المستند التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

521-. 522-. حدَّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، قالَ: قَرَأْتُ علىَ مالِكٍ، عن ابْنِ شِهابٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ أَخَّرَ الصَّلاةَ يَوْمًا، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ فَأخبَرَه:

أَنَّ المُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَخَّرَ الصَّلاةَ يَوْمًا، وهو بِالْعِراقِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أبو مَسْعُودٍ الأَنْصارِيُّ فقالَ: ما هَذا يا مُغِيرَةُ؟! أَلَيْسَ قَدْ [/ج1ص110/] عَلِمْتَ: أَنَّ جِبْرِيلَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَزَلَ فَصَلَّىَ، فَصَلَّىَ [1] رَسُولُ اللَّهِ [2] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّىَ، فَصَلَّىَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّىَ، فَصَلَّىَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّىَ، فَصَلَّىَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّىَ، فَصَلَّىَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قالَ: «بِهَذا أُمِرْتُ [3] »؟! فقالَ عُمَرُ لِعُرْوَةَ: اعْلَمْ ما تُحَدِّثُ [4] ، أَوَ أَنَّ [5] جِبْرِيلَ هُوَ [6] أَقامَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [7] وَقْتَ [8] الصَّلاةِ؟ قالَ عُرْوَةُ: كَذَلِكَ [9] كان بَشِيرُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ يُحَدِّثُ عن أَبِيهِ.

- قالَ عُرْوَةُ: وَلَقَدْ حَدَّثَتْنِي عائِشَةُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يُصَلِّي العَصْرَ والشَّمْسُ فِي حُجْرَتِها قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ.

الأطراف



[1] قوله: «فصلىَ» ليس في رواية ابن عساكر.
[2] في رواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «برسول الله».
[3] ضُبطت في اليونينية بلفظين: بضم التاء وهو المثبت، وبفتحها: «أُمِرْتَ»، وكتب فوقها «معًا»، وهي هكذا في رواية الأصيلي أيضًا بالضبطين معًا، وضُبطت في رواية أبي ذر بفتح التاء فقط.
[4] في رواية أبي ذر زيادة: «به».
[5] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و«إنَّ».
[6] في رواية الأصيلي و [عط] زيادة: «الذي».
[7] في رواية الأصيلي: «صَلَّى اللَّهُ عليهما وَسَلَّمَ».
[8] في رواية ابن عساكر: «مَواقِيتَ»، وفي رواية أبي ذر والمُستملي: «وَقُوتَ» بفتح الواو.
[9] في رواية أبي ذر: «وكذلك».





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

521- 522- ( أَلَيْسَ قَدْ عَلِمْتَ ) كذا الرواية، والأفصح: «ألست»، وقد رواه في المغازي في غزوة بدر بلفظ: «لقد علمت».

( نَزَلَ فَصَلَّى، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) يَحتملُ أن تكون صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بعد فراغ جبريل، لكن ثبت من خارج أنَّه صلَّى معه وجبريل الإمام، وَقِيْلَ: هَذَا الحديث يعارض حديث إمامة جبريل لكل صلاة وقتين في يومين [1] ؛ إذ لو صحَّ لم يكن لاحتجاج عروة على عمر معنى؛ لأن عمر أخَّرها إلى الوقت الآخر فاحتجاج عروة يدلُّ على أنَّه إنَّما صلَّى به في وقت واحد.

( بهذا أمرتَ ) بفتح التاء عند الأكثر، أي: شرَع لك. ويروى بالضم، أي: أمرت أنا أن أصلي بكم. [/ج1ص176/]

( أَوَإِنَّ جِبْرِيلَ ) بفتح الواو على العطف والهمزة للاستفهام، و( إنَّ ) تفتح وتكسر والكسر أجود، والفتح على تقدير: أوَ عَلمت أو حدثت أن جبريل نزل.

( بَشِيرُ ) بموحدة مفتوحة.

( قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ ) أي: قبل أن تعلو وتصعد من قاعة الدار إلى سقف الجدر، وَقِيْلَ: أرادت والشمس في حُجرتها قبل أن تعلو على البيوت، فكنَّى بالشمس عن الفيء؛ لأنَّه عنها يكون.

[1] قال ابن حجر رحمه الله: لا تعارض بينهما؛ لأن قوله في هذا: ( صلى فصلى ) لا ينفي أنَّه صلى به في اليومين في الوقتين، وأما الإنكار فإنما صدر من عروة لكونه أخَّرَ العصر إلى آخر وقت العصر المختار لا لكونها أخرها إلى آخر وقتها حتى غربت الشمس.





521# 522# (أَلَيسَ قَدْ عَلِمْتَ) كذا الرواية، قال الزركشي: والأفصح: ألستَ.

قلت: تَبِع فيه ابنَ السِّيْد في «تعليقه على غريب الموطأ»، ونصُّه [1] : هكذا [2] جاءت الرواية، وهي جائزةٌ، إلَّا أن المشهور في [3] الاستعمال

@%ج1ص218%

الفصيح: ألستَ، للمخاطب؛ فإنما [4] يقال: أليس، للغائب. انتهى.

وهو متعقَّب، فإنه يوهم جوازَ استعمال مثل هذا التركيب، مع إرادة أن يكون ما دخلت ليس عليه [5] ضميرَ [6] المخاطب، وليس كذلك، بل هما تركيبان مختلفان يُستعمل كلٌّ منهما في مقام خاصٍّ، فإن أريد إدخالُ ليس على ضمير المخاطب، تعيَّن [7] : ألستَ قد علمتَ، وإن أُريد إدخالها على ضمير الشأن مخبرًا عنه بالجملة التي أُسند فعلُها إلى المخاطب، تعين [8] : أليسَ قد علمتَ، وليس أحدُهما بأفصحَ من الآخر، فتأمله.

(نَزَلَ فَصَلَّى [9] رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) يحتمل من حيث اللفظ أن تكون صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بعد فراغ جبريل، لكن ثبت من خارج: أنه صلى معه، وجبريلُ الإمامُ.

وأخذ ابنُ العربي منه [10] جوازَ صلاة المفترِض خلفَ المتنفِّل.

قلت: يحتمل أن يكون الله تعالى كلَّف جبريلَ عليه السلام إبلاغَ ذلك بالقول، وبيانَه بالفعل، فتكون الصَّلاة المذكورة فرضًا على جبريل أيضًا، لا سيَّما على رواية: ((بهذا أُمِرْتُ)).

وقيل: هذا الحديث يعارض حديثَ إمامةِ جبريلَ لكل صلاةٍ وقتينِ في يومينِ، إذ لو صحَّ لم يكن لاحتجاج عروةَ على عمرَ معنى [11] ؛ لأن عُمر [12] أخَّرها إلى الوقت الآخر، فاحتجاجُ عروة يدلُّ على أنه إنما صلى به في وقتٍ واحدٍ.

(بِهَذَا أُمِرْتَ) بفتح التاء عند الأكثر؛ أي: شُرع لك، وتروى بالضم؛ أي: أُمِرْتُ أنا أن أصلِّي بك [13] .

(أَوَإِنَّ [14] جِبْرِيلَ) بفتح الواو على أنها عاطفةٌ، والهمزة قبلها للاستفهام، وإِنَّ: بكسر الهمزة، وهو الأظهرُ، وجعله ابنُ السِّيْد متحتمًا، وليس كذلك، فقد رُويت بالفتح، على تقدير: أوَعلمتَ، أوَبَلغَكَ.

- (قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ):

@%ج1ص219%

أي: تخرج وترتفعُ.

قال ابن السَّيِّد: والفقهاءُ يقولون: معناه: قبل أن يظهرَ الظلُّ على الجدار، والأولُ أليقُ بالحديث؛ لأنَّ ضمير ((تظهر)) عائدٌ إلى الشمس، ولم يتقدَّم للظلِّ في الحديث ذكرٌ.

[1] في (ق): ((ويضفه)).
[2] في (ق): ((كذا)).
[3] في (د) و(ج): ((المشهور في تعليقه)).
[4] في (ق): ((وإنما)).
[5] في (د): ((دخلت عليه ليس)). في (ج): ((دخلت عليه)).
[6] في (ق): ((بضمير)).
[7] في (ق): ((يقين)).
[8] في (ق): ((بغير)).
[9] في (ق) زيادة: ((فصلى)).
[10] في (د): ((وأخذ منه ابن العربي)).
[11] ((معنى)): ليست في (د).
[12] ((معنى لأن عمر)): ليست في (ق).
[13] في (ج): ((لك)).
[14] في (ق): ((وإن)).





521- 522-.قوله: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ): تقدَّم مرارًا أنَّه أبو بكر مُحَمَّد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزُّهريُّ، العالم المشهور الفَرد.

قوله: (فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيُّ): اسمه عقبة بن عمرو، وهو أحدث مَن شهد العقبة، ولم يشهد بدرًا على الصَّحيح، وسيأتي الكلام في «البخاريِّ»؛ حيث عدَّه فيهم، وأتعقَّب ذلك مع غيره -إن شاء الله تعالى وقدَّره- في (غزوة بدر) ، وهو صحابيٌّ جليلٌ، أخرج له أحمد، والجماعة السِّتَّة، وترجمته مشهورة، تُوُفِّيَ بُعَيد عليٍّ رضي الله عنهما.

قوله: (قَدْ عَلِمْتَ): هو بفتح التَّاء على الخطاب.

[قوله: (بِهَذَا أُمِرْت): هو بفتح التَّاء على الخطاب] [1] ، وضمِّها على التَّكلُّم، وهو مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله.

قوله: (أَوَإِنَّ جِبْرِيلَ): (أوَ) ؛ بفتح الواو؛ لأنَّه استفهام، وقد تقدَّم متى تُفتَح الواو، ومتى تُسكَّن فيما تقدَّم، وأمَّا (إنَّ) ؛ فبالكسر، ويجوز فتحُها، قال في «المطالع»: (أوَأنَّ جبريل) ضبطناه بالفتح والكسر؛ الوجهين معًا، والكسر أوجه؛ لأنَّه استفهام مُستأنَف عن الحديث إلَّا أنَّه جاء بالواو؛ ليردَّ الكلام على كلام عروة؛ لأنَّها من حروف الرَّدِّ، ويجوز الفتح على تقدير: أوَعلمتُ أنَّ جبريل، أو حُدِّثتُ؛ ونحوُ هذا من التَّقدير، انتهى وكذا قاله غيرُه.

قوله: (بَشِيرُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ يُحَدِّثُ): (بشير): هو بفتح المُوَحَّدة، وكسر الشين المعجمة، وهو بشير بن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاريُّ، يروي عن أبيه، [/ج1ص191/] وعنه: ابنه عبد الرَّحمن، وعروة، ويونس بن ميسرة، وغيرُهم، قُتِل قبل وقعة الحرَّة، والحرَّةُ سنة ثلاث وستِّين، أخرج له البخاريُّ، ومسلم، وأبو داود، والنَّسائيُّ، وابن ماجه [2] ، قال الذَّهبيُّ في ترجمة بَشِير في «تجريده»: (أدرك النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم صغيرًا، ولأبيه صحبةٌ، وشهد صفِّين...) إلى آخر كلامه، وقال العلائيُّ في «المراسيل»: (قال ابن عبد البرِّ: رأى النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم، قلت: معدود عندهم من التَّابعين) انتهى، وقد رأيتُ ما قاله عن ابن عبد البرِّ في «استيعابه».

قوله: (قَالَ عُرْوَةُ: وَلَقَدْ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ...) إلى آخره: هذا معطوف على السند قبله؛ وتقديره: وحدَّثنا [3] عبد الله بن مسلمة قال: قرأت على مالك عن ابن شهاب، عن عروة، قال: ولقد حدَّثتني عائشة... إلى آخره، وليس تعليقًا؛ فاعلمْه، واحذر مِن أَن تعتقدَه تعليقًا، والله أعلم.

قوله: (وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ): الظاهر أنَّ جدار الحجرة المشرَّفة كان جانبُه الشَّرقيُّ أطولَ من الجانب الغربيِّ، حتَّى يكون العصر فيه [4] الشَّمسُ [5] كذلك، والله أعلم.

[1] ما بين معقوفين سقط من (ج) .
[2] (وابن ماجه): سقط من (ب) .
[3] في (ج): (حدثنا) .
[4] في (ب): (فيها) .
[5] في (ب): (والشمس) .





521- 522- (أَلَيْسَ): كذا الروايةُ، وهي جائزةٌ، إلَّا أنَّ المشهورَ في الاستعمالِ الصحيحِ: أَلَسْتَ، نبَّهَ عليه بعضُ فُضلاءِ الأدبِ.

وقال الزَّركشيُّ: (كذا الرِّوايةُ، والأفصحُ: ألستَ، وقد رواهُ في «المغازي» في «غزوةِ بدرٍ» بلفظ: «لَقَدْ عَلِمْتَ» [خ¦4007] ).

(فَصَلَّى، فَصَلَّى): ذهبَ بعضُهم إلى أنَّ الفاءَ هنا بمعنى الواو؛ لأنَّه عليه السَّلام إذا ائتمَّ بجبريلَ؛ يجبُ أنْ يكونَ مصلِّيًا بعدَه، وإذا حُملتِ الفاءُ على حقيقتِها؛ وجبَ أنْ [لا] يكونَ مصلِّيًا معه، وهذا ضعيفٌ.

والفاءُ للتَّعقيبِ؛ والمعنى: أنَّ جبريلَ كلَّما فَعَلَ فِعلًا؛ تابعَه النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وهو أَولى مِنَ الواوِ، ولأنَّ العطفَ بالواوِ يَحتملُ معه أنْ يكونَ الشَّارعُ صلَّى قبلَ جبريلَ، والفاءُ لا تَحتملُ ذلك؛ فهيَ أبعدُ مِنَ الاحتمالِ، وأبلغُ في البيانِ؛ قالَه ابنُ الملقِّن.

(أُمِرْت): بفتحِ التَّاءِ وضمِّها.

(أَوَإِنَّ) الهمزةُ للاستفهامِ، والواوُ للعطف، والكلمةُ المشبَّهةُ بالفعلِ مكسورةُ الأوَّلِ، قالَه الكرمانيُّ.

قال الحَمْزِيُّ: (ضبطناهُ: «أَنَّ»؛ بالفتحِ والكسرِ، والكسرُ أوجهُ؛ لأنَّه استفهامٌ مستأنَفٌ عنِ الحديثِ، إلَّا أنَّه جاءَ بالواوِ ليَرُدَّ الكلامَ على كلامِ عروةَ ؛ لأنَّها مِنْ حروفُ الرَّدِّ، ويجوزُ الفتحُ على تقديرِ: أَوَعَلِمْتَ أنَّ جبريلَ؟ أَوَحُدِّثْتَ؟ ونحو هذا مِنَ التَّقديرِ) انتهى.


521- 522- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بفتح الميمين واللَّام، القعنبيُّ (قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ) إمام الأئمَّة هو [1] ابن أنسٍ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ) بن مروان، أحد الخلفاء الرَّاشدين رضي الله عنه (أَخَّرَ الصَّلَاةَ)؛ أي: صلاة العصر (يَوْمًا) حتَّى خرج الوقت المُستحَبُّ، لا أنَّه أخَّرها حتَّى غربت الشَّمس، ولا يليق أن يُظَنَّ به أنَّه أخَّرها عن وقتها، وحديث: «دعا المؤذِّن لصلاة العصر، فأمسى عمر بن عبد العزيز قبل أن يصلِّيها» المرويُّ في «الطَّبرانيِّ» محمولٌ على أنَّه قارب المساء لا أنَّه دخل فيه، وقد جوَّز جمهور العلماء التَّأخير ما لم يخرج الوقت، (فَدَخَلَ عَلَيْهِ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (فَأَخْبَرَهُ: أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ) الصَّحابيَّ رضي الله عنه (أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا) لفظة «يومًا» تدلُّ على أنَّه كان نادرًا من فعله (وَهْوَ بِالْعِرَاقِ) جملةٌ وقعت حالًا من «المغيرة»، والمُراد: عراق العرب، وهو من عبادان للموصل [2] طولًا، ومن القادسيَّة لحلوان عرضًا، ووقع في «المُوطَّأ» رواية القعنبيِّ وغيره عن مالكٍ: «وهو بالكوفة»، وهي من جملة العراق، فالتَّعبير بها أخصُّ من التَّعبير بالعراق، وكان المغيرة إذ ذاك أميرًا عليها من قِبَل معاوية بن أبي سفيان (فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو مَسْعُودٍ) عقبة بن عمرو البدريُّ (الأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: مَا هَذَا) التَّأخير (يَا مُغِيرَةُ؟ أَلَيْسَ) قال الزَّركشيُّ وابن حجرٍ والعينيُّ والبرماويُّ: الأفصح: «ألست»؛ بالتَّاء؛ لأنَّه خاطب حاضرًا، لكن الرِّواية: «أليس»؛ بصيغة مخاطبة الغائب [3] ، وهي جائزةٌ، وتعقَّب ذلك في «مصابيح الجامع»: بأنَّه يوهم جواز استعمال هذا التَّركيب مع [/ج1ص478/] إرادة أن يكون ما دخلت عليه ضمير المُخاطَب، وليس كذلك، بل هما تركيبان مختلفان، وليس أحدهما بأفصح من الآخر، فإنَّه يُستعمَل كلٌّ منهما في مقامٍ خاصٍّ، فإن أُريد إدخال «ليس» على ضمير المُخاطَب؛ تعيَّن «ألست قد علمت»، و [4] إن أُريد إدخالها على ضمير الشَّأن مُخبَرًا عنه بالجملة الَّتي أُسنِد فعلها إلى المُخاطَب؛ تعيَّن «أليس» (قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ جِبْرِيلَ) صلوات الله عليه وسلامه (نَزَلَ) صبيحة ليلة الإسراء المفروض فيها الصَّلاة [5] (فَصَلَّى) وسقط: ((فصلَّى)) لابن عساكر، زاد في رواية أبي الوقت: ((برسول الله عليه الصَّلاة السَّلام)) (فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ صَلَّى) جبريل صلوات الله عليه وسلامه (فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ صَلَّى) جبريل صلوات الله وسلامه عليه (فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ صَلَّى) جبريل صلوات الله عليه وسلامه (فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ صَلَّى) جبريل صلوات الله عليه وسلامه (فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بتكرير صلواتهما خمس مرَّاتٍ، وعبَّر بـ: «الفاء» في صلاة الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم؛ لأنَّها متعقِّبةٌ لصلاة جبريل؛ أي: كانت بعد فراغها [6] ، وبـ: «ثمَّ» في صلاة جبريل؛ لأنَّها متراخيةٌ عن سابقتها، لكن ثبت من خارجٍ في غيره: «أنَّ جبريل أَمَّه عليه السَّلام» [7] ، فعند المصنِّف في رواية اللَّيث: «نزل جبريل عليه الصَّلاة والسَّلام، فأمَّني فصلَّيت»، فيُؤوَّل قوله: «صلَّى فصلَّى» على [8] أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كان كلَّما فعل جبريل جزءًا من الصَّلاة تابعه عليه؛ لأنَّ ذلك حقيقة الائتمام، وقِيلَ: «الفاء» بمعنى: «الواو» المقتضية لمُطلَق الجمع، وعُورِض: بأنَّه يلزم أن يكون عليه الصَّلاة والسَّلام كان يتقدَّم في بعض الأركان على جبريل عليه الصَّلاة والسَّلام، كما يقتضيه مُطلَق الجمع، وأُجيب: بأنَّ ذلك يمنع منه مراعاة التَّبيين، فكان النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يتراخى عنه لذلك [9] ، (ثُمَّ قَالَ) جبريل صلوات الله عليه وسلامه للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: (بِهَذَا)؛ أي: بأداء الصَّلوات [10] في هذه الأوقات (أُمِرْتُ) بضمِّ الهمزة والتَّاء؛ أي: أن أصلِّيَ بك، أو أبلِّغه لك، ولأبي ذَرٍّ: بفتح التَّاء، وهو المشهور؛ أي: الَّذي أمرت به من الصَّلوات ليلة الإسراء مُجمَلًا هذا تفسيره اليوم مُفصَّلًا، لا يُقال: ليس في الحديث [11] بيانٌ لأوقات هذه الصَّلوات؛ لأنَّه إحالةٌ على ما يعرف المُخاطَب (فَقَالَ عُمَرُ) بن عبد العزيز رضي الله عنه (لِعُرْوَةَ) بن الزُّبير: (اعْلَمْ) بصيغة الأمر (مَا)؛ أي: الَّذي (تُحَدِّثُ به) وسقط لفظ: ((به)) لغير أبي ذَرٍّ (أَوَ) علمت (إنَّ جِبْرِيلَ) عليه الصَّلاة والسَّلام؛ بفتح همزة الاستفهام والواو العاطفة، وبكسر همزة «أنَّ» على الأشهر [12] ، وبفتحها على تقدير: أو علمت بأنَّ جبريل صلوات الله عليه وسلامه (هُوَ أَقَامَ) وللأَصيليِّ: ((هو الَّذي أقام)) (لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وللأَصيليِّ: ((عليهما وسلَّم)) (وَقْتَ) وللمُستملي: ((وُقوت)) [13] ، ولابن عساكر: ((مواقيت)) (الصَّلَاةِ) يا عروة؟ وظاهره [14] الإنكار عليه وأنَّه لم يكن عنده علمٌ أنَّ جبريل هو المبيِّن [15] له ذلك بالفعل؛ فلذلك استثبت فيه.

(قَالَ عُرْوَةُ: كَذَلِكَ) ولأبي ذَرٍّ: ((وكذلك)) (كَانَ بَشِيرُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ) بفتح المُوحَّدة بوزن «فَعيلٍ»، التَّابعيُّ الجليل المشهور [16] ، الأنصاريُّ المدنيُّ رضي الله عنه، له رؤيةٌ [17] ، قال العجليُّ: تابعيٌّ ثقةٌ (يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ) أبي مسعودٍ عقبة بن عمرٍو، وهذا يُسمَّى: مُرسَل صحابيِّ؛ لأنَّه لم يدرك القصَّة، فاحتمل أن يكون سمع ذلك من النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، أو بلَّغه عنه بتبليغ من شاهده، أو سمعه من صحابيٍّ آخر، وفي رواية اللَّيث بن سعدٍ [18] عند المؤلِّف: «فقال عروة: سمعت بشير بن أبي مسعودٍ يقول: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم [19] يقول [20] . ..» فذكره، وهي تزيل الإشكال كلَّه، قاله [21] ابن شهابٍ.

(قَالَ عُرْوَةُ: وَلَقَدْ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ) رضي الله عنها: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ، وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا) في بيتها (قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ)؛ أي: تعلو، والمُراد: والفيء في حجرتها قبل أن يعلو على البيوت، فكنَّت بـ: «الشَّمس» عن الفيء، لكن قال ابن السَّيِّد: والفقهاء يقولون: معناه: قبل أن يظهر الظِّلُّ على الجدار، والأوَّل أليق بالحديث؛ لأنَّ ضمير «تظهر» عائدٌ إلى «الشَّمس»، ولم يتقدَّم للظِّلِّ في الحديث ذكرٌ. انتهى. قال أبو عبد الله الأُبِّيُّ: وكلُّ هذا حجَّةٌ على عمر، وأنَّ الحكم التَّعجيل؛ لأنَّ هذا مع ضيق الحجرة وقصر البناء إنَّما يتأتَّى في وقت العصر. انتهى. وليس في الحديث بيان الأوقات المذكورة، ويأتي [/ج1ص479/] _إن شاء الله تعالى_ ذلك مُستوفًى.

واستنبط ابن العربيِّ من هذا الحديث: جواز صلاة المفترض خلف المتنفِّل؛ من جهة أنَّ المَلَك ليس مُكلَّفًا بمثل ما كُلِّف به البشر، وأُجيب: باحتمال أن تكون تلك الصَّلاة غير [22] واجبةٍ على النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم حينئذٍ، وعُورِض: بأنَّها كانت صبيحة ليلة فرضها، وأُجيب: باحتمال كون الوجوب مُعلَّقًا ببيان جبريل صلوات الله عليه وسلامه، فلم يتحقَّق الوجوب إِلَّا بعد تلك الصَّلاة، وبأنَّ جبريل عليه الصَّلاة والسَّلام كان مُكلَّفًا بتبليغ تلك الصَّلاة [23] ، فلم يكن متنفِّلًا [24] ، وحينئذٍ فهي صلاة مفترضٍ خلف مفترضٍ.

ورواته التِّسعة مدنيُّون، وفيه التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «بدء الخلق» [خ¦3221] ، وفي «المغازي» [خ¦4007] ، ومسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجه.

[1] «هو»: مثبتٌ من (د) و(م).
[2] في (د) و(م): «إلى الموصل».
[3] في هامش (ص): «قوله: «بصيغة مخاطبة الغائب» فيه تجوُّزٌ، والمُراد: أنَّ الفعل المُسنَد إلى الغائب لا يلحقه تاء الخطاب. انتهى. عجمي».
[4] «قد علمت و»: سقط من (ص).
[5] في (م): «الصَّلوات».
[6] في (م): «لأنَّها كانت مُتعقِّبةً عنها».
[7] «أنَّ جبريل أَمَّه عليه السَّلام»: سقط من (م).
[8] «على»: سقط من (م).
[9] في هامش (ص): «قوله: «فكان يتراخى لذلك»؛ أي: لمراعاة التَّبيين، قال الشَّيخ الحلبيُّ في «سيرته»: قد يشكل هذا على أئمَّتنا القائلين: بأنَّه لا بدَّ من علم كيفيَّة الصَّلاة قبل الدُّخول فيها، ولا يكفي علمهما بالمُشاهَدة، وقد يُجاب: بأنَّه يجوز أن يكون جبريل عليه السَّلام علَّمه كيفيَّتها بالقول، ثمَّ أتبع ذلك القول بالفعل، وهو صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علَّم أصحابه كذلك. انتهى. عجمي».
[10] في (ص): «الصَّلاة».
[11] «في الحديث»: سقط من (ص) و(م).
[12] في (ص): «المشهور».
[13] في (م) بدلًا منه: «وللأَصيليِّ: وقته».
[14] في غير (د) و(م): «ظاهر».
[15] في (د): «علم هذا المبيِّن».
[16] «المشهور»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[17] في (د): «رواية».
[18] «ابن سعدٍ»: ليس في (م).
[19] قوله: «يقول: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم»، سقط من (م).
[20] «يقول»: ليس في (د).
[21] في (د) و(س): «قال»، وليس بصحيحٍ.
[22] «غير»: سقط من (م).
[23] في (م): «الصَّلوات».
[24] في (د) و(س): «متنقِّلًا»، وهو تصحيفٌ.





521- 522- ( أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا ): أي: العصر، كما في رواية في «الصَّحيح»، زاد الطَّبرانيُّ: «وهو يومئذ أمير المدينة في زمان الوليد بن عبد الملك».

( وَهُوَ بِالْعِرَاقِ ): في الموطَّأ: «بالكوفة».

( أَلَيْسَ ): الأكثر في الاستعمال للمخاطب: «ألست»، والأوَّل [صحيح] [1] أيضًا.

( أَنَّ جِبْرِيْلَ نَزَلَ ): بيَّن ابن إسحاق في «المغازي»: أنَّ ذلك صبيحة ليلة الإسراء التي فرضت فيها الصَّلاة.

(فَصَلَّى، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) أي: مؤتمًّا به.

( بِهَذَا أُمِرْتَ ): بفتح التَّاء على الأشهر، ورواية الضَّمِّ على معنى: أمرت بتبليغه لك.

( اعْلَمْ ): بصيغة الأمر.

( أَوَإِنَّ ): بفتح الواو عاطفة على مقدَّر بعد همزة الاستفهام، و«إنَّ» بالكسر.

( وَقْتَ الصَّلَاةِ ): للمُسْتملي: «وقوت».

( بَشِيْرُ ): بفتح الموحَّدة وكسر المعجمة.

فائدة: زاد أبو داود وغيره من [طرق في آخر] [2] الحديث بيان تفسير الأوقات، [/ج2ص577/]فقال أبو مسعود: «فرأيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يصلِّي الظُّهر حين تزول الشَّمس، وربَّما أخَّرها حين يشتدُّ الحرُّ، ورأيته يصلِّي العصر والشَّمس مرتفعة بيضاء قبل أن يدخلها الصُّفرة، فينصرف الرَّجل من الصَّلاة فيأتي ذا الحليفة قبل [ غروب] [3] الشَّمس، ويصلِّي المغرب حين تسقط الشَّمس، ويصلِّي العشاء حين يسودُّ الأفق، وربَّما أخَّرها حتَّى يجتمع النَّاس، وصلَّى الصُّبح مرَّة بغلس، ثمَّ صلَّى مرَّة أخرى فأسفر بها، ثمَّ كانت صلاته بعد ذلك التَّغليس حتَّى مات، ولم يعد إلى أن يسفر».

فتبيَّن أنَّ في رواية مالك ومن تابعه اختصارًا.

وزاد عبد الرَّزاق في «مصنَّفه» في آخره: فلم يزل عمر يعلِّم الصَّلاة بعلامة حتَّى فارق الدُّنيا.

( قَالَ عُرْوَةُ ): هو من مقول ابن شهاب، لا تعليق. [/ج2ص578/]

[1] ما بين معقوفتين في غير [ع] : (أصحُّ)
[2] ما بين معقوفتين في غير [ع] : (طريق آخر)
[3] ما بين معقوفتين في غير [ع] : (أن تغرب)





130/521# 522# قال أبو عبد الله: حدَّثنا عَبْدُ اللهِ [1] بْنُ مَسْلَمَةَ، قالَ: قَرَأْتُ علىَ مالِكٍ، عن ابْنِ شِهابٍ عن عُرْوَة:

عن عائشة: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كان يُصَلِّي العَصْرَ والشَّمْسُ فِي حُجْرَتِها قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ.

تُريدُ [2] قبل أن تصعَدَ [3] من قاعة الدَّارِ إلى شَعَفِ [4] الجُدُر وأعالي الحِيطان.

يقال: ظَهرتُ فوق السَّطح [5] ؛ إذا عَلَوْتُه، ومنه قول الله تعالى: { وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ } [الزخرف: 33]

وقد رُوي من وجه آخر: «قبلَ أن يظهرَ الفَيء عليها» [6] .

[1] (حدثنا عبد الله) سقط من (ط).
[2] في النسخ الفروع: (أي).
[3] في (أ) و (م): (تعلو السطح وتصعد) وفي (ر) و (ف): (تعلو وتصعد).
[4] في (ف) و (م): (سقف).
[5] في (أ): (السقف).
[6] البخاري عن عائشة رضي الله عنها (546).





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

((بسم الله الرحمن الرحيم)) هي ثابتة في رواية الأكثرين، ساقطة في رواية كريمة، ((باب مواقيت الصلاة وفضلها)) ، كذا في رواية أبي ذر عن المستملي و (الفرع) و (أصله) ، وفي رواية الحموي: البسملة ثم كتاب ثم باب، وللأصيلي: تقديم البسملة ثم كتاب ولم يذكر باب، وتمامه في «عمدة القاري».

ومن العادة المستمرة عند المصنفين: أن يذكروا الأبواب بعد لفظ الكتاب، فإنَّ الكتاب يشمل الأبواب والفصول، و (الباب) : هو النوع، وأصله: البوب؛ قلبت الواو ألفًا؛ لتحركها وانفتاح[/ص746/] ما قبلها، ويجمع على أبواب، وقد قالوا: أبوبة، وإنما جُمِعَ في قول القتال الكلابي:

~هتَّاك [1] أخبية ولَّاج أبوبة .........

للإزدواج، ولو أفرده؛ لم يجز، ويقال: أبواب مبوَّبة، كما يقال: أصناف مصنَّفة، والبابة: الخصلة، والبابات: الوجوه، قال ابن السكيت: البابة عند العرب: الوجه، انتهى.

((وقولِ الله عز وجل)) ؛ بالجر عطفًا على (مواقيت) ؛ أي: هذا باب مواقيت الصلاة وباب بيان قوله... إلخ، وللأصيلي: (وقولِه عزَّ وجلَّ) .

وزعم العجلوني أنَّه يجوز فيه الرفع، كما في بعض الأصول، ووجهه ظاهر، انتهى.

قلت: وجهه غير ظاهر؛ لأنَّه إذا جعل عطفًا على (كتاب) أو (باب) أو غيرهما؛ يكون تكلفًا، ولا يجوز جعله خبر مبتدأ محذوف؛ لوجود الواو العاطفة مع تعلقها بما قبلها وما بعدها، وكونها في بعض الأصول؛ لم يبين ما هذا الأصل من أيَّ راوٍ هو؟ والذي عليه الجمُّ الغفير من الشَّارحين أنَّه بالجر فقط لا سيما إمامهم صاحب «العمدة»، فإنَّه اقتصر على الجر، فلو كان ثمة رواية بالرفع؛ لذكرها؛ فافهم.

(({إِنَّ الصَّلاةَ})) أي: الشرعيَّة (({كَانَتْ})) فيه: دليل على أنَّ الصلاة كانت على الأمم السالفة كلها، قلت: وعلى هذا لم تكن الصلاة من خصائص هذه الأمة، وفيه: أن صلاتهم كانت بركوع دون سجود، فالسُّجود من خصائص هذه الأمة، كما حقَّقه شيخ مشايخنا الفاضل الرحمتي في «حواشي الدر المختار»، قلت: والجمهور على أنَّه السُّجود؛ لأنَّ الركوع كان في شريعة موسى عليه السَّلام، ومما اختص به نبينا الأعظم صلى الله عليه وسلم مجموع الصلوات الخمس، ولم تجتمع لأحد من الأنبياء غيره، فإنَّ الأمم السالفة كانت تصلي عند الطلوع وعند الغروب فقط، وتمامه في «شرحنا على القدوري»، (({عَلَى المُؤْمِنِينَ})) ؛ أي: مفروضة على جميع المكلفين، فهي فرض عين على كلِّ مكلَّف بعينه، وهو المسلم البالغ العاقل ذكرًا كان أو أنثى حرًا كان أو عبدًا، وفيه: دليل على أنَّ الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة، وفيه خلاف، فعند الإمام الأعظم رضي الله عنه: هم مخاطبون بها، وهو قول مالك وأكثر أصحابه، وعند الإمامين أبي يوسف ومحمَّد بن الحسن غير مخاطبين، وبه قال الشَّافعي، (({كِتَابًا})) : مصدر بمعنى المفعول؛ أي: مكتوبًا مفروضًا، (({مَوْقُوتًا})) [النساء: 103] ؛ أي: موجبًا مفروضًا، قاله ابن عبَّاس، ووافقه مجاهد وغيره، فـ{مَوْقُوتًا} تأكيد لـ{كِتَابًا}، وقيل: معناه: محدودًا، كما سيأتي، يعني: أن الصلاة فريضة من الله مفروضة لأوقات معلومة، كلما مضى وقت واحدة؛ جاء وقت واحدة أخرى، ليست كالصوم الذي هو مفروض في السنة مرة واحدة، والحج الذي هو مفروض العمر مرة واحدة، وذلك لتأكُّدها وجلالة أمرها، ولهذا كانت فارقة بين المسلم والكافر.

وثبوتها: بالكتاب، والسنة، والإجماع، فيكفر جاحدها، وتاركها عمدًا تكاسلًا فاسق؛ يحبس حتى يصلي؛ لأنَّه يحبس لحقِّ العبد، فحقُّ الحقِّ أحقُّ، لا يقال: إنَّ حقَّه تعالى مبنيٌّ على المسامحة؛ لأنَّا نقول: لا تسامح في شيء من أركان الإسلام، وقال الإمام المحبوبي: لو تركها تكاسلًا؛ يضرب حتى يسيل منه الدم، وهو ظاهر المذهب، وكذا الذي يفطر في رمضان يُحبَس حتى يُحدِثَ توبة، هذا مذهب الإمام الأعظم والجمهور، وقال مالك والشَّافعي وأحمد: إذا أقرَّ بها، وتركها تكاسلًا؛ يقتل، قيل: حدًّا، وقيل: كفرًا، وقد نظم ذلك بعض الأفاضل فقال وأجاد:

~في حكم من ترك الصلاة وحكمه إن لم يقر بها كحكم الكافر

~فإذا أقر بها وجانب فعلها فالحكم فيه للحسام الباتر

~وبه يقول مالك والشَّافعي والحنبلي تمسُّكًا بالظَّاهر

~وأبو حنيفة لا يقول بقتله ويقول بالحبس الشديد الزاجري

~المسلمون دماؤهم معصومة حتى تراق بمستنيرٍ باهر

~مثل الزنى والقتل في شرطيهما وانظر إلى ذاك الحديث الساخر

~هذي مقالات الأئمة كلهم وأصحها ما قلته [2] في الآخر

أي: وهو قول الإمام الأعظم إمام الأئمة ورأس المجتهدين.

والحسام: السيف، فإنَّ دم المسلم معصوم، ولا يخرجه من الإسلام إلا جحود ما أدخله فيه، ولم يوجد دليل على جواز قتل المسلم التَّارك لها تكاسلًا لا من الكتاب ولا السنة غير أنَّ فيهما التأكيد على الفرضية؛ فافهم.

وروى القاضي إسماعيل في «أحكامه» في هذه الآية من طريق حمران عن عثمان مرفوعًا: «من علم أن الصلاة عليه حقًّا يقينًا مكتوبًا؛ دخل الجنة»، فهذا يدل على أنَّه يدخل الجنة بمجرد علمه بذلك وإن تركها تكاسلًا.

ولا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها الشرعي بغير عذرٍ شرعيٍّ أصلًا في أيِّ حالٍ كان، ولو كان في حال الخوف، ووجود العدو، والتحام الحرب، فليس ذلك بعذر، ولهذا شرعت صلاة الخوف، هذا مذهب الإمام الأعظم وأصحابه الإمام أبي يوسف والإمام محمَّد بن الحسن، وكافَّة أصحابه، ومن يقول بقوله، وهو مذهب العلماء كافَّة، كما هو مسطور في كتب المذهب المعظَّم.

وزعم العجلوني أن عند الإمام أبي يوسف يجوز تأخير الصلاة عن وقتها عند التحام الحرب، فيصليها قضاءً عند الاطمئنان، انتهى.

قلت: وما زعمه فاسد الاعتبار يجب الإعراض عنه، فإن الإمام أبا يوسف لا يقول بذلك أصلًا، ولم ينقل أحد من علماء المذهب عنه ذلك أصلًا، غير أنَّ الإمام فخر الدين الزيلعي في «شرحه على الكنز» ذكر عنه روايتين في صلاة الخوف، هل هي مشروعة في زماننا أم خاصَّة في زمن النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم؟ فروي عنه: أنها مشروعة في زماننا وهي المشهورة عنه، وفي رواية أخرى: أنها ليست بمشروعة في زماننا، وهي رواية شاذة، واستدل لها بقوله تعالى: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ} [النساء: 102] فهو خطاب للنبي الأعظم صلى الله عليه وسلم على الخصوص، والمعنى: أنهم يتحرون الصلاة خلفه عليه السَّلام، وزال ذلك حين قبض عليه السَّلام، فانتسخ، ولم يذكر هذه الرواية غيره، فهي شاذة، وعليها فإنَّه لا يقول بترك الصلاة، بل يؤدُّون الصلاة ركبانًا فرادى بالإيماء أو رجالًا واقفين إلى أيِّ جهة قَدرُوا؛ لقوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} [البقرة: 239] ، على أنَّ قوله تعالى: {فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} [النساء: 103] يدلُّ على أنَّ حالة الخوف لا تصحُّ الصلاة.

هذا وقد ترك النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم أربع صلوات في غزوة الأحزاب، وقال: «شغلونا عن الصلاة الوسطى، ملأ الله قبورهم نارًا»، كما ثبت ذلك في «الصَّحيحين»، والله تعالى أعلم، وسيأتي الكلام إن شاء الله تعالى في محلِّه، فما زعمه باطل.

وكذا ما زعمه البيضاوي من نسبة ذلك للإمام الأعظم؛ خطأ ظاهر يجب الإعراض عنه، فإنَّ هذه مجازفة وبهتان عظيم على إمام أئمة المسلمين ورأس المجتهدين رضي الله تعالى عنه.

ثم إنَّ البخاري فسَّر قوله تعالى: {مَوْقُوتًا} بقوله: ((وقَّته عليهم)) ؛ أي: وقَّت الله الكتاب-أي: المكتوب- الذي هو الصلاة عليهم؛ أي: على المسلمين، وليس هذا بإضمار قبل الذكر؛ لوجود القرينة، ووقع في أكثر الروايات: (موقوتًا موقَّتًا وقَّته عليهم) ، وليس في بعض النُّسخ لفظ (موقَّتًا) ؛ يعني: بالتشديد.

واستشكل ابن التين تشديد القاف من (وقَّته) وقال: المعروف في اللُّغة التخفيف.

قلت: ليس فيه إشكال؛ لأنَّه قد جاء في اللُّغة: (وقَّته) ؛ بالتشديد، و (وقَته) ؛ بالتخفيف، فكأنَّه ما اطلع على ما في «المحكم» وغيره، كذا قرره إمامنا الشَّارح، لا يقال: مراد ابن التين: أن التخفيف هو المشهور لغة، والتشديد قليل، لأنا نقول: إنَّه خلاف المفهوم من كلامه، على أنَّه غير مسلَّم له قلَّة التشديد؛ لذكرهما في كتب اللُّغة كثيرًا على السواء؛ فافهم.

وزعم ابن حجر أن قوله: (موقَّتًا) : بيان لقوله: {مَوْقُوتًا}.

وردَّه الشَّارح بأنَّ هذا كلام واهٍ، وليس في لفظ {مَوْقُوتًا} إيهام حتى يبيِّنه بقوله: (موقَّتًا) ، وعن مجاهد في تفسير قوله تعالى: {مَوْقُوتًا}؛ يعني: مفروضًا، وقيل: يعني: محدودًا، انتهى.

واعترضه العجلوني بأن {مَوْقُوتًا} جاء بمعنى: مفروضًا، وبمعنى: محدودًا، والمراد: الثاني؛ لئلا يتكرر مع {كِتَابًا}، وهذا اعتراض على البخاري أيضًا، انتهى.

قلت: وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ {مَوْقُوتًا}؛ معناه: مفروضًا عند الجمهور من المفسِّرين وغيرهم، وكونه جاء بمعنى محدودًا عند البعض -وهو شاذٌّ- لا يعتمد عليه؛ لأنَّه مخالف للجمهور من أهل التفسير واللُّغة وغيرهم، فلا يعتدُّ به، على أنَّه المراد: المفروض، لا كما زعمه؛ لأنَّه يكون تأكيدًا لـ{كتابًا}، والمقام يقتضي التأكيد والحث عليها، فناسب هذا المعنى بذلك، فلا يكون تكرارًا.

وأمَّا المحدود؛ فلا معنى له في ذلك، على أنَّه لم يذكر أحد من العلماء أنَّ المراد: المحدود، وهذا يتوجه على القائل به سواء كان البخاري أم غيره؛ فافهم.

ونقل ابن رجب عن الشَّافعي: أنَّ {مَوْقُوتًا} معناه: الوقت الذي تصلى فيه وعددها، انتهى.

قلت: بيان الأوقات لم يثبت بهذه الآية، ولم يتعرض أحد لهذا المعنى وهو غريب، وكذا قوله: (وعددها) ، فمن أين ظهر العدد؟ ولهذا قال العجلوني: لعله أخذ العدد بِضَربٍ[/ص747/] من التجوز، وهو نقل غريب، انتهى.

[1] في الأصل: (هتاخ)، وليس بصحيح.
[2] في الأصل: (قتله) ، وهو تحريف.