المستند التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

516-. حدَّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قالَ: أخبَرَنا [1] مالِكٌ، عن عامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عن عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ:

عن أَبِي قَتادَةَ الأَنْصارِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يُصَلِّي، وهو حامِلٌ أُمامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ بِنْتِ [2] رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلأَبِي العاصِ بْنِ رَبِيعَةَ [3] بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ [4] ، فَإِذا سَجَدَ وَضَعَها، وَإِذا قامَ حَمَلَها.

الأطراف



[1] في رواية الأصيلي: «حدَّثنا».
[2] في رواية [عط] : «بنةِ».
[3] صحَّح عليها في اليونينيَّة في أولها وآخرها.
[4] في هامش اليونينية: حاشية علىَ أصل أصله: الصواب: أبو العاص بن الربيع بن عبد العزىَ بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، اختُلف في اسمه، فذكر الأكثر: لَقِيط.اهـ. قال في الفتح: (كذا رواه الجمهور عن مالك، ورواه يحيىَ بن بُكير ومعن بن عيسىَ وأبو مصعب وغيرهم عن مالك فقالوا: (ابن الربيع) وهو الصواب... والواقع أنَّ مَن أخرجه من القوم من طريق مالك كالبخاري فالمخالفة فيه إنما هي من مالك.اهـ.





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

516- ( الزُّرَقِيِّ ) بزاي مضمومة وراء مفتوحة [وقاف] [1] نسبة لبني زُريق من الأنصار.

( وَهْوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ ) يجوز في ( حامل ) التنوين والإضافة ويظهر أثر ذلك في قوله: ( بِنْتَ ) فيجوز فيها الفتح والكسر بالاعتبارين، وأما ( بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ) فبالكسر خاصة.

[1] ما بين معقوفين زيادة من [ف] .





516# (وَهْوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ [1] ) يجوز في ((حامل [2] )) التنوينُ، وتركُه للإضافة، ويظهر أثرُ ذلك في قوله: بنت زينب، فيجوز فيها: الفتح والكسر، بالاعتبارين [3] .

قال الزركشيُّ: وأما بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبالكسر خاصة .

قلت: يريد: لأنها صفةٌ لزينبَ، وهي [4] مجرورة قطعًا، فإن ثبتت الرواية كما قال، فلا كلامَ، وإلا فمقتضى العربية جوازُ القطع بوجهين [5] : رفعًا ونصبًا.

(وهي لأَبِي [6] الْعَاصِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ) صهرُ النَّبي صلى الله عليه وسلم هذا إنما هو أبو العاصِ بنُ الربيع، لا ابنُ ربيعة، كما في الأصل، كذا قاله غيرُ واحدٍ.

[1] في (د): ((لأمامة)).
[2] في (ق): ((لجواز في حال)).
[3] في (ق): ((باعتبارين)).
[4] في (ق): ((وهو)).
[5] في (ق): ((توجيهه)).
[6] في المتن: ((ولأبي)) .





516- قوله: (عَنْ عَمْرِو [1] بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ): (سُلَيم) ؛ بضمِّ السِّين، وفتح اللام، و (الزُرَقيُّ) ؛ بضمِّ الزاي، وفتح الرَّاء المخفَّفة، ثمَّ قاف، ثمَّ ياء النسبة، وكلُّه معروف عند أهله.

قوله: (عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ): تقدَّم أنَّه فارس رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، الحارث بن ربعيٍّ، وقيل: النُّعمان أو عمرو، تقدَّم [2] بعض ترجمته.

قوله [3] : (وَهْوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ؛ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم): (أمامة): هذه هي بنت أبي العاصي بن الربيع، واسم والدها لقيط، وقيل: مِهْشَم [4] ، وقيل: ياسر، وقيل: هاشم، وقيل: هُشَيم، وقيل: القاسم، وقيل: مِقْسَم [5] بن الربيع -على الصَّواب- ابن عبد العزَّى بن عبد مناف، القرشيَّة العبشميَّة، أمُّها زينب بنتُ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، كان عليه الصَّلاة والسَّلام يحبُّها، وحملها في الصَّلاة، تزوَّجها عليٌّ رضي الله عنه بعد وفاة فاطمة، وكانت فاطمة رضي الله عنها أوصته بذلك، ثمَّ تزوَّجها بعد عليٍّ رضي الله عنه المغيرةُ بن نوفل بن الحارث بن عبد المطَّلب بن هاشم، فولدت له يحيى، وبه كان يُكنَى، وماتت عند المغيرة، وقيل: إنَّه لم تلد لعليٍّ، ولا للمغيرة، والمغيرة هذا له رؤية، وكان من أنصار عليٍّ رضي الله عنهما، وله جماعةُ إخوةٍ، وقد ترجمه أبو عمر في «استيعابه»، وكان قد بذل معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب لأُمامة هذه بعد أن حلَّت من عليٍّ مئةَ ألف دينار على أن تتزوَّج به، فلم تفعل، وليس لزينب بنت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ولا لرقيَّة، ولا لأمِّ كلثوم رضي الله عنهنَّ [6] عقبٌ، وإنَّما العَقِب لفاطمة رضي الله عنها.

قوله: (وَلأَبِي الْعَاصِي بْنِ رَبيِعَةَ): قال الدِّمياطيُّ: (صوابه: أبو العاصي بن الربيع بن عبد العزَّى بن عبد شمس بن عبد مناف، وربيعة بن عبد العزَّى عمُّ أبي العاصي، وأمُّ أبي العاصي هالةُ بنت خويلد أختُ خديجة لأبويها) انتهى، وقال ابن قُرقُول: (وفي «المُوطَّأ»: «ولأبي العاصي بن ربيعة بن عبد شمس»، كذا ليحيى، وابن أبي بكير، وابن قعنب، وابن يوسف، وكذا للتِّنِّيسيِّ في «البخاريِّ»، ولغير يحيى ومَن ذكرناه: «ابن ربيع»؛ بغير هاء، وكذا لابن وضَّاح، ولابن عبد البرِّ، وهو الصَّواب، واسم أبيه الربيع؛ بلا شك، غير أنَّ الأصيليَّ قال: إنَّ النَّسَّابين يقولون: هو أبو العاصي بن ربيع بن [7] ربيعة، فمن نسبه إلى جدِّه؛ قال: ابن ربيعة، قال أبو الفضل: وهذا غير معروف، بل لا أعلم مَن نسبه كذلك، واسم أبي العاصي لقيط، وقيل: القاسم، وقيل: مِقْسَم، وقيل: مِهْشم) انتهى.

فائدة: إن قيل: في أيِّ صلاة حملها؟ فالجواب: أنَّه كان في صلاة الظُّهر أو العصر، كذا بالشَّكِّ في بعض طرق هذا الحديث، وقد روى الزُّبير بن بكَّار في كتاب «النَّسب» -كما قاله محبُّ الدين الطَّبريُّ-: (أنَّ ذلك كان في صلاة الصُّبح) انتهى، وقال السُّهيليُّ في غزوة بدر من «الرَّوض»: في خبر أبي رافع قال عمرو بن سُلَيم: (كانت صلاة الصُّبح) ، كذا رواه ابن جريج، عن أبي [8] عتَّاب، عن عمرو بن سُلَيم، ورواه ابن إسحاق في غير «السِّيرة» عن المقبريِّ، عن عمرو بن سُلَيم، فقال فيه: (إحدى صلاتي العشيِّ؛ الظهر أو العصر) انتهى، وقد رأيت بخطِّ شيخنا الإمام أبي جعفر الغرناطيِّ [9] على حاشية نسخته بـ«البخاريِّ»: (أنَّ حمْلَها كان في صلاة الصُّبح، وأنَّ ذلك في «الصَّحيحين»، قال: وفيه ردٌّ على مالك؛ حيث قال: كان ذلك في النافلة) انتهى، ويُحرَّر ما قاله عن «الصَّحيحين»، فإنِّي لم أرَه فيهما، والله أعلم.

[1] في (ج): (عمر) ، وهو تحريف.
[2] في (ج): (عمرو تقدَّم) .
[3] (قوله): سقط من (ب) .
[4] في (ج): (مهشم، وقيل: لقيط) ، وعليها في (أ) علامة تقديم وتأخير.
[5] (وقيل مقسم): سقط من (ج) .
[6] في (ج): (عنهم) .
[7] في (ج): (من) ، وهو تحريف.
[8] في (ج): (ابن) .
[9] في (ج): (العرباطي) ، وهو تصحيف.





516- (حَامِل أُمَامَةَ): بالإضافةِ، وفي بعضِها بالتَّنوينِ.

فإنْ قلتَ: قال النُّحاةُ: فإنْ كانَ اسمُ الفاعلِ للماضي؛ وجبتِ الإضافةُ، فما وجهُ عملِه؟

قلتُ: إذا أُريدَ به حكايةُ الحالِ الماضيةِ؛ جازَ إعمالُه؛ كقولِه تعالى: {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ} [الكهف: 18] .

(وَلِأَبِي الْعَاصِ): إنْ قلتَ: ما هذِه اللامُ؟

قلتُ: الإضافةُ في (بِنْتَ زَيْنَبَ) بمعنى اللَّام [1] ، فأظهرَ ههنا ما هوَ مقدَّرٌ في المعطوفِ عليه.

[1] أي: بنتٌ لِزينب.





516- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ: ((حدَّثنا)) (مَالِكٌ) إمام دار الهجرة (عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ) بفتح العين وضمِّ [1] السِّين (الزُّرَقِيِّ) بضمِّ الزَّاي وفتح الرَّاء، الأنصاريِّ (عَنْ أَبِي قَتَادَةَ) الحارث بن ربعيٍّ (الأَنْصَارِيِّ) السَّلميِّ رضي الله عنه: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي وَهْوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ) بتنوين «حاملٌ»، وضمِّ همزة «أُمَامةَ»، وتخفيف ميمها، والنَّصب، والجملة اسميَّةٌ حاليَّةٌ، ورُوِي: ((حاملُ أمامة))؛ بالإضافة؛ كـ: {إنَّ الله بالغ أمره} [الطَّلاق: 3] بالوجهين، ويظهر أثر الوجهين في قوله: (بِنْتَ زَيْنَبَ) فيجوز فيها الفتح والكسر بالاعتبارين، وأمَّا قوله: (بِنْتِ رَسُولِ اللهِ) وفي روايةٍ: ((ابنة رسول الله)) (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فبجرِّ «بنت» خاصَّةً؛ لأنَّها صفةٌ لـ: «زينب» المجرورة قطعًا (وَ) هي _أي: أمامة_ بنتٌ (لأَبِي الْعَاصِ) مِقْسَمٍ؛ بكسر الميم وفتح السِّين، أو لَقِيطٍ [2] أو القاسم [3] أو مُهَشِّمٍ أو هُشَيْمٍ أو ياسرٍ، أقوالٌ، وأُسِرَ «يوم بدرٍ» كافرًا، ثمَّ أسلم وهاجر، وردَّ عليه النَّبيُّ [4] صلَّى الله عليه وسلَّم ابنته زينب وماتت معه، وأثنى عليه صلَّى الله عليه وسلَّم في مُصاهَرته، وتُوفِّي في خلافة أبي بكرٍ الصِّدِّيق رضي الله عنهما (بْنِ رَبِيعَةَ) بن عبد العزَّى (بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ) كذا وقع في رواية الأكثرين عن مالكٍ، والصَّواب ما رواه أبو مصعبٍ [/ج1ص475/] ومعن بن عيسى ويحيى بن بُكَيْرٍ عن مالكٍ: الرَّبِيعَ؛ بلا هاءٍ، ونسبه مالكٌ إلى جدِّه؛ لشهرته به، وكان حمله عليه الصَّلاة والسَّلام لأمامة على عنقه، كما رواه مسلمٌ من طريقٍ أخرى، وعبد الرَّزَّاق عن مالكٍ، ولأحمد من طريق ابن جريجٍ: «على رقبته»، (فَإِذَا سَجَدَ؛ وَضَعَهَا، وَإِذَا قَامَ؛ حَمَلَهَا) وإنَّما فعل ذلك عليه الصَّلاة والسَّلام؛ لبيان الجواز، وهو جائزٌ لنا، وشرعٌ مستمرٌّ إلى يوم الدِّين، وهذا مذهبنا ومذهب أبي حنيفة وأحمد، وادَّعى المالكيَّة نسخه بتحريم العمل في الصَّلاة، وهو مردودٌ بأنَّ قصَّة أمامة كانت بعد قوله عليه الصَّلاة والسَّلام: «إنَّ في الصَّلاة لشغلًا»، فإنَّ ذلك كان قبل الهجرة، وقصَّة أمامة بعدها قطعًا بمدَّةٍ مديدةٍ، وحمل مالكٍ لها _فيما رواه أشهب_ على صلاة النَّافلة مدفوعٌ بحديث مسلمٍ: رأيت رسول الله [5] صلَّى الله عليه وسلَّم يؤمُّ النَّاس وأُمامة على عاتقه، وحديث أبي داود: بينا نحن ننتظر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في الظُّهر أو العصر، وقد دعاه بلالٌ للصَّلاة؛ إذ خرج إلينا وأُمامة بنت أبي العاص بنت ابنته صلَّى الله عليه وسلَّم على عنقه، فقام في الصَّلاة وقمنا خلفه، وفي كتاب «النَّسَب» لابن بكَّارٍ عن عمرو بن سليمٍ: أنَّ ذلك كان في صلاة الصُّبح، وهذا يقتضي أنَّه كان في الفرض، وأُجيب: باحتمال أنَّه كان في النَّافلة الَّتي قبل الفرض، ورُدَّ: بأنَّ إمامته بالنَّاس [6] في النَّافلة ليست معهودةً، وبأنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام لم يكن يتنفَّل في المسجد، بل في بيته قبل أن يخرج، وإنَّما يخرج عند الإقامة، وحمل الخطَّابيُّ رحمة الله عليه ذلك على عدم التَّعمُّد منه عليه الصَّلاة والسَّلام؛ لأنَّه عملٌ كثيرٌ في الصَّلاة، بل كانت أُمامة أَلِفته وأَنِست بقربه، فتعلَّقت به في الصَّلاة [7] ولم يدفعها عن نفسه، فإذا أراد أن يسجد؛ وضعها عن [8] عاتقه حتَّى يكمل سجوده، فتعود إلى حالتها [9] الأولى فلا يدفعها، فإذا قام؛ بقيت معه محمولةً، وعُورِض: بما رواه أبو داود من طريق المقبريِّ عن عمرو بن سليمٍ: «حتَّى إذا أراد أن يركع؛ أخذها فوضعها، ثمَّ ركع وسجد، حتَّى إذا فرغ من سجوده وقام؛ أخذها فردَّها في مكانها»، ولأحمد من طريق ابن جريجٍ: «وإذا قام؛ حملها فوضعها على رقبته»، فهذا صريحٌ في أنَّ فعل الحمل والوضع كان منه لا منها، والأعمال في الصَّلاة إذا قلَّت أو تفرَّقت؛ لا تبطلها، والواقع هنا عملٌ غير متوالٍ؛ لوجود الطَّمأنينة في أركان صلاته، ودعوى خصوصيَّته عليه الصَّلاة والسَّلام بذلك؛ كعصمته من بول الصِّبية بخلاف غيره مردودةٌ؛ بأنَّ الأصل عدم الخصوصيَّة، وكذا دعوى الضَّرورة حيث لم يجد من يكفيه أمرها؛ لأنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام لو تركها؛ لبكت وشغلته في صلاته أكثر من شغله بحملها، قال النَّوويُّ: وكلُّها دعاوى باطلةٌ لا دليل عليها، وليس في الحديث ما يخالف قواعد الشَّرع، انتهى.

ورواة هذا الحديث الخمسة كلُّهم مدنيُّون إِلَّا شيخ المؤلِّف، وفيه التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الأدب» [خ¦5996] ، ومسلمٌ في «الصَّلاة»، وكذا أبو داود والنَّسائيُّ.

[1] في (م): «فتح»، وليس بصحيحٍ.
[2] في (م): «لقيم»، وهو تحريفٌ.
[3] زيد في (ب) و(س): «أو لقيم».
[4] «النبيُّ»: ليس في (د).
[5] في (د): «النَّبيَّ».
[6] «بالنَّاس»: مثبتٌ من (د)، وفي (م): «في النَّاس».
[7] في (د): «الصَّلوات».
[8] في (م): «على».
[9] في (ص): «حالته».





516- ( حَامِلٌ ): بالتَّنوين، ونصب «أمامةَ»، زاد مسلم: «على عاتقه».

( وَلَأَبِي الْعَاصِ ): قال الكرمانيُّ: الإضافة في قوله: ( بنت زينب ) بمعنى اللَّام فأُظهر في المعطوف وهو قوله: « ولأبي العاص » ما هو مقدَّر في المعطوف عليه.

( ابْنِ رَبِيْعَةَ ): صوابه: «ابن الرَّبيع»، كما رواه أبو مصعب وغيره عن مالك، والأوَّل رواية الأكثر عنه، وقيل «إنَّه ابن الرَّبيع بن ربيعة »، ورُدَّ بإطباق النَّسَّابين على خلافه. [/ج2ص572/]

( فَإِذَا سَجَدَ ): لمسلم: « فإذا ركع »، ولأبي داود: «حتَّى إذا أراد أن يركع وضعها ثمَّ ركع، وسجد حتَّى إذا فرغ من سجوده وقام أخذها فردَّها من مكانها».

فائدة: اختُلف في هذا الحديث، فقيل إنَّه من خصائصه، وقيل: منسوخ، ورُدَّ بأنَّهما لا يثبتان باحتمال.

وقيل: خاصٌّ بالضَّرورة إذا لم يجد من يكفيه أمرها.

وقيل: بالنَّافلة، ورُدَّ بأنَّ في مسلم أنَّ هذه القصَّة: «وهو يؤمُّ النَّاس»، زاد أبو داود: «في الظُّهر أو في العصر».

وقيل: محمول على قلَّة العمل وهو الأصحُّ.


129/516# قال أبو عبد الله: حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قالَ: أخبَرنا مالِكٌ، عن عامِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عن عَمْرِو [1] بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ:

عن أَبِي قَتادَةَ الأَنْصارِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ [2] صلى الله عليه وسلم

@%ص130%

كان يُصَلِّي وهو حامِلٌ أُمامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ بِنْتِ [3] رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَإِذا سَجَدَ وَضَعَها، وَإِذا قامَ حَمَلَها.

فيه من الفقه أنَّ مَنْ صلَّى وهو حَامِلٌ على ظهره أو عاتقه كارةً [4] أو نحوها لم تبطل صلاته بحملها [5] ؛ ما لم يحتج لإمساكه إلى عملٍ كثير، أو التزام له ببعض أعضائه دائم.

وفيه دليلٌ على أنَّ لمس ذوات المحارم لا ينقض الوُضُوء.

قلت: ويُشبه أنْ يكون النبيُّ [6] صلى الله عليه وسلم لا يَتَعمَّد حَمل هذه الصَّبيَّة [7] ووضعها في كُلِّ خفضٍ ورفعٍ من رَكعات الصلاة؛ لأنَّ ذلك يَشغلُه عن صلاته، وعن لُزوم الخُشوع فيها، وإنَّما هو أنَّ [8] الصَّبيَّة قد كانت ألفته، وأنِست بقربه، وكان النبيُّ [9] صلى الله عليه وسلم أرحمَ النَّاس بالذُّريَّة، فإذا سَجَدَ صلى الله عليه وسلم جاءت فتعَلَّقت بأطرافه، والتزمَته، فينهض صلى الله عليه وسلم من سُجودهِ ويُخلِّيها وشأنها، فتبقى محمولةً كذلك إلى أن يركعَ، فيرسلها إلى الأرض؛ حتَّى [10] إذا سَجَدَ وأراد [11] النُّهوض عادت الصَّبيَّة إلى مثل ذلك [12] ، هذا وجهه عندي ومعناه، والله أعلم [13] .

[1] في (ط): (عمر).
[2] في (م): (أن النبي).
[3] (بنت) سقطت من (ط).
[4] (الكارة) من الثياب: ما يُجمع ويُشدُّ والجمع كارات (التاج: كور).
[5] في (ط): (لحملها).
[6] في النسخ الفروع: (الرسول).
[7] في النسخ الفروع: (لم يتعمد لحملها).
[8] في النسخ الفروع: (لكن).
[9] (النبي) سقطت من (ط).
[10] في (ط): (متى).
[11] في (ط): (وأرادت).
[12] في النسخ الفروع: (إلى مثله).
[13] قال ابن حجر في الفتح ( 1/591 ): (ولأبي داود من طريق المَقبُري، عن عمرو بن سُليم: (حتى إذا أراد أن يركع أخذها فوضعها، ثم ركع وسجد، حتى إذا فرغ من سجوده قام فأخذها فردّها في مكانها) وهذا صريح في أن فعل الحمل والوضع كان منه لا منها، بخلاف ما أوّله الخطابي).





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

516- وبالسند إلى المؤلف قال: ((حدثنا عبد الله بن يوسف)) هو التنيسي المنزل [1] الدمشقي المولد ((قال: أخبرنا)) وللأصيلي: (حدثنا) ((مالك)) هو ابن أنس الأصبحي المدني، ((عن عامر بن عبد الله بن الزُّبير)) ؛ بِضَمِّ الزاي: هو ابن العوام المدني، ((عن عَمرو)) بفتح العين المهملة ((ابن سُليم)) بِضَمِّ السين المهملة ((الزُرَقي)) ؛ بِضَمِّ الزاي وفتح الرَّاء: هو الأنصاري، نسبة إلى زريق بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج، ((عن أبي قتادة)) هو الحارث بن ربعي السلمي ((الأنصاري)) توفي بالكوفة سنة ثمان وثلاثين، وصلى عليه علي بن أبي طالب، وقيل: اسمه النعمان، وفي رواية أحمد عن عمرو بن سليم: (أنَّه سمع أبا قتادة يقول) : ((إن رسول الله صلى الله عليه وسلم)) بكسر الهمزة ((كان يصلي)) ؛ أي: في بعض الأوقات، لا يقال: إنَّ (كان) تفيد الاستمرار والدوام؛ لأنَّا نقول: ليست هي كذلك دائمًا، بل تذكر لأمر نادر، كما هنا للقرينة الحالية والمقالية الدَّالة على ذلك؛ فافهم، ((وهو حاملٌ أُمامةَ)) : الواو للحال، والجملة اسمية محلها نصب على الحال، و (حاملٌ) : بالتنوين، و (أمامةَ) : بالنصب، وهو المشهور، ويروى بالإضافة؛ كما في قوله تعالى: {إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ} [الطلاق: 3] ؛ بالوجهين في القراءة، قاله الشَّارح، وقال الكرماني: فإن قلت: قالت النحاة: فإن كان اسم الفاعل للماضي؛ وجبت الإضافة، فما وجه عمله؟قلت: إذا أريد به حكاية الحال الماضية؛ جاز إعماله؛ كما في قوله تعالى: {وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ} [الكهف: 18] ، انتهى، و (أُمَامَة) : بِضَمِّ الهمزة وتخفيف الميمين ((بنتَ زينبَ)) ؛ بالفتح والكسر صفة لـ (أمامة) على الوجهين، ((بنتِ رسول الله)) ، وفي رواية: (ابنةِ رسول الله) ((صلى الله عليه وسلم)) ؛ بالجر لا غير، نَعتٌ لـ (زينب) ، وجُوِّز القطع نصبًا ورفعًا؛ فتأمل.

قال الشَّارح: ومطابقته للتَّرجمة ظاهرة.

فإن قلت: أين الظهور وقد خصص بالتَّرجمة الحمل بكونه على العنق، ولفظ الحديث أعم من ذلك؟

قلت: كأن البخاري أشار بذلك إلى أن الحديث له طرق أخرى؛ منها لمسلم من طريق بكير بن الأشج عن عمرو بن سليم، وصرح فيه: (على عنقه) ، وكذا في رواية أبي داود، وفي رواية له: (فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي على عاتقه) ، وفي رواية لأحمد من طريق ابن جريج: (على رقبته) انتهى.

قال الشَّارح: وكانت زينب أكبر بنات النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم، وكانت فاطمة أصغرهن وأحبهن إليه، وأولاده عليه السَّلام كلهم [2] من خديجة سوى إبراهيم، فإنَّه من مارية القبطية، تزوجها قبل البعثة، قال الزهري: وكان عمره عليه السَّلام يومئذٍ إحدى وعشرين سنة، وقيل: خمس وعشرين سنة، زمان بنيت الكعبة، وقيل: ثلاثين، وكان عمرها أربعين، وقيل: خمسًا وأربعين، فولدت له القاسم وبه كان يكنى، والطاهر، وزينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة.

وتزوج بزينب أبو العاص فولدت منه عليًّا وأمامة هذه، وتزوجها علي بن أبي طالب بعد موت فاطمة فولدت منه محمَّدًا، وكانت وفاة زينب سنة ثمان، ولهذا قال: ((ولأبي العاص)) عطف على زينب بإظهار اللَّام المقدرة في المعطوف عليه، قاله إمام الشَّارحين والكرماني، وتبعهما ابن حجر والقسطلاني.

وزعم العجلوني: ولو جعل خبرًا لمحذوف؛ أي: وهي لأبي العاص؛ لم يمتنع، انتهى.

قلت: بل هو ممنوع لأنَّ هذه الصيغة تفيد أن أمامة ليست بنتًا لأبي العاص، بل تخصه مثل أن تكون ربيبة أو خادمة أو نحوها، بخلاف العطف، فإنَّه يقتضي المشاركة بين المعطوف والمعطوف عليه، فما زعمه غير ظاهر، والأول: هو الظَّاهر؛ فافهم.

وإنما نسبها إلى أمها أولًا؛ لما زعمه ابن العطار من أن الولد ينسب إلى أشرف الأبوين دينًا ونسبًا؛ لأنَّ والد أمامة كان يومئذ مشركًا، ثم بيَّن أنها من أبي العاص؛ تبيينًا لحقيقة نسبها، كذا في «العجلوني».

قلت: وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ الولد ينسب إلى أبيه، وقد صرح القرآن العظيم بذلك قال تعالى: {ادْعُوَهُمْ لآبَائِهِمْ...}؛ الآية [الأحزاب: 5] ، وما زعمه من أن الولد ينسب إلى أشرف أبويه؛ ممنوع هنا؛ لأنَّ هذا في السبايا إذا سبيت الصغار وأسلم آباؤهم؛ فيتبعونهم، أو أمهاتهم؛ فكذلك، فهو خاص بأهل الحرب بخلاف ما هنا، ألا ترى أن عليًّا ينسب إلى أبيه أبي طالب وهو قد مات على الكفر، ويدل لما ذكرنا: أن هذا الحديث رواه مسلم وغيره، وفيه: فنسبوها إلى أبيها ثم بينوا أنها بنت زينب، ورواه أحمد عن عمرو بن سليم، وفيه: (يحمل أمامة بنت أبي العاص وأمها زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم) ، فهذا كما رأيت قد نسبوها إلى أبيها وجعلوا أمها تبعًا؛ للبيان؛ فافهم.

قال إمامنا الشَّارح: واختلف في اسم أبي العاص؛ بدون ياء بخلاف عمرو بن العاصي؛ فإنَّه بالياء على الأشهر، فقيل: اسمه لقيط؛ بالتكبير، وقيل: مقسم، وصححه الكرماني، وقيل: القاسم، قال الشَّارح: وهو أكثر في اسمه، وقيل: مهشم، وقيل: هشيم، وقيل: ياسر، ويعرف بجَرْوِ البطحاء، وأم أبي العاص: هالة [3] ، وقيل: هند بنت خويلد أخت خديجة لأبيها وأمها، وأبو العاص أسلم قبل الفتح وهاجر وَرَدَّ عليه النَّبيُّ الأعظم صلى الله عليه وسلم ابنته زينب وماتت معه؛ أي: في عصمته سنة ثمان.

وقال ابن إسحاق: (وكان أبو العاص من رجال مكة المعدودين مالًا وأمانة وتجارة، وكانت خديجة هي التي سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يزوجه [4] بابنتها زينب، وكان لا يخالفها وذلك قبل الوحي، والإسلام فرَّق بينهما) .

وقال ابن كثير: (إنَّما حرم الله المسلمات على المشركين عام الحديبية سنة ست من الهجرة، وكان أبو العاص في غزوة بدر مع المشركين، ووقع في الأسر) ، قال ابن هشام: (وكان الذي أسره خراش بن الصمة أحد بني حرام) ، وقال ابن إسحاق عن عائشة: (لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم [5] ؛ بعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداءأبي العاص بمال وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى عليها، قالت: فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة، وقال: «إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا الذي لها؛ فافعلوا»، قالوا: نعم يا رسول الله، فأطلقوه وردَّوا عليها الذي لها.

وقال ابن إسحاق: (وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذ عليه أن يخلي سبيل زينب؛ يعني: أن تهاجر إلى المدينة؛ فوفى أبو العاص بذلك ولحقت بأبيها، وأقام أبو العاص بمكة على كفره، واستمرت زينب عند أبيها بالمدينة، ثم آخر الأمر أسلم، وخرج حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن ابن عبَّاس: (رد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته زينب على النكاح الأول لم يحدث شيئًا) ، والله أعلم، انتهى.

((بن الربيع)) ؛ بدون هاء، وفي رواية: بهاء ((ابن عبد شمس)) نسبه لجده، وإلا فأبوه عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف، والذي عن مالك: (ابن ربيعة) بالهاء، والصَّواب: (ابن الربيع) بدون هاء، وأصلحه ابن وضاح في رواية يحيى، قال الأصيلي: هو ابن ربيع بن ربيعة، فنسبه مالك إلى جده، قال القاضي عياض: وهذا غير معروف، ونسبه عند أهل الأخبار باتفاقهم: أبو العاص بن الربيع[/ص737/] بن عبد العزى بن عبد شمس.

قال ابن حجر: والمخالفة فيه من مالك لا من البخاري، وغفل الكرماني فقال: خالف البخاري القوم من جهتين فقال: (ربيعة) ؛ بحرف التأنيث، وعندهم: (الربيع) ؛ بدونه، وقال: (ربيعة بن عبد شمس) ، وهم قالوا: (ربيع بن عبد العزى بن عبد شمس) انتهى، وكذلك اعترض الكرمانيَّ إمامُ الشَّارحين فقال: لو اطلع الكرمانيُّ على كلام القوم؛ لما قال ذلك، وتمامه فيه.

وزعم العجلوني بأنه لا غفلة من الكرماني؛ لأنَّه يصح أيضًا نسبة الغفلة إلى البخاري وإن كان تابعًا لمالك فيها، وأن الاعتراض في الأصل من ابن الأثير؛ فتدبر، انتهى.

قلت: الغفلة من الكرماني محققة، كما لا يخفى؛ لأنَّه لم يفرق، ولا يصح أن تكون الغفلة من البخاري؛ لأنَّه كثيرًا ما يذكر أشياخه في سنده وينسبهم إلى أجدادهم؛ لشهرتهم به، على أنَّه إذا كان البخاري تابعًا لمالك؛ فالغفلة من مالك قطعًا، والله أعلم.

((فإذا سجد)) أي: النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم ((وضعها)) ؛ أي: أمامة على الأرض، كذا في رواية مالك، ((وإذا قام)) أي: من السُّجود ((حملها)) ؛ أي: أمامة على عنقه، أو على عاتقه، أو على رقبته، كما سبق من الروايات في ذلك، وفي رواية مسلم، وأحمد، والنسائي، وابن حبان عن عامر بن عبد الله: (فإذا ركع؛ وضعها) ، وفي رواية أبي داود عن عمرو بن سليم: (حتى إذا أراد أن يركع؛ أخذها فوضعها، ثم ركع وسجد حتى إذا أفرغ من سجوده فقام؛ أخذها فردها في مكانها) ، كذا في «عمدة القاري».

وفي الحديث أحكام:

أحدها: أنَّه يجوز حمل الصبي والصبية وغيرهما من الحيوان في صلاة الفرض، والواجب، والنفل، ويجوز ذلك للإمام والمقتدي والمنفرد، وهو مذهب الإمام الأعظم رأس المجتهدين، وأصحابه، والجمهور.

قال صاحب «البدائع»: إذا أخذ المصلي قوسًا ورمى به؛ فسدت صلاته، وكذا لو حملت امرأة صبيها فأرضعته؛ تفسد؛ لوجود العمل الكثير، وأما إذا حملت الصبي بدون الإرضاع؛ فلا يوجب الفساد، ثم روى حديث الباب وقال: هذا الصنيع لم يكره منه صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّه كان محتاجًا إلى ذلك؛ لعدم من يحفظها أو لبيانه الشرع بالفعل، وهذا غير موجب للفساد، ومثل هذا لا يكره لواحد منا أن يفعله عند الحاجة، أمَّا بدونها؛ فمكروه، انتهى.

وقال النَّووي: وعند الشَّافعي يجوز حمل الصبي والصبية وغيرهما من الحيوان في صلاة الفرض والنفل للإمام، والمنفرد، والمأموم، انتهى.

وقال أحمد: يجوز ذلك، قال الأشرم: سئل أحمد: أيأخذ الرجل ولده وهو يصلي؟ قال: نعم، واحتجَّ بحديث أبي قتادة.

وقال مالك: لا يجوز حمل الصبي ونحوه في الصلاة الفريضة، وأمَّا حديث الباب؛ فمحمول على صلاة النفل، قال ابن عبد البر: ومن الدليل على صحة ما قاله إني لا أعلم خلافًا أن مثل هذا العمل في الصلاة مكروه، انتهى.

قلت: وهذا فاسد، فإن حديث الباب صريح في جواز ذلك في الفرض والنفل، وما زعمه من الحمل غير صحيح، كما سيأتي، وما زعمه ابن عبد البر فاسد الاعتبار؛ لأنَّه لا يلزم من عدم علمه الخلاف في كراهة الصلاة بذلك أن يكون دليلًا لمدعاه، ألا ترى أن مذهب الإمام الأعظم وأصحابه، والشَّافعي وأصحابه، وأحمد ابن حنبل: أن هذا الفعل جائز من غير كراهة لا سيما وقد فعله النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم، وفعله لا يوصف بكراهة، بل هو شرع لنا إلى قيام الساعة، وكأنَّه أراد بنفي الخلاف الإجماع على كراهة هذا الفعل، ولا يخفى أن الأمة لا تجتمع على حكم مخالف لما فعله الشَّارع، وإن أراد إجماع مذهبهم؛ فهو غير معتبر ولا مقبول، على أنَّه إنَّما قالوا ما قالوا تعصُّبًا وترويجًا لما ذهب إليه إمامهم، وهو باطل، والحق أحق أن يتبع؛ فافهم.

وقال إمام الشَّارحين: روى سفيان بن عيينة بسنده إلى أبي قتادة الأنصاري قال: (رأيت النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم يؤمُّ الناس وأمامة بنت أبي العاص وهي بنت زينب ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على عاتقه) ؛ فهذا صريح في أنَّه عليه السَّلام كان في صلاة الفرض، ولأن الغالب في إمامة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت في الفرائض دون النوافل.

وفي رواية أبي داود عن أبي قتادة الأنصاري قال: (بينما نحن ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة في الظُّهر أوالعصر وقد دعاه بلال للصلاة؛ إذ خرج إلينا وأمامة بنت أبي العاص بنت ابنته على عنقه، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في مصلَّاه وقمنا خلفه...) ؛ الحديث، وفي كتاب «النسب» للزبير بن بكار، عن عمرو بن سليم: (أن ذلك كان في صلاة الصبح) .

قال الشيخ تقي الدين: روي عن مالك: أنَّه منسوخ، قال أبو عمر [6] بن عبد البر: ولعل هذا نسخ بتحريم العمل والاشتغال بالصلاة، وقد ردَّ هذا بأن قوله عليه السَّلام: «إن في الصلاة لشغلًا» كان قبل بدر عند قدوم عبد الله بن مسعود من الحبشة، وأن قدوم زينب وابنتها إلى المدينة كان بعد ذلك، ولو لم يكن الأمر كذلك؛ لكان فيه إثبات النَّسخ بمجرد الاجتهاد، انتهى.

قلت: والنَّسخ بالاجتهاد غير مقبول على أنَّ الجمهور من أهل العلم قالوا: إن هذا الفعل عمل غير متوالٍ، وليس فيه حركات ثلاث متوالية، والطمأنينة في الأركان موجودة قطعًا، فأين الفساد والكراهة؟ فافهم.

وروى أشهب وابن نافع عن مالك: أن هذا الفعل كان للضرورة، وادعى بعضهم أنَّه خصوصية، وردَّه النَّووي بأنَّ هذا دعوى باطلة مردودة؛ لأنَّه لا دليل عليها ولا ضرورة إليها، بل الحديث صحيح صريح في جواز ذلك، وليس فيه ما يخالف قواعد الشرع؛ لأنَّ الآدمي طاهر، وما في جوفه معفوٌّ عنه، وثياب الأطفال وأجسادهم على الطهارة، ودلائل الشرع متضافرة على أنَّ هذه الأفعال في الصلاة لا تبطلها إذا قلَّت أو تفرَّقت، وفعله عليه السَّلام هذا بيانًا للجواز وتنبيهًا عليه، انتهى.

وزعم الخطابي يشبه أن يكون صنيع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا عن قصد وتعمد في الصلاة، ولعل الصبية لطول ما ألفته واعتادته من ملابسته في غير الصلاة كانت تتعلق به حتى تلابسه وهو في الصلاة؛ فلا يدفعها عن نفسه ولا يبعدها، فإذا أراد أن يسجد وهي على عنقه؛ وضعها بأن يحطَّها أو يرسلها إلى الأرض حتى يفرغ من سجوده، فإذا أراد القيام وقد عادت الصبية إلى مثل الحالة الأولى؛ لم يدافعها ولم يمنعها حتى إذا قام؛ بقيت محمولة معه، هذا عندي وجه الحديث، ولا يتوهَّم عليه صلى الله عليه وسلم أنه كان يتعمَّد لحملها ووضعها وإمساكها في الصلاة تارة بعد أخرى؛ لأنَّ الكل في ذلك قد يكثر فيتكرر، والمصلي يشتغل بذلك عن صلاته، وإذا كان علم الخميصة يشغله عن صلاته حتى يستبدل بها الأنبجانية؛ فكيف لا يشتغل عنها بما هذا صنيعه وصفته من الأمر؟!

وقد رد هذا إمام الشَّارحين في «عمدة القاري» والنَّووي؛ فقال الشَّارح: فقوله في الحديث: «فقام، فأخذها، فردها في مكانها»: صريح في أن الحمل والوضع كان منه عليه السَّلام لا من أمامة، وقال النَّووي: وما ذكره الخطابي باطل ودعوى مجردة، ومما يرده [7] قوله في «صحيح مسلم»: (فإذا قام؛ حملها) ، وقوله: (فإذا رفع من السُّجود؛ أعادها) ، وقوله في غير رواية مسلم: (خرج علينا حاملًا أمامة فصلى...) ، وذكر الحديث، وأما قضية الخميصة؛ فلأنها تشغل القلب بلا فائدة، وحمل أمامة لا نسلم أنَّه يشغل القلب، وإن سلمنا؛ فيترتب عليه فوائد وقواعد، كما ذكرناها، بخلاف الخميصة،[/ص738/] فالصَّواب الذي لا معدل عنه: أن الحديث كان لبيان الجواز والتنبيه على هذه الفوائد، فهو جائز لنا وشرع مستمر للمسلمين إلى يوم الدين، انتهى.

وزعم بعض أصحاب مالك أنَّه عليه السَّلام لو تركها؛ لبكت وشغلت سره في صلاته أكثر من شغله بحملها.

قلت: وهذه الدعوى مردودة؛ لأنَّه عليه السَّلام قد وضعها، ثم ركع وسجد، كما رواه مسلم، وأبو داود، وغيرهما، ولم يذكر أحد من الرواة أنَّه حين وضعها بكت، والأصل العدم وبقاء ما كان على ما كان، فهذا يدل على أنَّ حمله عليه السَّلام إياها لبيان الجواز؛ فافهم.

وقال الباجي: (إن وجد من يكفيه أمرها؛ جاز في النافلة دون الفريضة، وإن لم يجد؛ جاز فيهما) انتهى.

قلت: وهذه أيضًا مردودة؛ لأنَّه لم يفرق في الحديث بين الفرض والنفل، بل هما على السواء، فقد كان عليه السَّلام يحملها في الفرض إمامًا وفي النفل، فإذا جاز في الفرض؛ فالنفل أولى، على أنَّه عليه السَّلام كان إذ ذاك له نسوة وبنات وجوارٍ، ولم يأمر أحدًا منهن بحملها، بل تولَّى ذلك بنفسه في صلاته؛ لبيان الشرع.

وقال الفاكهاني: كان السرُّ في حمله عليه السَّلام أمامة في الصلاة دفعًا لما كانت العرب تألفه من كراهة البنات وحملهن، وخالفهم في ذلك حتى في الصلاة للمبالغة في ردعهم.

قلت: فيه نظر؛ لأنَّه لا يلزم أن يكون ذلك في الصلاة، بل يكون خارجها، وأما السر في ذلك؛ فهو [8] بيان الجواز والتشريع؛ فليحفظ.

والثاني من الأحكام: فيه جواز إدخال الصغار في المساجد.

والثالث: جواز صحة صلاة من حمل آدميًّا، وكذا من حمل حيوانًا طاهرًا.

والرابع: فيه تواضعه عليه السَّلام، وشفقته على الصغار، وإكرامه لهم؛ جبرًا لهم ولوالديهم، أفاده الشَّارح.

وقال الشَّافعي: فيه دليل على ترجيح العمل بالأصل على الغالب، وردَّه الشيخ ابن دقيق العيد بأنَّ حكاية الأحوال لا عموم لها.

وفي الحديث: دليل على أنَّ لمس البنات غير مبطل للصلاة ولا للطهارة، وهو مذهب الجمهور.

وزعم الشَّافعية أنَّها مَحرَم، أو واقعة حال، أو مع حائل.

قلت: هذه دعاوى باطلة مردودة؛ لأنَّه لا دليل عليها، فقد كان عليه السَّلام يقبِّل عائشة ويمس غيرها من زوجاته ويصلي ولم يتوضأ؛ كما ثبت في «الصَّحيحين» وغيرهما، وقد تكرر منه عليه السَّلام هذا الفعل في الفريضة والنَّافلة في حال الإمامة والانفراد، واحتمال الحائل ممنوع؛ لأنَّ الأصل عدمه، ولو كان؛ لذكره الرواة، واحتمال المَحرَميَّة باطل؛ فإن الزوجة ليست بمَحرَم، وكونها واقعة حال باطلة؛ لأنَّ هذا الحكم سيق للتشريع بأن يبقى ليوم القيامة؛ فافهم.

وحاصله: أن هذه محاولة ذكرت ترويجًا لما ذهب إليه إمامهم، والله تعالى أعلم.

[1] في الأصل: (الأصل)، وليس بصحيح.
[2] في الأصل: (كلها)، ولعل المثبت هو الصواب.
[3] في الأصل: (هدلة)، وهو تحريف.
[4] في الأصل: (يزوجها)، ولا يصح.
[5] في الأصل: (أسرهم) .
[6] في الأصل: (عمرو)، وليس بصحيح.
[7] في الأصل: (يرد)، ولعل المثبت هو الصواب.
[8] في الأصل: (هو)، وليس بصحيح.