تعالى حال كونك في عبادتك له (كَأَنَّكَ تَرَاهُ)؛ أي: مثل حال كونك رائيًا له، (فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ) سبحانه وتعالى؛ فاستمِرَّ على إحسان العبادة؛ (فَإِنَّهُ) عزَّ وجلَّ (يَرَاكَ) دائمًا، والإحسان: الإخلاص، أو إجادة العمل، وهذا من جوامع كَلِمِهِ عليه الصلاة والسلام؛ إذ هو شاملٌ لمقام المُشاهَدَة ومقام المُراقَبَة، ويتَّضح لك ذلك بأن تعرف أنَّ للعبد في عبادته ثلاثَ مقاماتٍ:

الأوَّل: أن يفعلها على الوجه الذي تسقط معه وظيفة التَّكليف؛ باستيفاء الشَّرائط والأركان.

الثَّاني: أن يفعلها كذلك وقد استغرق في بحار المُكاشَفَة، حتَّى كأنَّه يرى الله تعالى، وهذا مقامه صلى الله عليه وسلم؛ كما قال: «وجُعِلَتْ قُرَّةُ عيني في الصَّلاة»؛ لحصول الاستلذاذ بالطَّاعة، والرَّاحة بالعبادة، وانسداد مسالك الالتفات إلى الغير باستيلاء أنوار الكشف عليه؛ وهو ثمرة امتلاء زوايا القلب من المحبوب، واشتغال السِّرِّ به، ونتيجته: نسيان الأحوال من المعلوم [11] ، واضمحلال الرُّسوم.

الثَّالث: أن يفعلها وقد غلب عليه أنَّ الله تعالى يشاهده، وهذا هو مقام المُراقَبَة.

فقوله: «فإن لم تكن تراه»؛ نزولٌ عن مقام المُكاشَفَة إلى مقام المُراقَبَة؛ أي: إن لم تعبده وأنت من أهل الرُّؤية المعنويَّة؛ فاعبده وأنت بحيث إنَّه يراك، وكلٌّ من المقامات الثَّلاث إحسانٌ، إلَّا أنَّ الإحسان الذي هو شرطٌ في صحَّة العبادة إنَّما هو الأوَّل؛ لأنَّ الإحسان بالأخيرين [12] من صفة الخواصِّ، ويتعذَّر من كثيرين، وإنَّما أخَّر السُّؤال عن الإحسان؛ لأنَّه صفة الفعل، أو شرطٌ في صحَّته، والصِّفة بعد الموصوف، وبيان الشَّرط متأخِّرٌ عن المشروط، قاله أبو عبد الله الأُبِّيُّ، ثمَّ (قَالَ) جبريل: يا رسول الله [13] ؛ (مَتَى) تقوم (السَّاعَةُ)؟ اللَّام للعهد، والمُرَاد: يوم القيامة، (قَالَ: مَا)؛ أي: ليس (الْمَسْؤُولُ)، زاد في رواية أبي ذَرٍّ: ((عنها))، (بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ)؛ بزيادة «المُوحَّدة» في «أعلم»؛ لتأكيد [14] معنى النَّفيِ، والمُرَاد: نفيُ علمِ وقتها؛ لأنَّ عِلْمَ مجيئِها مقطوعٌ به، فهو علمٌ مُشتَرَكٌ، وهذا وإن أشعر بالتَّساوي في العلم؛ إلَّا أنَّ المُرَاد التَّساوي في العلم بأنَّ الله استأثر بعلم وقت مجيئها؛ لقوله بعد: «خمسٌ لا يعلمهنَّ إلَّا الله»، وليس السُّؤال عنها ليعلم الحاضرون كالأسئلة السَّابقة، بل لينزجروا عن السُّؤال عنها، كما قال تعالى: {يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ} [الأحزاب: 63] ، فلمَّا وقع الجواب بأنَّه لا يعلمها إلَّا الله تعالى؛ كفُّوا، وهذا السُّؤال والجواب وقعا بين عيسى ابن مريم وجبريل عليهما السَّلام؛ كما في «نوادر الحميديِّ»، لكن كان عيسى هو السَّائل، وجبريل هو المسؤول، ولفظه: حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا مالك بن مغولٍ، عن إسماعيل بن رجاء، عن الشَّعبيِّ قال: سأل عيسى ابن مريم جبريلَ عنِ السَّاعة قال: ما المسؤولُ عنها بأعلمَ من السَّائل، (وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا)؛ بفتح الهمزة، جمع شَرَطٍ؛ بالتَّحريك؛ أي: علاماتها السَّابقة عليها، أو مقدِّماتها لا المقارنة لها؛ وهي: (إِذَا وَلَدَتِ الأَمَةُ)؛ أي: وقت ولادة الأمة (رَبَّهَا)؛ أي: مالكها وسيِّدها، وهو هنا كنايةٌ عن كثرة أولاد السَّراري، حتَّى تصير الأمُّ كأنَّها أَمَةٌ لابنها؛ من حيث إنَّها ملكٌ لأبيه، أو أنَّ الإماء يلدن الملوك، فتصير الأمُّ من جملة الرَّعايا، والملِك سيِّد رعيَّته، أو كنايةٌ عن فساد الحال؛ لكثرة بيع أمَّهات الأولاد، فيتداولهنَّ المُلَّاك، فيشتري الرَّجل أمَّه وهو لا يشعر، أو هو كنايةٌ عن كثرة العقوق؛ بأن يعامل الولد أمَّه مُعامَلَة السَّيِّد أَمَتَهُ في الإهانة؛ بالسَّبِّ، والضَّرب، والاستخدام، فأطلق عليه «ربَّها» مجازًا لذلك، وعُورِضَ: بأنَّه لا وجه لتخصيص ذلك بولد الأَمَة إلَّا أن يُقَال: إنَّه أقرب إلى العقوق، وعند المؤلِّف في «التَّفسير» [خ¦4777] : «ربَّتها»؛ بتاء التَّأنيث على معنى النَّسمة؛ ليشمل الذَّكر والأنثى، وقِيلَ: كراهة أن يقول: «ربَّها»؛ تعظيمًا للفظ الرَّبِّ تعالى، وعبَّر بـ: «إذا» الدَّالَّة على الجزم؛ لأنَّ الشَّرط مُحقَّق الوقوع، ولم يعبِّر بـ: «إن»؛ لأنَّه لا يصحُّ أن يُقَال: إن قامت القيامة؛ كان كذا، بل يرتكب [/ج1ص140/] قائله محظورًا؛ لأنَّه يُشْعِرُ بالشك فيه، (وَ) من أشراط السَّاعة: (إِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الإِبِلِ) بضمِّ الرَّاء (الْبُهْمُ فِي الْبُنْيَانِ)؛ أي: وقت تفاخر أهل البادية بإطالة البنيان، وتكاثرهم به [15] باستيلائهم على الأمر، وتملُّكهم البلاد بالقهر، المقتضي لتبسُّطهم في الدُّنيا؛ فهو عبارةٌ عن ارتفاع الأسافل؛ كالعبيد والسَّفلة من الجمَّالين وغيرهم، وما أحسن قول القائل: [من الوافر]

~ إذا التحقَ الأسافلُ بالأعالي فقد طابتْ منادمةُ المنايا

وفيه: إشارةٌ إلى اتِّساع دين الإسلام، كما أنَّ الأوَّل فيه: اتِّساعُ الإسلام، واستيلاء أهله على بلاد الكفر، وسبيُ ذراريهم، قال البيضاويُّ: لأنَّ بلوغَ الأمرِ الغايةَ مُنْذِرٌ بالتَّراجع المُؤْذِنِ بأن القيامة ستقوم؛ كما قِيلَ: [من الطَّويل]

~ ........................ وعند التَّناهي يقصـرُ المتطاولُ

والبُهمُ: _بضمِّ المُوحَّدة_ جمع الأبهم؛ وهو الذي لاشِيَةَ له، أو جمع بهيمٍ؛ وهي رواية أبي ذرٍّ وغيره، ورُوِيَ عن الأَصيليِّ: الضَّمُّ والفتحُ، وكذا ضبطه القابسيُّ بالفتح أيضًا، ولا وجه له؛ لأنَّها صغار الضَّأن والمعز، وفي الميم الرَّفع نعتًا لـ: «الرعاة»؛ أي: السُّود، أوِ [16] المجهولون الذين لا يُعرَفُون، والجرُّ صفةً لـ: «الإبل»؛ أي: رعاة الإبل البهمِ [17] السُّود، وقد عدَّ في الحديث من الأشراط علامتين، والجمع يقتضي ثلاثةً؛ فإمَّا أن يكون على أنَّ أقلَّ الجمع اثنان، أو أنَّه اكتفى باثنين؛ لحصول المقصود بهما في علم أشراط السَّاعة، وعلم وقتها داخلٌ (فِي) جملة (خَمْسٍ) من الغيب (لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا الله، ثُمَّ تَلَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ}) [لقمان: 34] ؛ أي: علم وقتها، وللأَصيليِّ: (({وَيُنَزِّلُ}...)) (الآيَةَ) بالنَّصبِ بتقدير: «اقرأ»، وبالرَّفع مبتدأ خبره محذوفٌ؛ أي: الآيةُ مقروءةٌ إلى آخر السُّورة، ولمسلمٍ: إلى قوله: {خَبِيرٌ}، وكذا في رواية أبي فَرْوة، والسِّياق يرشد إلى أنَّه تلا الآية كلَّها، وسقط في رواية قوله: ((الآية)) [18] ، والجارُّ متعلِّقٌ بمحذوفٍ كما قدَّرته، فهو على حدِّ قوله تعالى: {في تسعِ آياتٍ} [النمل: 12] ؛ أي: اذهب إلى فرعون بهذه الآية في جملة تسع آياتٍ، وتمام الآية السَّابقة: {وَيُنَزِّلُ الغَيْثَ}؛ أي: في أوانه [19] المُقدَّر له، والمحلِّ المُعيَّن له، {وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَام} أذكرًا أم أنثى، تامًّا أم ناقصًا؟ {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا} من خيرٍ أو شرٍّ، وربَّما يعزم على شيءٍ ويفعل خلافه، {وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ}؛ أي: كما لا تدري في أيِّ وقتٍ تموت؟ قال القرطبيُّ: لا مطمع لأحدٍ في علم شيءٍ من هذه الأمور الخمسة لهذا الحديث، فَمَنِ ادَّعى علم شيءٍ منها غير مستندٍ إلى الرَّسول صلى الله عليه وسلم؛ كان كاذبًا في دعواه.

(ثُمَّ أَدْبَرَ) الرَّجل السَّائل، (فَقَالَ) رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رُدُّوهُ)، فأخذوا ليردُّوه، (فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا)،لا عينه ولا أثره، قال ابن بزيزة [20] : ولعلَّ قوله: «رُدُّوه عليَّ» إيقاظٌ للصَّحابة؛ ليتفطَّنوا إلى أنَّه مَلَكٌ لا بشرٌ، (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم: (هَذَا)، ولكريمة: ((إنَّ هذا)) (جِبْرِيلُ) عليه السلام (جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ)؛ أي: قواعد دينهم، وهي جملةٌ وقعت حالًا مُقدَّرةً؛ لأنَّه لم يكن معلِّمًا وقت المجيء، وأَسْنَدَ التَّعليمَ إليه _وإن كان سائلًا_ لأنَّه لمَّا كان السَّبب فيه، أسنده إليه، أو أنَّه كان من غرضه، وللإسماعيليِّ: «أراد أن تعلَّموا إذ لم تسألوا»، وفي حديث أبي عامرٍ: «والَّذي نفسُ محمَّدٍ بيده؛ ما جاءني قطُّ إلَّا وأنا أعرفه، إلَّا أن تكون هذه المرَّة»، وفي رواية سليمانَ التَّيميِّ: «ما شَبُهَ عليَّ منذ أتاني قبل مرَّتي هذه، وما عرفته حتَّى ولَّى».

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريُّ رحمه الله: (جَعَلَ) النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم (ذَلِكَ) المذكور في هذا الحديث (كُلَّهُ مِنَ الإِيمَانِ)؛ أي: الكامل المشتمل على هذه الأمور كلِّها، وفي هذا الحديث: بيان عِظَمِ [21] الإخلاص والمُرَاقَبَة، وفيه: أنَّ العالِمَ إذا سُئِلَ عمَّا لا يعلمه يقول: لا أدري، ولا يُنْقِصُ ذلك من جلالته، بل يدلُّ على ورعه وتقواه ووفور علمه، وأنَّه يسأل العالِمَ؛ لِيعلمَ السَّامعون، ويحتمل أنَّ في سؤال جبريلَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم في حضور الصَّحابة أنَّه يريد أنْ يُرِيَهم أنَّه عليه الصلاة والسلام مليءٌ من العلوم، وأنَّ علمه مأخوذٌ من الوحيِ، فتزيد رغبتهم ونشاطهم فيه، وهو المعنيُّ بقوله: «جاء يعلِّم النَّاس دينَهم»، وأنَّ الملائكة تَمثَّلُ بأيِّ صورةٍ شاؤوا من صور بني آدم، وأخرجه المؤلِّف في «التَّفسير» [خ¦4777] وفي «الزَّكاة» مُختصرًا [خ¦1397] ، ومسلمٌ في «الإيمان»، وابن ماجه في «السُّنَّة» بتمامه، وفي «الفتن» ببعضه، وأبو داود في «السُّنَّة»، والنَّسائيُّ في «الإيمان»، وكذا التِّرمذيُّ، وأحمد [/ج1ص141/] في «مُسنَده»، والبزَّار بإسنادٍ حسنٍ، وأبو عوانة في «صحيحه»، وأخرجه مسلمٌ أيضًا: عن عمر بن الخطَّاب، ولم يخرجه البخاريُّ؛ لاختلافٍ فيه على بعض رواته، وبالجملة: فهو حديثٌ جليلٌ، حتَّى قال القرطبيُّ: يصلح أن يُقَال له: أمُّ السُّنَّة؛ لِمَا تضمَّنه من جمُلِ علمها، وقال عياضٌ: إنَّه اشتمل على جميع وظائف العبادات الظَّاهرة والباطنة من عقود الإيمان، ابتداءً وحالًا ومآلًا، ومن أعمال الجوارح، ومن إخلاص السَّرائر، والتَّحفُّظ من آفات الأعمال، حتَّى إنَّ علوم الشَّريعة كلَّها راجعةٌ إليه ومتشعِّبةٌ منه ا ه.

[1] في (س): «جيَّان»، وهو تصحيفٌ.
[2] في (ب) و(س): «وهو».
[3] في (س): «خير»، وهو تصحيفٌ.
[4] «قاله أبو عبد الله الأبِّيُّ»: سقط من (س).
[5] في (ب) و(س): «أجساد».
[6] في (م): «تصديق».
[7] قوله: «وفي نسخة كريمة: «ولا تشركُ»؛ بالضَّمِّ»، سقط من (م).
[8] قوله: «كما صرَّح به في «مسلمٍ»»، سقط من (م).
[9] في (م): «لمسلم».
[10] «في»: سقط من (م).
[11] في (م): «العلوم».
[12] في (ب) و(س): «بالآخرين».
[13] «يا رسول الله»: سقط من (س).
[14] في (س): «لتأكد».
[15] «به»: سقط من (س).
[16] «أو»: سقط من (م).
[17] «البهم»: سقط من (م).
[18] في (م): «تعالى»، وهو خطأٌ.
[19] في (ب) و(س): «إبانه»، وكلاهما صحيحٌ.
[20] في (م): «بريرة»، وهو تصحيفٌ.
[21] في هامش (م): «محلِّ».





50- (كَأَنَّكَ تَرَاهُ): حالٌ مِنَ الفاعلِ؛ أي: تعبدَ اللهَ متشبِّهًا [1] بمَنْ يَرَاهُ، قاله الكرمانيُّ.

وقال الطِّيبيُّ: («كَأَنَّكَ» إمَّا مفعولٌ مطلقٌ، أو حالٌ مِنَ الفاعلِ، والثَّاني أوجَهُ)، ثمَّ ذَكَرَ وجهَهُ، وقد ذكرتُه في مؤلَّفي الَّذي على «البخاريِّ».

(فَإِنَّهُ يَرَاكَ): ليسَ هو نفسَ جوابِ الشَّرطِ؛ لأنَّه ليسَ مسبَّبًا عنه، بلِ الجوابُ مقدَّرٌ [2] ؛ أي: فإِنْ لم تكنْ تَراهُ؛ فاعبدِ الله أو اعتبر [3] ، فإنَّهُ يَراكَ؛ كما يقال: «إِنْ أكرمتَني؛ فقدْ أكرمتُك أحسنَ »؛ أي: إِنْ تعتدَّ بإكرامِكَ؛ فاعْتدَّ بإكرامي، [فقد أكرمتُك] ، ويَحتملُ: فإِنْ لم تكنْ تَراهُ؛ فلا تَغْفَل فإنَّه يَراكَ، فإنَّ رؤيَتَه مستلزمةٌ ألَّا [4] تَغْفَلَ عنه؛ [يعني: أنَّهُ مجازٌ في كونِهِ جزاءً] ، والمرادُ لازِمُهُ [5] ، وهذا قولُ البيانيِّ، والأوَّلُ قولُ النَّحْوِيِّ.

(مَا): نافيةٌ بمعنى: لستُ أنا أعلمَ منكَ يا جبريلُ بعِلْمِ القيامةِ.

(عَنْهَا): إِنْ قلتَ: من حقِّ الظَّاهرِ أَنْ يُقالَ: ( [ما المسؤولُ] عنه) ؛ ليَرجِعَ الضَّميرُ إلى اللَّام [6] ؛ قلتُ: كما يقال: (سألتُ عن زيدٍ المسألةَ) ؛ يقال: (سألتُه عنِ المسألةِ)، فالضَّميرُ المرفوعُ راجعٌ إلى اللَّام، والمجرورُ إلى (الساعةِ)، واعْلَمْ أَنَّ الضَّميرَ [في (عنها) ] راجعٌ إلى (السَّاعةِ)، فلا بُدَّ مِنْ تقديرِ مضافٍ في السُّؤالِ والجوابِ؛ نحو: (وَقْت) و (أَيَّان) ؛ إِذْ وجودُ السَّاعةِ ومجيئُها مقطوعٌ به، وإنَّما يُسأَلُ عن وقتِها.

(بِأَعْلَمَ): [/ص20/] (الباءُ) زِيدَتْ لتأكيدِ معنى النَّفي.

(إِذَا وَلَدَتِ): أتى بـ (إِذَا) ؛ لأنَّها لِمَا يتحقَّقُ، بخلافِ (إِنْ)، حتَّى لو قالَ شخصٌ: (إِنْ قامتِ القيامةُ) ؛ أشعرَ بالشَّكِّ الَّذي يكفرُ به، وجوابُ الشَّرطِ محذوفٌ؛ أي: فالولادةُ شرطٌ معدودٌ مِنَ الأشراطِ، وجملةُ الشَّرطِ متضمِّنَةٌ له؛ كما في قوله تعالى: {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران: 97] ؛ التَّقديرُ: وأَمِّنْ مَنْ دَخَلَه [7] ، واعلم أنَّه عدَّ مِنَ الأشراطِ اثنين، والجمعُ يقتضي ثلاثةً، فهو حُجَّةٌ لِمَنْ قالَ: إِنَّ أقلَّ الجَمْعِ اثنان، أو أَنَّهُ اكتفى باثنين؛ لحصولِ المقصودِ؛ كما في الآية المذكورةِ، وإنَّما أتى به جمعَ قِلَّةٍ والعلاماتُ أكثرُ مِنْ عَشَرَةٍ؛ لأنَّ جَمْعَ القِلَّةِ قد يقومُ مَقامَ الكَثْرةِ، وبالعكس، أو لفَقْدِ جَمْعِ الكَثْرةِ للفظِ الشَّرطِ، أو أَنَّ الفَرْقَ بالقلَّةِ والكَثْرةِ إنَّما هو [8] في النَّكراتِ لا في المعارفِ.

(الْبُهْم): بجَرِّ الميمِ صفةً لـ (الْإِبِلِ)، ورفْعِها صفةً للـ (رُعَاةُ).

(فِي خَمْسٍ): قال الطِّيبيُّ: (أي: عِلْمُ وقتِ السَّاعةِ داخلٌ في جملةِ خمسٍ، وحَذْفُ متعلَّقِ الجارِّ سائغٌ شائعٌ؛ كما في قوله تعالى: {فِي تِسْعِ آيَاتٍ} [النمل: 12] ؛ أي: اذهبْ إلى فرعونَ في شأْنِ تسعِ آياتٍ، ويجوزُ أنْ يعلَّق بـ«أَعْلَمَ»؛ يعني: ما المسؤولُ عنها بأعلمَ في خَمْسٍ؛ أي: في عِلْمِ الخمسِ؛ أي: لا ينبغي لأحدٍ أنْ يَسألَ أحدًا في عِلْمِ الخَمْسِ؛ لأنَّ العِلْمَ بها مُختصٌّ بالله تعالى).

وقال غيرُه: و (في) هذه قيل: بمعنى (مع) ؛ كما تقول في الدُّعاء: (واحشرني في زمرتهم)، وقيل: بمعنى (مِن) ؛ أي: علم السَّاعةِ مِنْ جُملةِ خَمْسٍ، وقيل: متعلِّقٌ بمحذوفٍ تقديرُه: ذَكَرَ اللهُ تعالى ذلكَ في خَمْسٍ، أو تجدُ عِلْمَ ذلك في خَمْسٍ، قيل: هذه التَّقديرات تقتضي أنْ يذكرَ (فِي خَمْسٍ) قبل قوله: (فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتِهَا)، فالأَولى أنْ يُقالَ: إنَّه في موضعِ النَّصبِ على الحالِ؛ أي: تَراهم [ملوكَ الأرضِ] متفكِّرينَ في خمسٍ لا يَعلمُهُنَّ إلَّا اللهُ.

وقال الكرمانيُّ: (هو خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ؛ أي: علمُ وقتِ السَّاعةِ في جملةِ خَمْسٍ، أو متعلِّقٌ بـ«أَعْلَمَ»).

إشارةٌ: إِنْ قلتَ: كيف طابقَ تفسيرُ سيِّدِ المرسلينَ الآيةَ بقوله: «فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللهُ» وليس في الآيةِ أداةُ الحصرِكما في الحديث؟ قلتُ: فيه وجهانِ:

أحدُهما: أَنْ يكونَ {عِلْمُ السَّاعَةِ} فاعلًا للظَّرف؛ لاعتماده على اسم {إِنَّ}، ويُعطف {وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ} وما بعدَه مِنَ الجملِ على الظَّرفِ وفاعلِه، على تأويلِ الجملتين المنفيَّتين بإثبات ما نُفِيَ فيهما لله تعالى عنِ الغير؛ أي: يَعلمُ ماذا تكسِبُ كلُّ نفْسٍ غدًا، ويعلمُ أنَّ كلَّ نفْسٍ بأيِّ أرضٍ تموتُ.

قال أبو البقاء: (هذا العطفُ يدُلُّ على قوَّةِ شَبَهِ الظَّرفِ بالفعلِ).

وقال صاحبُ «الكشف» [9] : جاءَ بالظَّرفِ وما ارتفعَ به، ثمَّ قال: {وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ}، فعَطَفَ الجملةَ على الجملةِ، ومثلُه قولُه تعالى: {نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُم فِيهَا مَنَافِعُ} [المؤمنون: 21] ، فصدَّر بالفعلِ والفاعلِ، ثمَّ عَطَفَ بالظَّرفِ وما ارتفعَ به.

وإذا تقرَّرَ هذا؛ فنقول: إذا كانَ الفعلُ عظيمَ الخطرِ، وما يُبْنَى عليه الفعلُ عليَّ القدْر، رفيعَ الشَّأن؛ فُهِمَ منه الحصرُ على سبيلِ الكنايةِ.

قال صاحب «الكشَّاف» في قوله تعالى: {الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ} الآيةَ [الزمر: 23] : (إيقاعُ اسمِ اللهِ مبتدأً وبناءُ {نَزَّلَ} عليه: فيه تفخيمٌ لـ{أَحْسَنَ الْحَدِيثِ}، ورَفْعٌ منه، واستشهادٌ على حُسْنِه، وتأكيدٌ لإسنادِه إلى الله تعالى، وأنَّه مِنْ عِندِه، وأنَّ مثلَه لا يجوزُ أَنْ يصدُرَ إلَّا عنه).

وقال في قوله تعالى: {اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ} في (الرَّعد): (اللهُ وحدَه هو يبسُطُ الرِّزقَ ويقْدِرُ دونَ غيرِه).

فإن قلتَ: إذا عطفتَ {وَيُنَزِّلُ} على الجملةِ؛ كيف دلَّ على العِلْم؟ قلتُ: إذا نَفى إنزالَ الغيثِ عمَّا كانوا ينسبونَ إليه مِنْ طلوعِ الأنواءِ؛ اختصَّ بالله تعالى، فيَلْزَمُ منه اختصاصُ عِلْمِ الله تعالى به.

وثانيهما: أَنْ يذهبَ إلى أنَّ الظَّرفَ خبرٌ مقدَّمٌ [10] على المبتدأِ؛ لإفادةِ الحصرِ، ويُعطف {وَيُنَزِّلُ} على المضافِ إليه؛ بمعنى: عندَه عِلْمُ السَّاعةِ وعِلْمُ تنزيلِ الغيث؛ على تقدير: (أَنْ يُنَزِّلَ)، فحذف [11] (أَنْ)، فارتفعَ الفعلُ؛ نحو قوله: (أحضُرُ الوغى)، ويُعطف {ويَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ} وما بعدَه على المضافِ؛ أي: إنَّ اللهَ عندَه عِلْمُ ما في الأرحامِ وعِلْمُ ماذا تكسب كلُّ نفْسٍ غدًا، على التَّقديرِ المذكورِ.

فإِنْ قلتَ: أيُّ نكتةٍ دَعَتْ إلى العُدولِ عنِ المثبتِ إلى المنفيِّ في قوله: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ}؟ وما فائدةُ تكريرِ {نفس} وتنكيرِها؟ وإيثارِ الدِّراية على العلم؛ فإنَّها إدراكُ الشَّيءِ بالحيلةِ؟ قلتُ: إذا نُفيتِ الدِّرايةُ لِمَا فيها مِنْ معنى الحيلةِ في اكتسابِ العِلْمِ عن [12] كلِّ نفسٍ على سبيلِ الاستغراقِ؛ لوقوعِ النَّكرةِ في سِياقِ النَّفيِ؛ أفادَ أنَّ كلَّ نفْسٍ منفوسةٍ مِنَ الإنسانِ وغيرِه، إذا أَعملَتْ [حيلَها في معرفةِ ما يختصُّ ويلصَقُ بها، ولا شيءَ أخصَّ مِنَ الإنسانِ في [13] كسبِ نفسِه وعاقبةِ أمره، ولا يقفُ على شيءٍ مِن ذلك؛ فكيفَ يقفُ على] ما هوَ أبعدُ وأبعد، خصوصًا مِنْ معرفةِ وقتِ السَّاعةِ، وأيَّانَ إنزالُ الغيثِ، ومعرفةِ ما في الأرحامِ؟

والفائدةُ في بيانِ الأماراتِ: هي أَنْ يتأهَّبَ المكلَّفُ المسيرَ إلى المعادِ بزادِ التَّقوى، والله تعالى أعلم.

(الآيَةَ): (بالنَّصبِ بفعلٍ محذوفٍ؛ أي: اقرأِ الآيةَ، وبالرَّفعِ بأنَّه مبتدأٌ وخبرُه محذوفٌ؛ أي: الآيةُ مقروءةٌ إلى آخرِها، وبالجرِّ؛ أي: إلى الآيةِ) انتهى.

وقال السَّخوميُّ: («الآيَةَ» بالنَّصبِ؛ فإنَّ الرَّسولَ قرأَ الآيةَ إلى آخرِها).

[1] في النسختين: (مشبهًا)، وكذا في مصدره، والمثبت من «اللامع الصبيح» (1/287).
[2] من قوله: (يراك: ليس هو نفس...) إلى هنا غير واضح في (أ).
[3] تحرفت في النسختين و«اللامع الصبيح» (1/287) إلى: (فاعبد).
[4] في (ب): (لا)، وهي في (أ) مشتبهة، وفي «الكواكب»: (لأن لا).
[5] في النسختين: (فالجزاء لازم)، والمثبت من «الكواكب الدراري» (1/196)، وما بين معقوفين مستدركٌ منه.
[6] يعني: معنى الموصولية في (أل) من قوله: (المسؤول).
[7] من قوله: (مقام إبراهيم ومن دخله...) إلى هنا غير واضح في (أ).
[8] في النسختين: (هي)، والمثبت من المصادر.
[9] كذا في النسختين، وعند الطيبي في «الكاشف»: (الكشاف).
[10] في (ب): (يقدم).
[11] في النسختين: (محذوف)، والمثبت من «الطيبي».
[12] في النسختين ومصدره: (من)، ولعل المثبت هو الصواب.
[13] في النسختين ومصدره: (من)، وفعل المثبت هو الصواب.





50- قوله: (أَخْبَرَنَا [1] أَبُو حَيَّان التَّيْمِيُّ): (حَيَّان): بفتح الحاء المهملة، وتشديد المُثنَّاة تحت، واسمُه يحيى بنُ سعيدِ بنِ حَيَّانَ -ككُنيته- التيميُّ، إمامٌ ثَبْتٌ، تُوفِّي سنةَ (145 هـ ) ، أخرج له الجماعةُ [2] .

قوله: (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ): تقدَّم أنَّ اسمَه هَرِم، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: جرير، وقيل: عمرو، واسم أبيه عمرو بن جرير بن عبد الله البَجَليُّ، من علماء التابعين، وثَّقه ابنُ مَعينٍ وغيرُه، أخرج له الجماعة [3] .

قوله: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ): تقدَّم مرَّاتٍ أنَّه عبدُ الرحمن بن صخر، على الأصح مِن نحوِ ثلاثين قولًا، وتقدَّم ما فيه [4] .

قوله: (وَبِلِقَائِهِ... وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ): اختُلف في الجمع بين الإيمان باللِّقاء والبعث:

فقيل: اللِّقاءُ يحصُلُ بالانتقال إلى دار الجزاء، والبعثُ بعدَه عند قيام الساعة.

وقيل: اللِّقاء ما يكون بعدَ البعث عند الحِساب.

ثمَّ ليس المرادُ باللِّقاء رؤيةَ الله تعالى، فإنَّ أحدًا لا يقطعُ لنفسِه بها، فإنَّها مختصَّةٌ بمَن مات مؤمنًا، ولا يَدري الإنسانُ بِمَ يُختَمُ له، كذا قالوا، أمَّا في الجنَّة؛ فيراه داخلوها، وأمَّا في المحشر؛ فللعلماء في رؤية الخَلْق له تعالى ثلاثةُ أقوالٍ لأهل السُّنَّة، سأذكرُها في أواخر هذا التعليق إن شاء الله تعالى ذلك وقدَّره، وأذكرُها أيضًا هنا تعجيلًا للفائدة.

فاعلم أنَّ رؤيةَ الله عزَّ وجلَّ في الدار الآخرة فيها ثلاثةُ أقوالٍ لأهل السُّنَّة:

أحدُها: لا يَراه إلَّا المؤمنونَ.

والثاني: يَراه أهلُ الموقف؛ مؤمنُهُم وكافرُهم، ثمَّ يحتجِبُ عنِ الكفَّار، فلا يَرونَه بعد ذلك.

والثالث: يَراه المنافقون دون الكفَّار، قال ابنُ قيِّم الجوزيَّة في «حادي الأرواح» في الباب الخامس والستِّين: (والأقوالُ الثلاثةُ في مذهب أحمدَ وهي لأصحابه، وكذلك الأقوال الثلاثة بعينها في تكليمه لهم) ، قال: (ولشيخنا في ذلك مصنَّفٌ مفرد، حكى فيه الأقوالَ الثلاثةَ وحُجَجَ أصحابها) ، وقال ابن القيِّم قُبيل هذا الكلام: (فقد دلَّتِ الأحاديثُ الصحيحةُ الصريحةُ على أنَّ المنافقينَ يَرونَه في عَرَصات القيامة، بل والكفَّار أيضًا، كما في «الصَّحيحين» في حديث التجلِّي يومَ القيامة، وسيمرُّ بك عن قريبٍ) انتهى.

قوله: (الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ): إنَّما قيَّدها؛ ليُخرج صدقةَ التطوُّع، فإنَّها زكاةٌ لغويَّة، وقيل: للاحتراز من [5] الزكاة المعجَّلة قبل الحول، فإنَّها زكاةٌ غيرُ مفروضةٍ، أو للتأكيد، والله أعلم.

قوله: (وَتَصُومَ رَمَضَانَ): ذكرَهُ بغيرِ (شهر) ، وقد تقدَّم الكلامُ على ذلك قريبًا؛ فانظره.

قوله: (عَنْ أَشْرَاطِهَا): أشراطُ الساعة: مُقَدِّماتُها، وهي علاماتٌ بين يديها أيضًا، وكذلك أشراطُ الأشياء، واحدُها شَرَط؛ بفتح الشِّين والراء، وقيل: أشراطُ الساعة: أعلامُها.

قوله: (رَبَّهَا): وفي روايةٍ لمسلمٍ: (رَبَّتَهَا) ، وفي روايةٍ له أيضًا: (بَعْلَهَا) ، والبعلُ: هو المالك على الصحيح أو السَّيِّد، وأمَّا [6] الرَّبُّ؛ فالسَّيِّد [7] ، والرَّبَّة: السَّيِّدة؛ أي: تَلِدُ مِثلَ سيِّدِها ومالِكِها؛ أراد: كثرةَ السراري واتِّساع الأحوال، وقيل: معناه: العقوقُ حتَّى يكونَ الولدُ لأُمِّه في الغِلظة والاستطالة كالسَّيِّد، وقيل: لمَّا كان الذي تلِدُه مِن سيِّدها سببَ عتقِها؛ كان كالسَّيِّد المعتقِ لها، وأصلُ الرَّبِّ: المالكُ؛ ومنه: {رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] ، وقيل: القائم بأمورِهم والمصلِح لهم، وقيل غيرُ ما ذكرتُ، وقد ذكر القرطبيُّ في أواخر «تذكرته» فيه خمسةَ أقوال.

قولُه: (رُعَاةُ الْإِبِلِ): الرُّعاةُ: بضمِّ الراء، جمعُ راعٍ؛ كقاضٍ وقُضاة، ويُقال أيضًا: بكسر الراء والمدِّ مِن غير هاء؛ كصاحبٍ وصِحاب [8] .

قوله: (البهم [9] ): قال في «المطالع»: (بضمِّ الموحَّدة هنا، صوابُه كما رواه أبو ذرٍّ الهرويُّ وغيرُه عنِ الأصيليِّ: بفتح الباء وضمِّها، ووقعتْ في أصل القابِسيِّ: بالفتح أيضًا، وحُكِي عنه ضمُّ الباء والميم وإسكان الهاء، جعلَه نعتًا للرُّعاة؛ أي: السود، قال الخطَّابيُّ: «معناه [10] : المجهولون الذين لا يُعرفون، ومنه: أبهم الأمر»، وقال غيرُه: همُ الذين لا شيءَ لهم؛ ومنه: «يُحشَرُ الناسُ عُراةً حفاةً بُهمًا»، وقيل في هذا أيضًا: متشابهي الألوان، والأوَّل أبين، وجاء في «مسلم» عقب [11] هذا الحديث: «يعني: العُرَيب» [12] ، تصغير (العرب) ، ومَن كسر الميمَ؛ جعلَه وصفًا لـ«الإبل»، وهي شرُّها، ووصفُهم بـ«الصُّمَّ البُكْمَ» [13] يدُلُّ على أنَّ ذلك كلَّه أوصافُ رُعاةِ الإبل [14] ، وقال الطَّحاويُّ: «المرادُ بـ: البُكْمَ الصُّمَّ؛ أي: عنِ القول المحمود وسماعِه» [15] ؛ أي: لا يعرفونه؛ لجهلهم، وقال الدِّمياطيُّ: «البُهم: السود، وهي أدونُ الإبل وشرُّها؛ لأنَّ الكِرامَ منها الصُّفْرُ والبِيضُ، ورَوى الأصيليُّ: بفتح الباء، وهو خطأٌ؛ لأنَّ البَهمةَ ليست من صِغارِ الإِبِل، وإنَّما هي مِن ولد الضَّأن والمَعز، قاله ابنُ بطَّال» [16] ) انتهى [17]

[1] في النسخ: (حدثنا) ، والمثبت موافق لما في «اليونينيَّة» و (ق) .
[2] انظر «تهذيب الكمال» (31/323) .
[3] (الجماعة): ليس في (ب) .
[4] (وتقدم ما فيه): ليس في (ج) .
[5] في (ج): (عن) .
[6] في (ب): (وإنما) .
[7] في (ب): (السيد) .
[8] في (ج): (وأصحاب) ، وكذا في الأصل قبل الحك.
[9] في هامش (ق): (يروى: «البُهْمُ»؛ بضمِّ الميم نعتًا لـ«الرُّعاة»، ويُروى بجرِّ الميم، فمَن جرَّ؛ فهي وصف للإبل، البهم: السود، وهي أدون الإبل وشرُّها؛ لأنَّ الكرام منها الصُّفْرُ والبِيضُ، وروى الأصيلي: بفتح الباء، وهو خطأ؛ لأنَّ البهمة ليست من صغار الإبل، وإنَّما هي من ولد الضأن والمعز، قاله ابن بطال) .
[10] (معناه): ليس في (ب) .
[11] في (ج): (عقيب) .
[12] هو في إحدى روايات «مسلم» كما أفاد القاضي في «إكمال المعلم» (1/162) ، وحكى الحافظ ابن حجر في «الفتح» (*): أنَّه في رواية سليمانَ التَّيميِّ، ومسلمٌ لم يَذكُر لفظ حديث سليمانَ، وانظر «مشارق الأنوار» (1/103) .
[13] أي: في رواية مسلم (10) .
[14] في (ج): (لرعاة الإبل) .
[15] «شرح مشكل الآثار» (7/434) .
[16] «شرح ابن بطال» (1/116) .
[17] «مطالع الأنوار» (*) .





50- ( مُسَدَّدٌ ) منون مضموم.

( أَبُو حَيَّانَ ) بحاء مهملة مفتوحة وبياء مثناة آخر الحروف.

( وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ ) بعد قوله: ( وَبِلِقَائِهِ ) أشار باللقاء إلى الحساب والحشر، وهو غير البعث والنشور. وقال الخطابي: المراد باللقاء الإيمان برؤية الله في الآخرة.

( الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ ) قيل: إنَّما قيّدت دون غيرها لأن العرب كانت تدفع [1] المال للسخاء والجود؛ فنبَّه بالفرض على رفض نية ما كانوا عليه، والظاهر أنَّها للتأكيد، وفي رواية مسلم: «تقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة».

( مَتَى السَّاعَةُ ) مبتدأ وخبر.

( وَإِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الإِبِلِ الْبُهْمُ ) يروي برفع ( البهم ) وجرها، فالرفع على النعت للرُّعاة، ثم هو بضم الباء وإسكان الهاء فيما قاله القاضي وغيره.

وقال ابن الأثير: بضمهما والجر نعت للإبل، والسود منها أدونها وأشرها؛ لأن الكرام منها البيض والصفر.

وروي بفتح الباء، ولا وجه له بعد ذكر الإبل؛ فإن البَهم ليس من صفات الإبل وإنَّما هي من ولد الضأن والمعز. [/ج1ص46/]

ومعنى الحديث: اتساع الإسلام بهم حتى يتطاولوا في البنيان والمساكن بعد أن كانوا أصحاب بوادٍ لا يستقرُّ بهم قرار؛ بل ينتجعون مواقع الغيث.

( فِي خَمْسٍ ) متعلق بمحذوف، أي: هي في خمس.

[1] في [ب] : (تدع).





50- ( إِسْمَاعِيلُ ): هو ابن عُليَّة.

( بَارِزًا ): ظاهرًا غير مُحتَجِب ولا ملتبس بغيره، [و] [1] لأبي داود في [/ج1ص207/] أوَّل هذا الحديث: «كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يجلس بين أصحابه فيجيء الغريب فلا يدري أيُّهم هو، فطلبنا إليه أن يجعل له مجلسًا يعرفه الغريب إذا أتاه، فبنينا له دكَّانًا من طين كان يجلس عليه».

( فَأَتَاهُ رَجُلٌ ) أي ملك في صورة رجل.

وأفاد مسلم في روايةٍ سببَ ورود ذلك، وهو أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «سلوني»، فهابوا أن يسألوه، فجاء رجل.

وعند أبي داود: «إذ أقبل رجل أحسن النَّاس وجهًا، وأطيب النَّاس ريحًا، كأنَّ ثيابه لم يمسَّها دنس، حتَّى سلم من طرف البساط، فقال: السَّلام عليك يا محمَّد، فردَّ عليه السَّلام، قال: آدنو يا محمَّد؟ قال: ادن » ففيه زيادة السَّلام.

وكذا للطَّبرانيِّ من حديث ابن عمر

(فَقَالَ: مَا الْإِيْمَانُ ؟) في رواية عند مسلم: الابتداء بالسُّؤال عن الإسلام.

وعند أبي عوانة: الابتداء بالإسلام ثمَّ بالإحسان ثمَّ بالإيمان، وهو من تصرُّف الرُّواة.

( قَالَ: الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ ) ليس حدًّا للشَّيء بنفيه؛ بل بيان [أنَّ] [1] الإيمان المعروف عندهم لغة أنَّه التَّصديق هو في الشَّرع تصديق مخصوص.

( وَمَلاَئِكَتِهِ ) قدَّمها على الكتب والرُّسل نظرًا للتَّرتيب الواقع؛ لأنَّه تعالى أرسل المَلَك بالكتاب إلى الرَّسول.

( وكتبه ) هذه للأَصِيلي وحده.

( وَبِلِقَائِهِ ) قيل: هي مكرَّرة مع البعث، وقيل: لا، والمراد بها الرُّؤية، قيل: البعث القيام من القبور، واللِّقاء بعد ذلك، وقيل: اللِّقاء بالانتقال من دار الدُّنيا، والبعث بعد ذلك.

( وَرُسُلِهِ ) للأَصِيلي: «وبرسله»

( وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ ) عند أبي عوانة وغيره: «وبالموت والبعث، وبالبعث بعد الموت». وعند ابن خزيمة: «وبالحساب والميزان والجنَّة والنَّار»، وعند مسلم زيادة: «وتؤمن بالقدر كلِّه». زاد ابن خزيمة: «خيره وشرِّه»، زاد الطَّبرانيُّ: «حلوه ومرُّه من الله». [/ج1ص208/]

( الإِسْلاَمُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ وَلاَ تُشْرِكَ بِهِ ): المراد بالعبادة هنا النُّطق بالشَّهادتين، ولفظ مسلم عن عمر: «أن تشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمَّدا رسول الله»

(وَتُقِيْمَ الصَّلَاةَ )، زاد مسلم: «المكتوبة».

وعدم ذكر الحجِّ في هذه الرِّواية إغفال من الرَّاوي، فقد ذُكِرَ في غيرها من الطُّرق، وفي بعضها لم يذكر الصَّوم، وفي بعضها لم يذكر سوى الشَّهادتين، وأتمُّها عند ابن خزيمة ذكر الشَّهادتين والصَّلاة والزَّكاة والصَّوم، وزاد: «وتحجَّ وتعتمر وتغتسل من الجنابة وتتمِّم الوضوء».

( أَنْ تَعْبُدَ اللهَ )، لمسلم: أن تخشى الله.

( كَأَنَّكَ تَرَاهُ )، قال النَّوويُّ: هذا من جوامع الكلم؛ لأنَّا لو قدَّرنا أنَّ أحدنا قام في عبادة ربِّه وهو يعاينه سبحانه وتعالى لم يترك شيئًا عمَّا يقدر عليه من الخضوع والخشوع وحسن السَّمت، واشتماله بظاهره وباطنه على الاعتناء بتتميمها على أحسن وجوهها إلَّا أتى به، فقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «اعبد الله في جميع أحوالك كعبادتك في حال العيان».

فإنَّ التَّتميم المذكور إنَّما كان لعلم العبد باطِّلاع الله عليه، فلا يقدم على تقصير في هذا الحال للاطِّلاع عليه، وهذا المعنى موجود مع عدم رؤية العبد، فينبغي أن يعمل بمقتضاه، فمقصود الكلام: الحثُّ على الإخلاص ومراقبة العبد ربَّه.

( مَتَى السَّاعَةُ ): مبتدأ وخبر، أي: متى قيامها، ولمسلم: «متى تقوم السَّاعة ؟»، ولأبي داود: «فنكس فلم يجبه، ثمَّ أعاد فلم يجبه [ثلاثًا] [1] فطأطأ ثمَّ رفع رأسه فقال: ما المسئول عنها بأعلم من السَّائل ؟». [/ج1ص209/]

عدل إليه عن قوله: منك لعمومه، تعريضًا للسَّامعين إلى أنَّ كلَّ مسؤول وكلَّ سائل فهو كذلك.

فائدة: وقع هذا السُّؤال والجواب بين عيسى ابن مريم وجبريل [عليهما الصلاة والسلام] [1] ، لكن [كان] [1] عيسى سائلًا وجبريل مسؤولًا، أخرج الحميديُّ في «أفراده» عن الشَّعبيِّ قال: «سأل عيسى ابنُ مريم جبريلَ عن السَّاعة فانتفض بأجنحته، وقال: ما المسؤول عنها بأعلم من السَّائل».

( وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا ) لأبي داود: «ولكن لها علامات تُعرف بها»، ولمسلم: «فأخبرني عن أماراتها»، فظاهره: أنَّ السَّائل سأله عن الأمارات، وظاهر ما قبله أنَّه ابتدأه بها، ويُجمَع بأنَّه ابتدأ بقوله: وسأخبرك، فقال له السَّائل: فأخبرني، ويدلُّ على ذلك رواية ابن خزيمة وأحمد: «ولكن إن شئت نبَّأتك عن أشراطها، قال: أجل فحدِّثني».

و الأشراط: -بالفتح- جمع شرط؛ العلامات.

( إِذَا وَلَدَتِ الأَمَةُ رَبَّهَا ): في التَّفسير: «ربَّتها»، [خ:4777] زاد مسلم: «يعني السَّراري»، ولأحمد: «الإماءُ أربابَهنَّ»، والمراد بالرَّبِّ: المالك أو السَّيِّد.

قال الخطَّابيُّ: معناه: اتِّساع الإسلام واستيلاء أهله على بلاد الشِّرك وسبي ذراريهم واتِّخاذهم سراري، فإذا ملك الرَّجل الجارية واستولدها كان الولد منها بمنزلة ربِّها؛ لأنَّه ولد سيِّدها. [/ج1ص210/]

ونقل النَّوويُّ ذلك عن الأكثرين، ويقرب منه قول وكيع في «تفسيره»: «أن يلد العجمُ العربَ» ووجِّه بأنَّ الإماء يلدن الملوك فتصير الأمُّ من جملة الرَّعيَّة، والملك سيِّد رعيَّته، وذلك لأنَّ الرُّؤساء في الصَّدر الأوَّل كانوا يستنكفون غالبًا عن وطئ الإماء، ويتنافسون في الحرائر، ثمَّ انعكس الأمر خصوصًا في أثناء دولة بني العبَّاس.

وقيل: معناه كثرة العقوق في الأولاد، فيعامل الولد أمَّه معاملة السَّيِّد أمته من الإهانة بالسَّبِّ والضَّرب والاستخدام، فأطلق عليه ربَّها مجازًا، أو حقيقة بمعنى المربِّي.

( تَطَاوَلَ ): تفاخر في تطويل البنيان.

( رُعَاةُ الإِبِلِ ) بضمِّ الرَّاء، جمع راع.

( الْبُهْمُ ) بضمِّ الموحَّدة ورفع الميم: صفة رعاة، وجرِّها: صفة الإبل، فعلى الأوَّل المراد: أنَّهم مجهولون الأنساب [2] ، وقيل: سواد الألوان، وقيل: الذين لا شيء لهم، وعلى الثَّاني المراد: الإبل السَّواد؛ لأنَّها شرُّ الألوان عندهم، وخيرها: الحُمر التي يُضرَب بها المثال، فيقال: خير من حُمر النَّعَم.

وللأَصِيلي: بفتح الباء، ولا يتَّجه مع ذكر الإبل؛ بل مع ذكر الشِّياه، أو مع الإضافة كما في رواية مسلم: «رعاة البَهْم».

تنبيه: زاد في التَّفسير شرطًا ثالثًا: «وإذا كان الحفاة العراة رؤوسَ النَّاس»، [خ:4777] أي: ملوك الأرض، وصرَّح به في رواية أبي داود.

قال القرطبيُّ: المقصود الإخبار عن تبدل الحال بأن يستولي أهل البادية على الأمر ويتملَّكوا البلاد بالقهر، فتكثر أموالهم وتنصرف هممهم إلى تشييد البنيان والتَّفاخر به. [/ج1ص211/]

( فِي خَمْسٍ ) أي: علم وقت السَّاعة داخل في جملة خمس، أخرج أحمد عن ابن مسعود: «أوتي نبيُّكم صلَّى الله عليه وسلَّم كلَّ شيء سوى هذه الخمس».

( فَقَالَ: رُدُّوهُ ) زاد في التَّفسير: «فأخذوا ليردُّوه». [خ:4777]

( جَاءَ يُعَلِّمُ ) في التَّفسير: «ليعلِّم»، [خ:4777] وللإسماعيليِّ: «أراد أن تَعلَّموا إذ لم تسألوا».

ولأحمد: «هذا جبريل جاء ليعلِّم النَّاس دينهم، والذي نفس محمَّد بيده ما جاءني قطُّ إلَّا وأنا أعرفه، إلَّا أن تكون هذه المرَّة».

ولابن خزيمة: «ثمَّ نهض فولَّى فقال رسولُ اللهِ: عليَّ بالرَّجل فطلبناه كلَّ مطلب فلم نقدر عليه فقال: هل تدرون من هذا ؟ هذا جبريل، أتاكم يعلِّمكم دينكم خذوا عنه، فو الذي نفسي بيده ما شُبِّه عليَّ منذ أتاني قبل مرَّتي هذه، وما عرفتُه حتَّى ولَّى».

وقد اتَّفقت الرِّوايات على أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم أخبر الصَّحابة بشأنه بعد أن التمسوه فلم يجدوه، وأمَّا ما وقع في مسلم من حديث عمر: «فلبثت مليًّا ثمَّ قال لي: يا عمر، أتدري من السَّائل؟»، وفي النَّسائيِّ والتِّرمذيِّ: «فلبثت ثلاثًا»، وفي أبي عوانة: «فلبثنا ليالي فلقيني رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بعد ثلاث»، ولابن حبَّان: «بعد ثالثة»، ولابن منده: «بعد ثلاثة أيام».

فأجاب عنه النَّوويُّ: بأنَّ عمر لم يحضر قول النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في المجلس؛ بل كان ممَّن قام إمَّا مع الذين توجَّهوا في طلب الرَّجل أو لشغل آخر، ولم يرجع مع من رجع لعارض عرض له، فأخبر النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم الحاضرين في الحال، ولم يتَّفق الإخبار لعمر إلَّا بعد ثلاثة أيَّام.

وفي النَّسائيِّ: «وإنَّه لجبريل نزل في صورة دَحْيَة الكلبيِّ»، وهو وهمٌ من الرَّاوي، وشذوذ مخالف للمحفوظ في باقي الرِّوايات، فإنَّ دَحْيَة معروف عندهم، وقد قال عمر: «ما يعرفه منَّا أحد». [/ج1ص212/]

[1] ما بين معقوفين زيادة من [ف] .
[2] هكذا في الأصل، والصواب: مجهولو الأنساب، أو: مجهولون بالأنساب.





50- وبه قال: ((حدثنا مسدد)) هو ابن مسرهد ((قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم)) بن سهم المشهور بابن عُلَيَّة؛ بضم العين المهملة، وفتح اللام، وتشديد المثناة التحتية؛ وهي أمه ((قال: أخبرنا أبو حَيَّان)) ؛ بفتح الحاء المهملة وتشديد المثناة التحتية، يحيى بن سعيد بن حيان ((التيمي)) ؛ نسبة إلى تيم الرباب، الكوفي، المتوفى سنة خمس وأربعين ومئة، و (حيان) ؛ إما مشتق من الحياة فلا ينصرف، أو من الحين فينصرف؛ كما مر، ((عن أبي زرعة)) هرم بن عمرو بن جرير البجلي، ((عن أبي هريرة)) رضي الله عنه أنه ((قال: كان النبي)) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) ((صلى الله عليه وسلم بارزًا)) أي: ظاهرًا ((يومًا للناس)) غير محتجب عنهم، و (يومًا) نصب على الظرفية، وفي رواية أبي داود عن أبي فروة: (كان عليه السلام يجلس بين أصحابه، فيجيء الغريب فلا يدري أيُّهم هو حتى يسأل، فطلبنا إلى رسول الله عليه السلام أن نجعل له مجلسًا يعرفه الغريب إذا أتاه، فبنينا له دكانًا من طين يجلس عليه، وكنا نجلس بجنبيه) ((فأتاه رجل)) ؛ أي: مَلَك في صورة رجل، وفي رواية: (جبريل) ، وفي «النسائي»: عن أبي فروة: (فإنا لجلوس عنده؛ إذ أقبل رجل أحسن الناس وجهًا، وأطيب الناس ريحًا، كأنَّ ثيابه لم يمسها دنس) ، وفي رواية مسلم من حديث عمر: (بينما نحن ذات يوم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر -وفي رواية ابن حبان [1] : شديد سواد اللحية- لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي عليه السلام، وأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه) ، ولسليمان التيمي: (ليس عليه سحناء؛ أي: هيئة سفر، وليس من البلد، فتخطى حتى برك بين يدي النبي عليه السلام كما يجلس أحدنا في الصلاة، ثم وضع يده على ركبتي النبي عليه السلام) ((فقال)) بعد أن سلم: (يا محمد) ، كما في «مسلم»، وإنما ناداه باسمه كما يناديه الأعراب؛ تعمية بحاله، أو لأنَّ له حالة المعلم، وللمؤلف في (التفسير) : (فقال: يا رسول الله) ؛ ((ما الإيمان؟)) ؛ أي: ما متعلقاته؟ وقد وقع السؤال بـ (ما) ولا يُسأل بها إلَّا عن الماهية، ((قال)) عليه السلام: ((الإيمان)) كرره؛ للاعتناء بشأنه ((أن تؤمن بالله)) ؛ أي: تصدق بوجوده وبصفاته الواجبة له تعالى والمستحيلة عليه تعالى، والظاهر أنه عليه السلام علم أنه سأله عن متعلقات الإيمان لا عن حقيقته، وإلَّا فكان الجواب: الإيمان التصديق، وإنما فسر الإيمان بذلك؛ لأنَّ المراد من المحدود: الإيمان الشرعي، ومن الحد: اللغوي، حتى لا يلزم تفسير الشيء بنفسه.

فإن قلت: لو كان حدًّا؛ لم يقل جبريل في جوابه: (صدقت) ؛ كما في «مسلم»؛ لأنَّ الحد لا يقبل التصديق، أجيب: بأن قوله: (صدقت) تسليم، والحد يقبل التسليم ولا يقبل المنع؛ لأنَّ المنع طلب الدليل، والدليل إنَّما يتوجه للخبر، والحد تفسير لا خبر، وتمامه في «القسطلاني».

((وملائكته)) جمع ملك، وأصله: ملائك (مفعل) من الألوكة؛ بمعنى: الرسالة، زيدت فيه التاء؛ لتأكيد معنى الجمع أو لتأنيث الجمع، وهم أجسام علوية نورانية مشكَّلة بما شاءت من الأشكال، والإيمان بهم: هو التصديق بوجودهم تفصيلًا فيما عُلم تعيينه كجبريل، أو إجمالًا فيما لم يعلم؛ كالأنبياء عليهم السلام، وأنهم كما وصفهم الله تعالى: {عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ} [الأنبياء: 26] ؛ أي: وأن تؤمن بملائكته، ((و)) أن تؤمن ((بلقائه)) ؛ أي: برؤيته تعالى في الآخرة، قاله الخطابي، واعترضه[/ص31/] النووي: بأن أحدًا لا يقطع لنفسه بها إنَّما هي مختصة بمن مات مؤمنًا، والمرء لا يدري بم يختم له، وأجاب الشيخ الإمام بدر الدين العيني: بأن المراد أنها حق في نفس الأمر، أو المراد: الانتقال من دار الدنيا، انتهى.

((و)) أن تؤمن ((برسله)) عليهم السلام، وفي رواية: (ورسله) بإسقاط الموحدة؛ أي: التصديق بأنهم صادقون فيما أَخبروا به عن الله تعالى، وتأخيرهم في الذكر؛ لتأخير إيجادهم لا لأفضلية الملائكة، وفي رواية زيادة: (وكتبه) ؛ أي: تصدق بأنها كلام الله، وأنَّ ما اشتملت عليه حقٌّ، ((و)) أن ((تؤمن)) ؛ أي: تصدق ((بالبعث)) من القبور وما بعده؛ كالصراط، والميزان، والجنة، والنار، أو المراد بعثة الأنبياء، قال في «عمدة القاري»: والأول أظهر، وقيل: إن قوله: (بلقائه) مكرر؛ لأنَّها داخلة في الإيمان بالبعث، وتغاير تفسيرهما يحقق أنَّها ليست مكررة، وإنما أعاد (تؤمن) ؛ لأنَّه إيمان بما سيوجد، وما سبق إيمان بالموجود في الحال؛ فهما نوعان.

ثم ((قال)) أي: جبريل: يا رسول الله؛ ((ما الإسلام؟ قال)) عليه السلام: ((الإسلام)) أعاده تفخيمًا لأمره: ((أن تعبدَ الله)) ؛ أي: تطيعه فيما أمر ونهى، أو تنطق بالشهادتين، قلت: والأول أظهر، ((ولا تشركَ به)) ؛ بالفتح، وفي رواية: بالضم، زاد الأصيلي: (شيئًا) ، ((و)) أن ((تقيم)) أي: تديم أداء ((الصلاة)) المكتوبة؛ كما صرح به مسلم، أو تأتي بها على ما ينبغي، وهو وتاليه من عطف الخاص على العام، ((و)) أن ((تؤدي)) أي: تعطي ((الزكاة المفروضة)) قيَّد بها؛ احترازًا من صدقة النافلة؛ فإنَّها زكاة لغوية، أو من المعجَّلة، أو لأنَّ العرب كانت تدفع المال للسخاء والجود، فنبَّه بالفرض على رفض ما كانوا عليه، قال الزركشي: والظاهر أنها للتأكيد، ((و)) أن ((تصوم رمضان)) ولم يذكر الحج، إما ذهولًا أو نسيانًا من الراوي، ويدل له مجيئه في رواية كهمس: (وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا) ، وقيل: لأنَّه لم يكن فرض، ورُدَّ بأن في رواية ابن منده بسندٍ على شرط مسلم: أن الرجل جاء في آخر عمره عليه السلام، ولم يذكر الصوم في رواية عطاء الخراساني، واقتصر في حديث أبي عامر على الصلاة والزكاة، ولم يزد في حديث ابن عباس على الشهادتين، وزاد سليمان التيمي بعد ذكر الجميع: الحج، والاعتمار، والاغتسال من الجنابة، وإتمام الوضوء، وقد حصل هنا الفرق بين الإسلام والإيمان، فجعل الإسلام عمل الجوارح، والإيمان عمل القلب.

فالإيمان لغة: التصديق مطلقًا، وفي الشرع: التصديق والنطق معًا، فأحدهما ليس بإيمان، أما التصديق؛ فإنه لا ينجي وحده من النار، وأما النطق؛ فهو وحده نفاق، فتفسيره في الحديث: الإيمان بالتصديق والإسلام بالعمل، إنَّما فسر به إيمان القلب والإسلام في الظاهر، لا الإيمان الشرعي والإسلام الشرعي، والمؤلف يرى أنهما والدين عبارات عن واحد، والمتَّضح: أن محلَّ الخلاف إذا أُفرد لفظ أحدهما، فإن اجتمعا؛ تغايرا كما وقع هنا، كذا قرره القسطلاني، قلت: فيه نظر؛ فإنَّ الإسلام هو الخضوع والانقياد؛ بمعنى: قبول الأحكام والإذعان، وذلك حقيقة التصديق، ويؤيده قوله تعالى: {فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ المُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ المُسْلِمِينَ} [الذاريات: 35،36] .

وبالجملة: لا يصح في الشرع أن يحكم على واحد بأنه مؤمن وليس بمسلم، أو مسلم وليس بمؤمن، ولا نعني بوحدتهما سوى هذا، والمراد بعدم تغايرهما: أنَّه لا ينفك أحدهما عن الآخر، لا الاتحاد بحسب المفهوم؛ لما في ذكره في الكفاية من [أنَّ] الإيمان هو تصديق الله فيما أخبر به من أوامره ونواهيه، والإسلام هو الانقياد والخضوع لألوهيَّتِه، وذلك لا يتحقق إلَّا بقبول الأمر والنهي، فالإيمان لا ينفك عن الإسلام حكمًا، فلا يتغايران، ومن أثبت حدَّ التغاير يقال له: ما حُكْم من آمن ولم يسلم أو أسلم ولم يؤمن؟ فإن أثبت لأحدهما حكمًا؛ فهو ليس بثابت للآخر، والأظهر بطلان قوله؛ وقدمنا بقية الكلام؛ فافهم.

ثم ((قال)) جبريل: يا رسول الله؛ ((ما الإحسان؟)) (ما) استفهامية مبتدأ، والإحسان خبره، و (أل) فيه للعهد؛ أي: ما الإحسان المتكرر في القرآن المترتب عليه الثواب؟ ((قال)) عليه السلام مجيبًا له: الإحسان ((أن تعبد الله)) ؛ أي: عبادتك الله تعالى حال كونك في عبادتك له ((كأنك تراه)) ؛ أي: مثل حال كونك رائيًا له، ((فإن لم تكن تراه)) سبحانه؛ فاستمر على إحسان العبادة، ((فإنه)) تعالى ((يراك)) دائمًا، والإحسان: الإخلاص أو إجادة العمل، وهذا من جوامع كلمه عليه السلام؛ لأنَّه شامل لمقام المشاهدة ومقام المراقبة.

ثم ((قال)) جبريل: يا رسول الله؛ ((متى)) تقوم ((الساعة؟)) (أل) للعهد، والمراد يوم القيامة ((قال)) عليه السلام: ((ما)) أي: ليس ((المسؤول)) زاد في رواية: (عنها) ((بأعلم من السائل)) ؛ بزيادة الموحدة في (أعلم) ؛ لتأكيد معنى النفي، والمراد: نفي علم وقتها؛ لأنَّ علم مجيئها مقطوع به، فهو علم مشترك، وهذا وإن أشعر بالتساوي في العلم إلا أن المراد التساوي في العلم بأن الله استأثر بعلم وقت مجيئها؛ لقوله بعدُ: «خمسٌ لا يعلمهنَّ إلَّا الله»، وليس السؤال عنها ليعلم الحاضرون كالأسئلة السابقة، بل لينزجروا عن السؤال عنها، كما قال تعالى: {يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ} [الأحزاب: 63] ، فلما وقع الجواب بأنه لا يعلمها إلَّا الله؛ كفُّوا، وهذا السؤال والجواب وقعا بين عيسى وجبريل؛ كما في «نوادر الحميدي» عن الشعبي قال: سأل عيسى ابن مريم جبريل عن الساعة، قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، ((وسأخبرك عن أَشراطها)) ؛ بفتح الهمزة، جمع شرط؛ بالتحريك؛ أي: علامتها السابقة عليها أو مقدماتها، لا المقارنة لها؛ وهي ((إذا ولدت الأمة)) أي: وقت ولادة الأمة ((ربَّها)) ؛ أي: مالكها وسيدها، وهو هنا كناية عن كثرة أولاد السراري حتى تصير الأم كأنها أمة لابنها؛ من حيث إنَّها ملك لأبيه، أو أن الإماء تلدن الملوك، فتصير الأم من جملة الرعايا، والملك سيد رعيته، أو كناية عن فساد الحال؛ لكثرة بيع أمهات الأولاد، فيتداولهن المُلَّاك، فيشتري الرجل أمه وهو لا يشعر، أو كناية عن كثرة العقوق بأن يعامل الولد أمه معاملة السيدِ أمتَه في الإعانة بالسب، والضرب، والاستخدام، فأطلق عليه (ربها) ؛ مجازًا لذلك.

وعورض بأنَّه لا وجه لتخصيص ذلك بولد الأمة إلَّا أن يقال: إنَّه أقرب إلى العقوق، وعند المؤلف في (التفسير) : (ربَّتها) بتاء التأنيث على معنى النسمة؛ ليشمل الذكر والأنثى، وقيل: كراهة أن يقول: (ربَّها) ؛ تعظيمًا للفظ (الرب) ، وعبر بـ (إذا) الدالة على الجزم؛ لأنَّ الشرط محقَّق الوقوع، ولم يعبر بـ (إنْ) ؛ لأنَّه لا يصح أن يقال: إنْ قامت القيامة؛ كان كذا، بل يرتكب قائله محظورًا؛ لأنَّه يشعر بالشك فيه؛ كذا حققه في «عمدة القاري»، وتمامه فيه.

قلت: وهذه الاحتمالات كلها واقعة الآن في زماننا، نعوذ بالله من الجهل والغفلة، اللهم إنِّي أسألك علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وعملًا متقبلًا، وعمرًا طويلًا، وجاهًا عريضًا، وأولادًا كثيرة، والتوفيق لما تحبه وترضاه.

((و)) من أشراط الساعة ((إذا تطاول رُعاةُ الإبل)) بضم الراء جمع راع ((البُهمُ)) ؛ بالرفع؛ صفة للرعاة، وبالجر؛ صفة للإبل، ففيه روايتان، وهو بضم الباء الموحدة، جمع (بهيم) على الأولى، وجمع (بهماء) على الثانية، وفي رواية: بفتح الباء الموحدة، فلا وجه له هنا، جمع (بهيمة) ؛ صغار الضأن والمعز، والمراد بالبهم: الأسود الذي لا يخالطه لون غيره؛ وهو شر الإبل.

والمعنى؛ أي: وقت تفاخر أهل البادية بإطالة البنيان وتكاثرهم باستيلائهم على الأمر، وتملكهم البلاد بالقهر المقتضي لتبسطهم بالدنيا، فهو عبارة عن ارتفاع الأسافل كالعبيد والسفلة من الجمَّالين والزراعين وغيرهم، وقد عَدَّ في الحديث من الأشراط علامتين، والجمع يقتضي ثلاثة، فإما أن يكون على أنَّ أقل الجمع اثنان، أو أنَّه اكتفى باثنين لحصول المقصود بهما في علم أشراط الساعة.

وعلمُ وقتها داخل ((في)) جملة ((خمس)) من الغيب ((لا يعلمهنَّ إلَّا الله، ثم تلا النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ اللهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} [لقمان: 34] )) ؛ أي: علم وقتها، وفي رواية: ({وَيُنَزِّلُ}.. الآيةَ) ؛ بالنصب بتقدير: اقرأ، وبالرفع مبتدأ خبره محذوف؛ أي: الآيةُ مقروءةٌ إلى آخر السورة، ولمسلم: (إلى قوله: {خَبِيرٌ}) ، والجار والمجرور متعلق بمحذوف كما قدرناه، فهو على حد قوله تعالى: {فِي تِسْعِ آيَاتٍ} [النمل: 12] ؛ أي: اذهب إلى فرعون بهذه الآية في جملة تسع آيات، وتمام الآية: {وَيُنَزِّلُ الغَيْثَ}؛ أي: في أيامه المقدَّر له والمحل المعيَّن له، {وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ} أذكرًا أم أنثى؟ تامًا أم ناقصًا؟ {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا}؟ من خير أو شر، وربما يعزم على شيء ويفعل خلافه، {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ}؟ أي: كما لا تدري في أي وقت تموت؟

قال القرطبي: لا مطمع لأحد في علم شيء من هذه الأمور الخمسة؛ لهذا الحديث، فمن ادَّعى علم شيء منها غير مستند إلى الرسول عليه السلام؛ كان كاذبًا في دعواه، انتهى.

((ثم أدبر)) من الإدبار؛ أي: رجع الرجل السائل، ((فقال)) عليه السلام: ((ردوه)) ، وفي رواية: (فأخذوا ليردوه) ((فلم يروا شيئًا)) لا عينه ولا أثره، ولعل قوله: (ردوه) على إيقاظ للصحابة؛ ليتفطنوا إلى أنه ملَك لا بشر، ((فقال)) عليه السلام: ((هذا)) ولكريمة: (إن هذا) ((جبريل)) عليه السلام ((جاء يُعلِّم الناس دينهم)) ؛[/ص32/] أي: قواعد دينهم، وهي جملة وقعت حالًا مقدرة؛ لأنَّه لم يكن معلمًا وقت المجيء، وأسند التعليم إليه وإن كان سائلًا؛ لأنَّه لما كان السبب فيه أسنده إليه، أو أنه كان من غرضه.

وللإسماعيلي: «أراد أن تعلموا؛ إذ لم تسألوا»، وفي حديث أبي عامر: «والذي نفس محمد بيده؛ ما جاءني قط إلا وأنا أعرفه إلا أن تكون هذه المرة»، وفي رواية سليمان التيمي: «ما شُبِّه عليَّ منذ أتاني قبل مرتي هذه، وما عرفته حتى ولَّى».

((قال أبو عبد الله)) المؤلف: ((جعل)) ؛ أي: النبي الأعظم عليه السلام ((ذلك)) المذكور ((كله من الإيمان)) ؛ أي: من ثمرات الإيمان، وفي الحديث بيان عظم الإخلاص والمراقبة، وفيه أن العالم إذا سئل عما لا يعلمه؛ يقول: لا أدري، ولا ينقص ذلك من جلالته، بل يدل على ورعه، وتقواه، ووفور علمه؛ فإنَّ النبي الأعظم ورد عنه أنه قال: «لا أدري حتى أسأل جبريل»، وجبريل قال: «لا أدري حتى أسأل ميكائيل...» وهكذا إلى رب العزة جل جلاله، ونُقل قول: (لا أدري) عن إمامنا رئيس المجتهدين الإمام الأعظم التابعي الجليل، وعن الإمام مالك، وعن الإمام الشافعي، وعن الإمام أحمد ابن حنبل رضي الله عنهم، وقال مالك: قول: لا أدري؛ نصف العلم، وتوقف إمامنا الإمام الأعظم في اثنتي عشر مسألة، والإمام مالك في ثماني عشرة مسألة، وهذا من ورعهما وتقواهما، قال تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا} [الإسراء: 36] ، وفيه: أن الملائكة تَمثَّل بأي صورة شاؤوا من صور بني آدم، كقوله تعالى: {فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} [مريم: 17] ، وقد كان جبريل يتمثل بصورة دحية، ولم يره النبي عليه السلام في صورته التي خلق عليها غير مرتين، والله تعالى أعلم.

[1] في الأصل: (حيان)، وهو تصحيف.