المستند التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

509-. حدَّثنا أبو مَعْمَرٍ، [/ج1ص107/] قالَ: حدَّثنا عَبْدُ الوارِثِ، قالَ: حدَّثنا يُونُسُ، عن حُمَيْدِ بْنِ هِلالٍ، عن أَبِي صالِحٍ: أَنَّ أَبا سَعِيدٍ قالَ: قالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وحدَّثنا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ [1] ، قالَ: حدَّثنا سُلَيْمانُ بْنُ المُغِيرَةِ، قالَ: حدَّثنا حُمَيْدُ بْنُ هِلالٍ العَدَوِيُّ، قالَ: حدَّثنا أبو صالِحٍ السَّمَّانُ، قالَ:

رَأَيْتُ أَبا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ، يُصَلِّي إلىَ شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرادَ شابٌّ مِنْ بَنِي أَبِي مُعَيْطٍ أَنْ يَجْتازَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَدَفَعَ أبو سَعِيدٍ فِي صَدْرِهِ، فَنَظَرَ الشَّابُّ فَلَمْ يَجِدْ مَساغًا إِلَّا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَعادَ لِيَجْتازَ، فَدَفَعَهُ أبو سَعِيدٍ أَشَدَّ مِنَ الأُولَىَ، فَنالَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ، ثُمَّ دَخَلَ علىَ مَرْوانَ، فَشَكا إِلَيْهِ ما لَقِيَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَدَخَلَ أبو سَعِيدٍ خَلْفَهُ علىَ مَرْوانَ، فقالَ: ما لَكَ وَلاِبْنِ أَخِيكَ يا أَبا سَعِيدٍ؟ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِذا صَلَّىَ أَحَدُكُمْ إلىَ شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتازَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلْيَدْفَعْهُ، فَإِنْ أَبَىَ فَلْيُقاتِلْهُ؛ فَإِنَّما هو شَيْطانٌ».

الأطراف



[1] قوله: «بن أبي إياس» ليس في رواية أبي ذر والأصيلي.





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

509- ( فَلَمْ يَجِدْ مَسَاغًا ) بميم مفتوحة، مفعل، من السَّوغ، أي: لم يجد ما يتسهل له من طريق؛ لأنَّه يقال: ساغ الطعام إذا سهُل تناوله.

( ونال منه ) أي: ذمَّه بسبب منعه.

( فَلْيُقَاتِلْهُ ) فليدفعه دفعًا شديدًا يشبه دفع المقاتل.

( فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ ) أي: فعله فعل شيطان، ويحتمل أن الشيطان معه وحامل له.


509# (فَأَرَادَ شَابٌّ مِنْ بَنِي أَبِي [1] مُعَيْطٍ) قال الخطيبُ: هو عبدُ الرحمنِ بنُ الحارثِ بنِ هشامٍ المخزومي، وهذا مردودٌ؛ لأنَّ عبدَ الرحمن ليس من بني أبي مُعيط.

وفي النسائي: عن أبي سعيدٍ الخدري: ((أنه كان يصلِّي، فإذا بابنٍ لمروانَ يمرُّ بينَ يديه، فَدَرَأَه))، وذكر الحديث [2] ، ونبَّه ابن الجوزيِّ على أنَّ هذا الابن اسمه داود.

(فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ) أي: فِعلُه فِعلُ الشيطان، ويحتمل أن الشيطان معه، وحاملٌ له على ذلك الفعل.

[1] في (د): ((من أبي بني)).
[2] في (ج): ((الخطيب)).





509- قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ): تقدَّم أنَّه بفتح الميم، وإسكان العين، وتقدَّم أنَّ اسمه عبد الله بن عمرو بن أبي الحجَّاج، المنقريُّ الحافظ المُقعَد، وتقدَّم بعض ترجمته.

قوله: (عَنْ أَبِي صَالِحٍ): هو أبو صالح السَّمَّان -ويأتي منسوبًا في الطَّريق الثانية- الزَّيَّات، واسمه ذكوان، من الأئمَّة الثِّقات، تقدَّم بعض ترجمته.

قوله: (أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ): سيأتي في الطَّريق الثانية أنَّه الخدريُّ، وقد تقدَّم مرارًا أنَّه سعد بن مالك بن سنان، وأنَّ الخدريَّ بالدَّال المهملة.

قوله: (فَأَرَادَ شَابٌّ مِنْ بَنِي أَبِي مُعَيْطٍ): هذا الشَّابُّ جاء في «النَّسائيِّ»: (فأراد ابن لمروان) ، وهذا الابن هو داود كما نبَّه عليه ابن الجوزيِّ في «تلقيحه»، وقال النَّوويُّ في «مبهماته» عن الخطيب: (هذا المُجتَاز عبد الرَّحمن بن الحارث بن هشام المخزوميُّ) انتهى، ذكره في (حرف الصَّاد) ؛ لأنَّ أبا صالح رواه عن أبي سعيد الخدريِّ، وكونه عبد الرَّحمن بن الحارث بن هشام فيه نظر، وبيانه: أنَّ عبد الرَّحمن بن الحارث بن هشام مخزوميٌّ، وبنو أبي مُعَيط من بني أميَّة؛ لأنَّ أبا مُعَيط اسمه أبان بن أبي عمرو ذكوان بن أميَّة بن عبد شمس بن عبد مناف، والله أعلم، والظاهر أنَّهما قضيِّتان؛ قضيَّةٌ لابن مروان، وقضيَّةٌ لعبد الرَّحمن، وقد رأيت ابن شيخِنا البلقينيِّ تعقَّبه بما تعقَّبته به.

[وقال بعض حُفَّاظ العصر: ومروان ليس هو من ولد أبي معيط، بل أبو معيط ابن عمِّ أبيه...إلى آخر كلامه، وهو كلام صحيح، ثمَّ قال: فيجوز (أن تكون والدة داود _ أمَّه- أمَّ أبان بنت عثمان بن عفَّان...إلى أن قال: فيجوز أن يكون) [1] داودُ نُسِب إلى أبي مُعَيط من جهة الرَّضاعة، أو لأنَّ جدَّه لأمِّه عثمانَ كان أخا الوليدِ بنِ عقبةَ بن أبي مُعَيط مِن أمِّه، فنُسِب إليه مجازًا، والله أعلم، ثمَّ نبَّه أنَّ مَن قال: عبد الرَّحمن بن الحارث؛ غلط، فكأنَّهما واقعتان، قال: ووقع في (كتاب الصَّلاة) لأبي نُعَيم] [2] : (جاء الوليد بن عقبة بن أبي مُعَيط، وفيه نظر؛ لأنَّ الوليد حينئذ لم يكن شابًّا، بل كان شيخًا؛ فلعلَّه ابنه، انتهى) [3]

قوله: (فَلْيَدْفَعْهُ): ظاهر الحديث يقتضي وجوبَ الدَّفع، لكن قال النَّوويُّ في «شرح المهذَّب» وغيرِه: (لا أعلم أحدًا من العلماء أوجبه) انتهى.

[1] ما بين قوسين سقط من (ب) .
[2] ما بين معقوفين سقط من (ج) ، زيد في (ب): (وقد صرَّح مسلم في روايته بأنه أبو النَّضر) .
[3] ما بين قوسين سقط من (ب) و (ج) .





509- (مَا لَكَ): (مَا): مبتدأٌ، و (لَكَ): خبرُه.

(وَلِابْنِ أَخِيْكَ): عطفٌ عليه بإعادةِ الخافضِ.

(فَليُقَاتِلْهُ): بكسرِ اللَّامِ الجازمةِ وبسكونِها.


509- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين، عبد الله بن عمرو [1] ، المُقعَد البصريُّ، المُتوفَّى بها [2] سنة أربعٍ وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ) ابن سعيد بن ذكوان، العنبريُّ البصريُّ [3] ، المُتوفَّى سنة ثمانين ومئةٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ) بن عُبَيْدٍ _بالتَّصغير_ ابن دينارٍ، البصريُّ، المُتوفَّى سنة تسعٍ وثلاثين ومئةٍ (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ) بكسر الهاء وتخفيف اللَّام، العدويِّ التَّابعيِّ الجليل (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السَّمَّان (أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ) سعد [4] بن مالكٍ الخدريَّ رضي الله عنه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ [5] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ح) مُهمَلةٌ للتَّحويل، وهي ساقطةٌ من «اليونينيَّة».

و [6] قال البخاريُّ: (وَحَدَّثَنَا آدَمُ) ولغير أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: ((آدم بْنُ أَبِي إِيَاسٍ)) (قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) القيسيُّ [7] البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ الْعَدَوِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ) ذكوان (السَّمَّانُ) المذكوران، وقرن المؤلِّف رواية يونس برواية سليمان، وساق لفظه دون لفظ يونس (قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ) رضي الله عنه (فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ يُصَلِّي إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ شَابٌّ مِنْ بَنِي أَبِي مُعَيْطٍ) قِيلَ: هو الوليد بن عقبة بن أبي مُعْيَطٍ، كما أخرجه [8] أبو نُعيمٍ شيخ المؤلِّف في كتاب «الصَّلاة»، وقِيلَ غيره (أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ) بالجيم والزَّاي، من الجواز (فَدَفَعَ [9] أَبُو سَعِيدٍ) الخدريُّ رضي الله عنه (فِي صَدْرِهِ، فَنَظَرَ الشَّابُّ فَلَمْ يَجِدْ مَسَاغًا) بفتح الميم والغين المُعجَمة؛ أي: طريقًا يمكنه المرور منها (إِلَّا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَعَادَ لِيَجْتَازَ فَدَفَعَهُ أَبُو سَعِيدٍ أَشَدَّ مِنَ) الدَّفعة [10] (الأُولَى، فَنَالَ) الشَّابُّ؛ بالفاء والنُّون (مِنْ أَبِي سَعِيدٍ)؛ أي: أصاب من عرضه بالشَّتم (ثُمَّ دَخَلَ) الشَّابُّ (عَلَى مَرْوَانَ) بن الحكم الأمويِّ، المُتوفَّى سنة خمسٍ وستِّين، وهو ابن ثلاثٍ وستِّين سنةً، (فَشَكَا إِلَيْهِ مَا لَقِيَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَدَخَلَ أَبُو سَعِيدٍ خَلْفَهُ عَلَى مَرْوَانَ، فَقَالَ) مروان لأبي سعيدٍ: (مَا لَكَ وَلاِبْنِ أَخِيكَ) أي: في [/ج1ص471/] الإسلام (يَا أَبَا سَعِيدٍ؟) وهو يردُّ على من قال: إنَّ المارَّ هو [11] الوليد بن عقبة؛ لأنَّ أباه عقبة قُتِل كافرًا، وقوله: «ما» مُبتدَأٌ، وخبره «لك»، و«لابن أخيك»: عُطِفَ عليه بإعادة الخافض (قَالَ) أبو سعيدٍ رضي الله عنه: (سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ؛ فَلْيَدْفَعْهُ) قال القرطبيُّ رحمة الله عليه: بالإشارة ولطيف المنع (فَإِنْ أَبَى؛ فَلْيُقَاتِلْهُ) بكسر اللَّام الجازمة وسكونها، قال النَّوويُّ رحمة الله عليه: لا أعلم أحدًا من الفقهاء قال بوجوب هذا الدَّفع، بل صرَّح أصحابنا رحمهم الله تعالى بأنَّه مندوبٌ. نعم؛ قال أهل الظَّاهر بوجوبه، ونقل البيهقيُّ عن الشَّافعيِّ _رحمهما الله تعالى_ أنَّ المراد بالمُقاتَلة: دفعٌ أشدُّ من الدَّفع الأوَّل، وقال أصحابنا: يردُّه بأسهل الوجوه، فإن أبى؛ فبأشدَّ، ولو أدَّى إلى قتله فقتله [12] ؛ فلا شيء عليه؛ لأنَّ الشَّارع أباح له [13] مقاتلته، والمُقاتَلة المُباحة لا ضمان فيها، وليس المُراد المُقاتَلة بالسِّلاح، ولا بالمشي إليه، بل والمصلِّي بمحلِّه بحيث تناله يده، ولا يكون عمله في مُدافَعته كثيرًا (فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ)؛ أي: إنَّما فعله فعل شيطانٍ، وإطلاق «الشَّيطان» على مارد الإنس سائغٌ على سبيل المجاز، والحصر بـ: «إنَّما»؛ للمُبالَغة، فالحكم للمعاني لا للأسماء؛ لأنَّه [14] يستحيل أن يصير المارُّ شيطانًا بمروره بين يدي المصلِّي.

ورواة هذا الحديث الثَّمانية بصريُّون، إلَّا أبا صالحٍ فإنَّه مدنيٌّ، وآدم فإنَّه عسقلانيٌّ، وفيه التَّحويل والتَّحديث والعنعنة والقول والرُّؤية [15] ، ورواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «صفة إبليس لعنة الله عليه» [خ¦3274] ، ومسلمٌ وأبو داود في «الصَّلاة».

[1] في (د): «معمر»، وهو تحريفٌ.
[2] «بها»: ليس في (م).
[3] في (د): «المصريُّ»، وهو تحريفٌ.
[4] «سعد»: سقط من (د).
[5] في (د): «رسول الله».
[6] «و»: مثبتٌ من (م).
[7] في (م): «العبسيُّ»، وهو خطأٌ.
[8] في (ب) و(س): «خرَّجه».
[9] في (د): «فدفعه».
[10] «الدَّفعة»: سقط من (د).
[11] «هو»: سقط من (د).
[12] «فقتله»: سقط من (م).
[13] «له»: سقط من (د).
[14] في (م): «لا»، وليس بصحيحٍ.
[15] في (م): «الرِّواية»، وهو تحريفٌ.





509- (سُلَيْمَانُ بْنُ المُغِيرَةِ ): ليس له في «الصَّحيح» حديث موصول غير هذا.

( شَابٌّ ): هو الوليد بن عقبة بن أبي معيط، كما في « كتاب الصَّلاة » لأبي نعيم، وفي رواية النَّسائيِّ: « فمرَّ ابنٌ لمروان »، ولعبد الرَّزاق: « داود بن مروان »، وجزم به ابن الجوزيِّ وجماعة، فنسبته إلى أبي معيط مجازيَّة، وفي « مصنَّف ابن أبي شيبة »: عبد الرَّحمن بن الحارث بن هشام.

وجمع الحافظ بتعدُّد القصَّة.

( مَسَاغًا ): بالغين المعجمة، أي: ممرًّا.

(فَنَالَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ ): أي: أصاب من عرضه بالشَّتم. [/ج2ص565/]

( فَلْيَدْفَعْهُ ): لمسلم: « فليدفع في نحره ».

( فَلْيُقَاتِلْهُ ): قيل: المراد به: دفع أشدُّ من الأوَّل، وقيل: حقيقة المقاتلة، وللإسماعيليِّ: « فإن أبى فليجعل يده في صدره وليدفعه»، وهو يؤيِّد الأوَّل.

( فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ ): أي: فعله فعل الشَّيطان، لأنَّه أبى إلَّا التَّشويش على المصلِّي، أو أراد أنَّه من شياطين الإنس، وللإسماعيليِّ: «فإنَّ معه الشَّيطان»، ولمسلم نحوه.

واختُلف: هل الدَّفع والمقاتلة لخلل يقع في صلاة المصلِّي من المرور، أو لدفع الإثم عن المارِّ، على قولين، الأظهر الأوَّل.

روى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود: أنَّ المرور بين يدي المصلِّي يقطع نصف صلاته.

وروى أبو نعيم عن عمر: « لو يعلم المصلِّي ما ينقص من صلاته بالمرور بين يديه ما صلَّى إلَّا إلى شيء يستره من النَّاس». [/ج2ص566/]


128/509# قال أبو عبد الله: حدَّثنا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، قالَ: حدَّثنا سُلَيْمانُ بْنُ المُغِيرَةِ، قالَ: حدَّثنا حُمَيْدُ بْنُ هِلالٍ العَدَوِيُّ، قالَ: حدَّثنا أبو صالِحٍ السَّمَّانُ:

عن أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِذا صَلَّىَ أَحَدُكُمْ إلىَ شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ [1] ، فَأَرادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتازَ [2] بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلْيَدْفَعْهُ، فَإِنْ أَبَىَ فَلْيُقاتِلْهُ؛ فَإِنَّما هو شَيْطانٌ».

معنى هذا الكلام [3] أنَّ الشيطان هو الذي يحملُه على ذلك ويُحركُه عليه، ومعنى المقاتلة هاهنا: الدَّفع العنيف.

وقد يجوز أيضاً أن يكون أراد بالشيطان المارِّ بين يديه نفسَه [4] ؛ وذلك أنَّ الشيطان هو الماردُ الخَبيثُ من الجِنِّ والإنس.

قلت: وهذا إنَّما يكون لمن كانت صلاتُه [5] إلى سُتْرَةٍ دُون مَنْ صلَّى إلى غير سُترة.

[1] في (ط): (من البأس) مصحفاً.
[2] في (ط): (يختار) مصحفاً.
[3] في النسخ الفروع: (معناه).
[4] في الأصل: (تفسير) والمثبت من (ط) وفي الفروع (نفس المار بين يديه).
[5] في النسخ الفروع: (وهذا لمن صلى).





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

509- وبالسند إلى المؤلف قال: ((حدثنا أبو مَعْمَر)) ؛ بفتح الميمين: هو عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج المقعد البصري، المتوفى بها سنة أربع وعشرين ومئتين، وقد سبق في باب (قوله عليه السَّلام: «اللهم علمه الكتاب») ((قال: حدثنا عبد الوارث)) هو ابن سعيد بن ذكوان التميمي العنبري أبو عبيدة البصري، المتوفى بها في المحرم سنة ثمانين ومئة، تقدم أيضًا في هذا الباب ((قال: حدثنا يونس)) هو ابن عبيد _بالتصغير_ ابن دينار، أبو عبد الله البصري، المتوفى سنة تسع وثلاثين ومئة، ((عن حُميد)) ؛ بِضَمِّ الحاء، تصغير الحمد ((بن هِلَال)) ؛ بكسرالهاء، وتخفيف اللَّام: العدوي البصري، التَّابعي الجليل، لم يفضلوا عليه أحدًا في العلم في زمانه، ((عن أبي صالح)) هو ذكوان السَّمان التَّابعي المدني: ((أن أبا سعيد)) هو سعد بن مالك الخدري، الصَّحابي الجليل، ((قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم)) .

((ح)) : مهملة، إشارة إلى التحويل من إسناد إلى إسناد آخر قبل ذكر الحديث، وعلامته حرف الحاء المهملة المفردة، وهي ساقطة في «اليونينية»، ولا يضر في التحويل كون المحول إليه فيه زيادة قصة، والتفاوت بين الإسنادين أن الأول فيه: (عن أبي صالح أن أبا سعيد) ، والثاني: (قال أبو صالح: رأيت أبا سعيد) ، والثاني أقوى، فإن الاعتبار بالحديث، ولا تفاوت فيه بينهما، وقد ساق البخاري هذا الحديث في (بدء الخلق) بالإسناد الذي ساقه هنا من رواية يونس بعينه، وههنا من لفظ سليمان لا من لفظ يونس، كذا في «عمدة القاري» مع تغيير؛ فافهم.

((قال: حدثنا آدم)) ؛ بهمزة ممدودة، ولأبي الوقت: (آدم بن أبي إياس) هو العسقلاني ((قال: حدثنا سليمان بن المُغيرة)) ؛ بِضَمِّ الميم: هو القيسي البصري، قال إمام الشَّارحين: (ولم يخرج المؤلف لسليمان شيئًا موصولًا غير هذا الحديث) انتهى.

وزعم ابن حجر أن لفظ الحديث في (بدء الخلق) مغاير لما هنا، وليس فيه تقييد الرفع بما إذا كان المصلي يصلِّي إلى سترة، والمطلق محمول على المقيد؛ لأنَّ المصلي إلى غير سترة مقصر لا سيما إن صلى في شارع المشاة، انتهى.

قلت: وفيه: أن ما هنا قصة غير القصة التي ذكرت في (بدء الخلق) ، ولا يلزم الحمل المذكور؛ لأنَّ الرفع يطلب مطلقًا، ولو كان يصلِّي إلى غير سترة، كما إذا صلى في مكان ونسي أن يغرز سترة، أو صلى في مكان لا يظن فيه المرور، ثم جاء مار وأراد المرور؛ فليدفعه، فإنَّه في هذا غير مقصر؛ فليحفظ.

((قال: حدثنا حميد بن هلال)) هو العدوي التَّابعي ((قال: حدثنا أبو صالح السَّمان)) هو المدني التَّابعي، ففي الإسنادين رواية تابعي عن تابعي عن صحابي ((قال: رأيت)) أي: أبصرت ((أبا سعيد الخدري)) هو سعد بن مالك، الصَّحابي الجليل المشهور رضي الله عنه، والمفعول الثاني هو قوله: ((في يوم جمعة)) ، وقوله: ((يصلِّي إلى شيء)) ؛ أي: عنزة ونحوها طول ذراع بغلظ إصبع ((يستره من الناس)) ؛ أي: من مرورهم بين يديه، جملة محلها نصب على الحال، وهل هذه صلاة الجمعة أو غيرها؛ الظَّاهر: الثاني؛ كصلاة سنة الجمعة أو نفل أو غيرهما؛ لأنَّ صلاة الجمعة لا تؤدى إلا مع الإمام وهو يصلِّي في محرابه، وسترة الإمام سترة لمن خلفه، ويحتمل أنَّه كان يصلِّي في غير المسجد، وعلى كل حال؛ فهي غير صلاة الجمعة؛ فافهم، ((فأراد شاب من بني أبي مُعَيْط)) ؛ بِضَمِّ الميم، وفتح العين المهملة، وسكون التحتية، آخره طاء مهملة، وأبو معيط في قريش، واسمه أبان بن أبي عمرو ذكوان بن أمية الأكبر، هو والد عقبة بن أبي مُعَيْط الذي قتله النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم صبرًا، و (مُعَيْط) : تصغير معط؛ وهو الذي لا شعر عليه، فالأمعط والأمرط سواء، قاله إمام الشَّارحين في «عمدة القاري».

واختلف في اسم الشاب المذكور على أقوال؛ أحدها: أنَّه الوليد بن عقبة بن أبي مُعيط؛ لما في كتاب (الصلاة) للبخاري من طريق شيخه أبي نعيم عن زيد بن أسلم قال: (بينما أبو سعيد قائمًا يصلِّي في المسجد، فأقبل الوليد بن عقبة بن أبي مُعيط، فأراد أن يمر بين يديه، فدفعه، فأبى إلا أن يمر، فدفعه) .

الثاني: أنَّه عبد الرحمن بن الحارث بن هشام؛ لما في «مصنف ابن أبي شيبة» من طريق أبي معاوية، عن عاصم، عن ابن سيرين قال: (كان أبو سعيد قائمًا يصلِّي، فجاء عبد الرحمن بن الحارث بن هشام يمر بين يديه، فمنعه فأبى إلا أن يجيء، فدفعه أبو سعيد فطرحه، فقيل له: تصنع هذا بعبد الرحمن؟ فقال: والله لو أبى إلا أن آخذ بشعره؛ لأخذت) .

الثالث: أنَّه داود بن مروان؛ لما رواه عبد الرزاق من طريق سليمان بن موسى، ولفظه: (أراد داود بن مروان أن يمر بين يدي أبي سعيد، ومروان يومئذ أمير بالمدينة...) ؛ فذكر الحديث، وبه جزم ابن الجوزي، وروى عبد الرزاق الحديث، عن معمر، عن زيد بن أسلم، وقال فيه: (فذهب ذو قرابة لمروان) ، ومن طريق أبي العلاء فيه عن أبي سعيد، فقال فيه: (مَرَّ رجلٌ بين يدي أبي سعيد من بني مروان) ، وللنسائي من وجه آخر: (فمر ابن لمروان) .

ثم قال إمامنا الشَّارح بعد أن ساق الطرق: (والأحسن أن يقال بتعدد الواقعة لأبي سعيد مع غير واحد؛ لأنَّ في تعيين واحد من هؤلاء مع كون اتحاد الواقعة نظرًا لا يخفى) انتهى.

وتبعه ابن حجر وغيره، ونظر ابن حجر في القول الأول: بأن في الحديث: (أنه دخل على مروان) ، وزاد الإسماعيلي: (ومروان يومئذٍ أمير على المدينة) ، ولم يكن مروان أميرًا على المدينة إلا في خلافة معاوية، ولم يكن الوليد يومئذ فيها، وأيضًا لم يكن الوليد يومئذ شابًّا، بل في عشر الخمسين، فلعله كان فيه، فأقبل ابن للوليد بن عقبة فيتجه، وقال في الثالث: وفيه نظر؛ لأنَّ فيه أنَّه من بني أبي معيط وليس مروان من بنيه، بل أبو معيط ابن عم [1] والد مروان، لكن يحتمل أن داود نسب إلى ابن معيط من جهة الرضاعة، أو لكون جده لأمه عثمان بن عفان كان أخا الوليد بن عقبة لأمه، فنسب داود إليه مجازًا، وفيه بعد، والأقرب أن الواقعة تعددت لأبي سعيد مع غير واحد، انتهى.

قلت: وفيما قاله نظر؛ لأنَّ قوله: (ولم يكن مروان

[/ص724/] أميرًا على المدينة...) إلخ؛ لا ينافي ذلك، فإنَّه قد دخل على مروان لأجل الشكاية إليه وإن لم يكن أميرًا، فإن كثيرًا من الناس إذا وقع في أمر؛ يشكو أمره أولًا لصاحبه أو صديقه أو قريبه ثم يشكو للحاكم، فيجوز أن يكون الوليد شكا أمره أولًا لمروان.

وقوله: (ولم يكن يومئذ شابًّا...) إلخ: كلام متناقض على أنَّه قد استوجهه؛ فافهم.

وقوله في الثالث: (إنَّه بعيد) : ليس كذلك؛ لأنَّه يجوز أن ينسب إلى ما ذكره؛ لشهرته به على طريقة المجاز، وهو سائغ في الكلام، والله تعالى أعلم.

وقوله: ((أن يجتاز)) ؛ بالجيم والزاي، من الجواز؛ أي: يمر، جملة محلها نصب مفعول (أراد) ((بين يديه)) ؛ بالتثنية؛ أي: بين يدي أبي سعيد ((فدفع)) وفي بعض النُّسخ: (فدفعه) ؛ بالضمير ((أبو سعيد)) أي: سعد بن مالك الخدري ((في صدره)) أي: في صدر الشاب المذكور ((فنظر الشاب)) يحتمل أنَّه نظر إليه متعجبًا من فعله به، ويحتمل أنَّه نظر طريقًا يمر فيه غيره، ويدل عليه قوله: ((فلم يجد)) أي: الشاب ((مَسَاغًا)) ؛ بفتح الميم والسين المهملة، وبالغين المعجمة؛ أي: طريقًا يمكنه المرور منها، يقال: ساغ الشراب في الحلق؛ إذا نزل من غير ضرر، وساغ الشيء: طاب ((إلا بين يديه)) أي: أبي سعيد، ((فعاد)) أي: الشاب ((ليجتاز)) أي: ليمر بين يديه، ((فدفعه أبو سعيد أشد من الأولى)) ؛ أي: من المرة الأولى أو الدفعة الأولى، كما في «عمدة القاري»، ((فنال)) ؛ بالفاء والنُّون؛ أي: فأصاب ((الشاب من أبي سعيد)) : من عرضه بالشتم، وهو من النيل؛ وهو الإصابة، كذا قال الشراح.

قلت: وفيه: أن الشاب لم ينل من أبي سعيد شتمًا [2] في عرضه، وإنما أصابه منه شتم باليد المرة بعد أخرى.

((ثم)) إن الشاب رجع ولم يمر بين يدي أبي سعيد حتى ((دَخَل على مروان بن الحَكَم)) ؛ بفتحتين: الأموي أبو عبد الملك، يقال: إنَّه رأى النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم ولم يحفظ عنه شيئًا، وتوفي النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلموهو ابن ثمان سنين، توفي بدمشق لثلاث خلون من رمضان سنة خمس وستين عن ثلاث وستين سنة، وتقدم ذكره في باب (البزاق) .

قلت: ودفن بباب الصغير رضي الله عنه.

((فشكى)) أي: الشاب ((إليه)) أي: إلى مروان ((ما لقِي)) ؛ بكسر القاف؛ أي: الذي لقيه ((من أبي سعيد)) ؛ أي: من الدفع الذي دفعه أبو سعيد، وإنما شكى إليه؛ لأنَّه يحتمل أنَّه صديقه، أو صاحبه، أو لقرابته منه، ويحتمل أنَّه ابن زوجة مروان، وسماه ابنه مجازًا كما سبق، ويحتمل غير ذلك كما قدمنا؛ فليحفظ.

((ودخل أبو سعيد خلفه على مروان)) ؛ يعني: أن أبا سعيد لما رأى الشاب رجع وذهب إلى دار مروان؛ علم أنَّه يشتكي عليه إليه، فأتم صلاته وذهب خلفه حتى دخل على مروان؛ لأجل أن يعلمه أن المرور بين يدي المصلي غير جائز؛ لاحتمال أن الحديث لم يبلغهم؛ فافهم.

((فقال)) أي: مروان ((لأبي سعيد: ما لك ولابن أخيك)) : وكلمة (ما) مبتدأ، و (لك) : خبره، (ولابن أخيك) : عطف عليه بإعادة الخافض، وأطلق الأخوة باعتبار أن المؤمنين إخوة، وإنما لم يقل: ولأخيك؛ بحذف (الابن) ؛ نظرًا إلى أنَّه كان شابًّا أصغر منه، قاله الشَّارح، ((يا با سعيد؟)) وهذا يدل على أنَّ المارَّ بين يدي أبي سعيد الذي دفعه غير الوليد بن عقبة؛ لأنَّ أباه عقبة قتل كافرًا، قاله المحقق بدر الدين العيني الحنفي رضي الله تعالى عنه، آمين.

((قال)) ؛ أي: أبو سعيد لمروان والشاب: لم أفعل الدفع المذكور من تلقاء نفسي لغرض هوًى، وإنما فعلته اتِّباعًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأني ((سمعت النَّبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم)) ، وجملة: ((يقول)) محلها نصب على الحال، أو مفعول ثان لـ (سمعت) ((إذا صلى أحدكم)) ؛ أي: في الصحراء أو في مسجد صغير دون أربعين ذراعًا في أربعين ذراعًا، كما قدمناه ((إلى شيء يستره)) ؛ أي: كعنزة ونحوها مما طوله ذراع بغلظ إصبع ((من الناس)) ؛ أي: من مرورهم بين يديه، أمَّا المسجد الكبير؛ فلا يحتاج المصلي فيه من السترة، كما سبق غير أنَّه إذا مر أحد بين يديه؛ يدفعه؛ فافهم، ((فأراد أحد)) من الناس ((أن يجتاز)) أي: يمر ((بين يديه)) أي: في موضع سجوده؛ ((فليدفعه)) وفي رواية مسلم: (فليدفع في نحره) ؛ أي: بالأسهل والأخف، وقال القرطبي: بالإشارة ولطيف المنع، انتهى.

وهل الدفع المذكور مندوب أم واجب؟قال النَّووي: وهذا الأمر أمر ندب متأكد، ولا أعلم أحدًا من الفقهاء أوجبه، واعترضه الشَّارح: بأن أهل الظَّاهر قالوا بوجوبه؛ لظاهر الأمر، فكأنَّ النَّووي ما اطَّلع على هذا.

وقال ابن بطال: اتفقوا على دفع المار إذا صلى إلى سترة، فأمَّا إذا صلى إلى غير سترة؛ فليس له؛ لأنَّ التصرف والمشي مباح لغيره في ذلك الموضع الذي يصلِّي فيه، فلم يستحق أن يمنعه إلا ما قام الدليل عليه وهي السنة التي وَرَدت السنة بمنعها، انتهى.

قلت: هذا ليس على إطلاقه؛ لأنَّ المصلي بمكان يملكه من موضع قدميه إلى موضع سجوده سواء كان يصلِّي إلى سترة أو لا، فإذا صلى إلى سترة؛ فظاهر، وأمَّا إذا صلى لغير سترة؛ فليس لأحد أن يمر بين يديه، وله دفعه مطلقًا، كما إذا صلى ونسي وضع السترة أو في مكان لا يظنُّ المرور فيه، فجاء مار؛ فله دفعه، كما لا يخفى، وقد سبق ذلك؛ فافهم.

وقال إمامنا الشَّارح: (ولا يجوز للمصلي المشي من موضعه ليَرُدَّ المار، وإنما يدافعه ويرده من موضعه؛ لأنَّ مفسدة الشيء في الصلاة أعظم من مروره بين يديه، وإنما أبيح له قدر ما يناله من موقفه، وإنما يرده إذا كان بعيدًا منه بالإشارة والتسبيح، ولا يجمع بينهما) انتهى.

قلت: وظاهره أنَّ هذا مذهب الإمام الأعظم رضي الله عنه، لكن قد ذكر في «المنية» و«شرحها» للحلبي البرهان: أن المشي في الصلاة خطوة أو خطوتين لا يضرها ولا يفسدها، انتهى.

وفي «عمدة القاري»: وفي «الكافي»: يدفعه ويصر على ذلك، وقيل: يدفعه دفعًا شديدًا أشد من الدرء، ولا ينتهي إلى ما يفسده صلاته، وهذا هو المشهور عن مالك وأحمد، وقال أشهب: إن قَرُبَ منه؛ درأه ولا ينازعه، فإن مشى له ونازعه؛ لم تبطل صلاته، وإن تجاوزه؛ لا يَرُدُّه؛ لأنَّه مرور ثان، وكذا رواه ابن القاسم عن مالك، وبه قال الشَّافعي وأحمد، وقال ابن مسعود وسالم: يردُّه من حيث جاء، وإذا مر بين يديه ما لا يؤثر فيه الإشارة كالهرة؛ قال مالك: دفعه برجله أو ألصقه إلى السترة، انتهى.

((فإن أبى)) ؛ أي: امتنع المار من الرجوع؛ ((فلِْيقاتله)) ؛ بكسر اللَّام الجازمة وسكونها؛ أي: يزيد في دفعه الثاني أشد من الأول، قال القرطبي: (وأجمعوا على أنَّه لا يلزمه أن يقاتله بالسلاح ولا بغيره؛ لمخالفة ذلك لقاعدة الإقبال على الصلاة والاشتغال بها، والخشوع فيها، وقال القاضي عياض: أجمعوا على أنَّه لا يلزمه مقابلته بالسلاح، ولا ما يؤدي إلى هلاكه، فإن دفعه بما يجوز، فهلك من ذلك؛ فلا قَوَدَ عليه باتفاق العلماء، وهل يجب ديته أم يكون هدرًا؟ فيه مذهبان للعلماء، وهما قولان لمالك، وتجب الدية والكفارة عند سيدنا الإمام الأعظم؛ لأنَّ دم المسلم مضمون، والحديث محمول على التغليظ كما في آية الحج وحديثه، ولا دِية ولا كفارة عند الشَّافعي، وفيه الدية عند أحمد ابن حنبل، وقال ابن شعبان: عليه الدية في ماله كاملة، وقيل: هي على عاقلته، وقيل: هدر، والجمهور على أنَّ معنى: (فليقاتله) : الدفع بالقهر لا جواز القتل؛ لأنَّ المقصود المبالغة في كراهة المرور، وفي «التَّمهيد»: العمل القليل في الصلاة جائز؛ نحو: قتل برغوث، وحك جسد، وقتل عقرب بما خفَّ من الضرب ما لم يكن كثيرًا، فإن كثر؛ يفسد الصلاة، وشذ جماعة من الشَّافعية، فزعموا إلى أنَّه يقاتله حقيقة، وردَّه ابن العربي، فقال: المراد: المدافعة.

وأبعد الباجي فزعم أن المراد بالمقاتلة: اللعن، وأنكره جماعة بأنه يستلزم التكلم في الصلاة؛ وهو مبطل، وأجاب بعضهم باحتمال أن يريد لعنه بالدعاء من غير خطاب، لكن فعل أبي سعيد يرده، وهو أدرى بالمراد.

قلت: وما هذا إلا خلاف الحق والصَّواب، فإنَّ لعن[/ص725/] الكافر المعين؛ لا يجوز، فكيف بلعن المسلم الموحد لله الشاهد بالرسالة للنبي الأعظم صلى الله عليه وسلم، فإنَّ لعنه كبيرة من الكبائر، وكذلك لا يجوز لعنه بالدعاء من غير خطاب؛ لأنَّ اللعن: الطرد والإبعاد عن رحمة الله تعالى، ولا يستحق ذلك إلا من أشرك في الله تعالى، أمَّا المسلم؛ فلعنه حرام كبيرة تغمس صاحبها في جهنم؛ فانظر هذه الجرأة الوخيمة من هؤلاء الذين يستحقون من الله العذاب الأليم، وقد أعمى الله أبصارهم عن قوله تعالى في آية الحج: {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ}، وعن قوله عليه السَّلام: (من استطاع منكم الحج ولم يحج، فإن شاء أن يموت يهوديًّا أو نصرانيًّا) ، فإن الأئمة أجمعوا على أنَّ المراد به: التغليظ لا الكفر حقيقة، وما نحن فيه مثله، فإن مراده عليه السَّلام بالمقاتلة المدافعة، كما ذكره جمهور العلماء؛ فليحفظ.

وقوله: ((فإنما هو)) أي: المار ((شيطان)) : بيان وتعليل للمقاتلة، قال في «عمدة القاري»: وهذا من باب التشبيه للمبالغة؛ أي: إنَّما هو كالشَّيطان، أو يراد به: شيطان الإنس، وإطلاق الشَّيطان على المارد من الإنس سائغ شائع، وقد جاء في القرآن قوله تعالى: {شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ} [الأنعام: 112] .

وقال الخطابي: (معناه: أن الشَّيطان يحمله على ذلك، ويحركه إليه، وقد يكون أراد بالشَّيطان: المار بين يديه نفسه، وذلك أن الشَّيطان: هو المارد الخبيث من الجن والإنس) .

وقال القرطبي: ويحتمل أن يكون معناه الحامل له على ذلك الشَّيطان، ويؤيده حديث ابن عمر عند مسلم: (لا يدع أحدًا يمر بين يديه، فإن أبى؛ فليقاتله، فإن معه القرين) ، ومثله عند ابن ماجه.

وقال ابن المنكدر: (فإنَّ معه العُزَّى، وقيل: معناه: إنَّما هو فعل الشَّيطان لشغل قلب المصلي، كما يخطر الشَّيطان بين المرء ونفسه) انتهى.

وفي الحديث: طلب اتخاذ السترة للمصلي، وفيه خلاف؛ ومذهب الإمام الأعظم وأصحابه رضي الله عنهم: أنها مستحبة، وبه قال مالك والشَّافعي، ويجوز تركها عند مالك، وقال أحمد: إنها واجبة، فإن لم يجد؛ وضع خطًّا؛ لحديث ابن عمر الذي صححه الحاكم: (لا تصلوا إلا إلى سترة، ولا تدع أحدًا [3] يمر بين يديك) ، وعند أبي نعيم: قال عمر بن الخطاب: (لو يعلم المصلي ما ينقص من صلاته؛ ما صلى إلا إلى شيء يستره من الناس) ، وعند ابن أبي شيبة عن ابن مسعود: أنَّه ليقطع نصف صلاة المرء المرور بين يديه، وقال بالاستحباب جماعة؛ إبراهيم النخعي، وعطاء، والقاسم، وسالم، رواه ابن أبي شيبة.

وحدُّها: من قدمي المصلي إلى موضع سجوده، واختار شمس الأئمة السرخسي، وشيخ الإسلام، والإمام قاضي خان: أنَّه يكره المرور في موضع سجود المصلي، وقيل: مقدار صفين أو ثلاثة، وقيل: ثلاثة أذرع، وقيل: بأربعين ذراعًا، وقدره الشَّافعي وأحمد بثلاثة أذرع، ولم يحده مالك.

وكذلك يستحب في الصحراء أن يتخذ سترة، وروى أبو داود من حديث أبي هريرة: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا صلى أحدكم؛ فليجعل تلقاء وجهه شيئًا، فإن لم يجد؛ فلينصب عصًا، فإن لم يكن معه عصًا؛ فليخط خطًّا، ولا يضره ما مر أمامه»، وأخرجه ابن حبان في «صحيحه»، وقال القاضي عياض: هذا حديث ضعيف، وضعفه ابن عيينة، وإسماعيل بن أمية، والشَّافعي، والنَّووي.

ويستحب أن تكون السترة قدر ذراع، وأن يكون بغلظ إصبع؛ لأنَّ ما دونه لا يبدو للناظر من بعيد، ويقرب المصلي من السترة، ويجعلها على أحد حاجبيه الأيمن أو على الأيسر، كما نص عليه أئمتنا الأعلام؛ لما روى أبو داود من حديث المقداد بن الأسود قال: (ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلِّي إلى عمود، ولا عود، ولا شجر إلا جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر، ولا يصمد له صمدًا) ؛ يعني: لم يقصده قصدًا بالمواجهة، والصمد: القصد لغة، وسترة الإمام سترة لمن خلفه.

والمعتبر عندنا الغرز دون الخط والإلقاء؛ لأنَّ المقصود هو الدرء بالخط، والإلقاء لا يُحصِّلُ المقصود، وقال شيخ الإسلام في «المبسوط»: إنَّما يغرز إذا كانت الأرض رخوة، أمَّا إذا كانت صلبة؛ فيضع وضعًا، لكن يضع طولًا لا عرضًا، وفي «المحيط»: الخط ليس بشيء، وهو قول الجمهور، وجوَّزه أشهب، وبه قال سعيد بن جبير، والأوزاعي، والشَّافعي بالعراق، ثم قال بمصر: لا يخط، وحديث أبي هريرة المار ضعَّفه جماعة؛ عبد الحق، وابن حزم، وغيرهما، ولا يضر وضع سترة مغصوبة، فإنَّها معتبرة عندنا، وعند أحمد تبطل الصلاة، ومثله الثوب المغصوب، انتهى وتمامه في «عمدة القاري».

وفيه: أن المار كالشَّيطان في أنَّه يشغل قلب المصلي عن مناجاة ربه تعالى، وفيه: أنَّه يجوز أن يقال للرجل إذا فتن في الدين: إنَّه شيطان، وفيه: أن الحكم للمعاني لا للأسماء؛ لأنَّه يستحيل أن يصير المار شيطانًا بمروره بين يديه، وفيه: أن دفع الأمور بالأسهل فالأسهل، وفيه: أن المنازعات لا بد [فيها] من الرفع للحاكم، ولا ينتقم الخصم بنفسه، وفيه: أن رواية العدل مقبولة، وإن كان الراوي له منتفعًا به، انتهى، والله أعلم.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة.

[1] في الأصل: (عمر)، وهو تحريف.
[2] في الأصل: (شتم)، وليس بصحيح.
[3] في الأصل: (أحد) ، وليس بصحيح.