المستند التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

484-. 485-. 486-. 487-. 488-. 489-. 490-. 491-. 492-. حدَّثنا إِبْراهِيمُ بنُ المُنْذِرِ، قالَ: حدَّثنا أَنَسُ بنُ عِياضٍ، قالَ: حدَّثنا مُوسَىَ بنُ عُقْبَةَ، عن نافِعٍ:

أَنَّ عَبْدَ اللهِ [1] أَخبَرَهُ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يَنْزِلُ بِذِي الحُلَيْفَةِ حِينَ يَعْتَمِرُ، وَفِي حَجَّتِهِ حِينَ حَجَّ، تَحْتَ سَمُرَةٍ فِي مَوْضِعِ المَسْجِدِ الَّذِي [2] بِذِي الحُلَيْفَةِ، وَكانَ إذا رَجَعَ مِنْ غَزْوٍ كانَ [3] فِي تِلْكَ الطَّرِيقِ، أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، هَبَطَ مِنْ بَطْنِ [4] وادٍ، فَإِذا ظَهَرَ مِنْ بَطْنِ وادٍ أَناخَ بِالْبَطْحاءِ الَّتِي علىَ شَفِيرِ الوادِي الشَّرْقِيَّةِ، فَعَرَّسَ ثَمَّ حَتَّىَ يُصْبِحَ، لَيْسَ عِنْدَ المَسْجِدِ الَّذِي بِحِجارَةٍ، وَلا على الأَكَمَةِ الَّتِي عَلَيْها المَسْجِدُ، كانَ ثَمَّ خَلِيجٌ يُصَلِّي عَبْدُ اللَّهِ عِنْدَهُ، فِي بَطْنِهِ كُثُبٌ، كان رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَمَّ يُصَلِّي، فَدَحا السَّيلُ فِيهِ [5] بِالبَطْحاءِ، حَتَّىَ دَفَنَ ذَلِكَ المكانَ الَّذِي كان عَبْدُ اللهِ يُصَلِّي فِيهِ.

_وَأَنَّ عَبْدَ اللهِ بنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّىَ حَيْثُ المَسْجِدُ الصَّغيرُ، الَّذِي دُونَ المَسْجِدِ الَّذِي بِشَرَفِ الرَّوْحاءِ، وقَدْ كان عَبْدُ اللهِ يَعْلَمُ [6] المَكانَ الَّذِِي كانَ [7] صَلَّىَ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [8] ، يَقُولُ: ثَمَّ عن يَمِينِكَ، حِينَ تَقُومُ فِي المَسْجِدِ تُصَلِّي. وَذَلِكَ المَسْجِدُ علىَ حافَةِ الطَّرِيقِ اليُمْنَىَ وَأَنْتَ ذاهِبٌ إلىَ مَكَّةَ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ المَسْجِدِ الأَكْبَرِ رَمْيَةٌ بِحَجَرٍ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ.

_ وَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كان يُصَلِّي إلى العِرْقِ الَّذِي عِنْدَ مُنْصَرَفِ الرَّوْحاءِ، وَذَلِكَ العِرْقُ انْتِهاءُ طَرَفِهِ [9] عَلَىَ [10] حافَةِ [11] الطَّرِيقِ، دُونَ المَسْجِدِ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ المُنْصَرَفِ، وَأَنْتَ ذاهِبٌ إلىَ مَكَّةَ، وَقَدِ ابْتُنِيَ ثَمَّ مَسْجِدٌ، فَلَمْ يَكُنْ عَبْدُ اللَّهِ [12] يُصَلِّي فِي ذَلِكَ المَسْجِدِ، كانَ [13] يَتْرُكُهُ عن يَسارِهِ وَوَراءَهُ، وَيُصَلِّي أَمامَهُ إلى العِرْقِ نَفْسِهِ. وَكانَ عَبْدُ اللَّهِ يَرُوحُ مِنَ الرَّوْحاءِ، فَلا يُصَلِّي الظُّهْرَ حَتَّىَ يَأتِيَ ذَلِكَ المَكانَ، فَيُصَلِّي فِيهِ الظُّهْرَ، وَإِذا أَقْبَلَ مِنْ مَكَّةَ، فَإِنْ مَرَّ بِهِ قَبْلَ الصُّبْحِ بِساعَةٍ، أَوْ مِنْ آخِرِ السَّحَرِ، عَرَّسَ حَتَّىَ يُصَلِّيَ بها الصُّبْحَ.

_ وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ حَدَّثَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ [14] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يَنْزِلُ تَحْتَ سَرْحَةٍ ضَخْمَةٍ، دُونَ الرُّوَيْثَةِ، عن يَمِينِ الطَّرِيقِ وَوِجاهَ [15] الطَّرِيقِ، فِي مَكانٍ بَطْحٍ سَهْلٍ، حَتَّىَ [16] يُفْضِيَ مِنْ أَكَمَةٍ دُوَيْنَ بَرِيدِ الرُّوَيْثَةِ بِمِيلَيْنِ [17] ، وَقَدِ انْكَسَرَ أَعْلاها فانْثَنَىَ فِي جَوْفِها، وَهِيَ قائِمَةٌ علىَ ساقٍ، وَفِي ساقِها كُثُبٌ كَثِيرَةٌ.

_ وَأَنَّ [/ج1ص104/] عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّىَ فِي طَرَفِ تَلْعَةٍ مِنْ وَراءِ العَرْجِ، وَأَنْتَ ذاهِبٌ إلىَ هَضْبَةٍ، عِنْدَ ذَلِكَ المَسْجِدِ قَبْرانِ أَوْ ثَلاثَةٌ، على القُبُورِ رَضْمٌ [18] مِنْ حِجارَةٍ عن يَمِينِ الطَّرِيقِ، عِنْدَ سَلَماتِ [19] الطَّرِيقِ، بَيْنَ أُولَئِكَ السَّلَماتِ [20] كان عَبْدُ اللَّهِ يَرُوحُ مِنَ العَرْجِ، بَعْدَ أَنْ تَمِيلَ الشَّمْسُ بِالْهاجِرَةِ، فَيُصَلِّي الظُّهْرَ فِي ذَلِكَ المَسْجِدِ.

_ وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَزَلَ عِنْدَ سَرَحاتٍ عن يَسارِ الطَّرِيقِ، فِي مَسِيلٍ دُونَ هَرْشَىَ، ذَلِكَ المَسِيلُ لاصِقٌ بِكُراعِ هَرْشَىَ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّرِيقِ قَرِيبٌ مِنْ غَلْوَةٍ [21] ، وَكانَ عَبْدُ اللَّهِ يُصَلِّي إلىَ سَرْحَةٍ هِيَ أَقْرَبُ السَّرَحاتِ إلى الطَّرِيقِ، وَهْيَ أَطْوَلُهُنَّ.

_ وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يَنْزِلُ فِي المَسِيلِ الَّذِي فِي أَدْنَىَ [22] مَرِّ الظَّهْرانِ [23] ، قِبَلَ المَدِينَةِ، حِينَ يَهْبِطُ [24] مِنَ الصَّفْراواتِ، يَنْزِلُ فِي بَطْنِ ذَلِكَ المَسِيلِ عن يَسارِ الطَّرِيقِ، وَأَنْتَ ذاهِبٌ إلىَ مَكَّةَ، لَيْسَ بَيْنَ مَنْزِلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ الطَّرِيقِ إلَّا رَمْيَةٌ بِحَجَرٍ.

_ وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يَنْزِلُ بِذِي طُوًىَ [25] ، وَيَبِيتُ حَتَّىَ يُصْبِحَ، يُصَلِّي الصُّبْحَ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ، وَمُصَلَّىَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ علىَ أَكَمَةٍ غَلِيظَةٍ، لَيْسَ فِي المَسْجِدِ الَّذِي بُنِيَ ثَمَّ، وَلَكِنْ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ علىَ أَكَمَةٍ غَلِيظَةٍ [26] .

_ وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ [27] حَدَّثَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَقْبَلَ فُرْضَتَيِ الجَبَلِ، الَّذِي [28] بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجَبَلِ الطَّوِيلِ نَحْوَ الكَعْبَةِ، فَجَعَلَ المَسْجِدَ الَّذِي بُنِيَ ثَمَّ يَسارَ المَسْجِدِ بِطَرَفِ الأَكَمَةِ، وَمُصَلَّى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْفَلَ منه على الأَكَمَةِ السَّوْداءِ، تَدَعُ مِنَ الأَكَمَةِ عَشَرَةَ [29] أَذْرُعٍ أَوْ نَحْوَها، ثُمَّ تُصَلِّي مُسْتَقْبِلَ الفُرْضَتَيْنِ مِنَ الجَبَلِ الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَ الكَعْبَةِ.

الأطراف



[1] في رواية أبي ذر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت زيادة: «بنَ عمر»، وفي رواية الأصيلي زيادة: «يعني ابن عمر».
[2] بهامش اليونينية بدون رقمٍ زيادةُ: «كان»، كتبت بالحمرة.
[3] في رواية كريمة وأبي ذر والأصيلي: «غزوِه كان»، وفي رواية أبي ذر عن الحَمُّويي والمُستملي ورواية [عط] وأخرىَ عن الأصيلي: «غزوَةٍ وكان»، وفي رواية ابن عساكر ونسخة عن أبي ذر: «غَزْوٍ وكان».
[4] في رواية أبي ذر والأصيلي و [عط] ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «هَبَطَ بطنَ»، وفي رواية ابن عساكر: «ظَهَرَ بطنَ».
[5] في رواية أبي ذر: «فدحا فيه السيلُ».
[6] في رواية أبي ذر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «يُعْلِم»، وضبطت روايتاهما في بعض فروع اليونينية كما ذكر في (ب، ص): «تَعَلَّمَ».
[7] لفظة: «كان» ليست في رواية ابن عساكر وأبي ذر ولا في رواية [عط] .
[8] في متن (ب، ص): «عَلَيْهِ السَّلام».
[9] في رواية أبي ذر عن الكُشْمِيْهَنِيِّ ورواية [عط] : «انتهىَ طرفُهُ».
[10] رمز في اليونينية علىَ لفظة: «علىَ» بعلامة السقوط بالحمرة.
[11] وضع علامة التَّخفيف على فاء «حافة» في اليونينيَّة.
[12] في رواية الأصيلي زيادة: «بن عمر».
[13] في رواية الأصيلي: «وكان».
[14] في رواية أبي ذر وابن عساكر: «رسولَ الله».
[15] في رواية الأصيلي: «وَوُجاه» بضمِّ الواو.
[16] هكذا في رواية ابن عساكر عن الحَمُّويي أيضًا (و، ب، ص)، وفي رواية الأصيلي وابن عساكر و [عط] ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت ورواية أبي ذر عن المُستملي: «حين».
[17] في رواية ابن عساكر: «دون الرُّوَيثة بمِيلَين».
[18] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و«رَضَمٌ »، وكتب فوقها «معًا».
[19] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و« سَلِماتِ »، وكتب فوقها «معًا».
[20] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و« السَّلِماتِ»، وكتب فوقها «معًا».
[21] بهامش اليونينية: الغلوة: طَلَق الفرس، وهو أمدُ جَرْيه، وهو الغِلاء ممدود مكسور، وأصله في السهم، وهو أن يُرمىَ به حيث بلغ، وأصله الارتفاع ومجاوزة الحدِّ. قاله عياض.اهـ.
[22] في رواية [عط] زيادة: «وادي».
[23] في رواية الأصيلي: «مرِّ ظَهْرانَ».
[24] في رواية [عط] : «حتىَ يهبطَ».
[25] في روايةٍ أبي ذر: «الطواء»، وفي رواية الكشميهني وأخرى لأبي ذر: «طِوَىَ»، وزاد في (و) رواية أخرى لأبي ذر: «طَوًى»، وعزاها في (ص) إلىَ رواية الأصيلي.
[26] بهامش اليونينية: في نسخة: «عظيمة».اهـ.
[27] في رواية الأصيلي زيادة: «بنَ عمر».
[28] في رواية ابن عساكر عن أبي الوقت زيادة: «كان».
[29] في رواية أبي ذر: «عشْرَ».





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

484- 485- 486- 487- 488- 489- 490- 491- 492- ( السَّمُر ) بفتح السين وضم الميم، شجر الطَّلْح، واحده: سمرة.

( والكُثب ): جمع الكثيب، والكثيب: رمل يجتمع. [/ج1ص168/]

( فَدَحَا فِيهِ السَّيْلُ بِالْبَطْحَاءِ ) أي: دفع، يقال: دحا المطر الحصباء عن وجه الأرض.

( صَلَّى حَيْثُ الْمَسْجِدُ الصَّغِيرُ ) برفع الكل، وبفتح ثاء ( حيث ) وخفض ما بعده على أحد الوجهين في قوله:

~..................حيث سهيل طالعًا........ . . .................

( شَرَفِ الرَّوْحَاءِ ) موضع.

( وَقَدْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَعْلَمُ المَكَانَ الَّذِي صَلَّى فِيهِ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ثَمَّ عَنْ يَمِينِكَ ) قال القاضي: كذا في جميع النسخ، وهو تصحيف، وصوابه: «بعواسج عن يمينك»، فصحف بقوله: «يقول ثم» [1] ذكر الحميدي هذا الحرف فقال: «تنزل ثم عن يمينك»، فكان يقول: تصحف من «تنزل» والإشكال باقٍ والأول أبين.

( حَافةِ الطَّرِيقِ ) جانبه.

( الْعِرْقُ ) بكسر العين، جبل صغير.

( الرُّوَيْثَةِ ) براء مضمومة وثاء مثلثة، اسم موضع. [/ج1ص169/]

( وُجَاهَ ) بضم الواو وكسرها، أي: تجاهه وتلقاءه.

( فِي مَكَانٍ بَطْحٍ ) بإسكان الطاء، أي: واسع سهل.

( حين يفضي من أكمة ) كذا للكافة، وعند النسفي «حتى» وهو وهم [2] .

( دُوَيْنَ بَرِيدِ ) بباء موحدة مفتوحة، ووقع في بعض الأصول: «يُريد» بياء مثناة مضمومة وهو تصحيف.

( وَهِيَ قَائِمَةٌ عَلَى سَاقٍ ) يريد أنَّها كالبنيان ليست متسعة من أسفل وضيقة من فوق.

( في طرف تلْعَة ) بمثناة ولام ساكنة، قيل: مسيل الماء من فوق إلى أسفل، وقيل: ما ارتفع من الأرض وما انهبط.

( والْعَرْجِ ) بعين مفتوحة وراء ساكنة، منزل بطريق مكة.

( والْهَضْبَة ) بِهَاء مَفْتُوْحَة ثُمَّ ضاد معجمة ساكنة ثم باء موحدة، الصخرة الضخمة.

( رَضْمٌ مِنْ حِجَارَةٍ ) الرَّضم بإسكان الضاد، وللأصيلي بفتحها: حجارة مجتمعة منشورة تكون في بطون الأودية.

( السَّلمَاتِ ) روي بفتح اللام وكسرها، فالفتح: اسم للشجرة، والكسر: للصخرة. [/ج1ص170/]

( هَرْشَى ) مقصور: عقبة قريبة [ب:28] من الجحفة.

( غَلْوَةٍ ) بغين معجمة، رمية بسهم ثلثا ميل، وقيل: مئة باع.

( السَّرَحَاتِ ) بالتحريك، [جمع سرحة بإسكان الراء] [3] .

( مَرِّ الظَّهْرَانِ ) بفتح الميم: وهو بطن مر، والعامة تقول: بطن مرو.

( بِذِي طُوىً ) بطاء مضمومة.

( فُرْضَتَيِ الْجَبَلِ ) بفاء مضمومة وضاد معجمة، تثنية فرضة، وهو المدخل إلى النهر، وقيل: هو شرب الماء من النهر.

( الأَكَمَةِ ) بالتحريك.

[1] جاء في هامش [ب] : عبارة «المطالع» ثم عن يمينك، كذا في جميع النسخ، وهو تصحيف، وصوابه بعواسج كن عن يمينك، فتصحف بقوله: يقول ثم، والله أعلم.
[2] قال ابن حجر رحمه الله: هي أيضًا رواية أبي ذر عن الحموي، وليست وهمًا؛ بل هي متجهة.
[3] ما بين معقوفين زيادة من [ق] .





484# 485# 486# 487# 488# 489# 490# 491# 492# (تَحْتَ سَمُرَةٍ) بفتح السين المهملة وضم الميم: واحدة السَّمُر،

@%ج1ص210%

وهو شجرُ الطَّلْح [1] .

(فَدَحَا فِيْهِ السَّيْلُ [2] بِالبَطْحَاءِ) دحا _ بحاء مهملة _؛ أي: دفع، يقال [3] : دحا المطرُ الحصباءَ عن وجه الأرض؛ أي: دفعها وأزالها [4] ، والبطحاء: مَسِيلٌ واسعٌ فيه دِقاق الحصى.

وقال الدَّاودي: كلُّ أرضٍ منحدرةٍ. وقال الخطابيُّ: حجارةٌ ورملٌ [5] .

- (وقَدْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَعْلَمُ) مضارع عَلِم، أو أَعلم.

(المَكَانَ الَّذِي صَلَّى فِيهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: ثَمَّ عَنْ يَمِينِكَ) قال القاضي: كذا في جميع النسخ، وهو تصحيفٌ، وصوابه [6] : بعواسج عن يمينك، فصُحِّف بقوله: يقول ثم [7] .

وذكر الحميدي هذا [8] الحرف، فقال: تنزل ثَمَّ عن يمينك، وكان يقول: التصحيفُ في تنزل، والإشكالُ باقٍ، والأولُ أَبينُ.

(عَلَى حَافَةِ الطَّرِيقِ) بحاء مهملة وفاء مخففة؛ أي: جانبه.

- (إِلَى الْعِرْقِ) بعين مهملة مكسورة وراء ساكنة وقاف: جبل صغير.

- (تَحْتَ سَرْحَةٍ ضَخْمَةٍ) شجرةٌ عظيمة.

(دُونَ الرُّوَيثَةِ) بضم الراء وثاء [9] مثلثة على التَّصغير: اسم موضع.

(وُجَاهَ) بضم الواو وكسرها؛ أي: تجاهه وتلقاءَهُ.

(فِي مَكَانٍ بَطْحٍ) بسكون الطاء المهملة؛ أي: واسع.

(حِيْنَ يُفْضِيَ) حين ظرف، كذا عند الجمهور. ورواه النسفيُّ: <حتى> حرف غاية، ونُسِبَ إلى الوهم.

(دُوَيْنَ) تصغير دونَ؛ لتقريب المسافة.

(بَرِيدِ) بباء موحدة مفتوحة [10] ، ووقع في بعض الأصول: <تريد [11] > من الإرادة بتاء [12] مثناة، قالوا: وهو تصحيفٌ.

(وَهِيَ [13] قَائِمَةٌ عَلَى سَاقٍ) يريد: أنها كالبُنيان، ليست متسعةً من أسفل، وضيقةً من فوق.

- (فِي طَرَفِ تَلْعَةٍ) بفتح المثناة من فوق [14] وسكون اللام وبعين مهملة: مجرى أعلى الأرض إلى بطنِ الوادي، قاله

@%ج1ص211%

أبو عَمرو، أو: ما [15] ارتفعَ من الأرض وما انهبطَ منها، قاله أبو عبيدة، وهو عنده من الأضداد.

(مِنْ وَرَاءِ الْعَرْجِ) بعين مهملة مفتوحة وراء ساكنة: منزلٌ بطريقِ مكة، وإليه ينسب العَرْجِيُّ الشاعرُ، وهو: عبد الله بنُ عمرو بنِ عثمانَ بنِ عفانَ، قاله الجوهري.

(إِلَى [16] هَضْبَةٍ) بهاء مفتوحة فضاد معجمة ساكنة فباء موحدة.

قال ابن فارس: هي الأكمة الملساءُ القليلة النبات.

وفي «الصحاح»: هي الجبلُ المنبسط على وجهِ الأرض، وقيل: هي فوق الكثيب، ودون الجبل [17] ، وقيل: هي الكُدْية، وقيل: هي الصَّخرة الراسية الضَّخمة، كذا في السفاقسيِّ.

(رَضْمٌ [18] ) حجارةٌ كِبار.

وفي «الصحاح»: صخورٌ عِظامٌ يُرضمُ بعضُها فوق بعض.

السفاقسي: وروِّيناه بسكون الضاد يعني [19] : المعجمة، وكذا هو في اللغة.

ورواه الأصيلي بفتحها.

(السَّلَمَاتِ) روي: بفتح اللام؛ أي: الشجرات، وبكسرها؛ أي: الصخرات.

- (هَرْشَى) بالقصر على وزن دَعْوى وشينه [20] معجمة: عقبةٌ بقُرب الجُحفة.

(غَلْوَةٍ) بغين معجمة: رَميةُ سهمٍ، ثُلثا ميل، وقيل: مئة ذراع.

(السَّرَحَاتِ) بفتحات.

- (أَدْنىَ مَرِّ الظَّهْرَانِ) بفتح الميم وتشديد الراء، وهو بطنُ مرٍّ، تقول العامة له: بطنُ مروٍ.

- (بِذِي طَوًى) قال القاضي: بفتح الطاء والواو، مقصور، وكسرَ الطاء بعضُهم، وبالكسر: قيدها الأصيلي بخطه، وبعضهم يقولها بالضم، والصواب: الفتح، وهو وادٍ بمكة.

قال [21] أبو عليٍّ: هو منوَّنٌ على فُعَلٍ .

- (فُرْضَتَيِ الْجَبَلِ) تثنية [22] فُرضة،

@%ج1ص212%

بفاء مضمومة وضاد معجمة.

قال السفاقسيُّ: هي مدخلُ الطريق إليه.

وقال ابن فارس وغيره: مَشْرَعةٌ [23] في النهر يسيلُ منها [24] .

وقال الداودي: يعني بالفُرضَتَين: الشقَّين المرتفعين، إلا أنهما كبيران.

وفيما ذكره [25] البخاريُّ في هذا الباب [26] : الحرصُ على تحري الصلاة في الأماكن التي كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يصلي فيها على وجه التَّبرك كما كان ابنُ عمرَ رضي الله عنه [27] يفعل، وقد ورد أن عمر رضي الله عنه كان في سفر، فصلى الغداةَ، ثم أتى على مكان، فجعل الناسُ يأتونه، فيقولون: صلَّى فيه عليه السلام، فقال عمر: إنما هَلَكَ أهلُ الكتاب أنهم اتبعوا آثارَ أنبيائهم فاتَّخذوها كنائسَ وبِيَعًا، فمن عرضتْ له الصلاةُ، فليُصلِّ، وإلا فليَمْضِ، كذا في ابن بطَّال.

قال ابن المنيِّر: ومن رحمته هذه [28] الأمة بعلمائها حتى جعل [29] اتفاقَهم رحمةً [30] ، واختلافَهم رحمةً: أن مثل هذه القضية اختلف فيها عمرُ وابنُه رضي الله عنهما، فحَفِظ اختلافُهما على الناس أمرين عظيمين في الدِّين:

أحدهما: اقتفاء آثارهِ عليه السلام تعظيمًا وتبركًا.

والثاني: السلامة في الاتباع من الابتداعِ، ألا ترى عمر رضي الله عنه كيف نبَّه على أن هذه المساجد التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم ليست من المشاعِرِ، ولا لاحقة بالمساجد الثلاثة في التعظيم؟ فالحمدُ لله على أن عَلَت [31] هذه الأمة في الاتباع وما غَلَتْ، ولكن اقتدتْ. والله المستعان.

@%ج1ص213%

[1] ((الطلح)): ليست في (ق).
[2] في المتن: ((السيل فيه)).
[3] في (ق) زيادة: ((له)).
[4] في (د): ((أو أزالها)).
[5] في (د) و(ج): ((حجارة رمل)).
[6] في (ق): ((وصحافه)).
[7] في (ق): ((يمينك مصحف بقوله وثم)).
[8] في (ق): ((عن)).
[9] في (ق): ((وبثاء)).
[10] ((مفتوحة)): ليست في (ق).
[11] في (ق): ((يريد)).
[12] في (ق): ((بياء)).
[13] ((وهي)): ليست في (د) و(ج).
[14] في (م) و(ج): ((تحت)).
[15] ((أو ما)): ليست في (ق).
[16] في (د): ((إني)).
[17] من قوله: ((المنبسط على... إلى قوله: ...الجبل)): ليست في (ق).
[18] في (ق) زيادة: ((من)).
[19] في (ق): ((بغير)).
[20] في (ق): ((وشين)).
[21] في (د) و(ج): ((قاله)).
[22] في (ق): ((ثنيتيه)).
[23] في (ق) و(ج): ((مسرعة)).
[24] في (د): ((منها الماء)).
[25] في (ق): ((وفي ذكر)).
[26] ((الباب)): ليست في (د).
[27] ((رضي الله عنه)): ليست في (ق).
[28] في (ق): ((بهذه)).
[29] ((جعل)): ليست في (ق).
[30] في (ق) زيادة: ((الله)).
[31] في (د): ((غلت)).





484- 485- 486- 487- 488- 489- 490- 491- 492-.قوله: (بِذِي الْحُلَيْفَةِ): هي بالحاء المهملة المضمومة، وفتح اللَّام، وبعد المُثنَّاة تحت الساكنة فاءٌ، ثمَّ تاء، هي على ستَّة أميال من المدينة، وقيل: سبعة، وهو ماء من مياه بني جشم.

تنبيه: وقع في «شرح الرَّافعيِّ» للشَّافعيَّة: أنَّ بينها وبين المدينة ميلًا [1] ، وهو غريب، لكنَّه لم ينفرد به، بل هو في «الشَّامل» و«البحر»، والله أعلم، وقد تقدَّم [2] .

قوله: (تَحْتَ سَمُرَةٍ): هي بضمِّ الميم، وفتح السِّين؛ من شجر الطلح [3] ، والجمع: سَمُرٌ، وسَمُراتٌ.

قوله: (مِنْ غَزْوَةٍ): هي منوَّنة، وهذا ظاهرٌ، وكذا هو مجوَّد في أصلنا.

قوله: (فَعَرَّسَ): (التعريس): النزول من [4] آخر اللَّيل، وقيل: النزول أيَّ وقت كان.

قوله: (ثَمَّ): هو بفتح الثَّاء، وتشديد الميم؛ أي: هناك، وكذا قوله: (ثَمَّ خَلِيجٌ) ، وكذا: (ثَمَّ يُصَلِّي) ، وكذا (ثَمَّ عَنْ يَمِينِكَ) [خ¦485] ، وكذا (ثَمَّ مَسْجِدٌ) [خ¦486] ، وكذا (بُنِيَ ثَمَّ) [خ¦491] ، وكذا (بُنِيَ ثَمَّ) الثانية [خ¦492] .

قوله: (عَلَى الأَكَمَةِ): هي بفتح الهمزة والكاف والميم، وهي الرابية.

قوله: (خَلِيجٌ): هو بفتح الخاء المعجمة، وكسر اللام، وفي آخره جيم، وهو النهر.

قوله: (كُثُبٌ): هو بضمِّ الكاف والثاء، ثمَّ مُوَحَّدة، جمع (كثيبٍ) .

قوله: (حَيْثُ المَسْجِدُ الصَّغيرُ): (المسجدُ): مرفوع، وهذا ظاهرٌ، و (الصغيرُ): صفة له، مرفوعٌ أيضًا.

قوله: (بِشَرَفِ الرَّوحاءِ): تقدَّم الكلام عليه أعلاه.

قوله: (يَعْلَمُ): هو بفتح الياء، وإسكان العين، وفي نسخة: (يُعلِم) ؛ بضمِّ أوَّله، وكسر اللام.

قوله: (عَلَى حَافَةِ الطَّرِيقِ): هو بتخفيف الفاء، وإيَّاك أن تشدِّدها، وكذا (حَافَةِ) الثانية.

قوله: (العِرْقِ): هو بكسر العين المهملة، ثمَّ راء ساكنة، ثمَّ قاف، وكذا قوله: (وَذَلِكَ الْعِرْقُ) ، وكذا قوله: (إِلَى الْعِرْقِ نَفْسِهِ) ، قال الخليل: العِرْق: الحبل الدقيق من الرمل المستطيل مع الأرض.

قوله: (عِنْدَ مُنْصَرَفِ الرَّوْحَاءِ): أمَّا (منصرَف) ؛ فهو [5] بفتح الرَّاء، و (الرَّوحاء): تقدَّم ضبطها أعلاه، وكذا قوله: (وَبَيْنَ الْمُنْصَرَفِ) بالفتح أيضًا.

قوله: (انْتِهَاءُ طَرَفِهِ): (انتهاء): بالمدِّ في آخره، و (طرفه): مضاف ومضاف إليه، وفي نسخة: (انتهى) ؛ فعلٌ ماضٍ، و (طرفُه) ؛ بالرَّفع: فاعل، انتهى. [/ج1ص184/]

قوله: (يَرُوحُ مِنَ الرَّوْحَاءِ): تقدَّم قريبًا ضبطها، وأين هي.

قوله: (مِنْ آخِرِ السَّحَرِ): هو قُبَيل الفجر.

قوله: (عَرَّسَ): تقدَّم قريبًا أنَّ (التعريس) النزولُ من آخر اللَّيل، وقيل: أيَّ وقت كان.

قوله: (سَرْحَةٍ ضَخْمَةٍ): (السَّرْحة): بفتح السِّين، ثمَّ راء ساكنة ثمَّ حاء مهملتين، وهي الشجرة الطويلة لها منظر، و (الضخمة): العظيمة.

قوله: (دُونَ الرُّوَيْثَةِ): هي بضمِّ الرَّاء، وفتح الواو، ثمَّ مُثَنَّاة تحت ساكنة، ثمَّ ثاء [6] مُثلَّثة، ثمَّ تاء، مكان بين الحَرَمَين، وبين الرُّوَيثة والمدينة [7] سبعةَ عشرَ فرسخًا، قاله البكريُّ.

قوله: (وَوجَاهَ الطَّرِيقِ): (وجاه): بكسر الواو وضمِّها.

قوله: (بَطحٍ): هو بفتح المُوَحَّدة، وإسكان الطاء وبالحاء المهملتين، مكتِفٍ [8] ؛ أي: متَّسِع منبسط، وفي الأصل الذي سمعت فيه على العراقيِّ بإسكان الطاء بالقلم، وعليها (صح) ، وقال شيخنا الشَّارح: («بطح»؛ بإسكان الطاء، ويجوز كسرها؛ أي: واسع) ، انتهى.

قوله: (مِنْ أَكَمَةٍ): (الأَكَمَة): بفتح الهمزة والكاف والميم، وهي الرابية، ويقال: دون الجبل وأعلى من الرابية، وقيل: دون الرابية [9] ، وفيها غير ما ذكرت، وسيأتي في (الاستسقاء) إن شاء الله تعالى.

قوله: (كُثُبٌ): هو جمع (كثيب [10] ) ، وقد تقدَّم قريبًا ما (الكثيب) .

قوله: (تَلْعَةٍ): هي بفتح المُثَنَّاة فوق، ثمَّ لام ساكنة، ثمَّ عين مهملة مفتوحة، ثمَّ تاء، هي الأرض المرتفعة التي يتردَّد فيها السيل، وهي أيضًا مجاري الماء من الوادي، وهي أيضًا ما انهبط من الأرض؛ كالرحبة، والجمع: تلاع.

قوله: (مِنْ وَرَاءِ الْعَرْجِ) ، وكذا قوله: (يَرُوحُ مِنَ الْعَرْجِ): هو بفتح العين المهملة، ثمَّ راء ساكنة، ثمَّ جيم، قرية جامعة من عمل الفُرع، على نحو ثمانية وسبعين ميلًا من المدينة، وهو أوَّل تهامة.

قوله: (إِلَى هَضْبَةٍ): هي بفتح الهاء، وإسكان الضاد المعجمة، ثمَّ مُوَحَّدة مفتوحة، ثمَّ تاء، هي الصخرة الراسية العظيمة، وجمعها: هضاب، وقيل: هو جبلٌ خُلِق من صخرةٍ واحدةٍ، وقال الأصمعيُّ: (الهضبة: الجبل ينبسط على الأرض) .

قوله: (رَضمٌ مِنْ حِجَارَةٍ): (الرَّضم): بفتح الرَّاء، وإسكان الضاد المعجمة وفتحها أيضًا، واقتصر على كلٍّ بعضٌ، حجارةٌ مجتمعةٌ، قال ابن قُرقُول: (والرَّضَم؛ بفتح الضاد: حجارة مجتمعة، جمع «رضَمة»؛ بفتحها أيضًا، كذا قيَّده الأصيليُّ، ويُروَى: «رَضْمٌ»؛ بالسكون على اسم الفعل، وقال أبو عبيد: الرضام: صخور عظام، واحدها: رضْمة) ، انتهى.

قوله: (عِنْدَ سَلِمَاتِ الطَّرِيقِ) ، وكذا قوله: (أُولَئِكَ السَّلِمَاتِ): قال الدِّمياطيُّ: («سلِمات»: بكسر اللام ضبطه الأصيليُّ، جمع «سَلِمَة»؛ وهي الحجارة، وضبطه غيره بالفتح، جمع «سَلَمة»؛ وهي شجرة القرظ من العضاه) ، انتهى.

وما ذكره الدِّمياطيُّ ذكره ابن قُرقُول، وزاد: (وقال الدَّاوديُّ: «سلِمات الطريق»: التي [11] تتفرَّع من جانبه، وهذا غير معروفٍ) ، انتهى.

قوله: (مِنَ الْعَرْجِ): تقدَّم الكلام على (العرج) أعلاه؛ فانظره.

قوله: (سَرَحَاتٍ [12] ): هو بفتح الرَّاء، تقدَّم [13] أعلاه ما (السَّرحة) .

قوله: (هَرْشَى): هي بفتح الهاء، وإسكان الرَّاء، وبالشين المعجمة، مقصورة، جبل من بلاد تهامة، على طريق الشام والمدينة، قرب الجحفة.

قوله: (بِكُرَاعِ [14] هَرْشَى): (الكُراع): بضمِّ الكاف، وبالراء المخفَّفة، وفي آخره عين مهملة، وهو كلُّ أنف سائل من جبل أو حرَّة.

قوله: (مِنْ غَلْوَةٍ): هي بفتح الغين المعجمة، ثمَّ لام ساكنة، ثمَّ واو، ثمَّ تاء، قال الدِّمياطيُّ: (جمعها: غِلاء؛ وهي الغاية والشوط، وغلوتُ السهم غلوًا؛ إذا رميتَ به ما تقدر عليه) ، انتهى، وكذا قال غيره من أهل اللُّغة، وقال بعضهم: رمية سهم ثلثا ميل، وقيل: مئة باع، انتهى، [وقد تقدَّم الاختلاف في (الميل) كم هو، ومافيه من الأقوال] [15] .

قوله: (إِلَى سَرْحَةٍ، هِيَ أَقْرَبُ السَّرَحَاتِ): تقدَّم الكلام على المفرد وعلى الجمع أعلاه.

قوله: (مَرِّ الظَّهْرَانِ): هو بفتح الميم، وتشديد الرَّاء، و (الظَّهْران): بفتح الظاء المعجمة المشالة، وإسكان الهاء، قال ابن قُرقُول: (مرُّ ظهران والظهران، ويقال: ظهران؛ من غير إضافة إلى «مَرٍّ»: على بريد من مكَّة، وقال ابن وضَّاح: على [16] أحدٍ وعشرين ميلًا، وقيل: على ستَّةَ عشرَ ميلًا) ، انتهى، وهو الذي تسمِّيه العامَّة بطنَ مروٍ.

قوله: (قِبَلَ الْمَدِينَةِ): هو بكسر القاف، وفتح المُوَحَّدة؛ أي: قُبَالةَ.

قوله: (مِنَ الصَّفْرَاوَاتِ [17] ): هو بفتح الصاد المهملة، والفاء ساكنة، بين مكَّة والمدينة، قريب من ظهران.

قوله: (بِذِي طُوًى): قال ابن قُرقُول: (بفتح الطاء، ومنهم مَن يكسرها؛ وهو الأصيليُّ، قيَّدها بخطِّه كذلك، ومنهم مَن يضمُّها، والفتح أشهر، وهو وادٍ بمكَّة، وقال الدَّاوديُّ: هو الأبطح، وليس كما قال، وقال أبو عليٍّ: هو منوَّنٌ على «فَعَلٍ»، وكان في كتابه ممدودًا فأنكره، وعند المستملي: «ذو الطواء» معرَّفٌ ممدودٌ، وقال الأصمعيُّ: مقصورٌ، والذي في طريق الطائف ممدودٌ، وأمَّا [18] الذي في القرآن؛ فيُضَمُّ ويكسر؛ لغتان، وهو مقصورٌ لا غير [/ج1ص185/] ) ، انتهى؛ وهو الذي يُعرَف اليوم بـ (آبار الزاهر) ، وسيأتي في (الحجِّ) .

قوله: (عَلَى أَكَمَةٍ): تقدَّم قريبًا الكلام على (الأَكَمَة) ، وسيأتي مُطَوَّلًا في (الاستسقاء) إن شاء الله تعالى.

قوله: (فُرْضَتَيِ الْجَبَلِ): (الفُرْضة): بضمِّ الفاء، وإسكان الرَّاء، وبالضاد المعجمة، قال الدِّمياطيُّ: (فرضة الجبل: مدخل الطريق إليه، وجمعها: فُرَض) ، انتهى.

قوله: (بِطَرَفِ الأَكَمَةِ): (الطَّرَف): بفتح الطاء والراء، و (الأَكَمَة): تقدَّم قريبًا الكلام عليها، وستأتي مطوَّلة [19] في (الاستسقاء) .

[1] في النُّسخ: (ميل) ، ولعلَّ المثبت هو الصواب.
[2] (وقد تقدَّم): سقط من (ج) .
[3] في (ب): (الطلع) ، وهو تحريف.
[4] في (ب): (في) .
[5] في النُّسخ: (هو) ، ولعلَّ المُثبَتَ هو الصَّوابُ.
[6] (ثاء): سقط من (ب) .
[7] في (ج): (والحديبية) ، وهو تحريف.
[8] في (ج): (لكتف) .
[9] (وقيل دون الرابية): سقط من (ب) .
[10] في (ب): (كثيبة) ، وليس بصحيح.
[11] (التي): سقط من (ب) .
[12] في هامش (ق): (شجرات) .
[13] في (ج): (وتقدَّم) .
[14] في هامش (ق): (ما يمتدُّ منها) .
[15] ما بين معقوفين سقط من (ج) .
[16] (على): سقط من (ج) .
[17] في هامش (ق): (ضرب من الشجر) .
[18] في (ج): (ولهما) .
[19] في (ج): (مطولًا)





484- 485- 486- 487- 488- 489- 490- 491- 492- (حَيْثُ الْمَسْجِدُ): برفعِ (المَسْجِد) ؛ لأنَّ (حَيْثُ) لا تُضافُ إلَّا إلى الجملةِ على الأصحِّ؛ فتقديرُه: حيثُ هوَ بالمسجدِ، ونحوه.

وقال الزَّركشيُّ: («حَيْثُ الْمَسْجِدُ الصَّغِيرُ»: برفعِ الكُلِّ على إضافةِ «حيثُ» إلى الجملةِ الاسميَّةِ، والأكثرُ إضافتُها إلى الفعليَّةِ، وبفتحِ ثاءِ «حيث» وخفضِ ما بعدَه على أحدِ الوجهينِ في قوله: [من الرجز]

..... ... . حَيْثَ سُهَيْلٍ طَالِعَا

(ثَمَّ): خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ؛ أي: المكانُ الموصوفُ ثَمَّةَ.

(انْتِهَاءُ طَرَفِهِ): (انْتِهَاءُ) بالمدِّ، و (طَرَفِهِ) مضافٌ ومضافٌ إليه، وفي أُخرى فعلٌ ماضٍ [1] ، و (طَرَفُهُ) فاعلٌ.

(وَوَرَائِهِ): بالجرِّ عطف على (يَسَارِهِ)، وبالنَّصبِ بتقديرِه ظرفًا.

(وَوِجَاه): بالجرِّ عطف على (يَمِينِ)، وفي بعضِها بالنَّصبِ على الظَّرفيَّةِ.

(أَسْفَل): بالرَّفعِ خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، وبالنَّصبِ؛ أي: في أسفلِ.

(يَسَارَ): مفعولٌ ثانٍ لـ (جَعَلَ).

(بِطَرَفِ): صفةٌ لـ (الْمَسْجِدِ) الثَّاني.

[1] أي: انتهى طرفُهُ، وهي روايةُ أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ.





484- 485- 486- 487- 488- 489- 490- 491- 492- وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ) بكسر الذَّال المُعجَمة، ابن عبد الله، المدينيُّ الحِزاميُّ؛ بكسر الحاء المُهمَلة وبالزَّاي (قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ) بكسر العين المُهمَلة، آخره مُعجَمةٌ، المدنيُّ، المُتوفَّى سنة ثمانين ومئةٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللهِ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: ((أنَّ عبد الله بن عمر)) وللأَصيليِّ: ((يعني: ابن عمر)) (أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَنْزِلُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ) بضمِّ الحاء المُهمَلة وفتح اللَّام؛ الميقات المشهور لأهل المدينة (حِينَ يَعْتَمِرُ، وَفِي حَجَّتِهِ حِينَ حَجَّ) حجَّة الوادع (تَحْتَ سَمُرَةٍ) بفتح المُهمَلة وضمِّ الميم، أمِّ غيلان [1] ، وشجر الطَّلح ذات الشَّوك [2] (فِي مَوْضِعِ الْمَسْجِدِ الَّذِي بِذِي الْحُلَيْفَةِ) وفي نسخةٍ: ((الَّذي كان بذي الحُلَيفة)) (وَكَانَ) عليه [/ج1ص462/] الصَّلاة والسَّلام (إِذَا رَجَعَ مِنْ غَزْوٍ كَانَ فِي تِلْكَ الطَّرِيقِ)؛ أي: طريق الحديبية [3] ، و«كان»: صفةٌ لـ: «غزوٍ»، ولابن عساكر وأبي ذَرٍّ في نسخةٍ: ((غزوٍ وكان))؛ بالواو قبل الكاف، ولأبي ذر [4] والأَصيليِّ: ((غزوهِ كان))؛ بالهاء، فتذكير الضَّمير باعتبار تأويلها بسفرٍ، ولأبي [5] ذَرٍّ عن الحَمُّوييِّ والمُستملي والأَصيليِّ: ((غزوةٍ وكان))؛ بتاء التَّأنيث والواو (أَوْ) كان (فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ هَبَطَ مِنْ بَطْنِ وَادٍ) هو وادي العقيق، وسقط حرف الجرِّ عند أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر [6] ، ولابن عساكر وحده: ((هبط من ظهر وادٍ)) بدل «من بطن وادٍ» [7] (فَإِذَا ظَهَرَ مِنْ بَطْنِ وَادٍ؛ أَنَاخَ) راحلته (بِالْبَطْحَاءِ)؛ أي: بالمسيل الواسع المجتمع فيه دقاق [8] الحصى من مسيل [9] الماء، وهي (الَّتِي عَلَى شَفِيرِ الْوَادِي) بفتح الشِّين المُعجَمة؛ أي: طرفه (الشَّرْقِيَّةِ) صفةٌ لـ: «بطحاء» (فَعَرَّسَ) بمُهمَلاتٍ مع تشديد الرَّاء؛ أي: نزل آخر اللَّيل؛ للاستراحة (ثَمَّ) بفتح المُثلَّثة؛ أي: هناك (حَتَّى يُصْبِحَ) بضمِّ أوَّله؛ أي: يدخل في الصَّباح، وهي تامَّةٌ استغنت بمرفوعها (لَيْسَ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الَّذِي بِحِجَارَةٍ، وَلَا عَلَى الأَكَمَة) بفتح الهمزة والكاف؛ الموضع المرتفع على ما حوله، أو تلٌّ من حجرٍ واحدٍ (الَّتِي عَلَيْهَا الْمَسْجِدُ، كَانَ ثَمَّ) بفتح المُثلَّثة: هناك (خَلِيجٌ) بفتح الخاء المُعجَمة وكسر اللَّام، آخره جيمٌ؛ وادٍ له عمقٌ (يُصَلِّي عَبْدُ اللهِ) بن عمر (عِنْدَهُ، فِي بَطْنِهِ كُثُبٌ) بضمِّ الكاف والمُثلَّثة، جمع: كثيبٍ: رملٌ مجتمعٌ (كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَمَّ) بفتح المُثلَّثة: هناك (يُصَلِّي) قال البرماويُّ كالكرمانيِّ: هو مُرسَلٌ [10] من نافعٍ (فَدَحَا) بالحاء المهملة؛ أي: دفع (السَّيْلُ فِيهِ) ولأبي ذَرٍّ: ((فدحا فيه السَّيل)) (بِالْبَطْحَاءِ حَتَّى دَفَنَ) السَّيل (ذَلِكَ الْمَكَانَ الَّذِي كَانَ عَبْدُ اللهِ) بن عمر (يُصَلِّي فِيهِ).

(وَأَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ) بالإسناد المذكور إليه: (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى حَيْثُ الْمَسْجِدُ الصَّغِيرُ) بالرَّفع، صفةٌ لـ: «لمسجد» المرفوع بتقدير: «حيثُ» هو المسجد، وحيث: لا تضاف إِلَّا إلى جملةٍ [11] ، وفي بعض الأصول: ((صلَّى جَنْبَ المسجدِ))؛ بالجيم والنُّون والمُوحَّدة، وحينئذٍ فـ: «المسجد» مجرورٌ بالإضافة (الَّذِي دُونَ الْمَسْجِدِ الَّذِي بِشَرَفِ الرَّوْحَاءِ) وهي قريةٌ جامعةٌ على ليلتين من المدينة، وتقدَّم أنَّ بينها وبين المدينة ستَّةً وثلاثين ميلًا (وَقَدْ كَانَ عَبْدُ اللهِ) بن عمر رضي الله عنهما (يَعْلَمُ) بفتح أوَّله وثالثه وسكون ثانيه، من العلم، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: ((يُعْلِم))؛ بضمٍّ ثمَّ سكونٍ ثمَّ كسرٍ، من العلامة، ولهما أيضًا: ((تَعَلَّم))؛ بمُثنَّاةٍ فوقيَّةٍ وتشديد اللَّام، مفتوحتين (الْمَكَانَ الَّذِي كَانَ صَلَّى) ولابن عساكر: ((الَّذي صلَّى)) (فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ): المكان الموصوف (ثَمَّ) بفتح المُثلَّثة، هناك (عَنْ يَمِينِكَ حِينَ تَقُومُ فِي الْمَسْجِدِ تُصَلِّي، وَذَلِكَ الْمَسْجِدُ عَلَى حَافَةِ الطَّرِيقِ الْيُمْنَى) بتخفيف الفاء؛ أي: على جانبه (وَأَنْتَ ذَاهِبٌ إِلَى مَكَّةَ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ الأَكْبَرِ رَمْيَةٌ بِحَجَرٍ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ).

(وَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُصَلِّي إِلَى الْعِرْقِ) بكسر العين وسكون الرَّاء المُهمَلتين وبالقاف؛ الجبل الصغير، أو عرق [12] الظَّبية، الوادي المعروف (الَّذِي) كان (عِنْدَ مُنْصَرَفِ الرَّوْحَاءِ) بفتح الرَّاء فيهما؛ أي: عند آخرها (وَذَلِكَ الْعِرْقُ انْتِهَاءُ طَرَفِهِ عَلَى حَافَةِ الطَّرِيقِ) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((انتهى طرفُه))؛ بالقصر ورفع «طرفه» (دُونَ)؛ أي: قريب، أو تحت (الْمَسْجِدِ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُنْصَرَفِ) بفتح الرَّاء (وَأَنْتَ ذَاهِبٌ إِلَى مَكَّةَ، وَقَدِ ابْتُنِيَ) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة، مبنيًّا [13] للمفعول (ثَمَّ)؛ أي: هناك (مَسْجِدٌ، فَلَمْ يَكُنْ عَبْدُ اللهِ يُصَلِّي) وللأَصيليِّ: ((فلم يكن عبد الله بن عمر يصلِّي)) (فِي ذَلِكَ الْمَسْجِدِ، كَانَ) وللأَصيليِّ: ((وكان)) (يَتْرُكُهُ عَنْ يَسَارِهِ وَوَرَاءَهُ) بالنَّصب على الظَّرفيَّة بتقدير «في»، أو الجرِّ عطفًا على سابقه، (وَيُصَلِّي أَمَامَهُ)؛ أي: قدَّام المسجد (إِلَى الْعِرْقِ نَفْسِهِ، وَكَانَ عَبْدُ اللهِ) بن عمر (يَرُوحُ مِنَ الرَّوْحَاءِ، فَلَا يُصَلِّي الظُّهْرَ حَتَّى يَأْتِيَ ذَلِكَ الْمَكَانَ، فَيُصَلِّي فِيهِ الظُّهْرَ، وَإِذَا أَقْبَلَ مِنْ مَكَّةَ، فَإِنْ مَرَّ بِهِ قَبْلَ الصُّبْحِ بِسَاعَةٍ أَوْ مِنْ آخِرِ السَّحَرِ) ما بين الفجر الكاذب والصَّادق، والفرق بينه وبين قوله: «قبل الصُّبح بساعةٍ»: أنَّه أراد بآخر [14] السَّحر أقلَّ من ساعةٍ، وحينئذٍ فيغاير اللَّاحق السَّابق؛ (عَرَّسَ حَتَّى يُصَلِّيَ بِهَا الصُّبْحَ).

(وَأَنَّ عَبْدَ اللهِ حَدَّثَهُ) بالسَّندالسَّابق إليه (أَنَّ النَّبِيَّ) ولابن عساكر: ((أنَّ [15] رسول الله)) (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَنْزِلُ تَحْتَ سَرْحَةٍ) بفتح السِّين والحاء المُهمَلتين، بينهما راءٌ ساكنةٌ؛ شجرةٍ (ضَخْمَةٍ)؛ أي: عظيمةٍ (دُونَ الرُّوَيْثَةِ) بضمِّ الرَّاء وبالمُثلَّثة، مُصغَّرًا؛ قريةٌ جامعةٌ، بينها [16] وبين المدينة سبعة عشر فرسخًا (عَنْ يَمِينِ الطَّرِيقِ، وَوِجَاهَ الطَّرِيقِ) بكسر الواو وضمِّها؛ أي: مقابلها، و«الهاء» خُفِضَ عطفًا على «يمينِ»، أو نُصِب على الظَّرفيَّة (فِي مَكَانٍ بَطْحٍ) بفتح المُوحَّدة وسكون المُهمَلة وكسرها [17] : واسعٍ (سَهْلٍ، حَتَّى) ولأبي الوقت [18] والأَصيليِّ وابن عساكر: ((حين)) (يُفْضِيَ)؛ أي: يخرج عليه الصَّلاة والسَّلام (مِنْ أَكَمَةٍ) بفتح الهمزة والكاف والميم؛ موضعٌ مرتفعٌ (دُوَيْنَ بَرِيدِ الرُّوَيْثَةِ) بضمِّ الدَّال [19] وفتح الواو، مُصغَّرًا، ولابن عساكر: ((دون الرُّوَيثة)) (بِمِيلَيْنِ)؛ أي: بينه وبين المكان الَّذي ينزل فيه [20] البريد بالرُّوَيثة ميلان، أو «البريد»: الطَّريق (وَقَدِ انْكَسَرَ أَعْلَاهَا، فَانْثَنَى) بفتح المُثلَّثة مبنيًّا [21] للفاعل؛ أي: انعطف (فِي جَوْفِهَا، وَهِيَ قَائِمَةٌ عَلَى سَاقٍ) كالبنيان، ليست متَّسعةً من أسفل (وَفِي سَاقِهَا كُثُبٌ) بكافٍ ومُثلَّثةٍ مضمومتين، جمع: كثيبٍ؛ وهي [22] تلال رملٍ [23] (كَثِيرَةٌ).

(وَأَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ) بالسَّند المتقدِّم إليه: (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي طَرَفِ تَلْعَةٍ) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وسكون اللَّام وفتح العين المُهمَلة؛ مسيل الماء من فوق إلى أسفل، والهضبة فوق الكثيب في الارتفاع، و [24] دون الجبل (مِنْ وَرَاءِ الْعَرْجِ) بفتح العين وسكون الرَّاء المُهمَلتين، آخره جيمٌ؛ قريةٌ جامعةٌ، بينها [25] وبين الرُّوَيثة [26] ثلاثة عشر أو أربعة عشر ميلًا، (وَأَنْتَ ذَاهِبٌ إِلَى هَضْبَةٍ) بفتح الهاء وسكون الضَّاد المُعجَمة: جبلٌ منبسطٌ على وجه الأرض، أو ما طال واتَّسع وانفرد من الجبال (عِنْدَ ذَلِكَ الْمَسْجِدِ قَبْرَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ، عَلَى الْقُبُورِ رَضْمٌ) بفتح الرَّاء وسكون المُعجَمة، وللأَصيليِّ: ((رَضَمٌ)) بفتحهما؛ أي: صخورٌ بعضها فوق بعضٍ (مِنْ حِجَارَةٍ، عَنْ يَمِينِ الطَّرِيقِ، عِنْدَ سَلِمَاتِ الطَّرِيقِ) بفتح السِّين المُهمَلة وكسر اللَّام: صخرات، ولغير أبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: ((سَلَمات))؛ بفتح اللَّام؛ شجرةٌ يُدبَغ بورقها الأديم (بَيْنَ أُولَئِكَ السَّلِمَاتِ، كَانَ عَبْدُ اللهِ) بن عمر رضي الله عنهما (يَرُوحُ مِنَ الْعَرْجِ بَعْدَ أَنْ تَمِيلَ الشَّمْسُ بِالْهَاجِرَةِ) نصف النَّهار عند اشتداد الحرِّ (فَيُصَلِّي الظُّهْرَ فِي ذَلِكَ الْمَسْجِدِ).

(وَأَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ) بالسَّند السَّابق: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَزَلَ عِنْدَ سَرَحَاتٍ) بفتح الرَّاء؛ شجراتٍ (عَنْ يَسَارِ الطَّرِيقِ، فِي مَسِيلٍ) بفتح الميم وكسر المُهمَلة؛ مكانٍ منحدرٍ (دُونَ هَرْشَى) بفتح الهاء وسكون الرَّاء وفتح الشِّين [27] المُعجَمة، مقصورٌ؛ جبلٌ على مُلتقَى طريق المدينة والشَّام، قريبٌ من الجحفة (ذَلِكَ الْمَسِيلُ لَاصِقٌ بِكُرَاعِ) بضمِّ الكاف؛ أي: بطرف (هَرْشَى) بفتح [28] الهاء وسكون الرَّاء وبالشِّين المُعجَمة؛ ثنيَّةٌ بين مكَّة والمدينة، وقِيلَ: جبلٌ قريبٌ من [29] الجحفة (بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّرِيقِ قَرِيبٌ مِنْ غَلْوَةٍ) بفتح الغين المُعجَمة؛ غاية بلوغ السَّهم، أو أمد [30] جري الفرس (وَكَانَ عَبْدُ اللهِ) بن عمر (يُصَلِّي إِلَى سَرْحَةٍ) [31] بفتح السِّين وسكون الرَّاء (هِيَ أَقْرَبُ السَّرَحات) بفتح الرَّاء؛ أي: إلى شجرةٍ هي أقرب الشَّجرات (إِلَى الطَّرِيقِ، وَهْيَ أَطْوَلُهُنَّ).

(وَأَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ) بالسَّند السَّابق: (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَنْزِلُ فِي الْمَسِيلِ) المكان المنحدر (الَّذِي فِي أَدْنَى مَرِّ الظَّهْرَانِ) بفتح الميم وتشديد الرَّاء في الأولى، وبفتح الظَّاء المُعجَمة وسكون الهاء في الأخرى؛ المُسمَّى الآن بطن مرو، وللأَصيليِّ: ((مرِّ ظهران)) (قِبَلَ) بكسر القاف وفتح المُوحَّدة؛ أي: مقابل (الْمَدِينَةِ حِينَ يَهْبِطُ) وفي روايةٍ: ((حتَّى يهبط)) (مِنَ الصَّفْرَاوَاتِ) بفتح الصَّاد المُهمَلة وسكون الفاء، جمع صفراء؛ وهي الأودية أو [32] الجبال الَّتي بعد مرِّ الظَّهران (يَنْزِلُ فِي بَطْنِ ذَلِكَ الْمَسِيلِ عَنْ يَسَارِ الطَّرِيقِ) «ينزل»: بالمُثنَّاة التَّحتيَّة كما في «الفرع»، وفي [33] غيره: ((أو تنزل))؛ بتاء الخطاب؛ ليوافق قوله: (وَأَنْتَ ذَاهِبٌ إِلَى مَكَّةَ، لَيْسَ بَيْنَ مَنْزِلِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ الطَّرِيقِ إِلَّا رَمْيَةٌ بِحَجَرٍ).

(وَأَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ) بالسَّند السَّابق: (أَنَّ النَّبِيَّ [34] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَنْزِلُ بِذِي طُوًى) بضمِّ الطَّاء؛ موضعٌ بمكَّة، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((طِوًى))؛ بكسرها، [/ج1ص464/] وعزاه العينيُّ _كابن حجرٍ_ للأَصيليِّ، وله في «الفرع» كـ: «أصله»: ((طَوًى))؛ بفتحها، ولأبي ذَرٍّ: ((بذي الطِّواء))؛ بزيادة «أل» مع كسر الطَّاء والمدِّ، وعزا العينيُّ _كابن حجرٍ_ زيادة الألف واللَّام للحَمُّوييِّ والمُستملي، وحكيا فتح الطَّاء عن عياضٍ وغيره، وهو الَّذي في «الفرع»، وليس فيه [35] ضمُّ الطَّاء ألبتَّة (وَيَبِيتُ) بها (حَتَّى يُصْبِحَ، يُصَلِّي الصُّبْحَ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ، وَمُصَلَّى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ عَلَى أَكَمَةٍ) بفتح الهمزة والكاف والميم؛ موضعٌ مرتفعٌ على ما حوله، أو تلٌّ من حجرٍ واحدٍ (غَلِيظَةٍ) وفي روايةٍ: ((عظيمةٍ)) (لَيْسَ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي بُنِيَ ثَمَّ، وَلَكِنْ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَكَمَةٍ غَلِيظَةٍ).

(وَأَنَّ عَبْدَ اللهِ) زاد الأَصيليُّ: ((ابن عمر)) (حَدَّثَهُ) بالسَّند السَّابق إليه [36] : (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَقْبَلَ فُرْضَتَيِ الْجَبَلِ) بضمِّ الفاء وسكون الرَّاء وفتح الضَّاد المُعجَمة؛ مدخل الطَّريق إلى الجبل (الَّذِي بَيْنَهُ) ولأبي الوقت وابن عساكر: ((الَّذي كان بينه)) (وَبَيْنَ الْجَبَلِ الطَّوِيلِ نَحْوَ الْكَعْبَةِ)؛ أي: ناحيتها، قال نافعٌ: (فَجَعَلَ) عبد الله (الْمَسْجِدَ الَّذِي بُنِيَ ثَمَّ) بفتح الثَّاء؛ أي: هناك (يَسَارَ الْمَسْجِدِ بِطَرَفِ الأَكَمَةِ، وَمُصَلَّى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْفَلَ مِنْهُ) بالنَّصب على الظَّرفيَّة، أو بالرَّفع: خبر مبتدأٍ محذوفٍ (عَلَى الأَكَمَةِ السَّوْدَاءِ، تَدَعُ مِنَ الأَكَمَةِ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ) بالذَّال المُعجَمة، ولأبي ذَرٍّ: ((عشر أذرعٍ)) (أَوْ نَحْوَهَا، ثُمَّ تُصَلِّي) حال كونك (مُسْتَقْبِلَ الْفُرْضَتَيْنِ مِنَ الْجَبَلِ الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ) وإنَّما كان ابن عمر رضي الله عنه يصلِّي في هذه المواضع؛ للتَّبرُّك، وهذا لا ينافي ما رُوِي من كراهة [37] أبيه عمر لذلك؛ لأنَّه محمولٌ على اعتقاد من لا يعرف وجوب ذلك، وابنه عبد الله مأمونٌ من ذلك، بل قال البغويُّ من الشَّافعيَّة: إنَّ المساجد الَّتي ثبت أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم صلَّى فيها لو نذر أحدٌ الصَّلاة في شيءٍ منها معيَّنٍ [38] ؛ تعيَّن، كما تتعيَّن المساجد الثَّلاثة، فحِفْظ اختلاف عمر وابنه عبد الله رضي الله عنهما عظيمٌ في الدِّين، ففي اقتفاء آثاره عليه الصَّلاة والسَّلام تبرُّكٌ به وتعظيمٌ له، وفي نهيِ عمر رضي الله عنه السَّلامة في الاتِّباع من الابتداع، ألا ترى أنَّ عمر نبَّه ابنه [39] على أنَّ هذه المساجد الَّتي صلَّى فيها النَّبيُّ عليه الصَّلاة والسَّلام [40] ليست من المشاعر، ولا لاحقةٌ بالمساجد الثَّلاثة في التَّعظيم؟! ثمَّ إنَّ هذه المساجد المذكورة لا يُعرَف اليوم منها غير مسجد ذي الحُلَيفة، ومساجد الرَّوحاء يعرفها أهل تلك النَّاحية.

وفي هذا السِّياق المذكور هنا [41] تسعة أحاديث، أخرجها الحسن بن سفيان في مُسنَده مُفرَّقةً [42] ، إلَّا أنَّه لم يذكر الثَّالث، وأخرج مسلمٌ الأخير في كتاب «الحجِّ»، ورواة هذا الحديث الخمسة مدنيُّون، وفيه التَّحديث والعنعنة والإخبار.

(أبواب سترة المصلِّي) وهذا ساقط في اليونينية.

[1] في هامش (ص): «قوله: «أمِّ غيلان»؛ بفتح الغَيْن المُعجَمة؛ كما في «المصباح». انتهى».
[2] في (ص) و(م): «الشوك».
[3] في (د): «الحلفية».
[4] في غير (د) و(م): «الوقت»، وليس بصحيحٍ.
[5] في (د): «وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ».
[6] «وابن عساكر»: سقط من (م).
[7] «بدل من بطنٍ وادٍ»: سقط من (م).
[8] في هامش (ص): «قوله: دُقاق العيدان: بالضَّمِّ والكسر: كسارها، أو كـ: «غرابٍ»؛ فتات كلِّ شيءٍ. انتهى».
[9] في (د) و(م): «سيل».
[10] في هامش (ص): «قوله: «هو مُرسَلٌ»؛ أي: قوله: «كان رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ثمَّ يصلِّي». انتهى. عجمي».
[11] في (ص): «الجملة».
[12] في (م): «وعرف».
[13] في (ص): «بُنِي»، وفي (م): «مبنيٌّ».
[14] في (م): «تأخُّر».
[15] «أنَّ»: سقط من (د).
[16] في (م): «بينهما».
[17] في (د) و(م): «وكسر المُهمَلة».
[18] في (د): «ولأبي ذَرٍّ»، وكلاهما صحيحٌ.
[19] في (م): «الرَّاء».
[20] في (د): «عليه».
[21] في (ص) و(م): «مبنيٌّ».
[22] في (ص): «هو».
[23] في (ب) و(س): «الرَّمل».
[24] «و»: ليس في (ب) و(م).
[25] في (د): «بينهما»، وهو تحريفٌ.
[26] في (م): «الرَّوحلة»، وليس بصحيحٍ.
[27] في غير (م): «بالشِّين».
[28] في غير (د) و(س): «بضمِّ»، وليس بصحيحٍ.
[29] «من»: سقط من (د) و(م).
[30] في (د) و(م): «مدى».
[31] في (د): «سرجة»، وهو تصحيفٌ.
[32] في (د): «و».
[33] «في»: مثبتٌ من (م).
[34] في (د): «رسول الله»، وفي نسخةٍ في هامشها كالمُثبَت.
[35] «فيه»: ليس في (ص) و(م).
[36] «إليه»: سقط من (د) و(م).
[37] في (ب) و(س): «كراهية»
[38] «مُعيَّنٍ»: مثبتٌ من (د) و(م).
[39] «ابنه»: مثبتٌ من (م).
[40] في (د): «صلَّى فيها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم»، وفي (س): «صلَّى فيها عليه الصَّلاة والسَّلام».
[41] «هنا»: سقط من (د).
[42] في (ص): «متفرِّقة».





484- 485- 486- 487- 488- 489- 490- 491- 492- (سَمُرَةٍ): هي شجرة ذات شوك، وهي التي تعرف بأمِّ غيلان.

(تِلْكَ الطَّرِيقِ): أي: طريق ذي الحليفة.

(بَطْنِ وَادٍ): أي: وادي العقيق.

(فَعَرَّسَ): بمهملات والرَّاء مشدَّدة، قال الخطَّابيُّ: «التَّعريس: [/ج2ص548/]نزول استراحة بغير إقامة، وأكثر ما يكون في آخر اللَّيل»، وخصَّه بذلك الأصمعيُّ، / وأطلق أبو زيد.

( ثَمَّ ): بفتح المثلَّثة، يعني: هناك: وقد تكرَّر في هذا الحديث.

(الأَكَمَةِ): بفتحات: هو الموضع المرتفع على ما حوله، وقيل: هو تلٌّ من حجر واحد.

(خَلِيجٌ): وادٍ له عمق.

(كُثُبٌ): بضمِّ الكاف والمثلَّثة، جمع كثيب، وهو رمل مجتمع.

(فَدَحَا): بالمهملة، أي: دفع.

(بِشَرَفِ الرَّوْحَاءِ): هي قرية جامعة على ليلتين من المدينة.

( يُعْلِمُ ): بضمِّ أوَّله: من العلامة.

(يَقُولُ: ثَمَّ عَنْ يَمِينِكَ): قال عياض: هو تصحيف.

وأخرجه الإسماعيليُّ بلفظ: « قال هنا لفظة لم أضبطها: عن يمينك ». [/ج2ص549/]

( إِلَى الْعِرْقِ ): أي: عرق الظَّبيَّة، وهو واد معروف.

( مُنْصَرَفِ الرَّوْحَاءِ ): بفتح الرَّاء: آخرها.

( ابْتُنِيَ ): بضمِّ التَّاء مبنيًّا للمفعول.

( سَرْحَةٍ ضَخْمَةٍ ): أي: شجرة عظيمة.

( الرُّوَيْثَةِ ): بالرَّاء والمثلَّثة: مصغَّرًا، قرية جامعة بينها وبين المدينة سبعة عشر فرسخًا.

( وِجَاهَ الطَّرِيقِ ): بكسر الواو، أي: مقابله.

( بَطْحٍ ): بفتح الموحَّدة وسكون الطَّاء، أي: واسع.

( حَتَّى يُفْضِيَ ): للمُسْتملي والحَمُّويي: «حين».

( دُوْنَ بَرِيدِ الرُّوَيْثَةِ ): أي: بينه وبين المكان الذي ينزل فيه البريد بالرُّويثة، وقيل: المراد بالبريد: سكَّة الطَّريق. [/ج2ص550/]

(تَلْعَةٍ): بفتح المثنَّاة وسكون اللَّام بعدها مهملة، وهي: مسيل الماء من فوق إلى أسفل.

(العَرْجِ): بفتح المهملة وسكون الرَّاء وجيم: قرية جامعة بينها وبين الرُّويثة ثلاثة عشر ميلًا.

(هَضْبَةٍ): بسكون الضَّاد المعجمة: فوق الكثيب في الارتفاع ودون الجبل، وقيل: الجبل المنبسط على الأرض، وقيل: الأكمة الملساء.

(رَضَمٌ): حجارة كبار، واحدها: « رضْمة »، بسكون المعجمة في الواحد والجمع.

(سَلَمَاتِ الطَّرِيقِ): أي: ما يتفرَّع عن جوانبه، وهي بفتح المهملة واللَّام وبكسرها أيضًا، وقيل: هي بالكسر: الصَّخرات، وبالفتح: الشجرات.

(مَسِيلٍ): هو المكان المنحدر.

(هَرْشَى): بفتح أوَّله وسكون الرَّاء، بعدها معجمة مقصور، جبل على ملتقى طرفي المدينة والشَّام، قريب من الجحفة.

(بِكُرَاعِ هَرْشَى): أي: طرفها.

(غَلْوَةٍ): بفتح المعجمة: غاية بلوغ السَّهم.

(السَّرَحَاتِ): بفتح الرَّاء، جمع سرحة، وهي الشَّجرة الضَّخمة. [/ج2ص551/]

(مَرِّ الظَّهْرَانِ): بفتح الميم وتشديد الرَّاء وفتح الظَّاء المعجمة وسكون الهاء: الوادي الذي تسمِّيه العامَّة « بطن مِرٍّ»، بينه وبين مكَّة ستَّة عشر ميلًا، سُمِّي بذلك لمرارة مائه.

(قِبَلَ المَدِينَةِ): بكسر القاف وفتح الباء، أي: مقابلها.

(الصَّفْرَاوَاتِ): بفتح المهملة وسكون الفاء، جمع صفراء: مكان بعد من الظَّهران.

(بِذِي طوًى): مثلَّث الطَّاء، وللحَمُّويي والمُسْتملي: « بذي الطِّوى »

(فُرْضَتَيِ الجَبَلِ): تثنية « فُرْضة » بضم الفاء وسكون الرَّاء، بعدها ضاد معجمة: مدخل الطَّريق إلى الجبل، وهذ الشِّقُّ المرتفع كالشُّرافة، ويقال أيضًا: لمدخل النَّهر. [/ج2ص552/]


125/484# 492# قال أبو عبد الله: حدَّثنا إِبْراهِيمُ بنُ المُنْذِرِ، قالَ: حدَّثنا أَنَسُ بنُ عِياضٍ، قالَ: حدَّثنا مُوسَىَ بنُ عُقْبَةَ، عن نافِعٍ، عن ابن عمر في ذكر مواضع صلَّى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلها [1] في أسفاره ومغازيه، قال: كان يعرِّس [2] بِالْبَطْحاءِ الَّتِي [3] علىَ شَفِيرِ الوادِي الشَّرْقِيِّ حَتَّىَ يُصْبِحَ، وكانَ ثَمَّ خَلِيجٌ في بطنه كُثُبٌ يُصَلِّي [4] ثَمَّ، فَدَحا السَّيلُ فِيهِ إلى البَطْحاءِ [5] ، حَتَّىَ دَفَنَ ذَلِكَ المكانَ.

وَأَنَّ ابنَ عُمَرَ كان يصلِّي إلى العِرْق الذي عند منصرف الرَّوحاء [6] ، وذلك العرق انتهى طرفه على [7] حافَّة الطريق.

وقال عبد الله [8] وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يَنْزِلُ [9] تَحْتَ سَرْحَةٍ ضَخْمَةٍ [10] ، دُونَ الرُّوَيْثَةِ، عن يَمِينِ [11] الطَّرِيقِ فِي مَكانٍ بَطْحٍ [12] سَهْلٍ.

قال: وصَلَّىَ فِي طَرَفِ تَلْعَةٍ [13] مِنْ وَراءِ [14] العَرْجِ، وَأَنْتَ ذاهِبٌ إلىَ هَضْبَةٍ، عِنْدَ ذَلِكَ المَسْجِدِ قَبْرانِ [15] أَوْ ثَلاثَةٌ، على القُبُورِ رَضْمٌ [16] مِنْ حِجارَةٍ عن يَمِينِ الطَّرِيقِ، عِنْدَ سَلِماتِ الطَّرِيقِ.

قال: ونزلَ عند سَرَحات [17]

@%ص128%

في مَسِيلٍ دُون هَرشى، ذلك المسيل لاصقٌ بكُراع هَرشى، بينه وبين الطريق قريبٌ من غَلوة.

وفيه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم استقبل فُرضتي [18] الجبل الذي بينه وبين الجبل الطويل نحو الكعبة.

(التعريس): نُزول استراحة [19] لغير إقامة، ويكون ذلك في الأكثر [20] من آخر الليل، ينزلون فينامون نومة خفيفة، ثمَّ يرتحلون.

و (شفير الوادي): حَرفه، وكذلك شُفْرُه.

و (الخليج): وادٍ له عُمق، يَنْشَقُّ من آخرَ أعظمَ منه.

و (الكُثُب): جمع الكَثيبِ [21] ، وهو ما غلُظ وارتفع عن وجه الأرض.

وقوله: (فَدَحَا السَّيلُ [22] فيه بالبطحاء) أي سَوَّاهُ بما [23] حمل من البطحاء، و (البَطْحاء) حِجارة ورَمل.

و (العِرق) [24] : جُبيلٌ صَغير.

و (السَّرحة): شجرة، والسَّرح [25] نوع من الشجر له ثمر.

و (الرُّويَثة) [26] : اسم موضع.

و (البَطْح) [27] : الواسع.

و (التَّلعَة): مَسيل الماء من فوق إلى أسفل.

و (الهضبة): فوق الكَثيب في الارتفاع، ودون الجبل.

و (الرَّضْم): حجارةٌ كِبارٌ، واحدتها: رَضْمة.

و (السَّلمات): جمع سَلْمَة، وهي شجرة ورقها القرَظ [28] الذي يُدبغُ فيه الأدَمُ [29] . وقيل: السلم شبه القرظ [30] ؛ وليس به [31] .

و (هَرشى) [32] : ثنيَّة معروفة، وكُراعُها ما يَمتدُّ [33] منها دون سفحها.

و (الغلوة): قدر رَمية.

و (فُرضةُ الجبل): مَدخلُ [34] الطَّريق إليه، وأصلُ الفُرضَة [35] مأخوذ من الفَرْض، وهو القَطْع غيرُ البليغ.

[1] في (ط): (ونزل).
[2] في (ر): (يفرش).
[3] في (ط): (النبي) محرفاً.
[4] في (أ): (فصلى).
[5] في (ر) وف: (بالبطحاء).
[6] في (ط): (الدم جاء) محرفاً.
[7] في (ر): (إلى).
[8] في (ط) هنا زيادة: (حدثنا).
[9] في (ط): (يتول) محرفاً.
[10] في (ر): (ضخم).
[11] في (ط): (عن نهي).
[12] في (أ): (أبطح) وفي (ر): (بطيح).
[13] في (أ): (في طرفه عند تلعة).
[14] في (ط): (مروراء).
[15] في (ر): (قران).
[16] في (ط): (رخم).
[17] في (أ): (سرعان).
[18] في (ر): (فرضي).
[19] في (أ): (لاستراحة).
[20] في النسخ الفروع: (وفي الأكثر يكون).
[21] في النسخ الفروع: (كثيب).
[22] في الأصل (السبيل) والمثبت من (ط)
[23] في (ط): (مما).
[24] (العِرق): سقط من (ط)
[25] في النسخ الفروع: (والجمع سرح) إلافي (م) (سروح) بزيادة واو.
[26] (الرويثة) موضع بين مكة والمدينة (معجم البلدان 3/105)
[27] في (أ): (والأبطح) وفي (ر): (والبطيح).
[28] في (م): (القرض) بالضاد.
[29] في (أ) و (م): (الأديم).
[30] في (م): (القرض) بالضاد.
[31] قوله: (وقيل السلم.... وليس به) زيادة من النسخ الفروع.
[32] (هرشى) ثنية في طريق مكة قريبة من الجحفة يرى منها البحر (معجم البلدان 5/397).
[33] في (ط): (ما تمثل).
[34] في (ط): (خذ) تصحيفاً.
[35] في النسخ الفروع: (وأصلها).





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

484# 485# 486# 487# 488# 489# 490# 491# 492# قوله: (الْعِرْقِ): يريد به [1] : عِرق الظَّبية، وادٍ من أودية الجنَّة، وصلَّى في ذلك الوادي سبعون نبيًّا.

و(السَّمُرَة): شجر الطَّلح، والطَّلح: شجر عظام من شجر العضاه، شجر أمِّ غيلان، كان ينزل عليه الصَّلاة والسَّلام بهذا المكان إذا خرج من المدينة.

و(البطحاء): المكان المتَّسع.

و(شَفِيرِ الْوَادِي): حرفه.

و(التَّعريس): نزول المسافر مطلقًا في أيِّ وقتٍ كان.

و(الأكمة): التَّل والرَّابية.

و(الخَليج): بعض النَّهر، وقيل: وادٍ عميق ينشقُّ من الماء.

و(الكثيب): قطعة من الرَّمل مستطيلة.

و(العِرق): سبخة، ينبت الطَّرفاء، وقيل: العِرق: الجبل الرَّقيق من الرَّمل.

و(السَّرحة): شجرة عظيمة، وهي الضَّخمة، وهي نوع من الشَّجر له ثمر، قيل: إنَّها الدَّفلى.

و(الرُّوَيْثَةِ): قرية جامعة في رسم العقيق، وبين الرُّويثة والمدينة سبعةَ عشرَ فرسخًا.

قوله: (قَائِمَةٌ عَلَى سَاقٍ): أي [2] : كالبنيان، ليست متَّسعة من أسفل، وضيِّقة من فوق.

و(التَّلعة): مسيل الماء من عُلْوٍ إلى سُفل [3] .

و(الْعَرْجِ): قرية جامعة على طريق مكَّة، بينها وبين الرُّويثة أربعةَ عشرَ ميلًا.

و(الهَضَبَة): فوق الكثيب في الارتفاع ودون الجبل.

و(السلمات): شجرة ورقها القرظ الذي يدبغ به الأدم، بفتح اللَّام: الشَّجرة، وبكسرها: الصَّخرة.

و(هَرْشَى): جبل في بلاد تهامة، وهو على ملتقى بطريق الشَّام والمدينة، وهي من الجحفة، يرى منها البحرُ، و(كراع هرشى): طرفها، وقيل: سُمِّيت هرشى؛ لمهارشة كانت بينهم من الإفساد بين النَّاس.

و(مرِّ الظَّهْرَانِ): بينه وبين البيت ستَّة [4] عشرَ ميلًا، سمِّيت بذلك؛ لمرارة مائها.

و(فُرْضة الجَبَل): مدخل الطَّريق، وكان في المدينة تسعة مساجد مع مسجده عليه الصلاة والسَّلام، يسمع أهلها تأذين بلال

@%ج1ص26%

فيصلون في مساجدهم.

[1] (به): ليس في (أ).
[2] (أي): ليس في (ب).
[3] في (أ): (أسفل).
[4] في النسختين: (ست).





484- 485- 486- 487- 488- 489- 490- 491- 492- وبالسند إلى المؤلف قال: ((حدثنا إبراهيم بن المنذِر)) ؛ بكسر الذَّال المعجمة: هو الحزامي المدني _بالزاي المعجمة_ نسبة إلى أحد أجداده، فإنَّه إبراهيم بن المنذِر بن عبد الله بن المغيرة بن عبد الله بن خالد بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد الصمد بن قصي المديني، المتوفى سنة ست وثلاثين ومئتين ((قال: حدثنا أنس بن عِياض)) ؛ بكسر العين المهملة: هو المدني، المتوفى سنة ثمانين ومئة (

(قال: حدثنا موسى بن عقبة)) هو صاحب المغازي، المدني المشهور الثِّقة، ((عن نافع)) هو أبو عبد الله المدني التَّابعي مولى ابن عمر رضي الله عنهما،المتوفى سنة عشرين ومئة: ((أنَّ عبد الله)) ؛ بفتح الهمزة؛ زاد الأصيلي: (يعني: ابن عمر) ، ولأبوي ذر والوقت: (أنَّ عبد الله بن عمر) هو ابن الخطاب القرشي المدني رضي الله عنهما ((أخبره)) أي: أخبر نافعًا ((أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم)) بفتح الهمزة ((كان)) أتى بها لإفادة الدوام والاستمرار ((ينزل بذي الحُلَيفة)) ؛ بِضَمِّ الحاء المهملة، وفتح اللَّام؛ وهو الميقات المشهور لأهل المدينة، وهو من المدينة على أربعة أميال، ومن مكة على مئتي ميل غير ميلين، وزعم الكرماني بينها وبين المدينة ميل أو ميلان، والميل: ثلث فرسخ، وهو أربعة آلاف ذراع ومنها إلى مكة عشر مراحل، وزعم ابن التين أنَّها أبعد المواقيت من مكة؛ تعظيمًا لأجر النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم، كذا في «عمدة القاري»، ((حين يعتمر، وفي حجته حين حج)) ؛ أي: حجة الوداع، قيل: وفي نسخة: (حين يحج) ، وعلى الأولى شرح إمام الشَّارحين، وقال: (إنَّما قال في العمرة بلفظ المضارع، وفي الحج بلفظ الماضي؛ لأنَّه عليه السَّلام لم يحج إلا مرة واحدة، وتكررت منه العمرة) انتهى، وتبعه ابن حجر وغيره.

وزعم الكرماني أنَّ المضارع قد يفيد الاستمرار.

وردَّه إمامنا الشَّارح: (بأنَّ الماضي أقوى في إفادة الاستمرار من المضارع؛ لأنَّ الماضي قد مضى واستقر بخلاف المضارع) انتهى.

واعترضه ابن حجر تعصبًا بأنَّ من يستدل على الاستمرار بالاستقرار، فما له ولتعقيب كلام الناس؟ انتهى.

قلت: انظر إلى هذا الكلام الذي لا يصدر من ذوي الأفهام، والحال أنَّه لم يستدل بذلك، وإنَّما ذكر المعنى الذي يفيده اللَّفظ في الكلام على القواعد الموضوعة للنحاة الموافقة للمرام، وإنَّما قال ذلك في تعقيب كلام الناس عدم فهمهم الكلام بالمعاني والأساس.

ويدل على صحة ما قاله إمامنا الشَّارح أنَّ لفظ (كان) يفيد الدوام والاستمرار في الألفاظ المطلقة، ثم عبر بالعمرة بالمضارع المطلق، فأفاد التكرار، وعبر بالحج -في قوله: (وفي حجته) ؛ أي: التي حجها، وهي حجة الوادع- بالماضي المقيد، فأفاد عدم التكرار، والوقوع مرة واحدة، وهذا ظاهر اللَّفظ؛ فليحفظ، ولا عليك من لقلقة اللسان بغير حجة وبرهان؛ فافهم.

والنُّسخة الثانية الله أعلم بصحتها، ولم ينقلها أحد من الشراح غير العجلوني ذكرها ولم يَعزُها لأحد من الرواة، وهو نقل أوهى من بيت العنكبوت؛ لأنَّه من غير برهان ولا نعوت؛ فافهم.

((تحت سَمُرة))؛ بفتح السين المهملة، وضم الميم: وهي شجرة الطلح، وهو عظام الأشجار التي لها شوك، وتعرف عند الناس: بأم غيلان، كذا في «عمدة القاري».

قلت: وهي كثيرة في البساتين في ديارنا الشريفة الشامية، وتوضع في الحدود بينها؛ لأنَّها تُعمَّر كثيرًا كما يعهد من حالها.

((في موضع المسجد الذي بذي الحليفة)) قيل: وفي نسخة: (الذي كان بذي الحليفة) ، وهذا موضع التَّرجمة، ولهذا قال إمامنا الشَّارح: (ومطابقته للتَّرجمة ظاهرة في الفصلين) انتهى، ((وكان إذا رجع من غزوة)) ؛ بالتأنيث، وفي رواية: بحذف التَّاء؛ ((وكان [1] في تلك الطريق)) ؛ أي: طريق ذي الحليفة، والجملة حالية بالواو، وفي رواية: بحذف الواو، فهي صفة[/ص700/] للغزو، ووجه التذكير في (كان) باعتبار السفر، ويجوز أن يرجع الضمير فيه للنبي الأعظم صلى الله عليه وسلم، قاله إمامنا الشَّارح، وما شرحنا عليه هو رواية الأصيلي وأبي ذر عن الحموي والمستملي، (غزوة وكان) بالتَّاء والواو، وعليها شرح إمام الشَّارحين، ((أو حج أو عمرة هبط من بطن واد)) هو وادي العقيق، وسقط كلمة (من) لأبوي ذر والوقت، وعند ابن عساكر: (هبط من ظهر واد) ، والهبوط: النزول من الأعلى إلى الأسفل، وإنَّما لم يؤخر لفظ: (كان) في تلك الطريق عن الحج والعمرة؛ لأنَّهما لم يكونا إلا من تلك الطريق، ((فإذا ظهر من بطن واد)) ؛ أي: علا في أعلاه وارتفع في وادي العقيق المذكور؛ ((أناخ)) ؛ أي: أقعد راحلته، وهو جواب (إذا) ((بالبطحاء)) هو تراب لين السيول، والجمع: بطحاوات وبطاح، فإن اتسع وعرض؛ فهو الأبطح، والجمع: الأباطح، كما في «المحكم»،وقال بعضهم: الأبطح: لا ينبت [2] شيئًا، إنَّما هو بطن الوادي، وفي «الجامع»: (الأبطح والبطحاء والبطاح: الرمل المنبسط على وجه الأرض) ، وفي «الواعي»: (البطحاء: حصى ورمل ينقل من مسيل الماء) ، وقال النَّضر بن شميل: (بطحاء الوادي وأبطحه: حصاة اللين) ، وقال أبو سليمان: (هي حجارة ورمل) ، وقال الدَّاودي: (البطحاء: كل أرض منحدرة) ، وفي «المنتهى»: (الأبطح: مسيل واسع، فيها دقاق الحصى، والجمع: الأباطح، وكذلك البطحاء) ، وفي «الصِّحاح»: (البطاح: على غير قياس، والبطيحة؛ مثل: الأبطح، كذا في «عمدة القاري».

((التي على شَفير الوادي)) ؛ بفتح الشين المعجمة؛ أي: طرفه، وقال ابن سيده: (شفير الوادي وشفره: ناحيته من أعلاه) ((الشرقيةِ)) بالجر: صفة (البطحاء) ، ((فعرَّس)) ؛ بتشديد الرَّاء، قال الأصمعي: (عرَّس المسافرون تعريسًا؛ إذا نزلوا نزلة في وجه السحر، وأناخوا إبلهم فروحوها ساعة حتى يرجع إليها أنفسها) ، وعن أبي زيد: (عرَّس القوم تعريسًا في المنزل حيث نزلوا بأيِّ حينٍ كان من ليل أو نهار) ، وفي «المحكم»: (المعرس: الذي يسير نهاره، ويعرِّس؛ أي: ينزل أول الليل) ، وفي «الصِّحاح»: (أعرسوا لغة فيه قليلة، والموضع: مِعرس ومَعرس) ، وفي «الغريبين» [3] : (التعريس: نومة المسافر بعد إدلاج الليل) ، وفي «المغيث»: (عرَّس؛ أي: نزل للنوم والاستراحة، والتعريس: النزول لغير إقامة) ، أفاده إمام الشَّارحين.

قلت: وحاصله: أنَّ التعريس: نزول استراحة، وأكثره في آخر الليل، وخصَّه الأصمعي: بآخر الليل، وأطلق فيه أبو زيد؛ فليحفظ.

((ثَمَّ)) ؛ بفتح المثلَّثة، وتشديد الميم: اسم إشارة للمكان البعيد؛ أي: هنالك ((حتى يُصبح)) ؛ بِضَمِّ المثناة التحتية؛ أي: يدخل في الصباح، وهي تامة لا تحتاج إلى الخبر، واستغنت بمرفوعها ((ليس عند المسجد الذي بحجارةٍ، ولا على الأكَمة)) ؛ بفتح الهمزة والكاف: هي التل من القف من حجارة واحدة، قاله ابن سيده، وقيل: هي دون الجبال، وقيل: هي الموضع الذي قد اشتد ارتفاعًا مما حوله، وهو غليظ لا يبلغ أن يكون حجرًا، والجمع: أَكَم، وأُكُم، وأُكْم، وإكام، وآكام، وآكُم؛ كأَفْلُس، الأخيرة عن ابن جني، وفي «الواعي»: (الآكام: دون الضراب) ، وفي «الصِّحاح»: (والجمع: أكمات، وجمع الأكم: آكام؛ مثل: عنق وأعناق) انتهى.

والحاصل: أنَّه يجمع على (أَكَم) ؛ بفتحات؛ وهو على (إِكام) ؛ بكسر الهمزة -كجبل وجبال [4] -؛ وهو على (أُكُم) ؛ بضمتين -نحو: كِتَاب وكُتُب-؛ وهو على (آكام) ؛ كعُنُق وأعناق؛ فافهم.

((التي عليها المسجد، كان ثَمَّ)) ؛ بفتح المثلَّثة، وتشديد الميم: اسم إشارة للمكان البعيد؛ أي: هنالك ((خَلِيج))؛ بفتح الخاء المعجمة، وكسر اللَّام، آخره جيم: واد عميق ينشق من آخر أعظم منه، قاله ابن التِّين، وفي «المنتهى»: (هو شرم من البحر اختلج منه، والخليج [5] : النهر العظيم، والجمع: خلجان، وربما قيل للنهر الصغير يخلج من النهر الكبير: خليج) ، وفي «المحكم»: (الخليج: ما انقطع من معظم الماء؛ لأنَّه يجبذ منه، وقد اختلج، وقيل: الخليج: شعبة تتشعب من الوادي تعير بعض مائه إلى مكان آخر، والجمع: خلج وخلجان، وقال الإمام الزمخشري: (جبل خليج: أحد جبال مكة) انتهى، ((يصلِّي)) ؛ بتحتية أوله، وفي رواية: (فصلى) ((عبد الله)) أي: ابن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما ((عنده)) أي: عند الخليج المذكور ((في بطنه)) أي: وسطه ((كُثُب)) ؛ بِضَمِّ الكاف وضم الثَّاء المثلَّثة، جمع كثيب؛ هو رمل اجتمع وكل ما اجتمع من شيء وانهار؛ فقد انكثب فيه، ومنه اشتق: الكثيب من الرمل؛ في معنى: مكثوب؛ لأنَّه انصب في مكان واجتمع فيه، والجمع: كثبان؛ وهي تلال من رمل، قاله أبو المعالي، وفي «المحكم»: (الكثيب من الرمل: القطعة تبقى محدودبة، وقيل: هو ما اجتمع واحدودب، والجمع: أكثبة وكثب) ، وفي «الجامع»: (إنَّما سمي كثيبًا؛ لأنَّ ترابه دقاق كأنَّه مكثوب؛ أي: منثور بعضه على بعض؛ لرخاوته) ، كذا في «عمدة القاري».

((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم)) وقوله: ((ثَمَّ)) ؛ بفتح المثلَّثة؛ أي: هنالك، متعلق بقوله: ((يصلِّي)) ، وهذا مرسل من نافع، كما قاله إمام الشَّارحين وغيره، ((فدحا)) : الفاء للعطف، و (دحا) ؛ بالدَّال والحاء المهملتين، مبنيًّا للفاعل، من الدحو؛ وهو البسط، يقال: دحا يدحوويدحى دحوًا، قاله ابن سيده، وفي «الغريبين»: (كل شيء بسطته ووسعته؛ فقد دحوته، ومنه قوله تعالى: {وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} [النازعات: 30] ؛ أي: بسطها ووسعها؛ للوقوف بها عند فصل القضاء، وبهذا تعلم فساد تفسير العجلوني: الدحي: بالرفع، فإنَّه غير موافق للُّغة ولا للقرآن العظيم؛ فافهم، بل هو تفسير من عنده، وهو غير مقبول، ((السيل)) ؛ أي: المطر النازل من الجبال ((فيه)) ، ولأبي ذر: (فدحا فيه السيل) ((بالبطحاء)) : متعلق بـ (دحا) ، وفي رواية الإسماعيلي: (فدخل) ؛ بالخاء المعجمة واللَّام، وفي رواية: (قد جاء) ؛ بكلمة (قد) للتحقيق، وكلمة (جاء) من المجيء فهما كلمتان؛ فليحفظ، ((حتى دَفن)) ؛ بالبناء للفاعل؛ أي: السيل، قيل: وفي رواية: بالبناء للمفعول، فنائبه قوله: ((ذلك المكان الذي كان عبد الله)) أي: ابن عمر ((يصلِّي فيه)) ؛ أي: غيَّبه وغيَّر صفته، فلم يظهر بعد ذلك.

((وأنَّ)) ؛ بفتح الهمزة، معطوف على قوله: (أنَّ عبد الله أخبره) ((عبد الله بن عمر)) ؛ أي: ابن الخطاب ((حدَّثه)) ؛ أي: حدَّث نافعًا مولاه، وهو من قول موسى بن عقبة، فهو موصول بالإسناد السَّابق، وهذا يجري في نظائره، وقال الكرماني: إنَّما قال في الأول: «أنَّ عبد الله أخبره»، وفي المرات الآتية: «أنَّ عبد الله حدَّثه»؛ للفرق عند بعضهم بأنَّ الإخبار: القراءة على الشيخ، والتحديث: قراءة الشيخ.

واعترضه العجلوني بأنَّ الظَّاهر أنَّهما بمعنًى، انتهى.

قلت: قد سبق ذلك في باب (العلم) ، وأنَّ مذهب الجمهور _ومنهم المؤلف_ على أنَّه لا فرق بين (حدثنا) ، و (أخبرنا) ، و (أنبأنا) ، وأنَّها بمعنًى، وبه قال ابن عيينة، والأئمة الكوفيون، ومالك، والحسن البصري، ويحيى القطان، وأهل الحجاز، فإذا كان هذا مذهب الجمهور؛ فكيف يدعي أنَّه الظَّاهر، فإنَّ الظَّاهر يقال[/ص701/] في أحد قولين مرجحين، بل في قول قوي وقول ضعيف؛ لأنَّ الفرق قول ضعيف عند أهل النَّظر، وأمَّا المؤلف ههنا؛ فلم ينظر لهذا حتى زعم الكرماني ما زعم، بل إمَّا للتفنن في العبارة، أو ساق اللَّفظ بعينه، وإنَّما مذهبه عدم الفرق، كما ترجم به بباب مستقل؛ فافهم ولا تكن من الغافلين.

((أنَّ النَّبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم صلى)) أي: الفرض والنفل جميعًا ((حيث)) بالمهملة والمثلَّثة ((المسجد الصغير)) : نعت لـ (المسجد) ، وفي رواية: (صلى جَنْب) ؛ بالجيم والنُّون والموحَّدة، وعلى الأولى؛ (المسجدُ) : مرفوع خبر مبتدأ محذوف، و (الصغيرُ) : مرفوع نعت له؛ لأنَّ (حيث) لا تضاف إلا إلى الجملة على الأصح؛ وتقديره: حيث هو بالمسجد ونحوه، وعلى الثانية؛ مجرور بالإضافة، و (الصغير) : نعت له مجرور، أفاده الشَّارح.

((الذي دون المسجد)) ؛ أي: أنزل من المسجد ((الذي بشرف)) أي: أعلى ((الروحاء)) ؛ بالمد: قرية جامعة على ليلتين من المدينة، وهي آخر السيالة للمتوجه إلى مكة والمسجد الأوسط في الوادي المعروف الآن بوادي بني سالم، ((وقد كان عبد الله)) أي: ابن عمر بن الخطاب ((يُعلِّم)) ؛ بِضَمِّ التحتية أوله، من (أعلم) من العلامة في رواية أبوي ذر والوقت، وفي رواية غيرهما: (يَعلم) ؛ بفتح التحتية من العِلْم، وفي رواية: (تَعلَّم) ؛ بفتح الفوقية، وتشديد اللَّام المفتوحة ((المكان الذي كان)) وسقطت (كان) لابن عساكر ((صلى فيه النَّبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم)) ؛ أي: صلاته الفرض والنفل جميعًا بمحضر من ابن عمر وغيره من الصَّحابة رضي الله عنهم أجمعين ((يقول)) أي: ابن عمر: ((ثَمَّ)) ؛ بفتح المثلَّثة؛ أي: هنالك ((عن يمينك حين تقوم في المسجد تصلي، وذلك المسجد على حافَة)) ؛ بتخفيف الفاء؛ أي: على جانب ((الطريق)) ؛ أي: الشَّارع، وحافتا الوادي: جانباه ((اليمنى)) : صفة لـ (حافَة) ؛ أي: لا اليسرى، وقوله: ((وأنت ذاهب إلى مكة)) : صفة لقوله: (حافَة) ((بينه)) أي: بين هذا المسجد ((وبين المسجد الأكبر رمية حجر أو نحو ذلك)) ؛ أي: مقدار مسافة ذلك.

((وأنَّ)) بفتح الهمزة معطوف على سابقه ((ابن عمر)) ؛ أي: ابن الخطاب رضي الله عنهمابالإسناد المذكور، فهو من قول موسى بن عقبة ((كان يصلِّي إلى العِرْق)) ؛ بكسر العين المهملة وسكون الرَّاء المهملة، وبالقاف؛ أي: عرق الظبية، وقال أبو منصور: (العِرْق: الجبل الصغير، ويقال أيضًا للأرض الملح التي لا تنبت) ، وقال أبو عبيد: (هو واد معروف) ، وقال ابن فارس: (ينبت الطرفاء، وقيل: ينبت الشجر) ، وقال الخليل: (العِرْق: الجَبْل الرقيق من الرمل المستطيل مع الأرض) ، وقال الدَّاودي: (هو المكان المرتفع) ، أفاده في «عمدة القاري»، ((الذي كان عند منصرَف الرَّوحاء)) ؛ بفتح الرَّاء المهملة فيهما مع [المد] في الثاني؛ وهي القرية الجامعة على ليلتين من المدينة؛ يعني: عند آخر الرَّوحاء ((وذلك العِرْق انتهاء)) ؛ بالمد ((طرفه [6] على حافَة)) ؛ أي: جانب ((الطريق)) ، ولأبي ذر عن الكشميهني: (انتهى طرفه) ؛ بالقصر، فعل وفاعل ((دون المسجد الذي بينه وبين المنصرَف)) ؛ بفتح الرَّاء؛ أي: أنزل منه ((وأنت ذاهب إلى مكة وقد ابتُني)) ؛ بِضَمِّ المثناة فوق على صيغة المجهول من الماضي ((ثَمَّ)) ؛ بالمثلَّثة، متعلق به؛ أي: هنالك ((مسجد)) يحتمل أنَّ الباني له أحد من قريش من الجاهلية ممن يعبد الأصنام، ويشرك بالله غيره، ويدل على هذا قوله: ((فلم يكن عبد الله)) زاد الأصيلي: (ابن عمر) ((يصلِّي في ذلك المسجد)) ؛ لعله لما فيه من الصور والأصنام كما ذكرنا، فلا وجه لقول العجلوني: (ولينظر من الباني له؟) ؛ لأنَّه لا شك أنَّ الباني غير مسلم، بل مشرك أو منافق، ولهذا قال: ((وكان)) أي: ابن عمر، وللأصيلي: بإسقاط الواو ((يتركه على يساره وورائه)) ؛ بالجر عطفًا على (يساره) ، وبالنصب على الظرفية؛ بتقدير: (في) ظرفًا ((يصلِّي)) أي: ابن عمر ((أمامه)) أي: قدام المسجد ((إلى العِرْق نفسه)) أي: عرق الظبية، ((وكان عبد الله)) أي: ابن عمر ((يروح)) أي: يمر ((من الرَّوحاء)) بالمد ((فلا يصلِّي الظُّهر حتى يأتي ذلك المكان فيصلِّي فيه الظُّهر)) أي: اتباعًا حيث الوقت متسع، ((وإذا أقبَل)) بفتح الموحَّدة ((من مكة فإن مرَّ)) بتشديد الرَّاء ((به)) أي: بذلك المكان ((قبْل)) بسكون الموحَّدة ((الصبح)) أي: طلوع الفجر الصَّادق ((بساعة)) : يحتمل أنَّها اللحظة والحصة من الزمان، ويحتمل الساعة المعلومة، وهي خمس عشرة درجة، ((أو من آخر السحر)) : وهو عبارة عما بين الفجر الكاذب والصَّادق، والفرق بين العبارتين-أعني: قوله: (قبل الصبح بساعة) ، وقوله: (آخر السحر) - هو أنَّه أراد بـ (آخر السحر) : أقل من ساعة، وأراد الإبهام؛ ليتناول قدر الساعة وأقل وأكثر منها، قاله الشَّارح في «عمدة القاري»، ((عرَّس)) ؛ بتشديد الرَّاء، جواب (أنَّ) ؛ أي: نزل للاستراحة في ذلك الوقت ((حتى يصلِّي بها الصبح)) ؛ أي: بمكة؛ لفضل الصلاة فيها.

((وأنَّ)) بفتح الهمزة، معطوف على سابقه ((عبد الله)) أي: ابن عمر ((حدَّثه)) ؛ أي: حدَّث نافعًا بالإسناد المذكور، فهو موصول: ((أنَّ النَّبي)) الأعظم، ولابن عساكر: (رسول الله) ((صلى الله عليه وسلم كان ينزل تحت سَرْحَة)) ؛ بفتح السين المهملة، وسكون الرَّاء، وفتح الحاء المهملة: وهو شجر عظام طوال ((ضخمة)) ؛ أي: عظيمة، وقال أبو زيد: السَّرْح من العضاه، واحدته: سَرْحَة، والسَّرْح: طوال في السَّماء، وقد تكون السَّرْحة دوحة محلالًا [7] واسعة، يحل تحتها الناس في الصيف، ويبنون تحتها البيوت، وقد تكون منه العشة القليلة الفروع والورق، وللسرح عنب يسمى آءُ، واحدته: آءة، يأكله الناس أبيض، ويرببون منه الرب، ورقته صغيرة عريضة، تأكله الماشية لو تقدر عليه ولكن لا تقدر؛ لطوله، ولا صمغ له، ولا منفعة فيه أكثر من هذا إلَّا أنَّ ظله صالح، ومن ذلك قال الشاعر:

~فيا سَرْحَة الركبان ظلك بارد وماؤك عذب لا يحل لشارب

وليس للسرح شوك، وقال أبو عمرو: السَّرْح يشبه الزيتون، وروى الفراء عن أبي الهيثم: أنَّ كل شجرة لا شوك فيها؛ فهي سَرْحَة، يقال: ذهب إلى السَّرْح؛ وهو السهل من كل شيء، وأخبرني أعرابي: أنَّ في السَّرْحة غبرة، وهي دون الأثل في الطول، وورقها صغار، وهي سبطة الأفنان [8] ، وهي مائلة النبتة أبدًا، وميلها من بين جميع الشجر في شق اليمين، ولم أبل عليه كذبًا، وزعم بعضهم أنَّ السَّرْح من نبات القف، وقيل: من نبات السهل، وهو قول الأصمعي، وفي «المطالع»: (قيل: هي الدِّفلى) ، وقال أبو علي: (هو نبت، يقال لها: هدب، وليس لها ورق، وهو يشبه الصوف) ، قاله إمام الشَّارحين.

((دون الرُّوَيْثَة)) ؛ أي: تحتها أو قريب منها، وهي بِضَمِّ الرَّاء، وفتح الواو، مع سكون التحتية،وفتح المثلَّثة[/ص702/]

على لفظ التصغير؛ وهي قرية جامعة بينها وبين المدينة سبعة عشر فرسخًا، ومن الرُّوَيْثَة إلى السقيا عشرة فراسخ، وعقبة العرج على أحد عشر ميلًا من الرُّوَيثة، وبينها وبين العرج ثلاثة أميال، وهي غير الرُّويثة؛ ماء لبني عجل بين طريق الكوفة والبصرة، ذكره ياقوت، كما في «عمدة القاري».

وقال الكرماني: (وفي بعض النُّسخ: «الرَّقْشة»؛ بفتح الرَّاء، وسكون القاف، وإعجام الشين) ، وزعم الخطابي أنَّه اسم موضع، وردَّه إمام الشَّارحين: (بأنَّ البكري لم يذكر إلا الرقاش، وقال: هو بلد) انتهى.

قلت: وليس هناك بلاد ولا بلد تسمى بالرَّقشة، ولا موضع يسمى بهذا الاسم، فالظَّاهر أنَّه تصحيف.

وقال القاضي عياض: («دون الرُّوَيثة» تصحيف، والصَّواب: بعواسج عن يمينك) ، قال العجلوني: (إن ثبتت به الرواية؛ فهو أولى) انتهى.

قلت: الرواة كلهم على الأول، ولم يذكر أحد منهم ذلك أصلًا، ولئن ثبت؛ فهو ليس بأولى؛ لأنَّ المكان جامع لقرًى شتى، ولم يتبين المكان بعينه، بل إنَّما وقعت القصة من نزوله عليه السَّلام عند الشجرة، وهي بين القرى، وأقربها قرية الرويثة، فلا عليك من كلام القاضي والعجلوني؛ فافهم.

((عن يمين الطريق)) أي: لا عن شماله ((ووُجاه)) ؛ بِضَمِّ الواو وكسرها؛ بمعنى: تجاه ((الطريق)) ؛ أي: مقابلها، و (وجاه) ؛ بالجر عطفًا على (يمين) ، أو بالنصب على الظرفية ((في مكان بَطِح)) ؛ بفتح الموحَّدة، وكسر الطاء المهملة وبسكونها؛ أي: واسع ((سهل)) أي: لا وعر فيه ولا حجارة ((حتى)) ؛ بالمثناة فوق، وللأصيلي وأبي ذر: (حين) ؛ بالتحتية والنُّون ((يُفضي)) ؛ بِضَمِّ أوله التحتية وبالفاء، من الإفضاء؛ بمعنى الخروج، يقال: أفضيت؛ إذا خرجت إلى الفضاء، أو بمعنى الدفع؛ كقوله تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِّنْ عَرَفَاتٍ} [البقرة: 198] ، أو بمعنى الوصول، والضمير في (يفضي) يرجع إلى النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم، ويجوز أن يرجع إلى المكان، كذا قرره إمام الشَّارحين.

وقال الكرماني: (وفي بعض النُّسخ بلفظ الخطاب) انتهى.

قلت: لم يعزها لأحد من الرواة، فالله أعلم بصحتها.

((من أَكَمة)) ؛ بفتح الهمزة والكاف؛ وهي التل العالي كما تقدم ((دُوين)) ؛ بِضَمِّ الدَّال المهملة، مصغر الدُّون، وهو نقيض الفوق، ويقال: هو دون ذاك؛ أي: أقرب منه ((بريد)) هو المرتب واحدًا بعد واحد، والمراد به: موضع البريد، وقيل: المراد به: سكة الطريق ((الرُّوَيثة)) وسقط (البريد) لابن عساكر ((بميلين)) ؛ يعني: بينه وبين المكان الذي ينزل فيه البريد بالرُّويثة ميلان، ((وقد انكسر أعلاها)) ؛ أي: السَّرْحة، ((فانثَنى)) ؛ بفتح المثلَّثة على صيغة المعلوم من الماضي؛ ومعناه: انعطف ((في جوفها)) أي: السَّرْحة ((وهي قائمة على ساق)) ؛ أي: كالبنيان ليست متسعة من أسفل، ولا ضيقة من فوق ((وفي ساقها كُثُب)) ؛ بضمتين، جمع كثيب؛ وهو الرمل المجتمع تلال كثيرة.

((وأنَّ عبد الله بن عمر)) بفتح الهمزة معطوف على سابقه ((حدَّثه)) أي: حدَّث نافعًا بالإسناد المتقدم ((أنَّ النَّبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم صلَّى)) أي: الصبح أو غيره من فرض ونفل ((في طرف تَلْعَة)) ؛ بفتح المثناة الفوقية، وسكون اللَّام، وفتح العين المهملة: هي أرض مرتفعة عريضة، يتردد فيها السيل، والتَّلْعَة: مجرى [9] الماء من أعلى الوادي، والتَّلعة: ما انهبط من الأرض، وقيل: هي مثل الرحبة، والجمع في كل ذلك: تلع وتلاع، وعن بعضهم: التَّلعة: أرض مرتفعة غليظة، وربما كانت على غلظها عريضة، وفي «الجامع»: (التَّلعة من الوادي: ما اتسع من فوقه، وقيل: هي مسيل من الأرض المرتفعة إلى بطن الوادي، فإن صغر عن ذلك؛ فهي شعبة، فإذا عَظُم فكان نصف الوادي؛ فهي الميثاء، قيل: والأصل في التَّلعة الارتفاع) ، كذا في «عمدة القاري»، ((من وراء العَرْج)) ؛ بفتح العين المهملة، وسكون الرَّاء، ثم جيم: قرية جامعة على طريق مكة من المدينة، بينها وبين الرُّويثة أربعة عشر ميلًا، قال السكوني: (المسجد النَّبوي على خمسة أميال من العَرْج وأنت ذاهب إلى الهضبة، عندها قبران أو ثلاثة، عليها زحم حجارة، قال كثير: إنَّما سمي العَرْج لتعريجه، وبين العرج إلى السقيا سبعة عشر ميلًا) ، وقال ياقوت: (العَرْج: قرية جامعة من نواحي الطَّائف، والعَرْج: عقبة بين مكة والمدينة على جادة الطريق، تذكر مع السقيا، وسوق [10] العَرْج: بلد بين المحالب والمهجم) ، وقال الزمخشري: (العرج: واد بالطَّائف، والعرج أيضًا: منزل بين المدينة ومكة، وجاء فيه فتح الرَّاء أيضًا) ، كذا قرره إمامنا الشَّارح.

((وأنت ذاهب إلى هَضْبَة)) ؛ بفتح الهاء، وسكون الضَّاد المعجمة، وفتح الموحَّدة؛ وهي الجبل المنبسط على وجه الأرض، وقال أبو زيد: (الهضبة من الجبال: ما طال واتسع وانفرد، وهي الهضبات والهضاب) ، وعن سيبويه: (وقد قالوا: هضبة وهضب) ، وقال صاحب «العين»: (الهضبة: كل جبل خلق من صخرة واحدة، وكل ضخرة ضخمة صلبة راسية تسمى هضبة) ، وفي «الجامع»: (هي القطعة المرتفعة من أعلى الجبل) ، وفي «المجمل»: (هي أكمة ملساء قليلة النبات) ، وفي «المطالع»: (هي فوق الكثيب في الارتفاع ودون الجبل) انتهى.

((عند ذلك المسجد قبران أو ثلاثة على القبور رَضْم)) ؛ بفتح الرَّاء وسكون الضَّاد المعجمة، وللأصيلي: (رَضَم) ؛ بفتحها ((من حجارة)) ، قال الشَّارح: (الرضم: الحجارة البيض [11] ،والرضمة: الصخرة العظيمة مثل الجزور [12] ، وليست بثابتة، والجمع: رضم ورضام، ورَضَمَ الحجارة: جعل بعضها على بعض، وكل بناء بني بصخر: رضيم، ذكره ابن سيده، وفي «الجامع»: (ومرضوم) انتهى، ((عن يمين الطريق)) ؛ أي: لا عن يساره، ولم يذكر أحد من الشراح أسماء أصحاب هذه القبور، والظَّاهر أنَّهم من قريش من الجاهلية ((عند سَلِمات الطريق)) ؛ بفتح السين المهملة وكسر اللَّام، كذا في رواية أبي ذر والأصيلي، وفي رواية الباقين: بفتح اللَّام، قيل: هي بالكسر: الصخرات، وبالفتح: الشجرات، وقال أبو زياد: (من العضاه السلم: وهو سليب العيدان طولًا، يشبه القضبان، ليس له خشب وإن عظم، وله شوك دقاق طوال، حار إذا أصاب رِجل الإنسان، وكل شيء من السلمة مُرُّ يدبغ) ، وقال غيره: السلمة: أطيب العضاه ريحًا، وبرمتها أطيب البرم ريحًا، وهي صفراء تؤكل، وقيل: ليس شجرة أذرى من سلمة، ولم يوجد في ذرى سلمة صرد قط، ويجمع على أسلام، وأرض مسلوماء؛ إذا كانت كثيرة السلم، وفي «الجامع»: (ويجمع أيضًا على سلامى) انتهى.

((بين أولئك السَّلِمات)) وفي بعض النُّسخ: (من أولئك) ، وهي في النُّسخة الأولى ظاهر التعلق بما قبله، وفي الثانية بما بعده، قاله الشَّارح، ومثله في «الكرماني»، قال العجلوني: (فتأمله) انتهى.

قلت: لا وجه للتأمل فيه، فإنَّ كلامه ظاهر لمن له أدنى ذوق في العلم؛ فافهم.

((كان عبد الله)) أي: ابن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما ((يروح)) من الرواح؛ وهو الذهاب؛ يعني: يذهب ((من العَرْج بعد أن تميل الشمس من الهاجرة)) : متعلق بـ (يروح) ؛ [/ص703/]

وهي نصف النهار عند اشتداد الحر، ((فيصلي الظُّهر)) ؛ لأنَّ ميلان الشمس عن كبد السَّماء دخول وقت الظُّهر والجمعة ((في ذلك المسجد)) ؛ أي: للإتباع.

((وأنَّ عبد الله بن عمر)) أي: ابن الخطاب، بفتح الهمزة معطوف على سابقه ((حدَّثه)) أي: حدَّث نافعًا بالإسناد المذكور، فهو موصول ((أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل)) أي: عن راحلته ((عند سَرحات)) ؛ بفتح الرَّاء، وبالحاء المهملة، جمع: سَرْحة؛ بسكون الرَّاء؛ وهي الشجرة العظيمة الضخمة كما سبق ((عن يسار الطريق)) أي: لا عن يمينه ((في مَسِيل)) ؛ بفتح الميم، وكسر المهملة: واد منحدر مجوَّف يجري فيه الماء النازل من الجبال ((دون هَرْشَى)) ؛ بفتح الهاء، وسكون الرَّاء، وفتح الشين المعجمة، مقصور، على وزن (فَعلى) : هو جبل من بلاد تهامة، وهو على ملتقى طريق الشام والمدينة في أرض مستوية هضبة ململمة لا تنبت شيئًا، وهي قرية قريبة من الجحفة يرى منها البحر، ويقرب منها طَفِيل؛ بفتح الطاء المهملة، وكسر الفاء، وهو جبل أسود، على الطريق من ثنية هرشى ثلاثة أودية: غزال، وذو ذروان، وكلية، وكلها لخزاعة، وبأعلى كلية ثلاثة أجبل صغار، يقال لها: سنابك، وغدير خم: واد يصب في البحر، وفي «الموعب»: (هرشى: ثنية قرية من الجحفة) ، وقال الزمخشري: (هرشى: هضبة دون المدينة) ، وقال علي: (هرشى: نقب في حرة [13] بين الأخيمص وبين السقيا على طريق المدينة، ويليه [14] جبال يقال لها: طوال هرشى) ، وفي «المغيث»: (سميت هرشى لمهارشة كانت بينهم، والتهريش: الإفساد بين الناس) ، كذا في «عمدة القاري».

((ذلك المسيل لاصق بكُراع هرشى)) ؛ بِضَمِّ الكاف؛ أي: طرفها، يقال: كراع الأرض وأكارعها: أطرافها، كما في «القاموس»؛ أي: متصل بأطرافها غير فاصل، وكراعها: ما يمتد منها دون سفحها ((بينه)) [15] ؛ أي: بين كراع هرشى ((وبين الطريق قريبٌ من غَلوة سهم)) ؛ بفتح الغين المعجمة: وهي الغاية مقدار رمية، كما في «الصِّحاح»، وفي «المغيث»: (لا تكون الغَلوة إلا مع تصعيد السهم) ، وقال ابن سيده: (غلا بالسهم غَلْوًا وغُلُوًّا، وغالى به غلاء: رفع به يده يريد أقصى الغاية، وهو من التجاوز، فرجل غلاء: بعيد الغلو بالسهم، وغَلَا السهم نفسه: ارتفع في ذهابه وجاوز المدى؛ وكذلك الحجر، وكل مرماة: غلوة، والجمع: غلوات وغلًا، وقد تستعمل الغَلوة في سباق الخيل، وقال الفقهاء: الغَلوة: أربع مئة ذراع، كذا في «عمدة القاري».

قلت: الذي في «المغرب»، وكذا في «الذخيرة» و«المستصفى»: أنَّه ثلاث مئة ذراع إلى أربع مئة ذراع، لكن لما كانت الأربع مئة هي الغاية؛ عبَّر بها، والسهم: واحد النبل.

وقد نظم ابن الحاجب مقدار البريد، والفرسخ، والميل، والباع، والذراع فقال:

~إنَّ البريد من الفراسخ أربع ولفرسخ فثلاث أميال ضعوا

~والميل ألف أي من الباعات قُلْ والباع أربع أذرع فتتبع

~ثم الذراع من الأصابع أربع من بعدها العشرون ثم الأصبع

~ست شعيرات فظهر شعيرة منها إلى بطن لأخرى [16] توضع

~ثم الشعيرة ست شعرات فقل من شعر بغل ليس فيه موضع

وتمامه في شرحنا «منهل الطلاب»، والله أعلم بالصَّواب.

((وكان عبد الله بن عمر)) أي: ابن الخطاب رضي الله عنهما ((يصلي إلى سَرْحة)) ؛ بفتح السين المهملة، وسكون الرَّاء، وفتح الحاء المهملة؛ أي: شجرة ضخمة عظيمة ((هي أقرب السَّرحات)) أي: الشجرات ((إلى الطريق)) أي: الشَّارع، ((وهي)) أي: تلك السرحة ((أطولهن)) ؛ أي: أطول تلك السَّرحات الموجودات هناك.

((وأنَّ عبد الله بن عمر)) بفتح الهمزة معطوف على سابقه ((حدَّثه)) أي: حدَّث نافعًا بالإسناد المذكور، فهو موصول ((أنَّ النَّبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم كان)) أتى بها لإفادة الدوام والاستمرار ((ينزل)) أي: عن راحلته إذا كان في سفر أو في حضر ((في المَسيل)) ؛ بفتح الميم: المكان المنحدر ((الذي في أدنى مَرِّ الظَّهران)) ؛ أي: في الأقرب منه، و (مَرَّ) ؛ بفتح الميم، وتشديد الرَّاء: قرية ذات نخل وثمار، وقال البكري: بفتح أوله وتشديد ثانيه، مضاف إلى (الظَّهران) ؛ بظاء معجمة، وبين مَرٍّ والبيت ستة عشر ميلًا، قال إمام الشَّارحين: (هو الوادي الذي تسميه العامة بطن مَرْو؛ بسكون الرَّاء، بعدها واو) ، وقال كثير: (سميت مرًّا لمرارة مائها) ، وقال أبو غسان: (سميت بذلك؛ لأنَّ في بطن الوادي بين [17] [مر] ونخلة كتابةٌ بعِرْقٍ [18] من الأرض أبيضَ هجاء: «مر»إلا أنَّ الميم غير موصولة بالرَّاء، وببطن مَرٍّ تخزعت خزاعة عن أخواتها، فبقيت بمكة، وسارت أخواتها إلى الشام أيام سيل العرم) ، وقال الزمخشري: (مر الظَّهران بتهامة قريب من عرفة) ، وعن صاحب «العين»: (الظَّهران: من قولك: من ظهرهم) ، وقال الفراء: (لم أسمع إلا تثنية الظَّهران، ولم يُجمَع ولم يُوحَّد) ، كذا في «عمدة القاري»، ((قِبَل)) ؛ بكسر القاف، وفتح الموحَّدة؛ أي: مقابل ((المدينة حين يهبط)) ، وفي رواية: (حتى [19] يهبط) أي: ينحدر ((من الصَّفْراوات)) ؛ بفتح الصَّاد المهملة، وسكون الفاء، جمع صفراء؛ ممدود؛ وهي الأودية والجبال التي بعد مر الظَّهران، قاله إمام الشَّارحين، وزعم الكرماني: (وفي بعض النُّسخ: من وادي الصفراوات) ؛ بزيادة (وادي) ، ((ينزل)) ؛ بالمثناة التحتية كما في (الفرع) وغيره، قاله القسطلاني، وقال إمام الشَّارحين: (تنزل) ؛ بلفظ الخطاب؛ ليوافق قوله: ((وأنت ذاهب إلى مكة)) ، وتبعه الكرماني وغيره، وكأنَّها رواية غير (الفرع) ؛ فافهم، ((ليس بين مَنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم)) ؛ بفتح الميم؛ أي: مكان نزوله عن راحلته أو للاستراحة ((وبين الطريق إلا رمية حَجر)) ؛ بفتح الحاء المهملة بعدها جيم، واحد الأحجار؛ أي: مقدار رميته.

((وأنَّ عبد الله بن عمر)) بفتح الهمزة معطوف على سابقه ((حدَّثه)) أي: حدَّث نافعًا بالإسناد المذكور سابقًا ((أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل)) ؛ أي: عن راحلته أو للاستراحة ((بذي طُوى)) ؛ بِضَمِّ الطاء المهملة في رواية الأكثرين، وفي رواية الحموي والمستملي: (بذي الطِّواء) ؛ بزيادة الألف واللَّام، وقيده الأصيلي بالكسر، وحكى عياض وغيره الفتح أيضًا، وزعم النَّووي: (ذو طَوَى؛ بالفتح على الأفصح، ويجوز ضمها وكسرها، وبفتح الواو المخففة، وفيه لغتان: الصرف وعدمه، وهي عند باب مكة بأسفلها) ، وزعم الجوهري (ذو طُوى) ؛ بالضم: موضع بمكة، وأمَّا طِوى؛ فهو اسم موضع بالشام تكسر طاؤه وتضم، كذا قرره إمام الشَّارحين.

قلت: وما رواه الأصيلي بالكسر، قال القسطلاني: (إنَّها رواية أبي ذر عن الكشميهني أيضًا) ، وما رواه الحموي وغيره: (بذي الطِّواء) ؛ بزيادة (أل) مع كسر الطاء والمد، وفي رواية «الفرع» و«أصله»: (طَوى) بفتح الطاء، وليس فيه ضم الطاء ألبتة، كما قاله القسطلاني، وبهذا ظهر فساد ما زعمه العجلوني من أنَّ الذي في «الفرع»[/ص704/] ضم الطاء؛ فافهم، فإنَّه غلط؛ فاجتنبه.

((ويَبيت)) ؛ بفتح التحتية، من البيتوتة؛ وهي المبيت ليلًا؛ أي: كان يفعل ذلك بذي طوى ((حتى يصبح)) أي: يطلع الفجر ((يصلِّي الصبح)) أي: بها ((حين يقدَم)) بفتح الدَّال المهملة ((مكة)) أي: حاجًّا، أو غازيًا، أو غيرهما، ((ومصلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم)) ؛ بفتح اللَّام؛ أي: موضع صلاته ((ذلك على أَكَمَة)) ؛ بفتح الهمزة والكاف والميم؛ أي: تلٍّ عالٍ من حجر واحد، أو موضع مرتفع ما حوله كما سبق، ((غليظة)) وفي نسخة: (عظيمة) ؛ أي: ضخمة كبيرة ((ليس في المسجد الذي بُني)) بِضَمِّ الموحَّدة مبنيًّا للمفعول ((ثَمَّ)) ؛ بفتح المثلَّثة؛ أي: هنالك مما بنوه الجاهلية أو غيرهم، ((ولكن أسفل من ذلك)) ؛ بالرفع خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هو أسفل، وبالنصب؛ أي: في أسفل ظرفًا ((على أكمة غليظة)) ، وفي نسخة: (عظيمة) ، وهذا بيان وإيضاح للأول لا تأكيد، كما توهمه العجلوني، فإنَّه غير مصيب؛ فافهم.

((وأنَّ عبد الله بن عمر)) بفتح الهمزة معطوف على السَّابق ((حدَّثه)) أي: حدَّث نافعًا بالإسناد المذكور، فهو موصول كما سبق ((أن النَّبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم استقبل فُرْضَتَيِ الجبل)) ؛ أي: توجه إليها وجعلها مقابل وجهه، وهي بِضَمِّ الفاء، وسكون الرَّاء، وفتح الضَّاد المعجمة، ومثناة فوقية مفتوحة وتحتية مكسورة؛ لالتقاء الساكنين، تثنية: فرضة؛ وهي مدخل الطريق إلى الجبل، وقيل: الشق المرتفع كالشرافة، ويقال أيضًا لمدخل النهر، وفرضة البئر ثلمته [20] التي يستقى منها، وفي «المحكم»: (فرضة النهر: مشرب الماء منه، والجمع: فرض وفراض) ، كذا قرره إمام الشَّارحين.

قلت: ومثله في «مختار الصِّحاح» و«القاموس»، وذكر نحوه ابن حجر والقسطلاني، وبه ظهر فساد ما زعمه العجلوني من أنَّ الفرضة: ما انحدر من وسط الجبل، انتهى، لأنَّه ليس له أصل في كلام أهل اللُّغة، ومعناه فاسد أيضًا؛ لأنَّه قد يكون في جوانبه، أو أعلاه، أو غير ذلك؛ فليحفظ.

((الذي بينه)) ولابن عساكر وأبي الوقت: (الذي كان بينه) أي الجبل المفروض ((وبين الجبل الطويل)) ؛ أي: الذي ليس فيه فرضة، وقوله: ((نحو الكعبة)) -أي: ناحيتها- متعلق بـ (الطويل) ، أو ظرف للجبل، أو بدل من الفرضة، قاله إمام الشَّارحين.

وقوله: ((فجعل)) أي: عبد الله بن عمر ((المسجد الذي بُني)) بِضَمِّ الموحَّدة مبنيًّا للمفعول ((ثَمَّ)) ؛ بالمثلَّثة المفتوحة؛ أي: هنالك ((يسار المسجد)) : الظَّاهر أنَّه من كلام نافع، وفاعله عبد الله، و (يسار) مفعول ثان، كذا قاله في «عمدة القاري»، وبه جزم القسطلاني وغيره؛ فافهم، ((بطرف الأَكَمَة)) ؛ بفتح الهمزة والكاف والميم: المكان المرتفع؛ أي: جانبها، وهو صفة للمسجد الثاني ((ومصلَّى)) بفتح اللَّام ((النَّبي)) الأعظم، وفي نسخة: (رسول الله) ((صلى الله عليه وسلم)) أي: موضع صلاته ((أسفل منه)) ؛ بالنصب على الظرفية، وبالرفع خبر لقوله: (ومصلَّى) ، والجملة حالية، قاله العجلوني، وقال القسطلاني: وبالرفع خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هو أسفل منه، وهو مبني على نصب (ومصلى) بجعله معطوفًا على المسجد، ووجهه ظاهر، فلا حاجة لما زعمه العجلوني؛ فافهم، ((على الأكمة)) أي: التل العالي ((السوداء)) : خبر بعد خبر أو حال، وقوله: ((تدع)) أي: تترك ((من الأكمة عشرة أذرع)) ؛ بالذَّال المعجمة، ولأبي ذر: (عشر أذرع) ؛ بدون التأنيث ((أو نحوَها)) ؛ بالنصب معطوف على ما قبله؛ أي: دون العشرة؛ بيان لمصلى النَّبي عليه السَّلام.

وزعم العجلوني أنَّها جملة مستأنفة.

قلت: ليس فيه استئناف أصلًا، وإنَّما هو متعلق بما قبله على كونه بيانًا وأيضاحًاله؛ فافهم.

((ثم تصلي مستقبل)) ؛ بالنصب على الحال؛ أي: حال كونك مستقبل ((الفُرْضتين)) ؛ بِضَمِّ الفاء وسكون الرَّاء، تثنية فرضة؛ وهي مدخل الطريق إلى الجبل كما سبق، ويدل عليه قوله: ((من الجبل الذي بينك وبين الكعبة)) ؛ أي: حائلًا بينهما.

ففي الحديث: بيان وجه تتبع ابن عمر المواضع التي صلى فيها النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم، وهو أنَّه كان يستحب التتبع لآثاره عليه السَّلام والتبرك بها، ولم يزل الناس يتبركون بمواضع الصالحين.

وقد روى شعبة عن سليمان التيمي عن المعرور بن سويد قال: (كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه في سفر، فصلى الغداة، ثم أتى على مكان، فجعل الناس يأتونه ويقولون: صلى فيه النَّبي صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: إنَّما هلك أهل الكتاب أنَّهم تتبعوا آثار أنبيائهم، فاتَّخذوها كنائس وبيعًا، فمن عرضت له الصلاة؛ فليصلِّ، وإلا؛ فليمض) ، قالوا: وإنَّما كره ذلك عمر؛ لأنَّه خشي أن يلتزم الناس الصلاة في تلك المواضع، فيشكل ذلك على من يأتي بعدهم، فيرى ذلك واجبًا، وكذا ينبغي للعالم إذا رأى الناس يلتزمون النوافل التزامًا شديدًا؛ أن يترخص فيها في بعض المرات ويتركها؛ ليعلم بفعله ذلك أنها غير واجبة.

وهذا الباب قد اشتمل على تسعة أحاديث قد أخرجها الحسن بن سفيان في «مسنده» مفرقة سوى الثالث، وأخرج منها الإمام مسلم بن الحجاج الحديثين الأخيرين في (الحج) ، وهذه المساجد لا يعرف اليوم منها غير مسجد ذي الحليفة، والمساجد التي بالرَّوحاء يعرفها أهل تلك النَّاحية.

واستفيد من صنيع ابن عمر استحباب تتبع آثار النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم والتبرك بها على الوجه الذي قدمناه.

وروى أشهب عن مالك: أنَّه سئل عن الصلاة في المواضع التي صلى فيها الشَّارع، فقال: ما يعجبني ذلك إلا في مسجد قباء؛ لأنَّه عليه السَّلام كان يأتيه راكبًا وماشيًا، ولم يفعل ذلك في تلك المواضع.

قلت: إنَّما لم يعجبه؛ لاحتمال اعتقاد العوام ذلك واجبًا، أمَّا إذا فعل ذلك لأجل التبرك؛ فمستحب، كما لا يخفى؛ فافهم.

وزعم البغوي من الشَّافعية أنَّ المساجد التي ثبت أنَّ النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم صلى فيها لو نذر أحد الصلاة في شيء منها؛ تعين عليه كالاعتكاف فيها؛ كما تتعين المساجد الثلاثة.

واعترضه العجلوني فقال: (هو ضعيف، فقد قال الرملي وغيره: وإلحاق البغوي بمسجد المدينة سائر مساجده عليه السَّلام مردودٌ، وبه يعلم رد إلحاق بعضهم مسجد قباء بالثلاثة) انتهى.

قلت: لم يبين وجه الرد على هذا لا من آية، ولا حديث، ولا غيرهما، فالظَّاهر عدم ضعفه، ولهذا نقله القسطلاني عنه وسلَّمه؛ لما أنَّه قول معتمد عندهم، والله أعلم.

ومذهب الإمام الأعظم رضي الله عنه: أنَّ تعيين الزمان والمكان والدرهم والفقير ملغاة، فيجوز صوم رجب عن صوم شعبان، ويجوز صلاة ركعتين بمصر نَذَر أداءهما بمكة، ويجوز التصدق بدرهم عن درهم عينه له، ويجوز الصرف لزيد الفقير بنذره لعمرو، وقال الإمام زفر: إذا عيَّن ذلك؛ تعيَّن عليه.

ويستحب أن يأتي مسجد قباء فيصلِّي فيه ويدعو، كما صرح به في «إمداد الفتاح».

وقد ذكر المؤلف المساجد التي بطرف المدينة إلى مكة، ولم يذكر المساجد التي بالمدينة؛ لأنَّه لم يقع له إسناد في ذلك على شرطه، وقد ذكر عمر بن شبه النميري في «أخبار المدينة» المساجد والأماكن التي صلى فيها النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم بالمدينة مستوعبًا لها، وقد أوضحها إمام الشَّارحين في «عمدة القاري» غاية الإيضاح، وذكرها [21] بأسانيدها؛ فارجع إليه، وقال: (روى غير واحد من أهل العلم: أنَّ كل مسجد بالمدينة ونواحيها مبنيٌّ بالحجارة المنقوشة المطابقة؛ فقد صلى فيه النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم، وذلك أنَّ عمر بن عبد العزيز حين بنى مسجد المدينة سأل الناس وهم متوافرون عن ذلك، ثم بناها

[/ص705/]

بالحجارة المنقوشة المطابقة، وأكثرها قد اندرس واندثر، وبقي من المشهورة الآن مسجد قباء، ومسجد الفضيح _وهو شرقي مسجد قباء_، ومسجد بني قريظة، ومشربة أم إبراهيم _وهي شمالي مسجد قريظة_، ومسجد بني ظفر _شرقي البقيع، ويعرف بمسجد البغلة_، ومسجد بني معاوية _ويعرف بمسجد الإجابة_، ومسجد الفتح _قريب من جبل سلع_، ومسجد القبلتين في بني سلمة، كذا في «عمدة القاري».

وإنَّما سمي بمشربة أم إبراهيم؛ لأنَّ مارية ولدت فيه إبراهيم، وأخرج أبو داود في «المراسيل» عن بكير بن عبد الله الأشج قال: (كان بالمدينة تسعة مساجد مع مسجده عليه السَّلام يسمع أهلها تأذين بلال، فيصلُّون في مساجدهم بأذانه؛ أقربها: مسجد بني عمرو بن مبذول، ومسجد بني ساعدة، ومسجد بني عبيد، ومسجد بني سلمة، ومسجد بني رابخ، ومسجد بني زريق، ومسجد غفار، ومسجد أسلم، ومسجد جهينة) ، وقد أوضح ذلك الإمام الشَّارح في «عمدة القاري»؛ فليحفظ، والله تعالى الهادي.

[1] في الأصل: (كان)، وأُثبتت الواو؛ لأنه شرح عليها.
[2] في الأصل: (يثبت)، ولعله تحريف.
[3] في الأصل: (العربيين) ، وهو تصحيف.
[4] في الأصل: (وإجبال)، وليس بصحيح.
[5] في الأصل: (والخلج)، ولعل المثبت هو الصواب.
[6] في الأصل: (طرفة) .
[7] في الأصل: (مجلالًا) ، ولعل المثبت هو الصواب.
[8] في الأصل: (الأقنان) ، وهو تصحيف.
[9] في الأصل: (مجرد) ، ولعل المثبت هو الصواب.
[10] في الأصل: (وتسوق)، ولعل المثبت هو الصواب.
[11] تكرر في الأصل: (والرضمة).
[12] في الأصل: (الجرور)، وهو تصحيف.
[13] في الأصل: (حزة)، وهو تصحيف.
[14] في الأصل: (وأيلية)، ولعل المثبت هو الصواب.
[15] في الأصل: (بيته) ، وهو تصحيف.
[16] في الأصل: (الأخرى)، والمثبت موافق للوزن.
[17] في الأصل: (بئر)، وهو تحريف.
[18] في الأصل: (معرق)، ولعل المثبت هو الصواب.
[19] في الأصل: (حين)، والمثبت من هامش «اليونينية».
[20] في الأصل: (تلمته)، وهو تصحيف.
[21] في الأصل: (وذكر)، ولعل المثبت هو الصواب.