المستند التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

520-. حدَّثنا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحاقَ السُّوْرَمَارِيُّ [1] ، قالَ: حدَّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَىَ، قالَ: حدَّثنا إِسْرائِيلُ، عن أَبِي إِسْحاقَ، عن عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ:

عن عَبْدِ اللَّهِ، قالَ: بَيْنَما رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قائِمٌ يُصَلِّي عِنْدَ الكَعْبَةِ، وَجَمْعُ قُرَيْشٍ فِي مَجالِسِهِمْ، إِذْ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ: أَلا تَنْظُرُونَ إلىَ هَذا المُرائِي؟! أَيُّكُمْ يَقُومُ إلىَ جَزُورِ آلِ فُلانٍ، فَيَعْمِدُ إلىَ فَرْثِها وَدَمِها وَسَلاها، فَيَجِيءُ بِهِ، ثُمَّ يُمْهِلُهُ، حَتَّىَ إذا سَجَدَ، وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ؟ فانْبَعَثَ أَشْقاهُمْ، فَلَمَّا سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَثَبَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ساجِدًا، فَضَحِكُوا حَتَّىَ مالَ بَعْضُهُمْ إِلَىَ [2] بَعْضٍ مِنَ الضَّحِكِ، فانْطَلَقَ مُنْطَلِقٌ إلىَ فاطِمَةَ [3] ، وَهْيَ جُوَيْرِيَةٌ، فَأَقْبَلَتْ تَسْعَىَ، وَثَبَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ساجِدًا، حَتَّىَ أَلْقَتْهُ عَنْهُ، وَأَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ تَسُبُّهُمْ، فَلَمَّا قَضَىَ رَسُولُ اللَّهِ [4] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلاةَ، قالَ: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ». ثُمَّ سَمَّىَ: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِعَمْرِو بْنِ هِشامٍ، وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، والْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، وَعُمارَةَ بْنِ الوَلِيدِ». قالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَواللَّهِ، لقد رَأَيْتُهُمْ صَرْعَىَ يَوْمَ بَدْرٍ، ثُمَّ سُحِبُوا إلى القَلِيبِ، قَلِيبِ بَدْرٍ، ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ [5] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَأُتْبِعَ أَصْحابُ [6] القَلِيبِ لَعْنَةً».

الأطراف



[1] قوله: «السُّورَمارِي» ليس في رواية أبي ذر والأصيلي، وفي رواية ابن عساكر: «السُّرْمارِيُّ، قاله الكَلاباذي».
[2] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر و [عط] ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «علىَ».
[3] بهامش اليونينية دون رقم زيادة: «عَلَيْهَا السَّلام».
[4] في رواية الأصيلي: «النَّبيُّ».
[5] في رواية الأصيلي: «النَّبيُّ».
[6] في رواية أبي ذر و [عط] : «وأَتْبِعْ أصحابَ... » بصيغة الدعاء.





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

520- ( فَيَعْمِدُ ) بميم مكسورة: يقصد.

( سَلاَهَا ) بسين مفتوحة، مقصورة: وعاء الجنين.

( حَتَّى أَلْقَتْهُ عَنْهُ ) إنَّما أتى به البخاري هنا لأنها لما ألقته عنه لم تقصد إلى أخذ ما على ظهره من ورائه كما لا تقصد إلى أخذه من أمامه؛ بل تتناوله من حيث أمكن، وهذا أبلغ من مرورها بين يديه.

( اللَّهُم عَلَيْكَ بِقُرَيْش ) أراد كفارهم.

( عَمَارَة بن الوليد ) ثم قال: ( فلقد رأيتهم صرعى يوم بدر )، هذا وهم، فإنه لا خلاف عند [/ج1ص174/] الإخباريين أن عمارة لم يحضر بدرًا [1] ، وأنه توفي بجزيرة من أرض الحبش، وكان النجاشي سحره ونفخ في إحليله سحرًا لتهمةٍ لحقته عنده، فهام على وجهه مع الوحش.

( القُلَيْب ) البئر قبل أن تطوى.

( قُلَيْب بَدِر ) بالجر بدل مما قبله، ويجوز رفعه بتقدير هو، ونصبه بتقدير: أعني. [/ج1ص175/]

[1] قال ابن حجر رحمه الله: ليس بوهم فإن المراد بقوله: ( رأيتهم ) أي: رأيت أكثرهم، والدليل عليه أن عقبة بن أبي معيط منهم بلا خلاف، ولم يسحب إلى القليب.





520# (فَيَعْمِدُ) بكسر الميم؛ أي: يقصد.

(حَتَّى ألْقَتْهُ عَنْهُ) إنما أتى به البخاريُّ هنا؛ لأنها

@%ج1ص217%

لمَّا ألقته عنه، لم تقصد إلى أخذ ما على ظهرهِ من ورائه، كما لم تقصد إلى أخذهِ من أمامه، بل تتناوله [1] من حيث أمكن، وهذا أبلغُ في مرورها بين يديه، هكذا قيل.

(اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ) إمَّا على حذف المضاف، أو [2] الصفة؛ أي: كفارِ قريشٍ، أو قريشٍ الكفارِ.

(وَعُمَارَةَ بْنِ [3] الْوَلِيدِ) هذا مُشكلٌ مع قوله: ((فوالله! لقد رأيتُهم صرعى يوم بدر))؛ فإن المعروف عند الإخباريين [4] أن عُمارة لم يحضر بدرًا، وأنه توفي بجزيرةٍ بأرضِ الحبشة، ويذكرون أن النجاشيَّ نفخ في إحليله سحرًا لتهمةٍ لحقته عنده، فهام على وجهه مع الوحْش.

(ثُمَّ سُحِبُوا إِلَى الْقَلِيبِ) أي: جُرُّوا إلى القليب، وهي البئرُ قبل أن تُطْوَى.

وقال أبو عبيد: هي [5] البئر العادية القديمة .

(قَلِيبِ بَدْرٍ) بالجر على أنه بدل، ويجوز رفعُه ونصبُه.

[1] في (ق): ((تناوله)).
[2] في (د): ((أي)).
[3] ((ابن)): ليست في (ق).
[4] في (ق): ((الإخبارين)).
[5] في (ق): ((هو)).





520- قوله: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ): كذا في أصلنا، وفي الهامش نسخةٌ، وعليها علامة راويها، وهي: (السُّوْرَماريُّ) ، وهذه النِّسبة في أصلنا بضمِّ السِّين المهملة، ثمَّ واو ساكنة، ثمَّ راء مفتوحة بالقلم، وبعد الألف راء، وقد ذكره أبو عليٍّ الغسَّانيُّ، فقال [1] : (بفتح السِّين) ؛ يعني: المهملة؛ لأنَّه ذكره فيها، قال: (وسكون الرَّاء، أحمد بن إسحاق السُّرْمَاريُّ، ثمَّ البخاريُّ، هكذا ضبطه [2] الأصيليُّ، وقال: يُنسَب إلى قرية تُدعى سَرْمارَي؛ بفتح السِّين، وسكون الرَّاء، وفتح الرَّاء الثانية، ويقال: بكسر السِّين، وهو شيخ البخاريِّ، يروي عن عبيد الله بن موسى، وعثمان بن عمر، ويعلى بن عبيد، وعمرو بن عاصم) انتهى، وقد رأيته في نسخة أخرى صحيحة: مُثلَّث السِّين بالقلم، وفي أصلنا الدِّمشقيِّ: بفتح السِّين المهملة بالقلم، وكما ضبطه الأصيليُّ قرأتُه على شيخنا العراقيِّ في الكتاب الذي ابتدأ فيه «مختصر تهذيب الكمال» عمل فيه يسيرًا، وقد قرأتُ ما عليه فيه إلَّا يسيرًا جدًّا، قال فيه: (وسُرمارة: من قرى بخارى) ، انتهى، ثمَّ اعلم أنَّ هذا الرَّجل ممَّن [3] يُضرَب بشجاعته المثلُ، قَتَل ألفًا من التُّرك، سمع يعلى بن عبيد وطبقته، وعنه: البخاريُّ وأهل بلده، وثَّقه ابن حِبَّان، تُوُفِّيَ سنة (242 هـ ) .

قوله: (حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ): هو إسرائيل بن يونس بن [4] أبي إسحاق السَّبيعيِّ، تقدَّم بعض ترجمته.

[قوله: (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ): هو أبو إسحاق السَّبيعيُّ، عمرو بن عبد الله، تقدَّم بعض ترجمته] [5] .

قوله: (عَنْ عَبْدِ اللهِ): تقدَّم أنَّه ابن مسعود بن غافل الهذليُّ، أحد السَّابقين الأوَّلين رضي الله عنه.

قوله: (إِذْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ) [6] : تقدَّم في (باب إذا أُلقِيَ على ظهر المصلِّي قذرٌ أو جيفةٌ؛ لم تفسُد عليه الصَّلاة) في (الطَّهارة) أنَّه أبو جهل، كما صرَّح به مسلمٌ.

قوله: (فَيَعْمِدُ): تقدَّم أنَّه بكسر الميم في المضارع، وفتحها في الماضي، عكس (صعِد) ، وإنِّي رأيت في حاشية: أنَّه بفتح الميم في الماضي، وفتحها في المضارع، ونُقِل ذلك عن (اللَّبْليِّ في «شرح الفصيح») [7] .

قوله: (إِلَى فَرْثِهَا): (الفرث): ما في الكرِش.

قوله: (وَسَلاَهَا): تقدَّم الكلام عليه في (الطَّهارة) .

قوله: (فَانْبَعَثَ أَشْقَاهُمْ): تقدَّم أنَّه عقبة بن أبي مُعَيط، وأنَّه كذلك في «البخاريِّ» و«مسلم»، وتقدَّم ما قاله الدَّاوديُّ في (الطَّهارة) .

قوله: (فَانْطَلَقَ مُنْطَلِقٌ إِلَى فَاطِمَةَ): هذا المُنطَلِق لا أعرف اسمَه.

قوله: (بِعَمْرِو بْنِ هِشَامٍ): هذا هو أبو جهل كافرٌ، فرعون هذه الأمَّة، قُتِل ببدر، تقدَّم.

قوله: (وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ): كافرٌ معروفٌ، قُتِل ببدر، تقدَّم.

قوله: (وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ): كافرٌ معروفٌ، قُتِل ببدر، تقدَّم.

قوله: (وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ): كافر معروف، قُتِل ببدر، تقدَّم.

قوله: (وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ): كافر مشهور، قُتِل ببدر، تقدَّم.

قوله: (وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ): كافر معروف، أُسِر ببدر، وحُمِل إلى مضيق الصفراء، فقُتِل صبرًا به.

قوله: (وَعُمَارَةَ بْنِ الْوَلِيدِ): هذا ذهب إلى الحبشة، ونُفِخ في إحليله سحر، فهام مع الوحش، وهلك في زمن عمر على كفره، وهو بضمِّ العين، وتخفيف الميم.

قوله: (لَقَدْ رَأَيْتُهُمْ صَرْعَى): تقدَّم أنَّ هذا فيه مجازٌ، وإنَّما رأى معظمهم، في (الطَّهارة) .

قوله: (ثُمَّ سُحِبُوا إِلَى الْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ): تقدَّم أنَّ فيه مجازًا؛ لأنَّ أميَّة لم يُلقَ، وتقدَّم ماذا صنعوا به، في (الطهارة) ، وعقبةُ حُمِل أسيرًا إلى مضيق الصفراء، فقُتِل به صبرًا، وعمارة هلك على كفره بالحبشة؛ فانظر ذلك من (الطَّهارة) ، وتقدَّم فيه ما (القليب) .

قوله: (وَأُتْبِعَ أَصْحَابُ الْقَلِيبِ): (أُتبِع): مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله، و (أصحاب): مَرْفوعٌ قائم مقام الفاعل، [وفي نسخة: (وأَتْبِعْ): فعلُ أمر، و (أصحابَ): مَنْصوبٌ مفعول] [8] .

قوله: (لَعْنَةً): هو مَنْصوبٌ مُنوَّن، وهذا ظاهرٌ.

[1] زيد في (ج): (ما لفظه) .
[2] زيد في (ج): (أبو مُحَمَّد) .
[3] في (ج): (مما) ، وليس بصحيح.
[4] (بن): سقط من (ب) .
[5] ما بين معقوفين سقط من (ب) .
[6] زيد في (ج): (ثقة) ، وليس بصحيح.
[7] ما بين قوسين: بياض في (ج) .
[8] ما بين معقوفين جاء في النُّسخ لاحقًا بعد قوله: (منوَّن، وهذا ظاهر) ، وجاء في (أ) مستدركًا، ولعلَّ الصواب موضعه هنا.





520- (بَيْنَمَا): العاملُ فيه معنى المفاجأة الَّتي في (إِذْ قَالَ).

فإنْ قلتَ: جازَ أنْ يعملَ فيه (يُصَلِّي) ؟

قلتُ: هو حالٌ عن (رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) المضافِ إليه (بَيْنَ)، فلا يعملُ فيه.

(فَيَعْمَد) (فَيَجِيء) (ثُمَّ يُمْهِلهُ): بالنَّصبِ، ويجوزُ الرَّفعُ.

(قَلِيبِ بَدْرٍ): قال الزَّركشيُّ: (بالجرِّ بدَلٌ ممَّا قبلَه، ويجوزُ رفعُه بتقديرِ: هوَ، ونصبُه بتقديرِ: أعني).

(وَأُتْبِعَ أَصْحَابُ الْقَلِيبِ لَعْنَةً): (أُتْبِعَ): مبنيٌّ للمفعولِ، و (أَصْحَابُ): مرفوعٌ قائمٌ مَقامَ الفاعلِ، (لَعْنَةً): منصوبٌ، وفي نسخةٍ: (وأَتْبِعْ): فعلُ أمرٍ، و (أَصْحَابَ): منصوبٌ مفعولٌ.


520- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ السُّوْرَمَارِيُّ) بضمِّ السِّين المُهمَلة وسكون الواو وفتح الرَّاء، بعدها ميمٌ ثمُّ راءٌ مكسورةٌ، بينهما ألفٌ، ولابن عساكر: ((السُّرْمَاريُّ))؛ براءٍ ساكنةٍ بعد السِّين المضمومة فميمٍ مفتوحةٍ، وضبطه العينيُّ _كالكرمانيِّ وغيره_ بكسر السِّين وفتحها، وبسكون [1] الرَّاء الأولى، وهي نسبةٌ إلى سرمار؛ قريةٌ من قرى بخارى، وكان شجاعًا يُضرَب به المثل، قتل ألفًا من التُّرك، وتُوفِّي سنة اثنتين وأربعين ومئتين، وسقطت النِّسبة عند أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) بضمِّ العين وفتح المُوحَّدة، ابن باذام، الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ) بن يونس بن أبي إسحاق السَّبيعيُّ (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله (عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ) الكوفيِّ الأوديِّ [2] (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود رضي الله عنه (قَالَ: بَيْنَمَا) بالميم (رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ) حال كونه (يُصَلِّي عِنْدَ الْكَعْبَةِ، وَجَمْعٌ) من (قُرَيْشٍ) والَّذي [3] في «الفرع» و«أصله» بالإضافة، ولفظه: ((وجمعُ قريشٍ)) (فِي مَجَالِسِهِمْ، إِذْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: أَلَا تَنْظُرُونَ إِلَى هَذَا الْمُرَائِي) يتعبَّد في الملأ دون الخلوة؟ (أَيُّكُمْ يَقُومُ إِلَى جَزُورِ آلِ فُلَانٍ، فَيَعْمِدُ) بكسر الميم ورفع الدَّال، عطفًا على «يقوم»، وفي بعضها: ((فيعمد))؛ بالنَّصب، جوابًا للاستفهام؛ أي: يقصد (إِلَى فَرْثِهَا وَدَمِهَا وَسَلَاهَا) بفتح السِّين المُهمَلة والقصر؛ وعاء الجنين (فَيَجِيءُ بِهِ، ثُمَّ يُمْهِلُهُ حَتَّى إِذَا سَجَدَ وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَاهُمْ)؛ أي: انتهض أشقى القوم، وهو عقبة بن أبي مُعْيَطٍ، فجاء به، (فَلَمَّا سَجَدَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَثَبَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) حال كونه (سَاجِدًا، فَضَحِكُوا حَتَّى مَالَ بَعْضُهُمْ إِلَى) وللأربعة: ((على)) (بَعْضٍ مِنَ الضَّحِكِ، فَانْطَلَقَ مُنْطَلِقٌ) قال الحافظ ابن حجرٍ: يحتمل أن يكون هو ابن مسعودٍ رضي الله عنه (إِلَى فَاطِمَةَ) رضي الله عنها (وَهْيَ) يومئذٍ (جُوَيْرِيَةٌ) صغيرة السِّنِّ (فَأَقْبَلَتْ تَسْعَى، وَثَبَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) حال كونه (سَاجِدًا حَتَّى أَلْقَتْهُ)؛ أي: الَّذي وضعوه (عَنْهُ، وَأَقْبَلَتْ) فاطمة الزَّهراء رضي الله عنها (عَلَيْهِمْ تَسُبُّهُمْ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ) وللأصيلي: ((النَّبيُّ)) (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ قَالَ: اللَّهُمَّ، عَلَيْكَ [/ج1ص477/] بِقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ، عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ، عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ) قالها ثلاثًا؛ أي: أهلِكْ كفَّارهم، أو أهلك قريشًا الكفَّار، فالأوَّل على حذف المُضاف، والثَّاني على حذف الصِّفة (ثُمَّ سَمَّى) عليه الصَّلاة والسَّلام، فقال: (اللَّهُمَّ، عَلَيْكَ بِعَمْرِو بْنِ هِشَامٍ) أبي جهلٍ، فرعون زمانه لعنه الله (وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَ) أخيه (شَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، وَعُمَارَةَ بْنِ الْوَلِيدِ)، (قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن مسعودٍ رضي الله عنه: (فَوَاللهِ، لَقَدْ رَأَيْتُهُمْ صَرْعَى يَوْمَ بَدْرٍ)؛ أي: إلَّا عمارة بن الوليد؛ فإنَّه لم يحضر «بدرًا»، و [4] إنَّما تُوفِّي بجزيرةٍ بأرض الحبشة (ثُمَّ سُحِبُوا)؛ أي: جُرُّوا ما عدا عمارة بن الوليد (إِلَى الْقَلِيبِ) البئر الَّتي لم تُطْوَ (قَلِيبِ بَدْرٍ) بالجرِّ، بدلًا من «القليب» السَّابق، (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ) وللأَصيليِّ: ((النَّبيُّ)) (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَأُتْبِعَ أَصْحَابُ الْقَلِيبِ لَعْنَةً) بضمِّ الهمزة، و«أصحابُ»: رفع نائبٍ عن الفاعل، إخبارٌ من الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم بأنَّ الله أتبعهم اللَّعنة [5] ؛ أي: كما أنَّهم مقتولون في الدُّنيا فهم [6] مطرودون في الآخرة عن رحمة الله عزَّ وجلَّ، ولأبي ذَرٍّ: ((وأَتبِع))؛ بفتح الهمزة وكسر المُوحَّدة؛ بصيغة الأمر، عطفًا على: «عليك بقريشٍ»، و((أصحابَ)): نُصِبَ على المفعوليَّة؛ أي: قال في حياتهم: اللَّهمَّ أهلكهم، وفي مماتهم: اللَّهمَّ أتبعهم اللَّعنة.

[1] في (ب) و(س): «سكون».
[2] في (د): «الأزديِّ».
[3] «قريش»: ليس في (د).
[4] «و»: سقط من (د).
[5] «اللَّعنة»: سقط من (م).
[6] «فهم»: سقط من (د).





520- ( أَشْقَاهُمْ ): هو عقبة بن أبي معيط. [/ج2ص575/]


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

520- وبالسند إلى المؤلف قال: ((حدثنا أحمد بن إسحاق)) هو ابن الحصين بن جابر السلمي (السُّرْماري) ؛ بِضَمِّ المهملة وسكون الرَّاء؛ كذا في «التقريب» و«لب الألباب»؛ نسبة إلى سرمار قرية من قرى بخارى، وهو الذي يضرب بشجاعته المثل، قتل ألفًا من الترك، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين، قاله الشَّارح، قلت: هو غير منسوب رواية الأكثرين، ولابن عساكر ما ذكرنا، ولأبي ذر والأصيلي: (السُّوْرَمارِي) ؛ بِضَمِّ المهملة، وسكون الواو، مع فتح الرَّاء، بعدها ميم ثم راء مكسورة بينهما ألف، وقال الشَّارح: السَِّرْماري؛ بكسر المهملة وفتحها وسكون الرَّاء الأولى، ومثله في «الكرماني» و«ابن حجر»، ((قال: حدثنا عُبيد الله)) بالتصغير ((بن موسى)) هو ابن باذام الكوفي ((قال: حدثنا إسرائيل)) هو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي، ((عن أبي [/ص741/] إسحاق)) هو عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي التَّابعي، تقدَّما في كتاب (العلم) ، ((عن عَمرو)) بفتح العين ((بن مَيْمُون)) ؛ بفتح الميم الأولى، وضم الثانية، بينهما تحتية ساكنة: هو أبو عبد الله الأَوْدِي _بفتح الهمزة وبالدَّال المهملة_ الكوفي، أدرك زمن النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم ولم يَلْقَه، وحج مئة حجة وعمرة، وأدَّى صدقته إلى عمال رسول الله عليه السَّلام، وهو الذي رأى قردة زنت في الجاهلية فاجتمعت عليها القردة ورجموها، توفي سنة خمس وسبعين، أفاده شارحنا في باب (إذا ألقي على ظهر المصلي قذر) ، قلت: وعلى هذا فهو تابعي مخضرم، وهو غير عمرو بن ميمون المخزومي؛ فافهم، ((عن عبد الله)) هو ابن مسعود، الصَّحابي الجليل، أحد العبادلة الأربعة، وكان قصيرًا دقيق الساقين، وكان الريح يأخذه حين يمشي، فرآه بعض الصَّحابة فتبسم، فقال له النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم: «لَسَاق عبد الله بن مسعود في الميزان أثقل من أحُد»، وإنما أطلقه البخاري ولم ينسبه لأبيه؛ لأنَّه المراد عند الإطلاق، كما أنَّه إذا أُطلِق الإمام الأعظم؛ فالمراد به: أبو حنيفة النعمان الكوفي التَّابعي رأس المجتهدين وسيدهم؛ فافهم، ((قال: بينما)) ؛ بالميم ظرف مضاف إلى الجملة بعده، والعامل فيه معنى المفاجأة التي في (إذ قال قائل) ، ولا يجوز أن تعمل فيه (يصلي) ؛ لأنَّه حال عن رسول الله صلى الله عليه وسلم المضاف إليه (بين) ، فلا يعمل فيه.

وزعم العجلوني (بينما) بالميم الكافة لـ (بين) عن الإضافة، انتهى.

قلت: فيه نظر؛ لأنَّ (بينا) بالألف كـ (بينما) بالميم مكفوفان عن الإضافة إلى المفرد ومضافان إلى الجملة، وهو مذهب الجمهور، وذهب قوم إلى أن (ما) والألف كافتان عن الإضافة، والجملة بعدهما لا محل لها من الإعراب، وذهب آخرون إلى أن الألف لا تكف عن الإضافة إلى الجملة، بخلاف (ما) ، والصَّحيح الأول، أفاده السيوطي في «همع الهوامع»، إذا علمت هذا؛ ظهر لك فساد ما زعمه العجلوني من وجوه لا نطيل بذكرها؛ فافهم.

((رسول الله صلى الله عليه وسلم)) : مبتدأ خبره قوله: ((قائم)) حال كونه ((يصلي)) ؛ أي: منفردًا ليس معه أحد من أصحابه، ويحتمل أنها الضُّحى، أو نفلًا محضًا، أو ركعتي الطواف، ويدل عليه قوله: ((عند الكعبة)) ؛ أي: البيت الحرام؛ أي: مقابل الكعبة ((وجمعُ قُرَيْش)) ، وفي (الفرع) : (وجمعٌ من قُرَيْش) ؛ بِضَمِّ القاف، وفتح الرَّاء، وسكون التحتية، مصغر قرش، وتصغيره للتعظيم، المراد بهم الأربعة المذكورون قريبًا؛ يعني: المراد الكفار منهم، فهو عام أريد به الخصوص بقرينة القصة، لا يقال: كيف جاز الدعاء على كل قريش وكان فيهم مسلمون كالصديق الأكبر رضي الله عنه وغيره؛ لأنَّا نقول: اللَّفظ لا عموم له، ومراده بالكفار منهم، ففيه: أن لفظ (قريش) موضوع لهذه القبيلة على العموم؛ فتأمل، ((في مجالسهم)) : جمع مجلس، و (قريش) : مأخوذ من التقرش؛ وهو التجمع لاجتماعهم بعد افتراقهم، وقيل: من القرش؛ وهو الكسب؛ لأنَّهم كانوا تجارًا، وقد سأل سيدنا الإمام معاوية الكبير خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم على التحقيق سيدنا عبد الله بن عبَّاس حبر هذه الأمة وترجمان القرآن لم سميت قريش؟ فقال: سميت بدابة في البحر يقال لها: القرش، تأكل ولا تؤكل، وتعلو ولا يعلى عليها.

وأجمعوا على أنَّه إذا أريد به الحي؛ صرف، وإن أريد به القبيلة؛ منع من الصرف، كما في سائر أسماء القبائل، فقريش: هم بنو النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، فكل من كان من ولد النضر؛ فهو قرشي دون بني كنانة ومن فوقه، وربما قالوا: قرشي [1] ، وقيل: قريش: بنو فهر بن مالك بن النضر، فمن لم يلده؛ فهو ليسبقرشي، والأصح الأول، قال تبع:

~وقريش هي التي تسكن البحر بها سميت قريش قريشا

~تأكل الغث والسمين ولا تترك [2] فيها لذي جناحين ريشا

~هكذا في البلاد حي قريش يأكلون البلاد أكلًا كميشا

~ولهم آخر الزمان نبي يكثر القتل فيهم والخموشا [3]

وتمامه في شرحنا على «الأزهرية» عند إعراب قوله تعالى: {لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ} [قريش: 1] .

((إذ قال قائل منهم)) هو أبو جهل كما صرح به مسلم في روايته، وقدمنا أن ما في (إذ) من معنى المفاجأة هو العامل في (بينما) ، ولا يصح أن يعمل فيه (يصلي) ؛ لأنَّه حال من رسول الله صلى الله عليه وسلم المضاف إليه (بين) ، فلا يعمل فيه، وهذا ما ذكره إمام الشَّارحين والكرماني، وتبعهما البرماوي.

ونظر فيه العجلوني بأن (ما) كافة لها عن الإضافة إلى المفرد، وزعم ابن حجر أن الظَّاهر: أن المضاف إليه (بين) هو الجملة الاسمية، و (ما) زائدة على كل حال، انتهى.

قلت: قد نقلنا عن «الهمع» آنفًا أن (بينا) و (بينما) يضافان إلى الجملة عند الجمهور، وهو الأصح، فما زعمه العجلوني وابن حجر مبني على القول الشاذ، فلا يعول عليه؛ فافهم، وتمامه في «إيضاح المرام فيما وقع في الفتح من الأوهام».

((أَلا تنظرون)) ؛ بفتح الهمزة، أداة استفتاح مراد بها التنبيه ((إلى هذا المرائي)) : اسم فاعل من الرياء؛ وهو التعبد في الملأ دون الخلوة؛ ليراه الناس، وهذه الجملة والتي بعدها مقول القول، والذي قال هذا هو أبو جهل، كما صرح به مسلم من رواية زكريا، وزاد فيه: (وقد نُحِرَت جزور بالأمس) ((أيُّكم)) بتشديد التحتية استفهامية ((يقوم إلى جَزُور)) ؛ بفتح الجيم وضم الزاي، من الإبل يقع على الذكر والأنثى، وهي تؤنث، والجمع: الجزر، يقال: جزرت الجزور أجزُرها؛ بالضم، واجتزرتها؛ إذا نحرتها، قاله إمامنا الشَّارح هناك.

وزعم ابن حجر أن الجزور ما يجزر؛ أي: يقطع، وردَّه شارحنا في «عمدة القاري»، فقال: (لا يدرى من أيِّ موضع نقله؟) واعترضه العجلوني فزعم أنَّه نقله من كتب اللُّغة، ففي «الصِّحاح»: جزرت الجزور أجزُرها؛ بالضم، واجتزرتها؛ إذا نحرتها، وفي «المحكم»: الجزور: الناقة المجزورة، والجمع: الجزائر، وفي «القاموس»: الجزور: البعير، أو خاص بالناقة المجزورة، انتهى.

قلت: هذا مبلغه من العلم، وما زعمه مردود عليه، فإنَّه لم يصرح أحد من أئمة اللُّغة أن معناه القطع، كما زعمه ابن حجر، فظهر أنَّه تفسير من عنده لا مستند له فيه ولا يعول عليه، بل ما ذكر من هذه النقول يشهد لما قاله إمامنا الشَّارح، فهذا دليل له لا عليه؛ فانظر التعصب البارد من ذي الذهن الشارد، وتمامه في «إيضاح المرام»؛ فافهم.

((آل فلانٍ)) بالتنوين، اسم مبهم لقبيلة من قبائل العرب لم تعرف أسماؤهم، قاله الشَّارح، وزعم ابن حجر يشبه أن يكونوا آل أبي معيط؛ لمبادرة عقبة بن أبي معيط إلى إحضار ما طلبوه منه، انتهى.

قلت: هذا رجم بالغيب؛ لأنَّه ليس له دليل، والدعوى بدون برهان لا تسمع، ومبادرة عقبة لذلك لا يدل على ما زعمه؛ لأنَّه لا يلزم من مبادرته أن يكون الجزور لآل أبي معيط، وإنما كان المبادر لأجل أن يفوز بهذه الشقاوة حتى يرضي أبا جهل، ويكون عنده مقدمًا مقربًا، على أنَّه قد اختلف في الذي بادر؛ فقيل: إنَّه أبو جهل نفسه؛ لقوله في الحديث: «فانبعث أشقاهم»، ولا ريب أنَّه أشقاهم، كما سيأتي؛ فافهم.

((فيَعمِدُ)) بالرفع عطف على (يقوم) ، ويروى بالنصب؛ لأنَّه وقع بعد الاستفهام، قاله إمامنا الشَّارح، وهو بفتح التحتية وكسر الميم،[/ص742/] من باب (ضرب) ، لكنه يتعدى باللَّام، كما ذكره في «الصِّحاح»؛ حيث قال: عمدت للشيء أعمد عمدًا: قصدت له؛ أي: تعمدت، انتهى، ((إلى فرثها)) ؛ أي: لفرثها على ما في «الصِّحاح» ((ودمها)) ، والفرث: التفل الذي في الكرش، وقال ابن عبَّاس: إن البهيمة إذا اعتلفت وأنضج العلف في كونها؛ كان أسفله فرثًا، وأوسطه لبنًا، وأعلاه دمًا؛ يعني: أن أوسطه يكون مادة اللبن، وأعلاه مادة الدم الذي يغذي البدن؛ لأنَّهما لا يكونان في الكرش، بل الكبد يجذب صفارة الطعام المهضم في الكرش، وكل حيوان له كرش إلا بني آدم، فإنَّه ليس له كرش، بل معدة وبها يجتمع المأكول وينهضم ويتولد دمًا وبلغمًا وسودًا وصفرًا، ويجري كل واحد إلى مكانه، فالدم مقره القلب، وسلطانه الدماغ، وتمامه في كتب الطب، وقد أغفل هذا المعنى العجلوني ولم يتعرض له ولم يصب في ذلك؛ لأنَّه مهم؛ فافهم، ((وسَلَاها)) ؛ بفتح السين المهملة واللَّام، وبالقصر؛ وهي الجلدة التي يكونفيها الولد، والجمع: أسلاء، وخص الأصمعي السلى بالماشية، وفي الناس بالمشيمة، وفي «المحكم»: السلى: يكون للناس والخيل، وفي «الصِّحاح»: السلى؛ مقصور: الجلدة الرقيقة التي يكون فيها الولد من المواشي، إن نزعت عن وجه الفصيل بساعة؛ يولد، وإلا؛ قتلته، وكذلك إذا انقطع السلى في البطن، وألف (السلى) منقلبة عن ياء تحتية، ويقويه ما حكاه أبو عبيد عن بعضهم أنَّه يقول: سليت الشاة؛ إذا نزعت سلاها، أفاده شارحنا الهمام هناك، وتخصيص الكرماني (السلى) بما يكون فيه ولد الناقة؛ تفسير وتخصيص من عنده مردود عليه؛ لأنَّه مخالف لأئمة اللُّغة؛ فليحفظ، ((فيجيء به)) أي: بما ذكر، ((ثم يمهلُه)) ؛ بالرفع أو النصب تبعًا لـ (يعمد) ، وهو من الإمهال؛ وهو الانتظار؛ يعني: ينتظره ((حتى إذا سجد)) ؛ أي: إلى أن يسجد النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم، فهو غاية للإمهال [4] ؛ ((وضعه)) ؛ أي: ما ذكر، وهو جواب (إذا) ، زاد المؤلف سابقًا: (على ظهره) ((بين كتفيه)) ؛ بالتثنية على الإضافة، كما قدمناه، وكأنَّه أمره أن يقف خلف ظهره، فلم يدر إلا وقد وضعه عليه، ((فانبعث أشقاهم)) ؛ أي: انتهض وأشرع، وهو مطاوع (بعث) ، يقال: بعثه وانبعثه بمعنًى؛ فانبعث؛ أي: أشقى القوم؛ وهو عقبة بن أبي مُعَيط؛ بضم أوله، وفتح ثانيه، كما سماه شعبة عند مسلم، وكذا الإسماعيلي، ورواه أبو داود في «مسنده» بلفظ: (فجاء عقبة بن أبي معيط فقذفه على ظهره) ، وقال الدَّاودي: أشقى القوم: هو أبو جهل، قلت: وعليه فكونه أشقاهم ظاهر في نفس الأمر، لكن الذي تولى ذلك هو عقبة؛ فافهم، والصَّحيح الأول، وعليه الشَّارحون وإمامهم، وإنما كان أشقاهم مع أن فيهم أبا جهل وهو أشد كفرًا منه؛ لأنَّه مع مشاركتهم في الكفر انفرد عقبة بالمباشرة فكان أشقاهم، ولهذا قتلوا في الحرب وهو قُتِلَ صبرًا، كما سيأتي.

((فلمَّا سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم)) أي: في صلاته؛ ((وضعه)) أي: ما ذكر على ظهره ((بين كتفيه)) ؛ بالتثنية والإضافة.

فإن قلت: لم لم يره النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم حين وضعه، وقد وَرَد أنَّه كان يرى من خلفه كما يرى من أمامه؟

قلت: يحتمل أنَّه لم يره؛ لأنَّه مشغول بالعبادة ومستغرق فيها، ويحتمل أنَّه رآه وتركه حتى فعل ما فعل؛ لينفذ قضاء الله تعالى فيهم، أو لأنَّه كان الإسلام وقتئذ ضعيفًا فخشي وقوع الفتنة فتركه، والله أعلم.

((وثبت)) أي: استقام أو استمر ((النَّبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم)) ؛ أي: في صلاته ((ساجدًا)) ؛ أي: لا يرفع رأسه، كما [في] رواية المؤلف هناك؛ أي: من السُّجود بل أبطأ فيه، ((فضحكوا)) ؛ أي: الجمع من قريش؛ أي: استهزاءً، قاتلهم الله تعالى ((حتى مال بعضهم إلى)) ؛ بمعنى: على، كما في رواية الأربعة، أو بالعكس ((بعض من الضحك)) ؛ أي: من كثرته، وكأنَّه وصل إلى حد القهقهة، عليهم الغضب.

وزعم العجلوني أن في رواية غير هذا الموضع: (حتى مال بعضهم إلى بعض من كثرة الضحك) .

قلت: فيه خفاء؛ لأنَّه لم يبين أن هذه في «البخاري» أم في غيره؟ وفي أي بحث هي؟ ومن رواها؟ والجهل في ذلك غير مقبول؛ فافهم.

((فانطلق منطلق)) : لم يعرف اسمه، وزعم ابن حجر يحتمل أنَّه ابن مسعود الراوي، انتهى، قلت: وهو غير صحيح؛ لأنَّه لو كان هو؛ لقال: فانطلقتُ، وإنما مراده أن المنطلق غيره، ويدل عليه رواية المؤلف في (الطهارة) ، ولفظه هناك: قال -أي: ابن مسعود-: (فانبعث أشقى القوم به فنظر حتى إذا سجد النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم؛ وضعه على ظهره بين كتفيه، وأنا أنظر لا أغني شيئًا لو كان لي منعة، قال: فجعلوا يضحكون ويحيل بعضهم على بعض ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساجد لا يرفع رأسه حتى جاءته فاطمة) ، فهذا يدل على أنَّ ابن مسعود قد كان حاضرًا وقتئذٍ، واستمر حضوره حتى جاءت فاطمة ونظر ما فعلته، وأن المنطلق غيره؛ لقوله: (وأنا أنظر) ؛ أي: إلى النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم وأنه قد ثبت ساجدًا وهو على ظهره إلى أن جاءت فاطمة، فهذا يدلُّ على أنَّه لم يفارقه، وأنَّه لم ينطلق، بل كان غيره؛ فليحفظ، ((إلى فاطمة)) هي ابنة النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم ((وهي جويرية [5] )) ؛ أي: صغيرة، وهو تصغير جارية، قاله الشَّارح، والظَّاهر: أنَّها كانت دون عشر أو دون البلوغ، وتزوجها علي بن أبي طالب وكان سنُّها خمس عشرة سنة وخمسة أشهر، بعد وقعة أحد، توفيت بعد أبيها بستة أشهر بالمدينة يوم الثُّلاث، لثلاث خلون من رمضان، ودفنت ليلًا، وفضائلها كثيرة، وكفى بها شرفًا كونها بضعة من النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم، أفاده الشَّارح هناك، ((فأقبلت)) أي: على أبيها عليه السَّلام ((تسعى)) أي: تمشي إليه بلين ورفق، وزعم العجلوني؛ أي: تسرع، قلت: هو تفسير من عنده؛ لأنَّ السعي ليس بمعنى: الإسراع، بل معناه: المشي عادة، كما ذكرنا، ويدلُّ عليه قوله عليه السَّلام: «إذا أتيتم الصلاة؛ فائتوها وأنتم تسعون، ولا تأتوها هرولة»، ولا يخفى أن الإتيان إلى الصلاة بالإسراع مكروه، وهو الهرولة، أما السعي؛ فهو بلين ورفق، وهو مراد الحديث وحديث الباب؛ لأنَّ الصلاة المطلوب فيها التذلل والخضوع في المشي إليها، والإسراع ينافيه؛ فافهم، ((وثبت النَّبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم ساجدًا)) ؛ أي: استقام أو استمر في صلاته حالة كونه ساجدًا لا يرفع رأسه من السُّجود، بل أبطأ فيه، ((حتى ألقته)) ؛ أي: رمت ما وضعوه عن ظهره عليه السَّلام، وعند المؤلِّف سابقًا: (فطرحته عن ظهره) ، وإنَّما لم يطرحه ابن مسعود رضي الله عنه مع أنَّه كان حاضرًا وقتئذٍ؛ لأنَّه لم يكن له بمكة عشيرة؛ لكونه هذليًّا حليفًا، وكان حلفاؤه إذ ذاك كفارًا، فخاف من أذاهم له، ويدلُّ عليه ما عند المؤلف قال: (وأنا أنظر لو كان لي منعة) _أي: عزٌّ وجاه_؛ (لطرحته) ، كما صرح به مسلم، وعند البزار: (وأنا أرهب منهم) ؛ فافهم.

((وأقبلت)) أي: فاطمة ((عليهم)) أي: على الجمع من قريش ((تسُبهم)) ؛ بِضَمِّ السين المهملة؛ أي: تشتمهم، زاد البزار في روايته: (فلم يردُّوا عليها شيئًا) ، ففيه: دليل على قوة نفس فاطمة الزهراء مع صغرها؛ لشرفها في نفسها وقوتها؛ لكونها صرَّحت بشتمهم وهم من رؤساء قريش، فلم يردُّوا عليها؛ خوفًا من أن تطرحه عليهم؛ لشدَّة تغيُّظها من هذا الفعل القبيح، قاتلهم الله تعالى، وهذا بعض أفعال الكلب المملوءة بالمكر والحسد والفجور، كما بيَّنتُ ذلك في كتابي «إنجاء الغريق المحزون [6] »؛ فافهم، ((فلما قضى رسول الله)) وللأصيلي: (النَّبي) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم الصلاة)) ؛ أي: فرغ من صلاته وأتمَّها، وعند البزار: (فلما قضى صلاته) ، وكذا للمؤلف في (الطهارة) ، ونحوه لمسلم والنسائي؛ ((قال اللهم)) أي: يا الله ((عليك بقريش)) ؛ أي: بهلاكهم، أو ألصق عذابك بكفار قريش، أو عليك بقريش الكفار، فهو على حذف مضاف أو صفة، وزاد البزار من رواية زيد بن أبي أنيسة عن أبي إسحاق: (فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد) ((اللهم عليك بقريش)) والمراد: الكفار منهم، أو من سمَّى منهم؛ وهم أبو جهل وأصحابه، فهو عامٌّ أريد به الخصوص بقرينة القصة، لا يقال: كيف جاز الدعاء على كل قريش وفيهم مسلمون؟ لأنا نقول: لا عموم للَّفظ؛ فافهم، ((اللهم عليك بقريش)) وعند أبي داود عن شعبة في هذا الحديث قال ابن مسعود: (لم أره دعا عليهم إلا يومئذٍ) ، وإنما استحقُّوا الدعاء حينئذٍ؛ لما قدموا عليه من التهكُّم والإيذاء حال عبادة[/ص743/] ربِّه سبحانه وتعالى ((ثلاثًا)) ؛ أي: قال هذه الجملة وكررها ثلاث مرات، وزاد مسلم في رواية زكريا: (وكان إذا دعا؛ دعا ثلاثًا، وإذا سأل؛ سأل ثلاثًا) ، وعند المؤلف في (الطهارة) : (فيشق ذلك _أي: الدعاء_ عليهم؛ إذ دعا عليهم، قال -أي: ابن مسعود-: وكانوا يرون أن الدعوة في ذلك البلد مستجابة) ؛ يعني: كان اعتقادهم إجابة الدعوة لا من جهة النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم، بل من جهة المكان؛ لشرف البلد ولتعظيمهم له مما بقي عندهم من شريعة إبراهيم الخليل عليه السَّلام، وعند مسلم من رواية زكريا: (فلما سمعوا صوته؛ ذهب عنهم الضحك وخافوا دعوته) ، ففيه: معرفة الكفار صدق النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم؛ لخوفهم من دعائه، ولكنْ لأجل شقائهم الأزلي؛ حملهم الحسد والعناد على ترك الانقياد له عليه السَّلام.

وفيه: جواز الدعاء على الظالم، وفصَّل بعضهم فقال: محلُّه ما إذا كان كافرًا، أمَّا المسلم؛ فيستحب الاستغفار له والدعاء له بالتوبة، قاله الشَّارح هناك.

وزعم ابن حجر أنَّه لو قيل: لا دلالة فيه على الدعاء على الكافر؛ لما كان بعيدًا؛ لاحتمال أنَّه عليه السَّلام اطَّلع عليهم أنَّهم لا يؤمنون، والأَولى أن يُدْعَى لكلِّ حيٍّ بالهداية، انتهى.

قلت: وفيه نظر، بل الحديث دالٌّ على جواز الدعاء على الكافر والظالم، ويدلُّ عليه عموم قوله تعالى حكاية عن نوح: {رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الكَافِرِينَ دَيَّارًا} [نوح: 26] ، وقوله تعالى: {أَلا لَّعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود: 18] ، لأنَّ في الدعاء بالهلاك لهم تخليص الناس من شرِّهم وأذاهم لا سيما من يتظاهر في زماننا في إيذاء المسلمين ويتجاسرون عليهم بالفجور والشرور، فلا ريب أن الدعاء عليهم جائز، بل لو قيل بوجوبه؛ لم يبعد لا سيما جماعة الكلب العقور المحشوَّة بالمكر والحسد والشرور، اللهم أحسن عاقبتنا.

((ثم سمَّى)) أي: عيَّن أفرادَ الجمع من قريش النَّبيُّ الأعظم صلى الله عليه وسلم في دعائه ما كان أجمله أولًا، ودعاؤه عليه السَّلام عليهم المجمل والمفصل إنَّما كان خارج الصلاة بعد الفراغ منها؛ لقوله فيما تقدم: (فلما قضى الصلاة) ، ولمسلم: (فلما قضى صلاته) ، وكذلك عند البزار وأبي داود، لكن في «مسلم»: أنَّه كان مستقبل القبلة، وذلك من عادته عليه السَّلام في الدعاء أنَّه يدعو دبر الصلاة مستقبل القبلة، ووقع عند المؤلف في (الطهارة) : (فطرحته عن ظهره، فرفع رأسه ثم قال: اللهم...) ؛ الحديث، ففيه: أنَّه قد يُتوَّهم أن الدعاء وقع في الصلاة؛ وهو ممنوع، فإنَّ تصريح المؤلف هنا ومسلم وغيرهما بقوله: (فلما قضى الصلاة) يدلُّ على أنَّه وقع بعد الفراغ من الصلاة، على أنَّ [7] كلمة (ثم) تشعر بمهلة بين الرفع والدعاء، وقد وقع بهذه المهلة بقية أفعال الصلاة، ويحتمل أن الراوي اختصر ذلك، والصَّواب: أن الرواية هناك مختصرة من الرواية هنا، ويدلُّ لها ما في «مسلم» وغيره، والروايات تفسِّر بعضها بعضًا؛ فليحفظ.

فقال: ((اللهم عليك بعَمرو بن هشام)) ؛ بفتح العين: المخزومي، وعند المؤلف في (الطهارة) : (اللهم عليك بأبي جَهل) ؛ بفتح الجيم، وهو كنية عمرو بن هشام، فلعله عليه السَّلام سمَّاه وكنَّاه معًا.

قلت: بل سمَّاه تارة، وكنَّاه أخرى؛ لأنَّه عليه السَّلام من عادته إذا دعا؛ دعا ثلاثًا، كما في «مسلم»، ويعرف أيضًا بابن الحنظلية، وكان أحول مأبونًا؛ لقول عتبة بن ربيعة فيه: سيعلم مصفر استه من انتفخ سحره، وكان يكنَّى في الجاهلية: بأبي الحكم، فكنَّاه عليه السَّلام بأبي جهل، وفيه يقول الشاعر:

~الناس كنَّوه أبا حكم والله كنَّاه أبا جهل

وقيل: يكنَّى أبا الوليد، ولمَّا رآه عليه السَّلام؛ قال: «هذا فرعون هذه الأمة».

((وعُتْبةَ)) بِضَمِّ العين، وسكون الفوقية، والجر بالفتحة، ((بن رَبيعة)) ؛ بفتح الرَّاء، بالجر بالفتحة، ابن عبد شمس، ((وشيبة بن ربيعة)) هو أخو عتبة، ((والوَلِيد بن عُتْبة)) ؛ بِضَمِّ العين وسكون المثناة الفوقية، وواو الوَلِيد مفتوحة ولامه مكسورة، وهو المذكور آنفًا، ووقع عند مسلم من رواية زكريا: (والوليد بن عقبة) ؛ بالقاف، وهو وهَمٌ نبَّه عليه ابن سفيان الراوي عن مسلم، وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق شيخ مسلم على الصَّواب، أفاده إمامنا الشَّارح هناك، ((وأُمَيَّةَ)) ؛ بالجر بالفتحة عطفًا على المجرور، وهو بِضَمِّ الهمزة، وتخفيف الميم، وتشديد التحتية ((بن خلف)) هو ابن صفوان بن أمية، وعند المؤلف في (الطهارة) : (أو أُبَي بن خلف) بالشك من شعبة، والصَّحيح: أميَّة؛ لأنَّ المقتول ببدر أميَّة بإطباق أصحاب المغازي عليه، وأخوه أُبَي بن خلف قُتِلَ بأُحُد، قاله الشَّارح، ((وعُقْبة)) بِضَمِّ العين وسكون القاف ((بن أبي مُعَيْط)) ؛ بِضَمِّ الميم، وفتح المهملة، وسكون التحتية، آخره طاء مهملة، واسمه أبان بن أبي عمرو لعنه الله، ((وعُمَارة)) بِضَمِّ العين المهملة، وتخفيف الميم ((بن الوَلِيد)) ؛ بفتح الواو مع كسر اللَّام، ابن المغيرة، وعند المؤلف في (الطهارة) : (وعد السَّابع فلم يحفظه) ، قال إمامنا الشَّارح: ولم يذكره الراوي هناك، وههنا ذكره؛ لأنَّه هناك نسيه وهنا تذكره، انتهى، وقد خبط الكرماني هنا وخلط؛ فاجتنبه، ونقله العجلوني عنه؛ فافهم.

((قال عبد الله)) أي: ابن مسعود رضي الله عنه: ((فوالله)) وعند المؤلف: (فوالذي نفسي بيده) ، وعند مسلم: (والذي بعث محمَّدًا بالحق) وعند النسائي: (والذي أنزل عليه الكتاب) ، والمراد باليد: القدرة؛ أي: بقدرته، ولعلَّ ابن مسعود قال ذلك كله تأكيدًا وتأسيسًا لكلامه، ففيه: جواز الحلف من غير استحلاف، وإنما صدَّر كلامه باليمين؛ لشدَّة تثبُّته فيما يقوله فيهم لعنهم الله، ((لقد رأيتهم)) ؛ أي: الجمع من قريش، زاد المؤلف: (لقد رأيت الذين عدَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم) ((صرعى)) : جمع صريع، كجرحى جمع جريح، مفعول ثانٍ لـ (رأيت) ، قاله إمامنا الشَّارح وتبعه القسطلاني؛ أي: مقتولين.

وزعم العجلوني أنَّه ينبغي أن يكون حالًا؛ فإنَّ (رأيت) بصرية، وإن أمكن توجيه الأول بمعنى: مقتول، انتهى.

قلت: وفيه بُعد؛ لأنَّ الصَّواب: كونه مفعولًا ثانيًا؛ لأنَّ (رأيت) علمية؛ بمعنى: اعتقدت؛ أي: صِدْقه عليه السَّلام في الدعاء عليهم حيث إنَّه نفذ فيهم قريبًا، ولهذا أكَّده بالأيمان؛ فافهم.

((يوم بدر)) : هي اسم موضع الغزوة العظمى المشهورة، وهي ماء معروف على نحو أربع مراحل من المدينة مذكرًا ومؤنثًا، وقيل: بدر: بئر كانت لرجل يسمى بدرًا، فسميت باسمه، انتهى، ((ثم سُحِبوا)) ؛ بِضَمِّ أوله على البناء للمفعول؛ أي: جُرُّوا كما يُجرُّ الكلب المنتن ((إلى القَلِيب)) ؛ بفتح القاف وكسر اللَّام، وهو البئر قبل أن تطوى، يذكَّر ويؤنَّث، وقال أبو عبيد: هي العادية القديمة من لدن عاد لا يعرف صاحبها، وقال ابن سيده: هي البئر مطلقًا، وجمع القلة: أقلبة [8] ، والكثرة: قُلُب، أفاده إمامنا الشَّارح، ((قَلِيبِ بدر)) ؛ بالجر بدل من سابقه؛ على حد قوله تعالى: {لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ} [العلق: 16،17] ، ويجوز فيه الرفع والنصب من جهة العربية، أمَّا الرفع؛ فعلى أنَّه خبر مبتدأ محذوف؛ تقديره: هو قليب بدر، وأمَّا النصب؛ فعلى تقدير: أعني قليبَ بدر، قاله إمام الشَّارحين، فأفاد أن الرواية بالجر فقط، وبهذا ظهر فساد تعميم العجلوني الأوجه الثلاثة مع عدم بيان الرواية منها؛ فافهم.

زاد شعبة في روايته: (إلا أميَّة فإنَّه تقطَّعت أوصاله؛ لأنَّه كان بادنًا؛ أي: سمينًا، وإلا عمَارة فإنَّه مات في خلافة عمر رضي الله عنه في أرض الحبشة) ، فعلى هذا يحمل قوله: (لقد رأيتهم) ؛ أي: رأيت أكثرهم؛ فتأمل، وقد يقال: إنَّه رآهم جميعًا صرعى؛ أي: مطرحين في القَلِيب ولا يدري هل قتلوا جميعًا أم أكثرهم؟ فأخبر عمَّا رآه منهم؛ فهو على إطلاقه؛ فتدبَّر.

واعلم أن أبا جهل قتله معاذ بن عمرو بن[/ص744/] الجموح ومعاذ بن عفراء [9] ، كما ذكره في «الصَّحيحين»، ومرَّ عليه ابن مسعود رضي الله عنه وهو صريع، فاحتزَّ رأسه، وأتى به النَّبيَّ الأعظم صلى الله عليه وسلم فقال: هذا رأس عدوِّ الله، فنَفَّله النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم بسيفه، وقال: «الحمد لله [الذي] أخزاك يا عدوَّ الله، هذا كان فرعون هذه الأمة ورأس أئمة الكفر»، وفي رواية البيهقي: (فخرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ساجدًا) ، قلت: ففيه: دليل على استحباب سجدة الشُّكر، وأنَّها مشروعة، وعلى أنَّ الإنسان إذا كان له عدوٌّ فهلك، أو حاجة قضيت؛ أن يحمد الله ويسجد لله تعالى شكرًا لما أنعمه عليه؛ فليحفظ.

وأمَّا عتبة بن ربيعة؛ فقتله حمزة، وقيل: علي.

وأمَّا شيبة بن ربيعة؛ فقتله حمزة أيضًا.

وأمَّا الوليد بن عتبة؛ فقتله عبيدة بن الحارث وقيل: علي.

وأما أميَّة بن خلف؛ فقيل: قتله رجل من الأنصار، وقيل: قتله خارجة بن زيد، وقيل: حبيب بن أساف، وفي السِّيَر من حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: أن بلالًا رضي الله عنه خرج إليه ومعه نفر من الأنصار، فقتله، وذكر ابن الجوزي أنَّه عليه السَّلام قتله وكان بدينًا؛ أي: سمينًا، فلما قتل؛ انتفخ، فألقوا عليه التراب حتى غيبه، ثم جُرَّ إلى القليب فتقطَّع قبل وصوله إليه، وكان من المستهزئين الذين قال الله تعالى في حقهم خطابًا لنبيِّه الأعظم صلى الله عليه وسلم: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ المُسْتَهْزِئِينَ} [الحجر: 95] ، وفيه نزل قوله تعالى: {وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ} [الهمزة: 1] ، وهو الذي كان يعذب بلالًا رضي الله عنه في مكة.

وأما عقبة بن أبي معيط؛ فقتله علي رضي الله عنه، وقيل: عاصم بن ثابت، والأصح: أن النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم قتله بعد انصرافه من بدر على ثلاثة أميال مما يلي المدينة، فهو لم يقتل ببدر، بل حمل منها أسيرًا، فقتله عليه السَّلام بهذا الموضع، ويسمَّى عرق الظبية، وهو من الروحاء، وقيل: إنَّه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أتقتلني من بين سائر قريش؟ قال: «نعم»، ثم قال: «بينا أنا بفناء الكعبة وأنا ساجد خلف المقام؛ إذ أخذ بمنكبي، فلف ثوبه على عنقي، فخنقني خنقًا شديدًا، ثم جاء مرة أخرى بسلى جزور بني فلان»، وكان عقبة من المستهزئين أيضًا، وذكر ابن حبيب أنَّه من زنادقة قريش.

وأمَّا عمارة بن الوليد؛ فإنَّه مات بأرض الحبشة زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وله قصة مع النجاشي، وحاصلها: أن عمارة قد تعرض لامرأة النجاشي فأمر ساحرًا فنفخ في إحليل عمارة من سحره عقوبةً له، فتوحش وصار مع البهائم إلى أن هلك لعنه الله.

((ثم قال رسول الله)) وللأصيلي: (النَّبي) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم)) ؛ أي: بعد سحبهم وإلقائهم في القليب مع غيرهم؛ لأنَّ الذين ألقوا فيه بضعة وعشرون رجلًا، كما رواه قتادة عن أنس عن أبي طلحة، وفي رواية: (أربعة وعشرين رجلًا من صناديد قريش، فألقوا في طوًى من أطواء بدر) ، وكلمة (ثم) تشعر بها.

وزعم العجلوني؛ أي: بعد قتلهم.

قلت: وفيه بُعد؛ لأنَّهم لم يصيروا من أصحاب القليب إلا بعد إلقائهم فيه؛ فافهم.

((وأُتْبع أصحاب القليب لعنة)) : (وأُتبع) ؛ بِضَمِّ الهمزة، إخبار من الرسول صلى الله عليه وسلم بأنَّ الله أتبعهم اللعنة؛ أي: كما أنهم مقتولون في الدنيا مطرودون عن رحمة الله في الآخرة، ويروى: (وأَتبع) ؛ بفتح الهمزة، ويروى: بلفظ الأمر، فهو عطف على قوله: (اللهم عليك بقريش) ؛ أي: قال في حياتهم: اللهم أهلكهم، وقال في هلاكهم: أتْبِعْهم اللعنة، قاله إمامنا الشَّارح.

قلت: فيكون على الأول فعلًا ماضيًا مبنيًّا للمفعول، و (أصحاب) : مرفوع نائب فاعل، وعلى الثاني: منصوب، والله أعلم.

فإن قلت: إلقاؤهم في البئر دفنٌ لهم، والحربيُّ لا يجب دفنه، بل يترك في الصحراء، وهم كانوا حربًا.

قلت: إلقاؤهم في البئر كان تحقيرًا لهم؛ لئلا يتأذى الناس برائحتهم، ولم يكن دفنًا.

فإن قلت: في «سنن الدارقطني»: من سننه عليه السَّلام في مغازيه: إذا مرَّ بجيفة إنسان؛ أمر بدفنه ولا يسأل عنه مؤمنًا كان أو كافرًا.

قلت: إنَّما كان لا يسأل؛ لأنَّه كان يعلم بالوحي أنَّه إذا كان مؤمنًا؛ كان يستحقُّ الدفن؛ لكرامته، وإن كان كافرًا؛ فلئلا يتأذى الناس برائحته، على أنَّ المراد بدفنه ليس دفنًا شرعيًّا، بل صبُّ التراب عليه؛ للمواراة.

فإن قلت: صبُّ التراب عليهم كان يقطع رائحتهم.

قلت: كان إلقاؤهم في البئر أيسر عليهم في ذلك الوقت مع زيادة التحقير لهم.

فإن قلت: كيف كان إلقاؤهم في البئر والناس ينتفعون بمائها؟

قلت: البئر لم يكن فيها ماء، وكانت عادية [10] مهجورة، وقيل: إنَّه وافق أنَّه كان حفرها رجل من بني النار، اسمه بدر بن قريش بن مخلد بن النضر بن كنانة، الذي سميت قريش به على أحد الأقوال، فكان ذلك فألًا مقدمًا لهم، انتهى.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة؛ حيث إنَّ فاطمة رضي الله عنها ألقت وطرحت عن أبيها عليه السَّلام الأذى وهو في الصلاة ولم تضر صلاته، كما ذكرناه أول الباب.

قال الكرماني: وفي الحديث: الدعاء على الكفار إذا آذوا المؤمنين، وكان هؤلاء ممن لا يرجى دخولهم في الإسلام، وأجاب الله دعوته فيهم، وأنزل في شأنهم: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ المُسْتَهْزِئِينَ}، وأمَّا من رُجي منهم الإسلام؛ فلم يدع عليهم، بل دعا لهم بالهداية والتوبة والدخول في الإسلام، انتهى.

قلت: وفيه نظر؛ لأنَّه ليس في الحديث ما ذكره من التفصيل، وليس فيه أنَّه كان يدعو بالهداية والتوبة، وإن كان ذُكِر في غيره، وما ذكره من أنَّه إن رجي إسلامه؛ لا يدعو عليه؛ مخصوص بزمن النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّه ينزل عليه الوحي بذلك، أما في زماننا؛ فلا وحي، ورجاء الإسلام من الكفار مستحيل؛ لما يشاهد من عنادهم في كفرهم ونفاقهم؛ لأنَّ كثيرًا [11] ما قد دخل بعضهم في الإسلام، ثم ارتدَّ _والعياذ بالله_، ورجع إلى كفره وضلاله، ولم يثبت واحد منهم على الإسلام، فإذا كان الأمر كذلك؛ جاز الدعاء عليهم بالهلاك مطلقًا سواء رجي أم لا، كما قدمناه؛ فافهم.

وفي الحديث: دلالة على أنَّ من عرض له في أثناء صلاته ما يمنع انعقادها ابتداء؛ لا تفسد صلاته، كما لو عرضت له نجاسة فأزالها في الحال ولا أثر لها، فإنَّها لا تفسد صلاته بالاتفاق، فيحتمل أنَّ فاطمة طرحته قبل مضي زمان أداء ركن، ويحتمل أنَّه قد فرغ من صلاته وسجد بعدها شكرًا لله تعالى، أو كان عليه سجود سهو فسجده وهو ساجد؛ جاء عقبة فطرحه عليه، والسجدة لا توصف وحدها بصلاة، ويدل على هذا ما عند المؤلف في (الطهارة) : (فرفع رأسه -أي: من السُّجود- ثم قال: «اللهم») ، وللبزار: (فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد؛ اللهم عليك») ، فهذا يدلُّ على أنَّ الدعاء وقع عقيب الرفع من السُّجود وأنَّ المطروح كان في حال السُّجود؛ الشُّكر أو السَّهو، وهذا لم يضر صلاته، والروايات التي فيها: (فلما قضى صلاته) ظاهرة أيضًا؛ لأنَّه قد قضى صلاته وانتقل إلى سجود الشُّكر أو السَّهو، وهو توفيق بين الروايات، وتصحيح لحكم الصلوات؛ فتأمل.

وزعم الخطابي أنَّ أكثر العلماء على أنَّ السَّلى نجس، وتأولوا معنى الحديث على أنَّه عليه السَّلام لم يكن تُعُبِّد إذ ذاك بتحريمه؛ كالخمر كانوا يلابسون الصلاة وهي تصيب ثيابهم وأبدانهم قبل نزول التحريم، فلمَّا حرمت؛ لم تجز الصلاة فيها، واعترضه ابن بطال بأنَّه لا شكَّ أنَّها كانت بعد نزول قوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4] ؛ لأنَّها أول ما نزل عليه من القرآن قبل كل صلاة، ورُدَّ عليه بأنَّ الفرث ورطوبة البدن طاهران، والسَّلى من ذلك.

قال النَّووي: وهذا ضعيف؛ لأنَّ روث ما يؤكل لحمه ليس بطاهر؛ لأنَّه يتضمن النَّجاسة من حيث إنَّه لا ينفكُّ من الدم في العادة، ولأنه ذبيحة عبدة الأوثان، فهو نجس، انتهى.

قلت: وهذا ليس بضعيف؛ [/ص745/] لأنَّ روث مأكول اللحم طاهر، يدلُّ عليه ما رواه المؤلف في باب (الصلاة في مرابض الغنم) ، عن أنس قال: (كان النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم يصلي في مرابض الغنم) ، وروى في باب (الصلاة في مواضع الإبل) ، عن نافع قال: (رأيت ابن عمر رضي الله عنهمايصلي إلى بعيره، وقال: رأيت النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم يفعله) ، فهذا يدل على طهارة روث مأكول اللحم وبوله؛ لأنَّ المرابض لا تخلو عن الروث والبول، فدلَّ على أنَّهم كانوا يباشرونها في صلاتهم، فلا تكون نجسه، وحاله عليه السَّلام أجلُّ وأعظمُ من أن يصلي في مكان نجس، وهذا قول الإمام محمَّد بن الحسن، ومالك، والشعبي، والنخعي، وعطاء، والزهري، والثَّوري، وابن سيرين، وابن المنذر، وابن حبان، وابن خزيمة، والروياني، والإصطخري من الشَّافعية، وجماعة، وكفى بهؤلاء قدوة، فكيف يكون ضعيفًا؟!

وقوله: (ولأنَّه ذبيحة عبدة الأوثان) ، قال إمامنا الشَّارح: لو كان كما ذكر؛ كان جميع أجزائها نجسة.

قلت: وهذا إنَّما كان قبل التعبُّد بتحريم ذبائحهم.

واعترض أنَّه يحتاج إلى تأريخ، ولا يكفي فيه الاحتمال.

قلت: الاحتمال الناشئ عن دليل كافٍ، ولا شكَّ أن تماديه عليه السَّلام في هذه الحالة قرينة تدلُّ على أنَّه كان قبل تحريم ذبائحهم؛ لأنَّه عليه السَّلام لا يستقر على أمر غير مشروع ولا يقرر غيره عليه؛ لأنَّ حاله أجلُّ وأعظم من ذلك، انتهى.

ثم قال النَّووي: والجواب عن الحديث: أنَّه عليه السَّلام لم يعلم ما وضع على ظهره، فاستمر في سجوده؛ استصحابًا للطهارة، وما يدرى هل كانت هذه الصلاة فريضة فيجب إعادتها، أو غيرها فلا يجب؟ وإن وجبت الإعادة؛ فالوقت يوسع لها، فلعله أعادها، انتهى.

واعتُرض عليه بأنَّه لو أعاد؛ لنُقل، ولم ينقل عنه الإعادة.

وأجاب عنه إمام الشَّارحين: بأنَّه لا يلزم من عدم النقل عدم الإعادة في نفس الأمر، بل يجوز أنَّه أعادها لمَّا علم من فاطمة أنَّها [12] طرحت عنه الأذى وهو في الصلاة.

فإن قلت: كيف لا يعلم بما وضع على ظهره وأن فاطمة ذهبت به قبل أن يرفع رأسه؟

قلت: لا يلزم من إزالة فاطمة إياه عن ظهره إحساسه عليهالسلام بذلك؛ لأنه كان إذا دخل في الصلاة؛ استغرق باشتغاله بالله تعالى [13] ، ولئن سلمنا إحساسه به، فقد يحتمل أنَّه لم يتحقق نجاسته، والدليل عليه أن شأنه أعظم من أن يمضي في صلاته وبه نجاسة، وقد يقال: إن الفرث والدم كانا داخل السلى [14] وجلده الظَّاهر طاهر، فكان كحمل القارورة المرصَّعة، انتهى.

واعترضه العجلوني فزعم أن هذا الجواب غير صحيح؛ لأنَّ حمل النَّجاسة في الصلاة ولو في قارورة طاهرة غير جائز، انتهى.

قلت: هذا مردود عليه، بل هذا الجواب صحيح؛ لأنَّ النَّجاسة ما دامت في معدنها تجوز فيها الصلاة، ألا ترى أن الإنسان يصلي والحال أنَّه حامل في بطنه أرطالًا من النَّجاسة ولا يسع أحدًا أن يحكم بعدم صحة صلاته؟! قال في «الفتاوي الظهيرية»: الصبي إذا كان ثوبه نجسًا أو هو نجس فجلس على حجر المصلي وهو يستمسك بنفسه أو الحمَام النجس إذا وقع على رأس المصلي وهو يصلي؛ جازت صلاته؛ لأنَّه لم يصر المصلي حاملًا للنجاسة، كذا في «البحر الرَّائق»، وكذا لو مسَّ المصلي نحو حائط نجس بيابس في الصلاة لا يضرُّه؛ لأنَّه لا يعدُّ حاملًا للنجاسة، كما في «شرح النقاية» للقهستاني، وكذا لو صلى وفي كمِّه بيضة مزرة قد صار مخُّها دمًا؛ جازت صلاته؛ لأنَّه في معدنه، والشيء مادام في معدنه لا يعطى له حكم النَّجاسة، كذا في «المحيط».

فالحاصل: أن الفرث والدم كانا داخل السلى [15] وجلدته الظَّاهرة طاهرة، فالنَّجاسة في معدنها، والشيء ما دام في معدنه لا يعطى له حكم النَّجاسة؛ فليحفظ.

وزعم أشهب أن الحديث حجَّة على أنَّ إزالة النَّجاسة ليست بواجبة، قاله القرطبي.

وردَّه إمامنا الشَّارح بأنَّ الدلائل القطعية توجب إزالتها عن ثوب المصلي وبدنه والمكان الذي يصلي فيه، فهي ترد عليه، انتهى.

وهذا الحديث قد سبق في باب (إذا ألقي على المصلي قذر؛ لا تفسد صلاته) ، وتقدم الكلام [عليه] ، والله تعالى أعلم.

[1] زيد في الأصل: (وهو العباس)، ولعل الصواب حذفه.
[2] في الأصل: (تزل)، ولعل المثبت هو الصواب.
[3] في الأصل: (والحمق بشا)، ولعل المثبت هو الصواب.
[4] في الأصل: (للإمهار) ، وهو تحريف.
[5] في الأصل: (جويرة) ، ولعل المثبت هو الصواب.
[6] في الأصل: (المخزون)، ولعل المثبت هو الصواب.
[7] في الأصل: (أنه)، ولعل المثبت هو الصواب.
[8] في الأصل: (أقبلة) ، وهو تحريف.
[9] في الأصل: (غفراء)، وهو تصحيف.
[10] في الأصل: (عادته) ، وهو تصحيف.
[11] في الأصل: (كثير)، ولعل المثبت هو الصواب.
[12] في الأصل: (أنَّه) ، ولعل المثبت هو الصواب.
[13] زيد في الأصل: (أعلم).
[14] في الأصل: (الصلاة)، وليس بصحيح.
[15] في الأصل: (الصلاة)، وليس بصحيح.