المستند الإرشاد الناظر التلقيح التنقيح التوشيح الزراري

7-. حدَّثنا أبو اليَمانِ [1] الحَكَمُ بنُ نافِعٍ، قالَ: أخبَرَنا شُعَيْبٌ، عن الزُّهْرِيِّ، قالَ: أخبَرَني عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُتْبَةَ بنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بنَ عَبَّاسٍ أخبرَهُ:

أَنَّ أَبا سُفْيانَ بنَ حَرْبٍ أخبَرَهُ: أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وكانُوا تُجَّارًا [2] بِالشَّامِ، فِي المُدَّةِ الَّتِي كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مادَّ فيها أَبا سُفْيانَ [3] وكُفَّارَ قُرَيْشٍ، فَأَتَوْهُ وهُمْ بِإيلياءَ [4] ، فَدَعاهُمْ فِي مَجْلِسِهِ، وحَوْلَهُ عُظَماءُ الرُّومِ، ثُمَّ دَعاهُمْ ودَعا بِتَرْجُمانِهِ [5] ، فقالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ فقالَ [6] أَبُو سُفْيانَ: فَقُلْتُ [7] : أَنا أَقْرَبُهُمْ [8] نَسَبًا. فقالَ [9] : أَدْنُوهُ مِنِّي، وقَرِّبُوا أَصْحابَهُ فاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ. ثُمَّ قالَ لِتَرْجُمانِهِ [10] : قُلْ لَهُمْ: إِنِّي سائلٌ هَذا عن هَذا الرَّجُلِ، فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ. فَواللَّهِ لَوْلا الحَياءُ مِنْ أَنْ يَأْثُرُوا عَلَيَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ [11] . ثُمَّ كانَ أَوَّلَ ما سَأَلَنِي عَنْهُ أَنْ قالَ: كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ؟ قُلْتُ: هو فِينا ذُو نَسَبٍ. قالَ: فَهَلْ قالَ هَذا القَوْلَ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَطُّ قَبْلَهُ [12] ؟ قُلْتُ: لا. قالَ: فَهَلْ كانَ مِنْ آبائِهِ مِنْ مَلِكٍ [13] ؟ قُلْتُ: لا. قالَ: فَأَشْرافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ [14] أَمْ ضُعَفاؤُهُمْ؟ فَقُلْتُ [15] : بَلْ ضُعَفاؤُهُمْ. قالَ: أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ [/ج1ص8/] قُلْتُ: بَلْ يَزِيدُونَ. قالَ: فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً [16] لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ قُلْتُ: لا. قالَ: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ ما قالَ؟ قُلْتُ: لا. قالَ: فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قُلْتُ: لا، ونَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لا نَدْرِي ما هو فاعِلٌ فِيها. قالَ: ولَمْ تُمْكِنِّي [17] كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فيها شَيْئًا غَيْرُ هَذِهِ [18] الكَلِمَةِ. قالَ: فَهَلْ قاتَلْتُمُوهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قالَ: فَكَيْفَ كانَ قِتالُكُمْ إِيَّاهُ؟ قُلْتُ [19] : الحَرْبُ بَيْنَنا وبَيْنَهُ سِجالٌ، يَنالُ مِنَّا ونَنالُ مِنْهُ. قالَ: ماذا [20] يَأْمُرُكُمْ؟ قُلْتُ: يَقُولُ: اعْبُدُوا اللَّهَ وحْدَهُ ولا [21] تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، واتْرُكُوا ما يَقُولُ آباؤُكُمْ، ويَأْمُرُنا بِالصَّلاةِ [22] والصِّدْقِ والعَفافِ والصِّلَةِ. فقالَ لِلتَّرْجُمانِ: قُلْ لَهُ: سألتُكَ عن نَسَبِهِ، فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ، فَكَذَلِكَ [23] الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي نَسَبِ قَوْمِها. وسَألتُكَ: هَلْ [24] قالَ أَحَدٌ مِنْكُمْ هَذا القَوْلَ، فَذَكَرْتَ أَنْ لا، فَقُلْتُ: لَوْ كانَ أَحَدٌ قالَ هَذا القَوْلَ قَبْلَهُ، لَقُلْتُ: رَجُلٌ يَأْتَسِي [25] بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ. وسَألتُكَ: هَلْ كانَ مِنْ آبائِهِ مِنْ مَلِكٍ [26] ، فَذَكَرْتَ أَنْ لا، قُلْتُ [27] : فَلَوْ [28] كانَ مِنْ آبائِهِ مِنْ مَلِكٍ، قُلْتُ: رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ أَبِيهِ. وسَألتُكَ: هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ ما قالَ، فَذَكَرْتَ أَنْ لا، فَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ الكَذِبَ عَلَى النَّاسِ ويَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ. وسَألتُكَ: أَشْرافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفاؤُهُمْ، فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفاءَهُمُ اتَّبَعُوهُ، وهُمْ أَتْباعُ الرُّسُلِ. وسَألتُكَ: أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ، فَذَكَرْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وكَذَلِكَ أَمْرُ الإِيمانِ حتَّىَ يَتِمَّ. وسَألتُكَ: أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ، فَذَكَرْتَ أَنْ لا، وكَذَلِكَ الإِيمانُ حِينَ تُخالِطُ بَشاشَتُهُ القُلُوبَ [29] . وسَألتُكَ: هَلْ يَغْدِرُ، فَذَكَرْتَ أَنْ لا، وكَذَلِكَ الرُّسُلُ لا تَغْدِرُ. وسَألتُكَ: بِما يَأْمُرُكُمْ، فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ، ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، ويَنْهاكُمْ عن عِبادَةِ الأَوْثانِ، ويَأْمُرُكُمْ بِالصَّلاةِ والصِّدْقِ والعَفافِ، فَإِنْ كانَ ما تَقُولُ حَقًّا فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هاتَيْنِ، وقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خارِجٌ، لَمْ [30] أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ، فَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي [31] أَخْلُصُ إِلَيْهِ، لَتَجَشَّمْتُ لِقاءَهُ، ولَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عن قَدَمِهِ [32] . ثُمَّ دَعا بِكِتابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي بَعَثَ بِهِ [33] دِحْيَةَ [34] إِلىَ عَظِيمِ بُصْرَىَ، فَدَفَعَهُ إِلىَ هِرَقْلَ، فَقَرَأَهُ، فَإِذا فِيهِ: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ ورَسُولِهِ [35] إِلىَ هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلامٌ عَلَىَ مَنِ اتَّبَعَ الهُدَىَ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعايَةِ الإِسْلامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ [36] ، و{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64] ». قالَ أَبُو سُفْيانَ: [/ج1ص9/] فَلَمَّا قالَ ما قالَ، وفَرَغَ مِنْ قِراءَةِ الكِتابِ، كَثُرَ عِنْدَهُ الصَّخَبُ، وارْتَفَعَتِ الأَصْواتُ وأُخْرِجْنا، فَقُلْتُ لأَصْحابِي حِينَ أُخْرِجْنا: لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ؛ إِنَّهُ يَخافُهُ مَلِكُ بَنِي الأَصْفَرِ. فَما زِلْتُ مُوقِنًا أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حتَّىَ أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَيَّ الإِسْلامَ.

وَكانَ ابْنُ النَّاظُورِ [37] ، صاحِبُ [38] إِيلِياءَ وهِرَقْلَ، سُقُفًّا [39] عَلَىَ نَصارَى الشَّأمِ، يُحَدِّثُ أَنَّ هِرَقْلَ حِينَ قَدِمَ إِيلِياءَ، أَصْبَحَ [40] خَبِيثَ النَّفْسِ، فقالَ بَعْضُ بَطارِقَتِهِ: قَدِ اسْتَنْكَرْنا هَيْئَتَكَ.

قالَ ابْنُ النَّاظُورِ [41] : وكانَ هِرَقْلُ حَزَّاءً يَنْظُرُ فِي النُّجُومِ، فقالَ لَهُمْ حِينَ سَأَلُوهُ: إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ حِينَ نَظَرْتُ فِي النُّجُومِ مَلِكَ [42] الخِتانِ قَدْ ظَهَرَ، فَمَنْ يَخْتَتِنُ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ؟ قالَوا: لَيْسَ يَخْتَتِنُ إِلَّا اليَهُودُ، فَلا يُهِمَّنَّكَ شَأْنُهُمْ، واكْتُبْ إِلىَ مَدائِنِ مُلْكِكَ، فَيَقْتُلُوا [43] مَنْ فِيهِمْ مِنَ اليَهُودِ. فَبَيْنَما [44] هُمْ عَلَىَ أَمْرِهِمْ، أُتِيَ هِرَقْلُ بِرَجُلٍ أَرْسَلَ بِهِ مَلِكُ غَسَّانَ يُخْبِرُ عن خَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا اسْتَخْبَرَهُ هِرَقْلُ قالَ: اذْهَبُوا فانْظُرُوا أَمُخْتَتِنٌ هو أَمْ لا؟ فَنَظَرُوا إِلَيْهِ، فَحَدَّثُوهُ أَنَّهُ مُخْتَتِنٌ، وسَأَلَهُ عن العَرَبِ، فقالَ: هُمْ يَخْتَتِنُوْنَ [45] ، فقالَ هِرَقْلُ: هَذا يَمْلِكُ [46] هَذِهِ الأُمَّةَ، قَدْ ظَهَرَ. ثُمَّ كَتَبَ هِرَقْلُ إِلىَ صاحِبٍ لَهُ بِرُومِيَةَ [47] ، وكانَ نَظِيرَهُ [48] فِي العِلْمِ، وسارَ هِرَقْلُ إِلىَ حِمْصَ، فَلَمْ يَرِمْ حِمْصَ حتَّىَ أَتاهُ كِتابٌ مِنْ صاحِبِهِ يُوافِقُ رَأْيَ هِرَقْلَ عَلَىَ خُرُوجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأَنَّهُ نَبِيٌّ، فَأَذِنَ هِرَقْلُ لِعُظَماءِ الرُّومِ فِي دَسْكَرَةٍ لَهُ بِحِمْصَ، ثُمَّ أَمَرَ بِأَبْوابها فَغُلِّقَتْ، ثُمَّ اطَّلَعَ فقالَ: يا مَعْشَرَ الرُّومِ، هَلْ لَكُمْ فِي الفَلاحِ والرَّشَدِ [49] ، وأَنْ يَثْبُتَ مُلْكُكُمْ، فَتُبايِعُوا [50] هَذا النَّبِيَّ [51] ؟ فَحاصُوا حِيْصَةَ [52] حُمُرِ الوَحْشِ إِلى الأَبْوابِ، فَوَجَدُوها قَدْ غُلِّقَتْ، فَلَمَّا رَأَىَ هِرَقْلُ نَفْرَتَهُمْ، وأَيِسَ [53] مِنَ الإِيمانِ، قالَ: رُدُّوهُمْ عَلَيَّ. وقالَ: إِنِّي قُلْتُ مَقالَتِي آنِفًا أَخْتَبِرُ بها شِدَّتَكُمْ عَلَىَ دِينِكُمْ، فَقَدْ رَأَيْتُ. فَسَجَدُوا لَهُ ورَضُوا عَنْهُ، فَكانَ ذَلِكَ آخِرَ شَأْنِ هِرَقْلَ.

رَواهُ [54] صالِحُ بنُ كَيْسانَ ويُونُسُ ومَعْمَرٌ عن الزُّهْرِيِّ.

الأطراف



[1] قوله: «أبو اليمان» ثابت في روايةٍ لابن عساكر أيضًا (ب، ص)، وليس هو في روايةٍ أخرىَ عنه ولا في رواية أبي ذر والأصيلي.
[2] ضُبطت في (ب، ص): «تِجَارًا» بالكسر والتخفيف، وعزوا المثبت إلىَ غير اليونينية، وأُهمل ضبطها في (و).
[3] في رواية الأصيلي زيادة: «بن حرب».
[4] هكذا في روايةٍ للأصيلي وللسمعاني عن أبي الوقت أيضًا، وفي رواية أبي ذر والكُشْمِيْهَنِيِّ وأخرىَ للأصيلي وللسمعاني عن أبي الوقت: «وهو بِإيلياءَ»، وضبطت همزة إيلياء في (ن) بالفتح، وأهمل ضبطها في(و).
[5] هكذا في روايةٍ للسمعاني عن أبي الوقت أيضًا، وفي رواية الأصيلي وابن عساكر ورواية أبي ذر عن الكُشْمِيْهَنِيِّ وأخرىَ للسمعاني عن أبي الوقت: «ترجمانَه» كتبت بالحمرة. وفي رواية أبي ذر والمُستملي: «بالتّرجُمانِ»، وزاد في (و) نسبتها إلىَ رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ أيضًا، ونسبها في(ب، ص) إلىَ رواية الحَمُّويِي بدل الكُشْمِيْهَنِيِّ.
وبهامش اليونينية: قوله: «فدعا بتَرجُمانه» بفتح التاء وضم الجيم، وضبطه الأصيلي بضمهما - ونُقل عن أبي علي فيه الوجهان - وهو المفسِّر لغةً بلُغةٍ. ا ه (ن، و).
[6] في رواية الأصيلي وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «قال».
[7] في رواية أبي ذر والكُشْمِيْهَنِيِّ: «قلت» (ن، و). ونسبت في (ص، ب) إلىَ نسخة مطلقًا.
[8] في رواية الأصيلي زيادة: «بِه».
[9] في رواية الأصيلي وابن عساكر ورواية أبي ذر عن الحَمُّويِي: «قال».
[10] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و«لِتُرْجُمانِهِ»، وكتب فوقها «معًا».
[11] هكذا في رواية ابن عساكر وروايةٍ عن الأصيلي أيضًا، وفي روايةٍ أخرىَ عن الأصيلي ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت ورواية أبي ذر عن الحَمُّويِي: «عليه».
[12] في رواية الأصيلي والكُشْمِيْهَنِيِّ وكريمة وابن عساكر: «مثله».
[13] هكذا في روايةٍ لابن عساكر أيضًا، وفي رواية أبي ذر عن الكُشْمِيْهَنِيِّ ورواية أخرىَ لابن عساكر: «مَنْ مَلَك».
[14] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «اتَّبَعُوه».
[15] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «قلت».
[16] في رواية أبي ذر عن الحَمُّويِي والمُستملي: «سُخْطَةً»، وضبطت روايتاهما في (ب، ص): «سُخْطًا».
[17] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و«يُمْكِنِّي».
[18] صحَّح في اليونينيَّة على هذين اللفظين: «غَيْرُ»، «هَذِهِ».
[19] في رواية الأصيلي والحَمُّويِي: «قال».
[20] في نسخة: «فماذا» (ب، ص).
[21] هكذا في رواية الحَمُّويِي والكُشْمِيْهَنِيِّ أيضًا، وفي رواية المُستملي: «لا».
[22] في نسخة زيادة: «والزكاة».
[23] في رواية الأصيلي وأبي ذر وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «وكذلك».
[24] لفظة: «هل» ليست في رواية أبي ذر.
[25] في رواية أبي ذر والكُشْمِيْهَنِيِّ: «يَتأسَّىَ».
[26] في رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: «مَن مَلَكَ». وبهامش اليونينية: «بفتح الميمين وفتح اللام والكاف، ويُروىَ بكسر الميم وكسر اللام، وكلاهما يرجع إلىَ معنًى، قاله عياض في المشارق» ا ه.
[27] في رواية الأصيلي وابن عساكر ورواية أبي ذر عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فقلت».
[28] في رواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «لو».
[29] في كريمة ونسخة من رواية أبي ذر عن الحَمُّويِي والمُستملي: «يُخالطُ بشاشةَ القلوبِ» كتبت بالحمرة، وفي رواية أبي ذر عن الكُشْمِيْهَنِيِّ وأخرىَ عن الحَمُّويِي: «يُخالطُ بشاشتُه القلوبَ».
[30] في رواية ابن عساكر: «ولم».
[31] في رواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «أنَّني».
[32] هكذا في روايةٍ للأصيلي وابن عساكر أيضًا، وفي رواية أبي ذر عن الحَمُّويِي والمُستملي ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت ورواية أخرىَ للأصيلي وأخرىَ لابن عساكر: «قدميه». كتبت بالحمرة.
[33] صحَّح عليها في اليونينيَّة.
[34] في رواية ابن عساكر ورواية أبي ذر عن المُستملي ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «بعث به مع دِحية». ونسبها في (ن) إلى حاشية رواية ابن عساكر لا روايته.
[35] في رواية الأصيلي وحاشية رواية ابن عساكر: «مِن محمدِ بن عبد الله رسولِ الله».
[36] هكذا في روايةٍ للأصيلي أيضًا، وفي رواية ابن عساكر ورواية أبي ذر عن الحَمُّويِي ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت وأخرىَ للأصيلي: «اليَرِيْسِيِّيْنَ».
[37] كتب في اليونينية تحت الظاء طاءً للدلالة على ضبطها بوجهين، وكتب فوقها «معًا»، وفي رواية أبي ذر والمُستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ: «الناطور» بالطاء المهملة. وبهامش اليونينية: «بالظاء المنقوطة عند ابن عساكر في الموضعين».
[38] هكذا في رواية أبي ذر أيضًا (و)، وفي رواية الأصيلي ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «صاحبَ» بالنصب.
[39] هكذا في رواية أبي ذر عن المُستملي أيضًا، وفي رواية الجرجاني «سُقِفًّا» (ب، ص). وفي روايةٍ للقابسي: «أُسْقُفًا» (ب). وفي نسخة: «سُقِّفَ» وهو المثبت في متن (و)، وفي رواية ابن عساكر: «أُسْقُفًّا»، وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: «أُسْقِفَ».
[40] في رواية أبي ذر وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت زيادة: «يومًا».
[41] كتب في اليونينية تحت الظاء طاءً للدلالة على ضبطها بوجهين، وكتب فوقها «معًا»، وكتب في الهامش: قال صاحب المحكم: الناظور: الناطور -يعني بالطاء المهملة- حافظ الزرع والثمر، وليست بعربية محضة، وقال أبو حنيفة: عربية؛ قال الشاعر:
أَلا يا جارَنا بأَباضَ إني رأيتُ الرِّيحَ خَيرًا مِنكَ جارا
تُغَدِّينا إذا هَبَّتْ عَلَينا وتَمْلَأُ عَينَ ناطِرِكم غُبارا
وقال ابن أحمر:
وبُستانُ ذي ثَورَينِ لا لِينَ عِندَه إذا ما طَغَىَ ناطُورُه وتَغَشْمَرا.اهـ. (ن)
[42] هكذا في روايةٍ للسمعاني عن أبي الوقت أيضًا (و)، وفي رواية الأصيلي وابن عساكر ورواية أخرىَ للسمعاني عن أبي الوقت ورواية أبي ذر عن الحَمُّويِي والمُستملي: «مُلْكَ» بضم الميم وسكون اللام.
[43] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «فليقتلوا».
[44] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «فبينا».
[45] هكذا في رواية ابن عساكر أيضًا، وفي رواية الأصيلي وحاشية رواية ابن عساكر: «مُخْتَتِنُونَ». وزاد في (ب، ص) نسبتها إلىَ رواية أبي ذر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت أيضًا.
[46] في (ن): «مَلِكُ»، وفي رواية الأصيلي: «مُلْكِ...، مَلِكِ... » بضم الميم وسكون اللام، وبفتح الميم وكسر اللام بالضبطين، وكتب فوقها «معًا».
[47] هكذا بتخفيف الياء، وجوَّدها في (ص)، فكتب فوق الياء: (خف)، وفي رواية ابن عساكر بتشديدها.
[48] في رواية الأصيلي ونسخة عند ابن عساكر أيضًا: «وكان هرقلُ نظيرَه».
[49] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و«الرُّشْدِ»، وكتب فوقها «معًا».
[50] بهامش اليونينية دون رقم: «فبايعوا» كتبت بالحمرة، وفي رواية الأصيلي ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «فنبايع»، وضبط في (ب، ص) رواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «فنتابع»، وفي رواية أبي ذر والكُشْمِيْهَنِيِّ: «فَتُتابِعوا»، وفي حاشية رواية ابن عساكر: «فَنَتَّبِع».
[51] في رواية أبي ذر وابن عساكر: «لهذا النَّبيِّ». وفي اليونينية بين الأسطر من غير رقم زيادة: «صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ».
[52] هكذا ضُبطت في (ن) وهي مصدر هيئة، وضبطت في باقي الأصول: «حَيصة».
[53] هكذا في روايةٍ للأصيلي أيضًا، وفي رواية أبي ذر والكُشْمِيْهَنِيِّ وأخرىَ للأصيلي: «ويئس».
[54] في رواية ابن عساكر: «ورواه»، وفي رواية [ح] و [عط] : «قال محمد: رواه».





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

7- (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ)؛ بفتح المثنَّاة التَّحتيَّة وتخفيف الميم، واسمه: (الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ)؛ بفتح الحاء المُهملَة والكاف، الحمصيُّ البهرانيُّ، مولى امرأةٍ من بَهراء _بفتح المُوحَّدة_ المُتوفَّى سنة إحدى أو اثنتين وعشرين ومئتين، وللأَصيليِّ وكريمة وأبي ذَرٍّ وابن عساكرَ في نسخةٍ: ((حدَّثنا الحكم بن نافع))، (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة _بالحاء المُهملَة والزَّاي_ دينارٌ القرشيُّ [/ج1ص72/] الأمويُّ، مولاهم أبو بشرٍ، المُتوفَّى سنة اثنتين أو ثلاثٍ وستِّين ومئةٍ، (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُبَيْدُ اللهِ) بالتَّصغير (ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ) بفتح الهمزة (عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (أَخْبَرَهُ أَنَّ) بفتح الهمزة (أَبَا سُفْيَانَ) _بتثليث السِّين_ يُكْنَى: أبا حنظلةَ، واسمه: صخرٌ _بالمُهملَة ثمَّ المُعجمَة_(ابْنَ حَرْبٍ) _بالمُهملَة والرَّاء ثمَّ المُوحَّدة_ ابن أميَّة، وُلِدَ قبل الفيل بعشر سنين، وأسلم ليلة الفتح، وشهد الطَّائف وحُنينًا، وفُقِئَتْ عينُه في الأولى، والأخرى يوم اليرموك، وتُوفِّي بالمدينة سنة إحدى أو أربعٍ وثلاثين، وهو ابن ثمانٍ وثمانين سنةً، وصلَّى عليه عثمان رضي الله عنهما (أَخْبَرَهُ أَنَّ)؛ أي: بأنَّ (هِرَقْلَ)؛ بكسر الهاء وفتح الرَّاء؛ كدِمَشْق، وهو غير منصرفٍ؛ للعجمة والعلميَّة، وحُكِيَ فيه: هِرْقِل؛ بسكون الرَّاء وكسر القاف؛ كخِنْدِف، والأوَّل: هو المتقرِّر الأشهر، والثَّاني: حكاه الجوهريُّ وغيره، واقتصر عليه صاحب «الموعب» والقزاز، ولقبه: قيصر، قاله الشَّافعيُّ، وهو أوَّل من ضرب الدَّنانير، ومَلَكَ الرُّومَ إحدى وثلاثين سنةً، وفي ملكه تُوفِّي النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، (أَرْسَلَ إِلَيْهِ)؛ أي: إلى أبي سفيان حال كونه (فِي) أي: مع (رَكْبٍ) جمع راكبٍ؛ كصَحْبٍ جمعُ صاحبٍ؛ وهم أولو الإبل العشرة فما فوقها، (مِنْ قُرَيْشٍ) صفةٌ لـ: «رَكْب»، وحرف الجرِّ لبيان الجنس أو للتَّبعيض، وكان عدد الرَّكْب ثلاثين رجلًا؛ كما عند الحاكم في «الإكليل»، وعند ابن السَّكن: نحوٌ من عشرين، وعند ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ إلى سعيد بن المسيِّب: أنَّ المغيرة بن شعبة منهم، واعترضه الإمام البلقينيُّ بسبق إسلام المغيرة؛ فإنَّه أسلم عام الخندق، فيبعد أن يكون حاضرًا ويسكت، مع كونه مسلمًا، (وَ) الحال أنَّهم (كَانُوا تُجَّارًا) بالضَّمِّ والتَّشديد على وزن كُفَّارٍ، وبالكسر والتَّخفيف على وزن كِلَابٍ، وهو الذي في «الفرع» كـ: «أصله»: جمع تاجرٍ؛ أي: متلبِّسين بصفة التِّجارة (بِالشَّأمِ)؛ بالهمز، وقد يُترَك، وقد تُفتَح الشِّين مع المدِّ، وهو متعلِّقٌ بـ: «تجَّارًا» أو بـ: «كانوا»، أو يكون صفةً بعد صفةٍ (فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَادَّ) بتشديد الدَّال من مادَدَ، فأُدغِمَ الأوَّل في الثَّاني من المثلين، وهو مدَّة صلح الحديبية سنة ستٍّ التي مادَّ (فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ)، زاد الأَصيليُّ: ((ابن حرب))، (وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ)؛ أي: مع كفَّار قريشٍ على وضع الحرب عشر سنين، وعند أبي نعيمٍ: ((أربع))، ورجح الأوَّل، و«كفَّارَ» _بالنَّصب_ مفعولٌ معه، أو عطفٌ على المفعول به؛ وهو «أبا سفيان»، (فَأَتَوْهُ)؛ أي: أرسل إليه في طلب إتيان الرَّكب، فجاء الرَّسول، فوجدهم بغزَّة، وكانت وجه [1] متجرهم؛ كما في «الدَّلائل» لأبي نعيمٍ، فطلب إتيانهم، فأتوه (وَهُمْ) _بالميم_ أي: هِرَقْلُ وجماعته، ولأبوي الوقت وذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيّ والأَصيليُّ ((وهو)) (بِإِيلِيَاءَ)؛ بهمزةٍ مكسورةٍ، فمثناتين آخر الحروف، أُولاهما [2] : ساكنةٌ [3] ، بينهما لامٌ، آخره ألفٌ مهموزةٌ، بوزن كِبْرِيَاء، وإيليا _بالقصر_ حكاه البكريُّ، وإِلْياء؛ بحذف الياء الأولى وسكون اللَّام، قال البرماويُّ: بوزن إعطاء، وإيلاء: مثله، لكن بتقديم الياء على اللَّام، حكاه النَّوويُّ واستغربه، وإيليَّا: بتشديد الياء الثَّانية والقصر، حكاه البرماويُّ عن «جامع الأصول»، ورأيته في «النِّهاية»، والإيلياء: بالألف واللَّام؛ كذا نقله النَّوويُّ في «شرح مسلمٍ» عن مُسنَد أبي يَعلى الموصليِّ واستغربه؛ وهو بيت المقدس، و«الباء» بمعنى: «في»، (فَدَعَاهُمْ) هِرَقْلُ حال كونه (فِي مَجْلِسِهِ، وَحَوْلَهُ)؛ نُصِبَ على الظَّرفيَّة، وهو خبر المبتدأ الذي هو (عُظَمَاءُ الرُّومِ)؛ وهم من ولد عيص بن إسحاق بن إبراهيم على الصَّحيح، ودخل فيهم طوائفُ من العرب من تنوخ وبهراء، وغيرهم من غسَّان كانوا بالشَّام، فلمَّا أجلاهم المسلمون عنها؛ دخلوا بلاد الرُّوم واستوطنوها، فاختلطت أنسابهم، وعند ابن السَّكن: ((وعنده بطارقته والقِسِّيسون والرُّهبان))، (ثُمَّ دَعَاهُمْ) عطفٌ على قوله: «فدعاهم»، وليس بتكرارٍ، بل معناه: أَمَرَ بإحضارهم، فلمَّا حضروا؛ وقعت مهلةٌ ثمَّ استدناهم؛ كما أشعر بها الأداة الدَّالَّة عليها، (وَدَعَا تَرْجُمَانَهُ) بالنَّصب على المفعوليَّة، وللأَصيليِّ _كما في «الفتح»_ وأبي الوقت _كما في «الفرع» كـ: «أصله»_ وغيرهما: ((بترجمانه))، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمستملي: ((بالتَّرجُمان))؛ بفتح المثنَّاة الفوقيَّة وضمِّ الجيم فيهما، وقد تُضَمُّ التَّاء فيهما إتباعًا، وهو في ضبط الأَصيليِّ، ويجوز فتحهما وضمُّ الأوَّل وفتح الثَّاني، وهو المفسِّر [/ج1ص73/] لغةً بلغةٍ؛ يعني: أرسل إليه رسولًا أحضره بصحبته، أو كان حاضرًا واقفًا في المجلس؛ كما جرت به عادة ملوك الأعاجم، ثمَّ أمره بالجلوس إلى جنب أبي سفيانَ؛ ليعبِّر عنه بما أراد، ولم يسمِّ التَّرجمان، ثمَّ قال هِرَقْلُ للتَّرجمان: قل له: أيُّكم أقرب؟ (فَقَالَ) التَّرجمان: (أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ) ضمَّن «أقرب» معنى: «أقعد»، فعدَّاه بالباء، وعند «مسلمٍ» كالمؤلِّف في آل عمران: من هذا الرَّجل؟ [خ¦4553] وهو على الأصل، وفي «الجهاد»: «إلى هذا الرَّجل» [خ¦2941] ، ولا إشكالَ فيها؛ فإنَّ «أقرب» يتعدَّى بإلى، قال الله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ} [ق: 16] ، والمُفضَّل عليه محذوفٌ؛ أي: من غيره، وزاد ابن السَّكن ((الذي خرج بأرض العرب)) (الَّذِي يَزْعُمُ)، وعند ابن إسحاق عن الزُّهريِّ: يدَّعي (أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ فَقَالَ:)؛ بالفاء، ولأبي الوقت وابن عساكرَ والأَصيليِّ ((قال)) (أَبُو سُفْيَانَ: قُلْتُ:) وفي روايةٍ _كما في «اليونينيَّة»_ بغير رقمٍ: ((فقلت))؛ بزيادة الفاء: (أَنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا)، وللأَصيليِّ كما في «الفرع» كـ: «أصله»: ((أنا أقربهم به نسبًا))؛ أي: من حيث النَّسب، وأقربيَّة أبي سفيانَ؛ لكونه من بني عبد منافٍ، وهو الأب الرَّابع للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ولأبي سفيان، وخصَّ هِرَقْلُ الأقربَ؛ لكونه أحرى بالاطِّلاع على ظاهره وباطنه أكثر من غيره، ولأنَّ الأبعدَ لا يُؤمَن أن يقدح في نسبه، بخلاف الأقرب، لكن قد يُقال: إنَّ القريب مُتَّهمٌ في الإخبار عن نسب قريبه بما يقتضي شرفًا وفخرًا، ولو كان عدوًّا له؛ لدخوله في شرف النَّسب الجامع لهما، (فَقَالَ)؛ أي: هِرَقْلُ، وللأَصيليِّ وابن عساكرَ وأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي: ((قال)): (أَدْنُوهُ مِنِّي)؛ بهمزة قطعٍ مفتوحةٍ؛ كما في «الفرع»، وإنَّما أمر بإدناء أبي سفيان؛ لِيُمْعِن في السُّؤال ويشفي غليله، (وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ)؛ لئلَّا يستحيوا أن يواجهوه بالتَّكذيب إن كذب؛ كما صرَّح به الواقديُّ في روايته، (ثُمَّ قَالَ) هِرَقْلُ (لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُمْ)؛ أي: لأصحاب أبي سفيان: (إِنِّي سَائِلٌ هَذَا)؛ أي: أبا سفيان (عَنْ هَذَا الرَّجُلِ)؛ أي: النَّبيّ صلى الله عليه وسلم، وأشار إليه إشارة القريب؛ لقرب العهد بذكره، أو لأنَّه معهودٌ في أذهانهم، (فَإِنْ كَذَبَنِي) _بالتَّخفيف_ أي: إن نقل إليَّ الكذب؛ (فَكَذِّبُوهُ)؛ بتشديد الذَّال المُعجَمة المكسورة، قال التَّيميُّ: كَذَبَ _بالتَّخفيف_ يتعدَّى إلى مفعولين، مثل صَدَقَ، تقول: كَذَبَني الحديث، وصَدَقَني الحديث، وكذَّب _بالتَّشديد_ يتعدَّى إلى مفعولٍ واحدٍ، وهما من غرائب الألفاظ؛ لمخالفتهما الغالب؛ لأنَّ الزِّيادة تناسب الزِّيادة وبالعكس، والأمر هنا بالعكس ا ه.

(قَالَ)؛ أي: أبو سفيان، وسقط لفظ: ((قال)) لكريمة وأبي الوقت، وكذا هي ساقطةٌ من «اليونينيَّة» مُطلَقًا؛ (فَوَاللهِ لَوْلَا الْحَيَاءُ)، وفي نسخة كريمة: ((لولا أنَّ الحياء)) (مِنْ أَنْ يَأْثرُوا عَلَيَّ)؛ بضمِّ المُثلَّثة وكسرها، و«عليَّ» بمعنى: عنِّي؛ أي: رفقتي يروون عنِّي (كَذِبًا)؛ بالتَّنكير، وفي غير «الفرع» و«أصله»: ((الكذب)) فأُعَابُ به؛ لأنَّه قبيحٌ، ولو على عدوٍّ؛ (لَكَذَبْتُ عَنْهُ)؛ لأخبرت عن حاله بكذبٍ؛ لبغضي إيَّاه، وللأَصيليِّ وأبوي الوقت وذَرٍّ عن الحَمُّويي: ((لكذبت عليه))، (ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ)؛ بنصب «أوَّل» في «فرع اليونينيَّة» كهي، قال في «الفتح»: وبه جاءت الرِّواية، وهو خبر كان، واسمها: ضمير الشَّأن، وقوله الآتي: «أنْ قال» بدلٌ من قوله: «ما سألني عنه»، ويجوز أن يكون «أنْ قال» اسمَ كان، وقوله: «أوَّل ما سألني»: خبره، وتقديره: ثمَّ كان قوله: كيف نسبه فيكم؟ أوَّلُ ما سألني عنه، ويجوز رفعه اسمًا لكان، وذكر العينيُّ وروده روايةً، ولم يصرِّح به في «الفتح»، إنَّما قال: ويجوز رفعه على الاسميَّة، وخبره قوله: (أَنْ قَالَ: كَيْفَ نَسَبُهُ) عليه الصلاة والسلام (فِيكُمْ؟)؛ أي: ما حال نسبه فيكم؟ أهو من أشرافكم أم لا؟ لكن قال العلَّامة البدر الدَّمامينيُّ: إنَّ جواز النَّصب والرَّفع لا يصحُّ على إطلاقه، وإنَّما الصَّواب التَّفصيلُ؛ فإن جعلنا «ما» نكرةً بمعنى: شيءٍ؛ تعيَّن نصبه على الخبرية؛ وذلك لأنَّ «أن قال» مؤول بمصدر معرفة، بل قال ابن هشامٍ: إنَّهم حكموا له بحكم الضَّمير، فإذًا: تعيَّن أن يكون «هو» اسم كان، و«أوَّل ما سألني» هو الخبر؛ ضرورة أنَّه متى اختلف الاسمان تعريفًا وتنكيرًا؛ فالمُعرَّف: الاسم، والمُنكَّرُ: الخبرُ، ولا يُعكَس إِلَّا في الضَّرورة، وإن جعلناها موصولةً؛ جاز الأمران، لكنَّ المُختَار جعل «أنْ قال» هو الاسم؛ لكونه أعرف ا ه.

قال أبو سفيان: (قُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ)؛ أي: [/ج1ص74/] صاحب نسبٍ عظيمٍ، فالتَّنوين للتَّعظيم؛ كقوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة: 179] ؛ أي: عظيمةٌ، (قَالَ) هِرَقْلُ: (فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مِنْكُمْ) من قريشٍ (أَحَدٌ قَطُّ)؛ بتشديد الطَّاء المضمومة مع فتح القاف، وقد يُضمَّان، وقد تُخفَّف الطَّاء وتُفتَح القاف، ولا يُستعَمل إلَّا في الماضي المنفيِّ، واستُعمِل هنا بغير أداة النَّفي، وهو نادرٌ، وأُجِيب: بأنَّ الاستفهام حكمه حكم النَّفي؛ كأنَّه قال: هل قال هذا القول أحدٌ أو لم يقله أحدٌ قطُّ؟ (قَبْلَهُ؟)؛ بالنَّصب على الظَّرفيَّة، وللأَصيليِّ والكُشْمِيهَنِيِّ وكريمةَ وابن عساكرَ: ((مثله)) بدل قوله: «قبله»، وحينئذٍ: يكون بدلًا من قوله: «هذا القولَ»، قال أبو سفيانَ: (قُلْتُ: لَا)؛ أي: لم يقله أحدٌ قبله، (قَالَ) هِرَقْلُ: (فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ) _بكسر الميم_ حرف جرٍّ، (مَلِكٍ؟) _بفتح الميم وكسر اللَّام_ صفةٌ مشبَّهةٌ، وهذه رواية كريمةَ والأَصيليِّ وأبي الوقت وابن عساكرَ، ورواه ابن عساكر في نسخةٍ وأبو ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: ((مَنْ)) _بفتح الميم_ اسمٌ موصولٌ، و((مَلَكَ)) فعلٌ ماضٍ، ولأبي ذَرٍّ _كما في «الفتح»_: ((فهل كان من آبائه ملك))؛ بإسقاط «مِن»، والأوَّل أشهر وأرجح، قال أبو سفيان: (قُلْتُ: لَا. قَالَ) هِرَقْلُ: (فَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟) وعند المؤلِّف في «التَّفسير»: أيتَّبعه أشراف النَّاس؟ [خ¦4553] بإثبات همزة الاستفهام، وللأربعة: ((فأشراف النَّاس اتَّبعوه))، قال أبو سفيان: (قُلْتُ)، ولغير الأربعة: ((فقلتُ)): (بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ)؛ أي: اتَّبعوه، والشَّرف: علوُّ الحسب والمجد والمكان العالي، وقد شَرُفَ _بالضمِّ_ فهو شريفٌ، وقومٌ شرفاءُ وأشرافٌ، وفي «الفتح»: تخصيص الشَّرف هنا بأهل النَّخوة والتَّكبُّر، لا كلُّ شريفٍ؛ ليخرج مثل العمرين ممَّن أسلم قبل سؤال هِرَقْلَ، وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّ العمرين وحمزة كانوا من أهل النَّخوة، فقول أبي سفيان جرى على الغالب، ووقع في رواية ابن إسحاق تبعه منا الضُّعفاء والمساكين والأحداث، وأمَّا [4] ذوو الأنساب والشَّرف؛ فما تبعه منهم أحدٌ، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو محمولٌ على الأكثر الأغلب، (قَالَ) هرقل: (أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟)؛ بهمزة الاستفهام، وفي رواية سورة آل عمران بإسقاطها، وجزم ابن مالكٍ بجوازه مُطلَقًا، خلافًا لمن خصَّه بالشِّعر، قال أبو سفيان: (قُلْتُ: بَلْ يَزِيدُونَ. قَالَ) هِرَقْلُ: (فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً)؛ بفتح السِّين المُهملَة في «اليونينيَّة» ليس إلَّا، وبالنَّصب: مفعولٌ لأجله أو حالٌ؛ أي: ساخطًا؛ أي: كراهةً وعدمَ رضًا، وجوَّز في «الفتح» ضمَّ السِّين، وعبارته: «سُخطةً»؛ بضمِّ أوَّله وفتحه، وتعقَّبه العينيُّ، فقال: السَّخطة _بالتَّاء_ إنَّما هي بالفتح فقط، والسّخَط _بلا تاءٍ_ يجوز فيه الضَّمُّ والفتح، مع أنَّ الفتح يأتي بفتح الخاء، والسُّخْط _بالضَّمِّ_ يجوز فيه الوجهان ضمُّ الخاء معه، وإسكانها ا ه. قلت: في رواية الحَمُّويي والمستملي: ((سُخْطةً))؛ بضمِّ السِّين وسكون الخاء؛ أي: فهل يرتدُّ أحدٌ منهم كراهةً (لدينه بعد أن يدخل فيه؟) أخرج به: مَنِ ارتدَّ مُكرَهًا أَوْ لا لسخطٍ لدين الإسلام، بل لرغبةٍ في غيره؛ كحظٍّ نفسانيٍّ؛ كما وقع لعبيد الله بن جحشٍ، قال أبو سفيان: (قُلْتُ: لَا)، فإن قلت: لِم لم يستغن هِرَقْلُ بقوله: «بل يزيدون» عن قوله: «هل يرتدُّ أحدٌ منهم....» إلى آخره؟ أجيب: بأنَّه لا ملازمةَ بين الارتداد [5] والنَّقص، فقد يرتدُّ بعضهم ولا يظهر فيهم النَّقص؛ باعتبار كثرة من يدخل وقلَّة من يرتدُّ مثلًا، وإنَّما سأل عن الارتداد؛ لأنَّ من دخل على بصيرةٍ في أمرٍ محقَّقٍ لا يرجع عنه، بخلاف مَنْ دخل في أباطيل، (قَالَ) هِرَقْلُ: (فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ) على النَّاس (قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟) قال أبو سفيان: (قُلْتُ: لَا) وإنَّما عدل عن السُّؤال عن نفس الكذب إلى السُّؤال عن التُّهمة؛ تقريرًا لهم على صدقه؛ لأنَّ التُّهمة إذا انتفت؛ انتفى سببها، (قَالَ) هرقل: (فَهَلْ يَغْدِرُ) _بدالٍ مُهملَةٍ مكسورة_ أي: ينقض العهد؟ قال أبو سفيان: (قُلْتُ: لَا، وَنَحْنُ مِنْهُ)؛ أي: منَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم (فِي مُدَّةٍ)؛ أي: مدَّة صلح الحديبية، أو غيبته وانقطاع أخباره عنَّا (لَا نَدْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا)؛ أي: في المدَّة، وفي قوله: «لا ندري» إشارةٌ إلى عدم الجزم بغدره، (قَالَ) أبو سفيان: (وَلَمْ تُمْكِنِّي) بالمُثنَّاة الفوقيَّة أو التَّحتيَّة (كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا) أنتقصه به (غَيْرُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ)، قال في «الفتح»: التَّنقيص هنا أمرٌ نسبيٌّ؛ لأنَّ من يقطع بعدم غدره أرفعُ رتبةً ممَّن يجوز وقوع ذلك منه في الجملة، [/ج1ص75/]

وقد كان عليه الصلاة والسلام معروفًا عندهم _بالاستقراء_ من عادته أنَّه لا يغدر، ولكن لمَّا كان الأمر مُغيَّبًا؛ لأنَّه مستقبلٌ؛ أَمِنَ أبو سفيان أن يُنسَب في ذلك إلى الكذب؛ ولهذا أورده على التَّردُّد، ومن ثمَّ لم يعرِّج هِرَقْلُ على هذا القدر منه ا ه. و«غيرُ» _بالرَّفع_ صفةٌ لـ: «كلمةٌ»، ويجوز فيها النَّصب صفةً لـ: «شيئًا»، وليس في «الفرع» غير الأوَّل، وصُحِّح عليه، فإن قلت: كيف يكون «غيرُ» صفةً لهما وهما نكرتان، و«غيرُ» مضافٌ إلى المعرفة؟ أُجِيب: بأنَّه لا يتعرَّف بالإضافة إلَّا إذا اشتُهِر المُضَاف بمغايرة المضاف إليه، وههنا ليس كذلك، وعُورِض: بأنَّ هذا مذهب ابن السَّرَّاج، والجمهور على خلافه؛ فنحو: {غير المغضوب عليهم} [الفاتحة: 7] يُعرَب بدلًا من {الذين}، أو صفةً له؛ تنزيلًا للموصول منزلة النَّكرة، فجاز وصفها بالنَّكرة.

(قَالَ) هِرَقْل: (فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟) نسب ابتداء القتال إليهم، ولم ينسبه إليه عليه الصلاة والسلام؛ لما اطّلع عليه من أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم لا يبدأ قومه بالقتال حتَّى يقاتلوه، قال أبو سفيان: (قُلْتُ: نَعَمْ) قاتلناه، (قَالَ) هِرَقَلُ: (فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟) بفصل ثاني الضَّميرين، والاختيار: ألَّا يجيء المنفصل إذا تأتَّى أن يجيء المتَّصل، وقِيلَ: «قتالكم إيَّاه» أفصح من «قتالكموه» باتِّصال الضَّمير؛ فلذلك فَصَلَه، وصوَّبه العينيُّ تبعًا لنصِّ الزَّمخشريِّ، قال أبو سفيان: (قُلْتُ)، وللأَصيليِّ: ((قال)): (الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالٌ)؛ بكسر السِّين المُهملَة وبالجيم المُخفَّفة؛ أي: نوبٌ، نوبةٌ لنا ونوبةٌ له؛ كما قال: (يَنَالُ مِنَّا وَنَنَالُ مِنْهُ)؛ أي: يصيب منَّا ونصيب منه، قال البلقينيُّ: هذه الكلمة فيها دسيسةٌ أيضًا؛ لأنَّهم لم ينالوا منه صلى الله عليه وسلم قطُّ، وغاية ما في غزوة أُحُدٍ أنَّ بعض المقاتلين قُتِلَ، وكانت العزَّة والنُّصرة للمؤمنين ا ه، وتُعقِّب: بأنَّه قد وقعت المقاتلة بينه عليه الصلاة والسلام وبينهم قبل هذه القصَّة في ثلاثة مواطنَ: بدرٍ وأُحُدٍ والخندق، فأصاب المسلمون من المشركين في بدرٍ، وعكسه في أُحُدٍ، وأُصِيب من الطَّائفتين ناسٌ قليلٌ في الخندق، فصحَّ قول أبي سفيان: يصيب منَّا ونصيب منه، وحينئذٍ: فلا دسيسةَ هنا في كلام أبي سفيان كما لا يخفى، والجملة تفسيريَّةٌ لا محلَّ لها من الإعراب، قال في «المصابيح»: فإن قلت: فما يصنع الشَّلوبين القائل: بأنَّها في حكم مفسَّرها، إن كان ذا محلٍّ؛ فهي كذلك، وإِلَّا؛ فلا، وهي ههنا مفسِّرةٌ للخبر، فيلزم أن تكون ذات محلٍّ، لكنَّها خاليةٌ من رابطٍ يربطها بالمُبتَدأ؟ قلت: نقدِّره؛ أي: ينال فيها منَّا، وننال فيها منه ا ه، والسِّجالُ: مرفوعٌ؛ خبرٌ للحرب، واستُشكِل جعلُه خبرًا؛ لكونه جمعًا والمبتدأ مُفرَدًا، فلم تحصل المُطابَقة بينهما، وأُجِيب _كما في «الفتح»_: بأنَّ «الحرب» اسمُ جنسٍ، و«السِّجال» اسمُ جمعٍ، وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّ السِّجال ليس اسم جمعٍ، بل هو جمعٌ، وبينهما فرقٌ، وجوَّز أن يكون «سجالٌ» بمعنى: المُساجَلة، فلا يرد السُّؤال أصلًا، وفي قوله: «الحرب بيننا وبينه سجالٌ» تشبيهٌ بليغٌ، شبَّه الحرب بالسِّجال، مع حذف أداة التَّشبيه؛ لقصد المُبالَغة؛ كقولك: زيدٌ أسدٌ؛ إذا أردت به المُبالَغة في بيان شجاعته، فصار كأنَّه عين الأسد، وذكر السِّجال وأراد به النُّوَب؛ يعني: الحرب بيننا وبينه نُوَبٌ، نوبةٌ لنا ونوبةٌ له؛ كالمُسْتَقِيَيْنِ إذا كان بينهما دلوٌ، يستقي أحدهما دلوًا والآخر دلوًا.

(قَالَ) هِرَقْلُ: (مَا) بإسقاط الباء المُوحَّدة في «اليونينيَّة»، وهي مكشوطةٌ في «الفرع»، وفي بعض الأصول: ((بما))، وفي نسخةٍ: ((فما)) (ذَا يَأْمُرُكُمْ؟)؛ أي: ما الذي يأمركم به؟ قال أبو سفيان: (قُلْتُ: يَقُولُ: اعْبُدُوا اللهَ وَحْدَهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا)؛ بالواو، وفي رواية المستملي: ((اعبدوا الله لا تشركوا به شيئاً))؛ بحذف الواو، وحينئذٍ: فيكون تأكيدًا لقوله: «وحده»، وهذه الجملة عطفٌ على «اعبدوا الله»، وهي من عطف المنفيِّ على المُثبَت، ومن عطف الخاصِّ على العامِّ؛ على حدِّ: {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ} [القدر: 4] ؛ فإنَّ عبادته تعالى أعمُّ من عدم الإشراك به (وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ) من عبادة الأصنام وغيرها، ممَّا كانوا عليه في الجاهليَّة، (وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ) المعهودة، المُفتَتحة بالتَّكبير، المختتمة بالتَّسليم، وفي نسخةٍ ممَّا في «اليونينيَّة» بزيادة: ((والزَّكاة)) (وَالصِّدْقِ): وهو القول المطابق للواقع، وفي روايةٍ للمؤلِّف: ((بالصَّدقة)) بدل «الصِّدق»، ورجَّحها الإمام البلقينيُّ، قال الحافظ ابن حجرٍ: ويقوِّيها رواية المؤلِّف في التَّفسير: و«الزكاة» [خ¦4553] ، وقد ثبت عنده من رواية أبي ذَرٍّ عن شيخه الكُشْمِيهَنيِّ والسَّرخسيِّ اللَّفظان: الصَّدقة [/ج1ص76/]

والصِّدق (وَالْعَفَافِ)؛ بفتح العين؛ أي: الكفِّ عن المحارم وخوارم المروءة، (وَالصِّلَةِ) للأرحام، وهي كلُّ ذي رحمٍ محرمٍ، مَن لا تحلُّ مناكحته لو فُرِضَتِ الأنوثة مع الذُّكورة، أو كلُّ ذي قرابةٍ. والصَّحيح: عمومه في كلِّ ما أمر الله به أن يُوصَل؛ كالصَّدقة والبرِّ والإنعام، قال في «التَّوضيح»: من تأمَّل ما استقرأه [6] هِرَقْلُ من هذه الأوصاف؛ تبيَّن له حسن ما استوصف من أمره، واستبرأه من حاله، ولله دَرُّهُ من رجلٍ ما كان أعقلَه لو ساعدتْه المقادير بتخليد [7] ملكه والأتباع، (فَقَالَ) هِرَقْلُ (لِلتَّرْجُمَانِ: قُلْ لَهُ)؛ أي: لأبي سفيانَ: (سَأَلْتُكَ عَنْ) رتبة (نَسَبِهِ) فيكم، أهو شريفٌ أم لا؟ (فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو)؛ أي: صاحبُ (نَسَبٍ) شريفٍ عظيمٍ، (فَكَذَلِكَ)؛ بالفاء، وللأربعة بالواو: ((وكذلك)) (الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي) أشرف (نَسَبِ قَوْمِهَا)، جزم به هِرَقْلُ لِمَا تقرَّر عنده في الكتب السَّالفة، (وَسَأَلْتُكَ: هَلْ قَالَ أَحَدٌ)، ولأبي ذَرٍّ كما قال في «الفرع» كـ: «أصله»: ((وسألتك: قال أحدٌ)) (مِنْكُمْ هَذَا الْقَوْلَ؟) زاد في نسخةٍ: ((قبله)) (فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، فَقُلْتُ:)؛ أي: في نفسي، وأطلق على حديث النَّفس قولًا (لَوْ كَانَ أَحَدٌ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ؛ لَقُلْتُ: رَجُلٌ يَأْتَسِي بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ) «يأْتَسِي»؛ بهمزةٍ ساكنةٍ، بعدها مُثنَّاةٌ فوقيَّةٌ مفتوحةٌ، وسينٌ مُهملَةٌ مكسورةٌ؛ أي: يقتدي ويتَّبع، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: ((يتأسَّى))؛ بتقديم المُثنَّاة الفوقيَّة على الهمزة المفتوحة، وفتح السِّين المُشدَّدة، (وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ)؟ وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((مَن مَلَكٍ))؛ بفتح الميمين، (فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، قُلْتُ) وللأَصيليِّ وابن عساكرَ وأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ: ((فقلت)): (فَلَوْ)، ولأبي الوقت: ((لو)) (كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ، قُلْتُ: رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ أَبِيهِ)، فإن قلت: لِمَ قال: «ملك أبيه» بالإفراد؟ أُجِيب: ليكون أعذرَ في طلب الملك، بخلاف ما لو قال: ملك «آبائه» [خ¦4553] ، أو المراد بالأب ما هو أعمُّ من حقيقته ومجازه نعم؛ في سورة آل عمران: آبائه؛ بالجمع، فإن قلت: لِمَ قال هِرَقْلُ: «فقلت» في هذين الموضعين؛ وهما: هل قال هذا القول أحدٌ منكم؟ وهل كان من آبائه من ملكٍ؟ أُجِيب: بأنَّ هذين المقامين مقاما فكرٍ ونظرٍ، بخلاف غيرهما من الأسئلة؛ فإنَّها مقام نقلٍ.

قال هِرَقْلُ لأبي سفيانَ: (وَسَأَلْتُكَ: هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، فَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ) «اللَّام» فيه لامُ الجحود لملازمتها النَّفي، وفائدتها: تأكيد النَّفي؛ نحو: {لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ} [النساء: 168] ؛ أي: لم يكن لِيَدَعَ (الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ) قبل أن يظهر رسالته (وَيَكْذِبَ) بالنَّصب (عَلَى اللهِ) بعد إظهارها، (وَسَأَلْتُكَ: أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمُ اتَّبَعُوهُ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ) غالبًا؛ لأنَّهم أهل [8] الاستكانة، بخلاف أهل الاستكبار المُصِرِّين على الشِّقاق بغيًا وحسدًا؛ كأبي جهلٍ، ويؤيِّد استشهاده على ذلك قوله تعالى: {قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ} [الشعراء: 111] ، المُفسَّر بأنَّهم الضُّعفاء على الصَّحيح، قال هرقل لأبي سفيانَ: (وَسَأَلْتُكَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ أَمْرُ الإِيمَانِ)؛ فإنَّه لا يزال في زيادةٍ (حَتَّى يَتِمَّ) بالأمور المُعتَبرة فيه؛ من صلاةٍ وزكاةٍ وصيامٍ وغيرها؛ ولهذا أُنزِل في آخر سِنِّيه صلى الله عليه وسلم: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3] . (وَسَأَلْتُكَ أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حِينَ) بالنُّون، وفي بعض النُّسخ: ((حتَّى))؛ بالمثنَّاة الفوقيَّة، وفي «آل عمران»: «وكذلك الإيمان إذا خالط» [خ¦4553] ، قال في «الفتح»: وهو يرجِّح أنَّ رواية ((حتَّى)) وهمٌ، والصَّواب _وهو رواية الأكثر_: «حين» (تُخَالِطُ) بالمثنَّاة الفوقيَّة (بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ)؛ بفتح المُوحَّدة والشِّينين المُعجَمتين وضمِّ التَّاء، وإضافته إلى ضمير «الإيمان»، و«القلوبَ»: نُصِبَ على المفعوليَّة؛ أي: تخالط بشاشةُ الإيمان القلوبَ التي تدخل فيها، وللحَمُّويي والمستملي: ((يخالط)) بالمُثنَّاة التَّحتيِّة ((بشاشة)) بالنَّصب على المفعوليَّة، و((القلوبِ)) بالجرِّ على الإضافة، والمراد بـ: «بشاشة القلوب»: انشراح الصُّدور، والفرح والسُّرور بالإيمان، (وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَغْدِرُ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ)؛ لأنَّها لا تطلب حظَّ الدُّنيا الذي لا يبالي طالبه [9] بالغدر، بخلاف من طلب الآخرة، (وَسَأَلْتُكَ: بِمَا يَأْمُرُكُمْ؟) بإثبات الألف مع [/ج1ص77/] «ما» الاستفهاميَّة، وهو قليلٌ، كذا قاله الزَّركشيُّ وغيره، وتعقَّبه في «المصابيح»: بأنَّه لا داعيَ هنا إلى التَّخريج على ذلك؛ إذ يجوز أن تكون الباء بمعنى: «عن» متعلِّقةً بـ: «سأل»؛ نحو: {فاسأل به خبيرًا} [الفرقان: 59] ، و«ما»: موصولةٌ، والعائد محذوفٌ، ثمَّ أورد سؤالًا [10] ؛ وهو أنَّ «أَمَرَ» يتعدَّى بالباء إلى المفعول الثَّاني؛ تقول: أمرتك بكذا، فالعائد حينئذٍ مجرورٌ بغير ما جُرَّ به الموصول معنًى، فيمتنع حذفه، وأجاب: بأنَّه قد ثبت حذف حرف الجرِّ من المفعول الثَّاني فيُنصَب حينئذٍ؛ نحو: أمرتك الخيرَ، وعليه حمل جماعةٌ من المعربين قوله تعالى: {مَاذَا تَأْمُرِينَ} [النمل: 33] ، فجعلوا «ماذا» المفعولَ الثَّاني، وجعلوا الأوَّل محذوفًا؛ لفهم المعنى؛ أي: تأمريننا، وإذا كان كذلك؛ جعلنا العائد المحذوف منصوبًا، ولا ضَيْر [11] ا ه.

(فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَ) أنَّه (يَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ) جمع وثنٍ _بالمُثلَّثة_ وهو الصَّنم، واستفاده هِرَقْلُ من قوله: ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم؛ لأنَّ مقولهم الأمر بعبادة الأوثان، (وَ) أنَّه (يَأْمُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ) ولم يُعرِّج هِرَقْلُ على الدَّسيسة التي دسَّها أبو سفيانَ، وسقط هنا إيراد تقرير [12] السُّؤال العاشر، والذي بعده جوابه، وثبت ذلك جميعه في «الجهاد» [خ¦2941] ، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، ثمَّ قال هِرَقْلُ لأبي سفيانَ: (فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا)؛ لأنَّ الخبر يحتمل الصِّدق والكذب، (فَسَيَمْلِكُ)؛ أي: النَّبيّ صلى الله عليه وسلم (مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ) أرض بيت المقدس، أو أرض ملكه، (وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ)؛ أي: النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم (خَارِجٌ)، قاله؛ لِمَا عنده من علامات نبوَّته عليه الصلاة والسلام الثَّابتة في الكتب القديمة، وفي رواية «سورة آل عمران»: «فإن كان ما تقول حقًّا؛ فإنَّه نبيٌّ» [خ¦4553] ، وفي «الجهاد»: و«هذه صفة نبيٍّ» [خ¦2681] ، ووقع في «أمالي المحامليِّ» رواية الأصبهانيِّين من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن أبي سفيان: أنَّ صاحب بصرى أخذه وناسًا معه في تجارةٍ، فذكر القصَّة مُختصَرةً دون الكتاب، وزاد في آخرها: قال: فأخبرني هل تعرف صورته إذا رأيتها؟ قلت: نعم، قال: فأُدْخِلْتُ كنيسةً لهم فيها الصُّور، فلم أره، ثمَّ أُدْخِلْتُ أخرى؛ فإذا أنا بصورة محمَّدٍ وصورة أبي بكر، (لَمْ) بإسقاط الواو، ولابن عساكر في نسخةٍ: ((ولم)) (أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ) أي: من قريشٍ، (فَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي)، وسقطت ((أنِّي)) الأولى في نسخةٍ، ولأبي الوقت: ((أنَّني)) (أَخْلُصُ)؛ بضمِّ اللَّام؛ أي: أَصِلُ (إِلَيْهِ؛ لَتَجَشَّمْتُ)؛ بالجيم والشِّين المُعجَمة؛ أي: لَتَكَلَّفْتُ (لِقَاءَهُ) على ما فيه من المشقَّة، وهذا التَّجشُّم _كما قاله ابن بطَّالٍ_ هو الهجرة، وكانت فرضًا قبل الفتح على كلِّ مسلمٍ، وفي «مُرْسَل ابن إسحاقَ» عن بعض أهل العلم: أنَّ هرقل قال: ويحك، والله؛ إنِّي لَأعلمُ أنَّه نبيٌّ مُرسَلٌ، ولكنِّي أخاف الرُّوم على نفسي، ولولا ذلك؛ لاتبَّعته، ونحوه عند «الطَّبرانيِّ» بسندٍ ضعيفٍ: فقد خاف هِرَقْلُ على نفسه أن تقتله الرُّوم كما جرى لغيره، وخفي عليه قوله صلى الله عليه وسلم الآتي: «أَسْلِمْ؛ تَسْلَمْ»، فلو حمل الجزاء على عمومه في الدَّارين لَسَلِمَ لو أسلم من جميع المخاوف، (وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ)؛ أي: النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم؛ (لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمِيهِ) ما لعلَّه يكون عليهما، قاله مبالغةً في الخدمة، أو لَأزلته عنهما؛ كقوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} [النور: 63] ، قال الزَّمخشريُّ: أي: الذين يصدُّون عن أمره، وقال غيره: عُدِّيَ بـ: «عن»؛ لأنَّ في المخالفة معنى التَّباعد والحيد، كأنَّ المعنى: الذين يحيدون عن أمره بالمُخالَفة، فالإتيان بـ: «عن» أبلغ للتَّنبيه على هذا الغرض، وفي باب «دعاء النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم النَّاس إلى الإسلام والنبوَّة»: «ولو كنت عنده لغسلت قدميه» [خ¦2941] ، وفي رواية عبد الله بن شدَّادٍ عن أبي سفيان: «لو علمت أنَّه هو؛ لمشيت إليه حتَّى أُقَبِّلَ رأسه وأغسل قدميه»، وزاد فيها: «ولقد رأيت جبهته يتحادر عرقها من كرب الصَّحيفة»؛ يعني: لمَّا قُرِئ عليه الكتاب، وتثنية «قدميه» رواية أبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر والأَصيليِّ، وفي روايةٍ: ((قدمه))؛ بالإفراد.

قال أبو سفيان: (ثُمَّ دَعَا) هِرَقْلُ (بِكِتَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم)؛ أي: من وكَّل ذلك إليه؛ ولهذا عُدِّيَ «الكتابُ» بالباء، كذا قرَّره في «الفتح»، وقال العينيُّ: الأحسن أن يُقال: ثمَّ دعا مَن يأتي بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجوَّز [13] زيادة الباء؛ أي: دعا الكتاب [/ج1ص78/]

على سبيل المجاز، أو ضمَّن «دعا» معنى: طلب، (الَّذِي بَعَثَ بِهِ دحْيَةُ)؛ بكسر الدَّال وفتحها، ورفْعِ التَّاء على الفاعليَّة، ابن خليفة الكلبيُّ، ولأبوي ذَرٍّ والوقت عن المستملي وابن عساكر: ((بعث به مع دحية))؛ أي: بعثه عليه الصلاة والسلام معه، وكان في آخر سنة ستٍّ بعد أن رجع من الحديبية (إِلَى عَظِيمِ) أهل (بُصْرَى)؛ بضمِّ المُوحَّدة مقصورًا، بمدينة حوران؛ أي: أميرها الحارث بن أبي شِمْرٍ الغسَّانيِّ، (فَدَفَعَهُ إِلَى هِرَقْلَ)، فيه مجازٌ؛ لأنَّه أرسل به إليه صحبة عديِّ بن حاتمٍ، كما في رواية ابن السَّكن في «الصَّحابة»، وكان وصوله إليه؛ كما قاله الواقديُّ، وصوَّبه الحافظ ابن حجرٍ في سنة سبعٍ، (فَقَرَأَهُ) هِرَقْلُ بنفسه، أو التَّرجمان بأمره، وفي مُرسَل محمَّد بن كعبٍ القرظيِّ عند الواقديِّ في هذه القصَّة: فدعا التَّرجمان الذي يقرأ بالعربيَّة، فقرأه، (فَإِذَا فِيهِ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)؛ فيه استحباب تصدير الكتب بالبسملة، وإن كان المبعوث إليه كافرًا، فإن قلت: قد قدَّم سليمانُ اسمه على البسملة، أُجِيب: بأنَّه إنَّما ابتدأ الكتاب بالبسملة، وكتب اسمه عنوانًا بعد ختمه؛ لأنَّ بلقيس إنَّما عرفت كونه من سليمان بقراءة عنوانه كما هو المعهود؛ ولذلك قالت: {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ [14] وإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَن الرَّحِيمِ} [النمل: 30] ، فالتَّقديم واقعٌ على حكاية الحال (مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ وَرَسُولِهِ) وَصَفَ نفسَه الشَّريفة بالعبوديَّة؛ تعريضًا لبطلان قول النَّصارى في المسيح: إنَّه ابنُ الله، تعالى الله عن ذلك؛ لأنَّ الرُّسل ‰ مستوون في أنَّهم عباد الله، وللأَصيليِّ وابن عساكرَ: ((من محمَّد بن عبد الله رسول الله)) (إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ) أهل (الرُّومِ)؛ أي: المُعظَّم [15] عندهم، ووصفه بذلك؛ لمصلحة التَّأليف، ولم يصفه بالإمرة ولا المُلْك؛ لكونه معزولًا بحكم الإسلام، وقوله: «عظيم» بالجرِّ بدلٌ من سابقه، ويجوز الرَّفع على القطع، والنَّصب على الاختصاص، وذكر المدائنيُّ: أنَّ القارئ لمَّا قرأ: «من محمَّدٍ رسولِ الله» غضب ابن أخي هِرَقْلَ، واجتذب الكتاب، فقال له هِرَقْلُ: مَا لَكَ؟ فقال: إنَّه بدأ بنفسه، وسمَّاك صاحب الرُّوم، فقال: إنَّك لَضعيفُ الرَّأي، أتريد أن أرميَ بكتابٍ قبل أنْ أَعْلَمَ ما فيه؟ لئن كان رسولَ الله؛ إنَّه لَأَحَقُّ أن يبدأ بنفسه، ولقد صَدَقَ، أنا صاحب الرُّوم، واللهُ مالكي ومالِكُه، (سَلَامٌ)؛ بالتَّنكير، وعند المؤلِّف في «الاستئذان»: «السَّلام» [خ¦6260] (عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى)؛ أي: الرَّشاد، على حدِّ قول موسى وهارون عليهما السلام لفرعون: {والسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى} [طه: 47] ، والظَّاهر أنَّه من جملة ما أُمِرَا به أن يقولاه؛ ومعناه: سَلِمَ من عذاب الله مَنْ أَسْلَمَ، فليس المرادُ به التَّحيَّة، وإن كان اللَّفظ يُشعِر به؛ لأنَّه لم يُسْلِم، فليس هو ممَّن اتَّبع الهُدَى، (أَمَّا بَعْدُ) بالبناء على الضَّمِّ؛ لقطعه عن الإضافة المنْويَّة لفظًا، ويُؤتَى بها؛ للفصل بين الكلامين، قال في «الفتح»: واختُلِف في أوَّل مَنْ قالها؛ فقِيل: داود عليه السلام، وقيل: يَعْرُبُ بن قحطان، وقِيلَ: كعب بن لؤيٍّ، وقِيلَ: قسُّ بن ساعدة، وقِيلَ: سحبان، وفي «غرائب مالكٍ» للدَّارقطنيِّ: أنَّ يعقوبَ عليه السلام أوَّلُ مَنْ قالها، فإن ثبت وقلنا: إنَّ قحطان من ذرية إسماعيل عليه السلام؛ فيعقوب عليه السلام أوَّلُ مَنْ قالها مُطلَقًا، وإن قلنا: إن قحطان قبل إبراهيم عليه السلام؛ فـ: «يَعْرُبُ» أوَّلُ من قالها، (فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلَامِ)؛ بكسر الدَّال المُهملَة، ولمسلمٍ كالمؤلِّف في «الجهاد»: «بداعية الإسلام» [خ¦2941] ؛ أي: بالكلمة الداعية إلى الإسلام؛ وهي شهادة أن لا إله إلَّا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله، والباء بمعنى: «إلى»؛ أي: أدعوك إلى الإسلام، (أَسْلِمْ) بكسر اللَّام؛ (تَسْلَمْ) بفتحها، (يُؤْتِكَ اللهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ)؛ بالجزم في الأوَّل على الأمر، وفي الثَّاني جوابٌ له، والثَّالث بحذف حرف العلَّة جوابٌ ثانٍ له أيضًا، أو بدلٌ منه، وإعطاء الأجر مرَّتين لكونه مؤمنًا بنبيِّه، ثمَّ آمن بمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، أو من جهة أنَّ إسلامه يكون سببًا لإسلام أتباعه، وقوله: «أَسْلِمْ تَسْلَمْ» فيه غايةُ الاختصار، ونهاية الإيجاز والبلاغة، وجمع المعاني، مع ما فيه من الجناس الاشتقاقيِّ؛ وهو أن يرجع اللَّفظان في الاشتقاق إلى أصلٍ واحدٍ، وعند المؤلِّف في «الجهاد» [خ¦4553] : أَسْلِمْ تَسْلَمْ، وأسلمْ يؤتك؛ بتكرار «أَسْلِمْ» مع زيادة الواو في الثَّانية، فيكون الأمر الأوَّل للدُّخول في الإسلام، والثَّاني للدَّوام عليه، على حدِّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا} [النساء: 136] ، قاله في «الفتح»، وعُورِض: بأنَّ الآية في حقِّ المنافقين؛ أي: يا أيُّها الذين آمَنوا نِفَاقًا؛ آمِنوا إخلاصًا، وأُجِيب: بأنَّه قول مجاهدٍ. وقال ابن عبَّاسٍ: في مؤمنِي أهل الكتاب، وقال جماعةٌ من المفسِّرين: خطابٌ للمؤمنين، وتأويل {آمِنوا بالله}: [/ج1ص79/]

أقيموا، أو دُومُوا واثبتوا على إيمانكم، (فَإِنْ تَوَلَّيْتَ)؛ أي: أعرضت عن الإسلام؛ (فَإِنَّ عَلَيْكَ) مع إثمك (إِثْمَ اليَرِيْسِيْنَ)؛ بمُثنَّاتين تحتيَّتين: الأولى مفتوحةٌ، والثَّانية ساكنةٌ، بينهما راءٌ مكسورةٌ، ثمَّ سينٌ مكسورةٌ، ثمَّ مثنَّاةٌ تحتيَّةٌ ساكنةٌ ثمَّ نونٌ، جمع يَرِيْسٍ؛ على وزن كَرِيمٍ، وفي روايةٍ: ((الأريسين)) بقلب المُثنَّاة الأولى همزةً، وفي أخرى: ((اليريسيِّين))؛ بتشديد الياء بعد السِّين، جمع: يريسيٍّ، وهي التي في «الفرع» كـ: «أصله» عن الأربعة، والرَّابعة؛ وهي للأَصيليِّ؛ كما في «اليونينيَّة»: ((الأريسيِّين)) بتشديد الياء بعد السِّين كذلك، إلَّا أنَّه بالهمزة في أوَّله موضع الياء؛ والمعنى: أنَّه إذا كان عليه إثمُ الأتباعِ بسبب اتِّباعهم له على استمرار الكفر؛ فَلَأنْ يكون عليه إثمُ نفسه أَوْلَى، فإن قلت: هذا مُعَارَضٌ بقوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164] ، أُجِيب: بأنَّ وزر الإثم لا يتحمَّله غيره، ولكنَّ الفاعل المتسبِّب والمتلبِّس بالسَّيِّئات يتحمَّل من جهتين: جِهة فعله، وجِهة تسبُّبه. والأريسيُّون: الأكَّارون؛ أي: الفلَّاحون والزَّرَّاعون؛ أي: عليك إثم رعاياك الذين يتَّبعونك وينقادون لأمرك، ونبَّه بهم على جميع الرَّعايا؛ لأنَّهم الأغلب في رعاياه، وأسرع انقيادًا، فإذا أسلم؛ أسلموا، وإذا امتنع؛ امتنعوا، وقال أبو عبيدٍ: المراد بالفلَّاحين أهل مملكته؛ لأنَّ كلَّ مَنْ كان يزرع؛ فهو عند العرب فلَّاحٌ، سواءٌ كان يلي ذلك بنفسه أم بغيره، وعند كُرَاعٍ: هم الأمراء [16] ، وعند اللَّيث: هم [17] العشَّارون؛ يعني: أهل المكس، وعند أبي عبيدة: الخدم والخَوَل؛ يعني: لصدِّه إيَّاهم عن الدِّين؛ كما قال تعالى: {رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا...} الآية [الأحزاب: 67] ، والأوَّل أظهر، وقِيلَ: كان أهلُ السَّواد أهلَ فلاحةٍ، وكانوا مجوسًا، وأهلُ الرُّوم أهلَ صناعةٍ، فأُعلِموا بأنَّهم وإن كانوا أهل كتابٍ فإنَّ [18] عليهم إن لم يؤمنوا من الإثم مثلَ إثم المجوس الذين لا كتابَ لهم، وفي قوله: «فإن تولَّيتَ» استعارةٌ تبعيَّةٌ؛ لأنَّ حقيقة التَّولِّي إنَّما هو بالوجه، ثمَّ استُعمِل مجازًا في الإعراض عن الشَّيء.

(وَ{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ})، كذا في رواية عبدوسٍ والنَّسفيِّ والقابسيِّ بالواو، وهو الذي في «اليونينيَّة» عطفًا على قوله: «أدعوك»؛ أي: أدعوك بدعاية الإسلام، وأدعوك بقول الله تعالى، أو أتلو عليك، أو أقرأ عليك: {يا أهل الكتاب}، وعلى هذا التَّقدير فلا تكون زائدةً في التِّلاوة؛ لأنَّ الواو إنَّما دخلت على محذوفٍ، ولا محذور [19] فيه، فإن قلت: يلزم عليه حذف المعطوف وبقاء حرف العطف، وهو ممتنعٌ، أُجِيب: بأنَّ ذاك؛ إذا حُذِفَ المعطوف وجميع متعلَّقاته [20] ، أمَّا إذا بقي من اللَّفظ شيءٌ هو معمولٌ للمحذوف؛ فلا نسلِّم امتناع ذلك؛ كقوله تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ} [الحشر: 9] ؛ أي: وأخلصوا الإيمان، وكقوله: [من الوافر]

وزجَّجن الحواجب والعيونا

أي: وكَحَّلْنَ.

و:

علفتها تبنًا وماءً باردًا

أي: وسقيتها، إلى غير ذلك.

فإن قلت: العطف مشكلٌ؛ لأنَّه يقتضي تقييد التِّلاوة بتولِّيه، وليس كذلك، أُجِيب: بأنَّه إنَّما هو معطوفٌ على مجموع الجملة المشتملة على الشَّرط والجزاء، لا على الجزاء فقط، وقِيلَ: إنَّه صلى الله عليه وسلم لم يُرِدِ التِّلاوة، بل أراد مُخاطَبتهم بذلك، وحينئذٍ: فلا إشكال، وعُورِض: بأنَّ العلماء استدلُّوا بهذا الحديث على جواز كتابة الآية والآيتين إلى أرض العدوِّ، ولولا أنَّ المراد الآية؛ لمَا صَحَّ الاستدلال، وهم أقوم وأعرف بأنَّه لو لم يُرِدِ الآية؛ لقال عليه الصلاة والسلام: «فإن تولَّيتم»، وفي الحديث: {فإن تولَّوا فقولوا اشهدوا بأنَّا مسلمون}، لكن يمكن الانفصال عن هذا الأخير؛ بأنَّه من باب الالتفات، وفي رواية الأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ _كما قاله عياضٌ_: ((يا أهل الكتاب))؛ بإسقاط الواو، فيكون بيانًا لقوله: أدعوك بدعاية الإسلام، وقوله: {يا أهل الكتاب} يعمُّ أهل الكتابين؛ ({تَعَالَوْا}) بفتح اللَّام ({إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ})؛ أي: مستويةٍ ({بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ})؛ لا يختلف فيها القرآن والتَّوراة والإنجيل، وتفسير «الكلمة»: ({أَنْ لَا نَعْبُدَ إِلَّا الله} [آل عمران: 64] )؛ أي: نوحِّده بالعبادة ونُخْلِص له فيها، ({وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا})؛ ولا نجعل غيره شريكًا له في استحقاق العبادة، ولا نراه أهلًا لأن يُعبَد، ({وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ})، فلا نقول: عزيرٌ ابن الله، ولا المسيحُ ابن الله، ولا نطيع الأحبار فيما أحدثوه من التَّحريم والتَّحليل؛ لأنَّ كلًّا منهم بشرٌ مثلنا. وَرُوِيَ أنَّه لمَّا نزلت: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ} [التوبة: 31] ؛ قال عديُّ بن حاتمٍ: ما كنَّا نعبدهم يا رسول الله، قال: «أليس كانوا يحلُّون لكم ويحرِّمون [/ج1ص80/] فتأخذون بقولهم؟» قال: نعم، قال: «هو ذاك»، ({فَإِنْ تَوَلَّوْا}) عن التَّوحيد؛ ({فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ})؛ أي: لزمتكم الحجَّة، فاعترِفوا بأنَّا مسلمون دونكم، أو اعترِفوا بأنَّكم كافرون بما نطقت به الكتب، وتطابقت عليه الرُّسل صلوات الله عليهم وسلامه، وقد قِيلَ: إنَّه صلى الله عليه وسلم كتب ذلك قبل نزول الآية، فوافق لفظُه لفظَها لمَّا نزلت؛ لأنَّها نزلت في وفد نجرانَ سنة الوفود سنة تسعٍ، وقصَّة أبي سفيان قبل ذلك سنة ستٍّ، وقِيل: بل نزلت في اليهود، وجوَّز بعضهم نزولها مرَّتين، وقِيل _فيما حكاه السُّهيليُّ_: إنَّ هِرَقْلَ وضع هذا الكتاب في قصبةٍ من ذهبٍ تعظيمًا له، وإنَّهم لم يزالوا يتوارثونه كابرًا عن كابرٍ في أعزِّ مكانٍ، وحُكِيَ: أنَّ ملك الفرنج في دولة الملك المنصور قلاوون الصَّالحيِّ أخرج لسيف الدِّين قُلَج [21] صندوقًا مصفحًا بالذَّهب، واستخرج منه مقلمةً من ذهبٍ، فأخرج منها كتابًا زالت أكثر حروفه، فقال: هذا كتاب نبيِّكم إلى جدِّي قيصر، ما زلنا نتوارثه إلى الآن، وأوصانا آباؤنا أنَّه ما دام هذا الكتاب عندنا لا يَزَال المُلكُ فينا، فنحن نحفظه.

(قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَلَمَّا قَال) هِرْقَلُ (مَا قَالَ)؛ أي: الذي قاله في السُّؤال والجواب، (وَفَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ) النَّبويِّ؛ (كَثُرَ عِنْدَهُ الصَّخَبُ)؛ بالصَّاد المُهملَة والخاء المُعجَمة المفتوحتين؛ أي: اللَّغط، كما في «مسلمٍ»؛ وهو اختلاط الأصوات في المُخاصَمة، (وَارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ) بذلك (وَأُخْرِجْنَا)؛ بضمِّ الهمزة وكسر الرَّاء، (فَقُلْتُ لأَصْحَابِي حِينَ أُخْرِجْنَا) وعند المؤلِّف في «الجهاد» [خ¦2941] : «حين خلوت بهم: والله» (لَقَدْ أَمِر)؛ بفتح أوَّله مقصورًا وكسر ثانيه؛ أي: كَبُرَ [22] وعَظُمَ (أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ)؛ بسكون الميم؛ أي: شأنه، و«كَبْشَة»؛ بفتح الكاف وسكون المُوحَّدة، قال ابن جنِّيٍّ: اسمٌ مُرتَجلٌ، ليس بمؤنَّثِ الكبش؛ لأنَّ مؤنَّثَ الكبشِ من غير لفظه [23] ؛ يريد: النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّها كنية أبيه من الرَّضاعة الحارثِ بن عبد العزَّى، فيما قاله ابن ماكولا وغيره، وعند ابن بُكيرٍ: أنَّه أسلم وكانت له بنتٌ تُسمَّى: كبشة، فكُنِّي بها، أو هو والدُ حليمةَ مرضعتِهِ، أو ذلك نسبةً إلى جدِّ جدِّه وهبٍ؛ لأنَّ أمَّه آمنة بنت وهبٍ، وأمُّ وهبٍ: قَيْلةُ بنت أبي كبشة، أو نسبه لجدِّجدِّه عبد المطَّلب لأمِّه، أو هو رجلٌ من خزاعةَ؛ اسمه: وَجْزٌ _بواوٍ مفتوحةٍ فجيمٍ ساكنةٍ فزاي_ ابن غالبٍ، خالف قريشًا في عبادة الأوثان، فَعَبَدَ الشِّعرى، فنسبوه إليه للاشتراك في مُطلَق المُخالَفة، (إِنَّهُ يَخَافُهُ)؛ بكسر الهمزة على الاستئناف، وجوَّز العينيُّ: فتحها، قال: وإن كان على ضعفٍ على أنَّه مفعولٌ من أجله، والمعنى: عظم أمره عليه الصلاة والسلام؛ لأجل أنَّه يخافه (مَلِكُ بَنِي الأَصْفَر)؛ وهم الرُّوم؛ لأنَّ جدَّهم روم بن عيص بن إسحاق عليه السلام تزوَّج بنت ملك الحبشة، فجاء ولده بين البياض والسَّواد، فقِيلَ له: الأصفر، أو لأنَّ جدَّته سارة حَلَّتْهُ بالذَّهب، وقِيلَ غير ذلك.

قال أبو سفيان: (فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا [24] أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللهُ عَلَيَّ الإِسْلَامَ)، فأبرزت ذلك اليقين، (وَكَانَ ابْنُ النَّاطُورِ)؛ بالمُهمَلَة؛ أي: حافظ البستان؛ وهو لفظٌ أعجميٌّ تكلَّمت به العرب، وفي رواية الحَمُّويي: ((الناظور))؛ بالمُعجَمَة، وفي رواية اللَّيث عن يونس: «ابن ناطورا»؛ بزيادة ألفٍ في آخره، والواو: عاطفةٌ، فالقصَّة الآتية موصولةٌ إلى

7- (أَنَّ هِرَقْلَ): لا ينصرف للعلميَّة والعُجمة، وزعم الجواليقيُّ: أنَّه عجميٌّ تكلَّمت به العرب.

(فِي رَكْبٍ): أي: حالَ كونه كائنًا في جملة رَكْبٍ وهو أميرُهم؛ ولهذا أرسَلَ إليه، أو معناه: أرسل إليه في شأن الرَّكب وطلبهم إليه.

وقال العلَّامةُ البُلقينيُّ: (يَحتمل معنيين: أحدهما: أن تكون «في» بمعنى: «مع»، الثَّاني: أن يكون أرسل إليه وهو في ركب).

(بِالشَّأْمِ): إمَّا أن يتعلَّق بـ (تِجَارًا)، أو بـ (كَانُوا)، أو يكون وصفًا آخر لـ (رَكْب).

(وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ): قال الزَّرْكَشيُّ: مفعول معه.

قال البِرْماويُّ: (وفيه نظرٌ، فالعطفُ فيه ظاهرٌ؛ مِنْ عَطْفِ عامٍّ على خاصٍّ؛ للتَّشارُك في العامل).

(فَأَتَوْهُ): الفاءُ فصيحةٌ؛ إذ تقدير الكلام: أرسل إليه في طلب إتيان الرَّكب إليه، فجاء الرَّسول، فطلب إتيانهم، فأتوه، ونحوه قوله تعالى: {فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ} [البقرة: 60] ؛ أي: فضرب؛ فانفجرت.

(فِي مَجْلِسِهِ): إنْ قلتَ: الدُّعاء مستعمل بـ (إلى) ؛ نحو: {واللهُ يدعو إلى دَارِ السَّلَامِ} [يونس: 25] ، فالمناسب: فدعاهم إلى مجلسه؛ قلتُ: (في) ليس صلةً للدُّعاء؛ إذ المراد: دعاهم حالةَ كونه في مجلسه؛ أي: محلِّ حُكمِه، لا حالةَ كونه في الخلوة أو في الحرم ونحوه. [/ص11/]

(وَحَوْلَهُ): بالنَّصب ظرفُ مكانٍ، وهو خبرُ المبتدأ الذي بعدَه.

(بِتَرْجُمَانِهِ): الباءُ زائدةٌ للتَّوكيد؛ نحو قوله تعالى: {وَلَا تَلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195] .

(فَقَالَ: أَيُّكُمْ): الفاءُ فصيحةٌ؛ أي: فقال للتَّرجُمان: قُلْ: أيُّكم أقربُ...؟ فقال التَّرجُمانُ ذلك.

(أَقْرَبُ): إنْ قلتَ: (أَقْرَبُ) أفعل التَّفضيل، فلا بُدَّ أن يُستعملَ بأحد الوجوه الثلاثة: الإضافة، و«اللَّام»، و«مِن»، وههنا مجرَّدٌ عنها، ثمَّ إنَّ معنى القُرْبِ لا بُدَّ أنْ يكونَ من شيءٍ، فأين صِلتُهُ؟ قلتُ: كلاهما محذوفان؛ أي: أيُّكم أقربُ من النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم من غيركم؟

(وقال البُلقينيُّ: «أَيُّكُم»: مبتدأٌ، ومضافٌ إليه، وخبرُه: «أَقْرَبُ»، و«نَسَبًا»: منصوب على التَّمييز) [1] .

(أَدْنُوهُ): بفتح الهمزة.

(كَذَبَنِي): بالتَّخفيف، قال التَّيميُّ: (هو متعدٍّ لمفعولين، تقول: كذبتُهُ الحديثَ؛ كما في «صدق»، قال تعالى: {لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا} [الفتح: 27] ، وهذا من الغرائب أن يكون بالتَّخفيف متعدِّيًا لاثنين، وبالتَّشديد لواحد).

(يَأْثرُوا عَلَيَّ): أي: عنِّي؛ لأنَّ (أَثَرَ) يتعدَّى بـ (عن).

(عَنْهُ): أي: عليه، وكذلك في رواية الأصيلي، و (عليَّ) بمعنى: (عنِّي) ؛ كما هو في قوله:

~ إِذَا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ ........................

(كَانَ أَوَّل): هو بالرَّفع اسمُ (كان)، وخبرُه: (أَنْ قال)، ويجوز العكس، وجاءت به الرِّوايةُ.

(كَيْفَ نَسَبُهُ): (كيف): خبرٌ مقدَّمٌ، و (نَسبُه): مبتدأٌ مؤخَّرٌ.

(قَطُّ): قال الكرمانيُّ: (لا تُستعمل إلَّا في الماضي المنفيِّ، والاستفهامُ ههنا حُكمُه حكمُ النَّفيِ فيه).

وقال شيخُنا الحافظ أبو الفضل في «الفتح»: (استُعمل «قطُّ» بغير أداة النَّفي وهو قليل، ويَحتملُ أن يكون معناه كأنَّه قال: هل قال هذا القول أحدٌ، أو لم يقله قطُّ؟).

وقال ابنُ مالكٍ في قوله: (وَنَحْنُ أَكْثَرُ مَا كُنَّا قَطُّ): (في هذا الحديث استعمالُ «قطُّ» غيرَ مسبوقٍ بنفيٍ، وهو ممَّا خَفِيَ على كثيرٍ من النَّحْويين؛ لأنَّ المعهودَ استعمالُها لاستغراق الزَّمان الماضي بعد نفيٍ؛ نحو: «ما فعلتُ ذلك قطُّ»، وقد جاءت في هذا الحديث دون نفيٍ، وله نظائرُ).

(قَبْلَهُ): في روايةٍ: (مثلَهُ)، فيكونُ نصبُه على البدل من (هذا القولَ).

(مِنْ مَلِكٍ): رُوي على وجهين: (مِنْ) بكسر الميم، و (مَلِكٍ) بفتح الميم وكسر اللَّام، وهي روايةُ الأكثر، الثَّاني: (مَنْ) بفتح الميم، وبفتحها أيضًا وفتح اللَّام [ (مَلَكَ) ] على أنَّه فعلٌ ماضٍ، وهي روايةُ الكُشْمِيهَنِيِّ، والهَرويِّ، وابنِ عساكر.

والأوَّلُ أصحُّ وأشهرُ، ويؤيِّدُه روايةُ «مسلمٍ» [ح:1773] : (فِي آبَائِهِ مَلِكٌ) بحذف (مِنْ)، وكذا في تفسير «البخاري» [خ¦4553] ، وعلى هذا: يَحتمل أن تكون (مِنْ) زائدة في الرِّواية الأخرى؛ لأنَّها في سياق الاستفهام.

وقال البُلقينيُّ: ورَجَّح بعضُهم الرِّوايةَ الثَّانية بأنَّ هِرَقلَ إنَّما أراد أن يسأل أبا سفيانَ عن حدوثِ المُلْكِ لبعضِ آباءِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في وقتٍ من الأوقات، ولم يكن غرضُ هِرَقلَ السُّؤالَ عن ثبوتِ استمرارِه في المُلْكِ، وهذا التَّرجيحُ مُتعقَّبٌ ؛ لأنَّ غايةَ السُّؤال هل وقع ذلك؟ وهو صالحٌ للوجهين، والتَّرجيحُ المتقدِّمُ أرجحُ.

(سَخْطَةً): منصوبٌ مفعولٌ من أجله.

(كَلِمَةٌ): مرفوعةٌ منوَّنةٌ فاعلٌ.

(غَيْر): قال الكَرمانيُّ: (إمَّا منصوبٌ صفةً لـ«شَيْئًا»، وإمَّا مرفوعٌ صفةً لـ«كَلِمَةٌ».

فإنْ قلتَ: كيف يكون صفةً لهما وهما نكرة وهو مضاف إلى المعرفة؟ قلتُ: كلمةُ «غَيْرُ» لا تتعرَّف بالإضافة إلَّا إذا اشتهر المضافُ بمغايرةِ المضافِ إليه، وههنا ليس كذلك) انتهى.

وقال البِرْماويُّ بعد إيراد كلام الكَرمانيِّ: (قلتُ: لكن هذا مذهب ابن السَّرَّاج، والجمهورُ على خلافه، فنحو: {غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 7] يُعرَبُ بدلًا من {الَّذِينَ}، أو صفةً له؛ تنزيلًا للموصول منزلةَ النَّكِرة، فجاز وصفُه بالنَّكرة).

وقال والدي رحمه الله تعالى: (بالضمِّ صفةً لـ«كَلِمَةٌ»، ويجوزُ فيها النَّصبُ على الاستثناء).

واقتصر الزَّركشيُّ على الرَّفع صفةً لـ (كَلِمَةٌ).

(قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ): قال الكرمانيُّ: (أفصحُ من «قِتالُكُمُوه»؛ باتِّصال الضَّمير؛ فلذلك فَصَلَه) انتهى.

وفي كلام ابن الملقِّن: (فيه انفصالُ ثاني الضَّميرين، والاختيارُ: ألَّا يجيءَ المنفصلُ إذا تأتَّى أنْ يجيءَ المتَّصلُ)، قال ابنُ مالكٍ: (منها: قولُ سَهْل بن سعدٍ: «فأعطاه إيَّاه»؛ يعني: القائل: «ما كنتُ لِأُوثِرَ بنصيبي منكَ أحدًا».

وقولُ هِرَقلَ: «كيفَ كان قِتالُكم إيَّاه؟».

وقولُ المرأةِ: «يا رسول الله؛ إنِّي نَسجتُ هذه بيدي؛ لِأَكْسُوَكَها».

وقولُ رجلٍ مِنَ القومِ: «يا رسول الله؛ اُكْسُنيها».

وقولُ القوم للرَّجل: «ما أحسنتَ سألتَها إيَّاه».

في الحديث الأوَّل والثَّاني: استعمالُ ثاني الضَّميرين منفصلًا مع إمكانِ استعمالِه متَّصلًا، والأصلُ: ألَّا يُستعملَ المنفصلُ إلَّا عند تعذُّرِ المتَّصلِ).

(الحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالٌ): إنْ قلتَ: (الْحَرْبُ) اسمٌ مفردٌ، و (السِّجَالُ) جمعٌ، فلا مطابقة بين المبتدأ والخبر؛ قلتُ: (الحربُ) اسمُ جنسٍ.

(يَنَالُ منَّا وَنَنَالُ مِنْهُ): جملةٌ تفسيريَّةٌ.

(وَحْدَهُ): قال الجوهريُّ: (منصوبٌ عند أهل الكوفة على الظَّرْف، وعند أهل البصرة على المصدر) انتهى.

ورأيتُ في «القاموس» ما لفظُه: (ونصبُه على الحالِ عند البصريين لا على المصْدَرِ، وَغَلِطَ الجَوهريُّ) [2] .

(دَعَا بِكِتَابِ): أي: دعا الناسَ بكتابه، فالكتابُ مدعوٌّ به لا مدعوٌّ؛ فلهذا عُدِّيَ إليه بالباء، أو الباءُ زائدةٌ؛ أي: دعا الكتابَ، على سبيل المجاز، أو ضُمِّنَ (دَعَا) معنى: (اشتغل) ونحوه.

(مَعَ): بفتح العين على اللُّغة الفصيحة، غيرَ أنَّ المفتوحةَ تكونُ اسمًا وحرفًا، والمسكَّنَةُ حرفٌ لا غيرُ، وأنشدَ سيبويه: [من الوافر]

~ ورِيشِيْ مِنْكُمُ وهَوَايَ مَعْكُمْ ........................

قال اللِّحْيانيُّ: (وحكى الكِسائيُّ: أنَّ ربيعةَ وغَنْمًا يُسكِّنون العين، ويقولون: «معْكم» و«معْه»، قال [3] : فإذا جاءتِ الألف واللَّام وألف الوصل؛ اختلفوا؛ فبعضُهم يفتح العين، وبعضُهم يكسرها، فيقولون: معَ القوم ومعَ ابنك، ومعِ القوم ومعِ ابنك، [والفتحُ كلامُ] [4] العامَّة).

(مِنْ مُحَمَّدٍ): [ (مِنْ) لابتداء الغاية] ، وليست من الابتداء في المكان ولا في الزَّمان [5] ، قال الأستاذ أبو حيَّان: (مِن) التي لابتداء الغاية تأتي في غير المكان والزَّمان، كما جاء في هذا الحديث، وتقول: قرأتُ مِن أوَّل (البقرة) إلى آخرها.

(عَظِيمِ الرُّومِ): هو بدلٌ يجوزُ قطعُه وإتباعُه.

(أَمَّا بَعْدُ): (أمَّا): حرفُ شرطٍ وتفصيلٍ وتوكيد، و (بَعْدُ): اسمُ زمانٍ دالٌّ على تأخيرِ الواقع فيه عمَّا أضيفَ إليه، وهو بضمِّ الدَّال، وأجاز الفرَّاءُ بالنَّصب والتَّنوين، وبالرَّفع والتَّنوين، وأجاز هشامٌ فتحَ الدَّال من غير تنوين، وأنكرَه النَّحَّاسُ.

واعلم أنَّ في «البخاريِّ»:

ـ (أَمَّا بَعْدُ؛ مَا بَالُ رِجَالٍ) [خ¦2168] .

ـ و (أَمَّا مُوسَى؛ كأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيهِ إِذِ انْحَدَرَ فِي الْوَادِي)، وفي بعضها: (إِذَا انْحَدَرَ) [خ¦1555] .

ـ وقولُ عائشةَ: (وأَمَّا الذين جَمَعُوا الْحَجَّ والْعُمْرَةَ؛ طَافُوا) [خ¦1638] .

ـ وقولُ البراءِ بنِ عازبٍ: (أَمَّا رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ لَمْ يُوَلِّ) [خ¦3042] .

وقد تقدَّم الكلامُ على (أَمَّا) [6] ، وحقُّها أنْ تصحبَها الفاءُ؛ نحو: {فأمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا} [فصلت: 15] ، ولا تُحذف هذه الفاءُ غالبًا إلَّا في شِعْرٍ، ومع قولٍ أغنى عنه مَقُولُهُ؛ نحو: {فأمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ} [آل عمران: 106] ؛ أي: فيقال لهم: أكفرتُم، [وقد خُولفتِ القاعدةُ في هذه الأحاديثِ] ، فعُلِمَ بتحقيقٍ عَدَمُ التَّضييقِ، وأَنَّ مَنْ خصَّهُ بالشِّعر أو بالصُّورةِ المعيَّنةِ مِنَ النَّثرِ مُقَصِّرٌ في فتواهُ، وعاجزٌ عن نُصْرَةِ دَعواهُ، قاله ابنُ مالكٍ.

قال الكَرمانيُّ: (إنْ قلتَ: «أمَّا» للتَّفصيل؛ فلا بُدَّ فيه من التَّكرارِ، فأينَ قَسِيمُه؟ قلتُ: المذكورُ قبلَه قَسِيمُه، وتقديره: أمَّا الابتداءُ؛ فبسم الله، وأمَّا المكتوبُ؛ فمِنْ محمَّدٍ، وأمَّا بعد ذلك؛ فكذا).

(بِدِعَايَةِ): [/ص12/] الدِّعايَةُ مبنيَّةٌ مِن قولِك: (دَعَا يَدْعُو دِعَايَةً) ؛ نحو: (شَكَا يَشْكُو شِكَايَةً)، وقد تُقامُ المصادرُ مُقامَ الأسماءِ، وفي «مسلمٍ»: «بداعيةِ» [خ¦1773] ، النَّوويُّ: (أي: الكلمة الدَّاعية إلى الإسلام، ويجوزُ أنْ تكونَ (الداعية) بمعنى: الدَّعوة؛ كما في قوله تعالى: {لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللهِ كَاشِفَةٌ} [النجم: 58] ؛ أي: كَشْفٌ).

قال الكرمانيُّ: («دعوةُ الإسلامِ» مثلُ: «شجرةِ الأراكِ»؛ أي: أدعوكَ بالمدعوِّ الَّذي هو الإسلامُ، والباءُ بمعنى: «إلى»، وجوَّزَ بعضُ النُّحاةِ إقامةَ حروفِ الجرِّ بعضها مُقامَ بعضٍ؛ أي: أدعوكَ إلى الإسلام).

(تَسْلَمْ): مجزومٌ جوابُ الأمرِ.

(يُؤْتِكَ): إمَّا جوابٌ ثانٍ للأمرِ، وإمَّا بدلٌ أو بيانٌ للجواب الأوَّل.

(لَقَدْ أَمِرَ): جوابٌ للقَسَمِ المحذوفِ؛ أي: واللهِ لقد أَمِرَ، فاعلُه (أَمْرُ).

(إِنَّهُ يَخَافُهُ): قال الكرمانيُّ: (بالكسر؛ استئنافٌ تعليليٌّ؛ أي: أَمِرَ لأنَّه، وبالفتح؛ بأنَّه بدلٌ أو بيانٌ لـ«أَمِرَ»).

وقال ابن المُلقِّن: (بكسر الهمزة، ويجوزُ على ضَعْفٍ فتحُها على أنَّه مفعولٌ لأجلِه).

قال القاضي: (وضُعِّف الفتحُ؛ لوجودِ اللَّامِ في الخبر [7] ـ لكن جوَّزَه بعضُ النُّحاةِ، وقد قُرِئَ شاذًّا: {إِلَّا أَنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ} [الفرقان: 20] بالفتحِ في {أَنَّهُمْ} ـ والمعنى على الفتح في الحديث: عَظُمَ أَمْرُهُ؛ لأجْلِ أَنَّه يَخافُه مَلِكُ بني الأصفر) انتهى.

وقال الحَمْزيُّ: (كذا ضبطناه بالفتح؛ أي: من أجل ذلك عَظُمَ الأمرُ على أبي سُفيان، قال: والكسرُ صحيحٌ على استئنافِ الإخبارِ عمَّا رآه من هِرَقلَ، ولا سيَّما إذا ثبتتْ لامُ التَّأكيد في الخبر).

(صَاحِبَ إِيلِيَاءَ): قال ابن المُلقِّن: (منصوبٌ على الاختصاص، وخبرُ «كان»: «سُقُفًّا» [8] ، ويجوزُ أن يكونَ «يُحَدِّثُ أَنَّ هِرَقْلَ»، وهو أوجهُ في العربيَّة، وأصحُّ في المعنى، كما قال القاضي).

وقال البِرْماويُّ: (قال عِياضٌ: نصب على الاختصاص والحال، لا خبرُ «كان»؛ لأنَّ خبرَها إمَّا «أُسْقُفًّا» أو «يُحَدِّثُ»، وجوَّزَ غيرُه أن يكون خبرًا ثانيًا لـ«كان»، ومنعَ الزركشيُّ رفعَه صفةً لـ«ابن النَّاطور» [9] ؛ لأنَّه معرفةٌ، و«صاحِبَ» لم يتعرَّف بالإضافة؛ لأنَّها في تقدير الانفصال، وجوَّزه الكَرمانيُّ؛ لأنَّ الإضافة معنوية، قلتُ: وهو الظَّاهر).

وقال الكَرمانيُّ: (منصوبٌ على الاختصاص، ومرفوعٌ على أنَّه صفةٌ لـ«ابن النَّاطور»، و«أُسْقُفًّا»: [منصوبٌ] على الحالية، ومرفوعٌ بأنَّه خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ [10] ؛ أي: كان ابنُ النَّاطور صاحبَ إيلياءَ وصاحبَ هِرَقلَ [أُسْقُفًّا على النصارى يُحَدِّثُ] ) انتهى.

وقال الزَّرْكشيُّ: (قال القاضي: «صَاحِبَ»: منصوبٌ على الحال والاختصاص، لا على خبرِ «كان»؛ لأنَّ خبرَها «أُسْقُفًّا»، أو قوله: «يُحدِّثُ أنَّ هِرَقلَ»، وهو أوجهُ، قلتُ: يجوزُ أن يكون على خبر «كان»، ويكون «أُسْقُفًّا» خبرًا ثانيًا، فإن قيل: هلَّا جاز رفعُ «صَاحِبَ» على الصِّفة؛ قيل: لا؛ لأنَّ ما قبلَه معرفةٌ، و (صَاحِبَ إِيلِيَاءَ) نكرةٌ، والإضافةُ لا تُعَرِّفُهُ؛ لأنَّها في تقديرِ الانفصال) انتهى.

وقال الدِّمياطيُّ: (منصوبٌ على الاختصاص، لا على الخبر، وخبرُ «كان»: «يُحدِّثُ أنَّ هِرَقلَ»، وهو الأوجهُ، وقيل: «سُقُفًّا») انتهى.

قال والدي رحمه الله تعالى بعد نقل كلام الدِّمياطيِّ: (ويَحتمل أن يكون منصوبًا على الحال، ونُقل الإعرابان عن القاضي).

وقال شيخُنا في «الفتح»: (منصوبٌ على الاختصاص أو الحال، والإضافةُ تقوم مَقامَ التَّعريف).

(وَهِرَقْلَ): قال الدِّمياطيُّ: (بنصب اللَّام، معطوفٌ على «إيلِياءَ»، وموضعُهُ خفضٌ بالإضافة).

(شَأْنُهُمْ): مرفوعٌ فاعلٌ.

(أُتِيَ): مبنيٌّ للمفعول، ووقعَ جوابًا لـ (بَيْنَا) مجرَّدًا من (إِذْ) و (إذا) ؛ نحو:

~ فَبَيْنَا نَحْنُ نَرْقُبُهُ أَتَانَا ..... ... ... ... ... ... ... .

وهو العامل في (بينا) ؛ لأنَّه جوابٌ.

(هَذَا يَمْلِكُ هَذِهِ الأُمَّةَ): قال السُّهيليُّ في «أماليه»: («هَذا يَمْلِكُ»: مبتدأٌ وخبرٌ؛ أي: هذا المذكورُ يَملِكُ هذه الأُمَّةَ، و«قد ظَهَرَ»: جملةٌ مستأنفةٌ، لا في موضع الصِّفة ولا الخبر، ويجوزُ أن يكون «يَمْلِكُ» نَعْتًا؛ أي: هذا رجلٌ يَمْلِكُ هذه الأُمَّةَ، وقد جاء النَّعتُ بعد النَّعتِ، ثمَّ حُذِفَ المنعوتُ، وهذا إنَّما هو في الفعل المضارع لا في الماضي، قاله ابن السَّرَّاج، وحكاه عنِ الأخفش) انتهى.

وقال شيخُنا في «الفتح»: («هَذَا مُلْكُ هَذِهِ الأُمَّةِ قَدْ ظَهَرَ»: كذا لأكثرِ الرُّواةِ بالضَّمِّ ثمَّ السُّكون، وللقابِسيِّ بالفتح ثمَّ الكسر، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ وحدَهُ: «يَمْلِكُ» فعلٌ مضارعٌ، قال القاضي: أظنُّها ضمَّةَ الميم اتَّصلتْ بها فتصحَّفت، ووجَّهَهُ السُّهيليُّ: بأنَّه مبتدأٌ وخبرٌ؛ أي: هذا المذكورُ يَملِكُ هذه الأُمَّةَ، وقيل: يجوزُ أن يكون «يَمْلِكُ» نَعْتًا؛ أي: هذا رجلٌ يَمْلِكُ هذه الأُمَّةَ، وقال شيخُنا: يجوزُ أن يكون المحذوفُ الموصولَ على رأي الكوفيين والأخفش؛ أي: هذا الذي يَملِكُ، وهو نظيرُ قولِهِ: [من الطويل]

~ ..... ... ... ... ... . ... وَهَذَا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ

على أنَّ الكوفيِّينَ يجوِّزون استعمالَ اسمِ الإشارةِ بمعنى الاسمِ الموصولِ [11] ، فيكونُ التَّقديرُ: الذي يَملِكُ، قلتُ: وفيه نظرٌ؛ لاتِّفاقِ الكلِّ على حذف الياء في أوَّلِه، فذلك دالٌّ على ما قال القاضي، فيكون شاذًّا، على أنَّني رأيتُ في أصلٍ معتمدٍ وعليه علامةُ السَّرَخْسِيِّ بباءٍ موحَّدةٍ في أوَّلِه، وتوجيهُها أقربُ من الأوَّل؛ لأنَّه حينئذٍ [12] تكون الإشارة بـ«هذا» إلى ما ذكره من نظره في حكم النُّجوم، والباءُ متعلِّقةٌ بـ«ظَهَرَ»؛ أي: هذا الحُكمُ ظهرَ بملك [13] هذه الأمة الَّتي تختتن) انتهى.

وقال النَّوويُّ: (معناها: هذا المذكورُ يَمْلِكُ الأُمَّةَ، وهو قد ظَهَرَ).

(نَظِيرَهُ): بالنَّصب خبر (كان).

(إِلَى حِمْصَ): لا تنصرف للعُجمةِ، والعلميَّةِ، والتَّأنيث.

قال البِرْماويُّ: (لا تنصرفُ، قال الكرمانيُّ: لأنَّها أعجميَّةٌ، قلتُ: وفيه نظرٌ؛ فإنَّ ساكنَ الوسطِ من ذلك يُصرَفُ حتمًا على الأرجحِ؛ كـ: «نوح» و«لوط»، وقيل: فيه الوجهانِ في «هند»، وإنَّما المنعُ للتَّأنيث والعلميَّة.

نعم؛ قال بعضهم: إنَّه كـ«هند» في جواز الوجهين، والمنعُ أولى، ولكنَّه مردودٌ؛ لأنَّ الوجهين حيث لا يكون أعجميًّا، وإلَّا؛ فالمنعُ متحتِّمٌ كـ«جور» و«ماه» عَلَمَي بلدين، فإن أراد الكرمانيُّ ذلك؛ فحَقٌّ، إلَّا أنَّه لم يفصحْ بالمراد).

(فَتُبَايِعُوا): مجزومٌ جوابًا للاستفهام؛ نحو: {هَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا} [الأعراف: 53] .

(آنِفًا): نصبُهُ على الحال.

(آخِرَ): بالنَّصب على الأرجحِ؛ أي: آخِرَ شأْنِه في أمرِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم.

[1] ما بين قوسين جاء في (أ) عقب قوله: (وجاءت به الرواية) الآتي.
[2] «القاموس المحيط» (ص324) مادة (وحد).
[3] قال: سقطت من (ب).
[4] ما بين معقوفين سقط من النسختين، وهو مستدرك من المصادر.
[5] قوله: (وليست مِنَ الابتداء...) تقدم في النسختين على قوله: (من محمد)، وما بين معقوفين مستدرك من «التوضيح» (2/399).
[6] يعني: قبل أسطر؛ من أنَّها حرف شرطٍ وتفصيلٍ وتوكيد.
[7] أي: إنَّه ليخافُه، وهي رواية مسلم في «صحيحه» (1773).
[8] في النسختين و«التوضيح»: (سقف)، ولعل المثبت هو الأصح.
[9] في (ب): (الناظور) بالمعجمة، وكذا في المواضع اللاحقة، والمثبت من (أ)، وهي رواية أبي ذَرٍّ عن المُستملي والكُشْمِيهَنِيِّ.
[10] أي: هو أُسْقُفٌّ على نصارى الشام.
[11] الموصول: سقطت من (أ).
[12] في (ب): (وحينئذٍ).
[13] في (ب): (لملك)، والمثبت أولى.





7- قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ [الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ [1] ] : أَخْبَرَنا [2] شُعَيْبٍ): اعلم أنَّ (أبا اليمان) اسمُه الحكمُ بنُ نافعٍ، وكذا جاء في بعض النسخ مُسَمًّى منسوبًا [3] إلى أبيه، وهي في هامش أصلنا مصحَّحٌ عليها، وأنَّه احتجَّ به الشيخانِ عن شعيبٍ؛ وهو ابنُ أبي حَمْزةَ، وقد روى لأبي اليمان الأئمَّةُ السِّتَّةُ، وقد صحَّحَ عليه في «الميزان».

وقال المفضَّل الغلَابيُّ [4] عنِ ابن معين: (سألتُ أبا اليمان عن حديثِ شعيبٍ، فقال: ليس هو مناولةً، المناولةُ لم أُخرِجْها [5] إلى أحدٍ) .

وقال (سعيد البرذعيُّ [6] : سمعتُ أبا زُرعة يقول) [7] : (لم يسمعْ من شعيبٍ إلَّا حديثًا واحدًا، والباقي إجازة) انتهى.

وقيل: استحلَّ أن يقول: حدَّثنا شعيبٌ، فيما هو بالإجازة؛ لكونه نَسَخَ مِن أصل شعيبٍ، وكلامُ النَّاس [8] في ذلك معروفٌ؛ فلا نُطَوِّل به.

قال الذَّهبيُّ: (وهو ثبتٌ في شعيبٍ عالمٌ به) .

وقد حُكي عن قومٍ: جوازَ إطلاقِ (حدَّثنا) و (أخبرنا) في الرواية بالإجازة مطلقًا.

قال القاضي عِياض: (وحُكي ذلك عنِ ابنِ جُريجٍ، وجماعةٍ من المتقدِّمين) .

وحَكَى الوليدُ بنُ بكرٍ: أنَّه مذهب مالك وأهل المدينة، وذهب إلى جوازِه إمامُ الحرمينِ، وخالَفَه غيرُه من أهل الأصولِ [9] في المناولة.

فحُكي [10] عن جماعة منهم ابنُ شهابٍ الزُّهريُّ، ومالكُ بنُ أنسٍ: جوازُ إطلاق (حدَّثنا) و (أخبرنا) في المناولة، وهذا لائقٌ بمذهب مَن يرى عرض المناولة المقرونة بالإجازة سماعًا، والله أعلم.

قوله: (عَنِ الزُّهْرِيِّ): هو ابنُ شهابٍ، أبو بكرٍ العالمُ المشهورُ، تقدَّم.

قوله: (أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ [بْنَ حَرْبٍ] أَخْبَرَهُ): هو صخرُ بنُ حَرْبِ بنِ أُميَّةَ بنِ عبدِ شمسٍ، والدُ معاويةَ، صحابيٌّ مشهورُ الترجمة، وسأذكرُه بأطولَ مِن هذا، وأذكرُ تاريخَ وفاتِه في (الجنائز) إن شاء الله تعالى ذلك وقدَّرَه [خ¦1280] .

قوله: (أَنَّ هِرَقْلَ): هو بكسر الهاء، وفتح الراء على المشهور، وحَكى غيرُ واحدٍ -منهمُ الجوهريُّ في «صحاحه»- إسكان الراء، وكسر القاف، ولم يذكر بعضُهم غيرَه، ولا ينصرفُ؛ للعُجمة والعلميَّة، ولقبه: قيصر، وكذا كلُّ مَن مَلَك الروم يقال له: قيصر، و (النجاشيُّ): لكلِّ مَن ملَك الحبشة، ويُسمِّيه المتأخِّرون: الأَمْحريَّ، وكذلك (خاقان) لمَن ملَك التُّرْك، و (تُبَّع) لمَن ملَك اليمن، فإنْ ترشَّحَ للمُلْك؛ سُمِّي قَيْلًا، و (بَطْلَميُوس) لمَن ملك اليونان، و (الفِطْيَوْن) لمَن ملَك اليهود، هكذا قاله ابنُ خُرْدَارْبَه [11] ، والمعروف مالَخ، ثمَّ رأس جالوت، و (النُّمْرود) بضمِّ النون، وبالدال المهملة - لمَن ملَك الصابئة، و (دُهْمَن) و (فَغْفُور) لمَن ملَك الهند، و (غانة) لمَن ملك الزّنْج، و (فِرعون) لمَن ملَك مصرَ والشَّام، فإن أُضيف إليهما الإسكندريَّة؛ سُمِّيَ: (العزيز) ويُقال: (المُقوقِس) ، و (كِسرى) لمَن ملَك العجم، و (جالوت) لمَن ملَك البربر، و (الإخشيذ) [12] لمَن ملَك فَرْغانَة، و (النُّعمان) لمَن ملَك العرب مِنْ قِبَلِ العَجَم، و (جرجير) لمَن ملَك إفريقيَّة، و (شهرمان) لمَن ملَك خِلاط، و (فور) لمَن ملَك السِّند، و (الأصفر) لمَن ملَك عَلوى، و (رتيبل) لمَن ملَك الخَزَر، و (كابل) لمَن ملَك النُّوبة، و (ماجد) لمَن ملَك الصَّقالِبَة، ونقل [13] السُّهيليُّ قولًا: أنَّ (مأرب) اسمٌ لكلِّ مَن ملَك سبأ.

وأصل قيصر: البقير [14] ، وكان أوَّلَ مَن سُمِّى به بقيرًا [15] ، والقافُ غيرُ صافيةٍ [16] على لُغتِهِم، وذلك أنَّ أُمَّه لمَّا أتاها الطَّلْق به؛ ماتت، فبقر [17] بطنها، فخرجَ حيًّا.

فائدة: الكتابةُ إلى هِرقلَ كانت سنةَ خمسٍ، قاله خليفة، وفيه نظرٌ؛ لأنَّ الكتابة كانت في المدَّة التي مادَّ فيها رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أبا سفيان وكفَّارَ قريش [18] ، والمدَّةُ كانت في السادسة في الحديبية في ذي القعدة، وقال أبو عمر: كان بعث الكتابة سنة سِتٍّ.

وقال محمَّد بن عُمر: (لقيه بحمص، فدفع إليه الكتاب في المحرَّم سنةَ سبعٍ مع دحْية، فكتب قيصر يقول: «إنِّي مسلمٌ، ولكنِّي مغلوبٌ على أمري»، فلمَّا قرأ الكتاب؛ قال: «كَذَبَ عدوُّ الله، ليس هو بمسلمٍ، بل هو على نصرانيَّته») .

وفي «سيرة ابن سيِّد الناس»: (أنَّ الكتابة سنةَ سبعٍ، وفيها اتَّخذ الخاتم لختم الكُتُب) ، وقال ابن القيِّم: (إنَّه همَّ بالإسلام وكاد ولم يفعلْ) ، وقيل: بل أسلم، وليس بشيءٍ.

وقد روى: أبو حاتم بن حِبَّان في «صحيحه»، فذكر حديثًا عن أنس، وفيه: فأمر قيصر مناديه فنادى: ألا إنَّ قيصر اتَّبع محمَّدًا وترك النصرانيَّة، فأقبل جندُه وقد تسلَّحوا، فقال لرسولِ رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: قد ترى أنِّي خائفٌ على مملكتي، ثمَّ أمر مناديه فنادى: ألا إنَّ قيصر قد رَضِيَ عنكم، وكتب إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم [19] : إنِّي مسلمٌ [20] ، وبعث إليه بدنانير، فقال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «كَذَبَ عدوُّ الله، ليس هو بمسلمٍ، بل هو على نصرانيَّته».

والكلامُ عليه كثيرٌ جدًّا، ويكفي هذا، وقد وقع في «الاستيعاب» في ترجمة دحْية: (أنَّ هرقل آمنَ) انتهى.

ولم يذكرْه أحدٌ في الصحابة، وكيف وقد قاتل الصحابةَ في مؤتة، وواعدَهم أن يأتيَهم في العام المقبل، فنزل عليه الصَّلاة والسَّلام لأجله لتبوك [21] ، فلم يجئ، ثمَّ أُخذتِ البلادُ منه إلى أنْ هَلَكَ سنةَ عشرين مِنَ الهجرة بالقسطنطينيَّة على نصرانيَّته.

تنبيه: وذكر السُّهيليُّ في «روضه» في غزوة تبوك: (لم يذكرِ ابنُ إسحاقَ في غزوة تبوك ما كان مِن أمر هرقل، فإنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام كتب إليه مِن تبوك مع دحْية بن خليفة، ونصُّه مذكورٌ في الصحاح مشهورٌ، فأمر هرقلُ مناديًا يُنادي: ألا إنَّ هرقلَ قد آمن بمحمَّدٍ واتَّبَعَه، فدخلتِ [22] الأجناد في سلاحها وطافت بقصره [23] تريد قتله؛ فأرسل إليهم: أردتُ أن أختبر صلابتَكم في دينكم [24] فقد [25] رضيت، ورضُوا عنه، ثمَّ كتب مع دحْية إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقول فيه: «إنِّي مسلمٌ، لكنِّي مغلوبٌ على أمري»، وأرسل إليه بهديَّةٍ، فلمَّا قرأ الكتاب؛ قال: «كَذَبَ عدوُّ الله، ليس هو بمسلمٍ»، وقَبِلَ هديَّتَه وقَسَمَها بين المسلمين) انتهى [26]

وهذا [27] مخالفٌ [28] لما في «الصحيح» مِنْ أنَّ الكتابةَ كانت في الهدنة، فلعلَّ هذه الكتابة كانت مرَّتين، وفيه وقفة، ومِنَ الغريب قبولُ هديَّتِه، وقد أطلتُ فيه الكلامَ في تعليقي على «سيرة ابن سيِّد الناس» [29] في (كتبه عليه الصَّلاة والسَّلام إلى الملوك) ؛ فانظرْه إن أردتَه.

قوله: (فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ): قال الإمام العالم جلال الدين ابنُ شيخنا شيخ الإسلام البُلقينيِّ ما لفظُه: (سُمِّيَ مِنَ الرَّكْب: المغيرةُ بن شعبة) ، وذلك في «مصنَّف ابن أبي شيبة» بإسنادٍ صحيحٍ...) إلى أَن قال: (وفيما علَّقتُه عن والدي: أنَّ هذه الرواية يُعارضُها أنَّ المغيرةَ كان مسلمًا في الحديبية، وأسلم عام الخندق، فيَبْعُدُ أَن يكون حاضرًا وهو مسلمٌ ويسكت؛ لأنَّ الكتاب كان في هُدنة الحديبية) ، قال: (وفيما علَّقتُه عنه أنَّه قيل: إنَّ عِدَّتَهم أنَّهم كانوا ثلاثين رجلًا) انتهى.

وقال شيخُنا الشَّارح: (وفي بعض طرق هذا الحديث: أنَّهم كانوا ثلاثين رجلًا؛ منهم أبو سفيان) انتهى.

وفي رواية ابن السَّكَن: (أنَّهم كانوا نحو عشرين) ، قاله بعض حُفَّاظ العصر.

وإذا كان كذلك [30] ؛ فقوله: (مِنْ قُرَيْشٍ) فيه مجازٌ؛ لأنَّ المغيرةَ مِنْ ثقيفٍ، وقد جزم ابنُ عبد البَرِّ: بأنَّ المغيرةَ أسلم عامَ الخندق، وقَدِمَ مُهاجرًا، وقيل: أوَّلُ مَشاهِدِه الحديبية. [/ج1ص15/]

قوله: (وَكَانُوا تِجَارًا): هو بكسرِ التَّاء وتخفيف الجيم، ويجوزُ ضمُّ التَّاء وتشديدُ الجيم؛ لُغتان، جمع: (تاجِر) ، ويُقال أيضًا: (تَجْر) ؛ كصاحب وصَحْب.

[قوله: (بِالشَّأْمِ): هو الإقليمُ المعروفُ، وفي حِفظِي: أنَّهم كانوا بغَزَّة، ثمَّ رأيتُه منقولًا معزوًّا، و (الشَّأْمُ) ؛ بهمزةٍ ساكنةٍ؛ مثلُ: (رَأْس) ، ويجوزُ تخفيفُه بحذفها كما في (راس) وشبهه، وفيه لغةٌ أُخرى: (شآم) ؛ بالمدِّ، حكاها جماعةٌ-والشينُ مفتوحةٌ بلا خِلاف- قال ابنُ قُرقُول: (وأباها أكثرُهم) ، وهو مذكَّر، هذا المشهور، وقال الجوهريُّ: (يذكَّر ويؤنَّث) انتهى.

ويُنسَب إليه: (شأميٌّ) ؛ بالهمز وحذفه مع الياء، و (شآم) ؛ بالمدِّ من غير ياء؛ كـ(يمان) ، قال سيبويه وغيره: (ويجوز «شآميٌّ»؛ بالمدِّ مع الياء) ، ومَنَعَه غيرُه؛ لأنَّ الألفَ عوضٌ من ياء النسب، فلا يُجمَع بينهما، والصحيحُ جوازُه.

وأمَّا تسميتُه: (شامًا) ؛ فهو معروفٌ.

وأمَّا حدُّه؛ فالمشهورُ: أنَّه مِنَ العريش إلى الفرات طولًا، وقيل: إلى بالس، وأمَّا العرض؛ فمِن أجأ وسَلْمى إلى بحر الرُّوم وما سامتَ ذلك.

قال ابن عساكر في «التاريخ»: (إنَّ الشامَ دخلَه عشرةُ آلافِ عينٍ رأتِ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) انتهى.

وقد دخله عليه السلام مع عمِّه أبي طالبٍ [31] ، واجتمع به بحيرا، ومرَّة ثانيةً: في تِجارة خديجة مع غلامها ميسرة -وميسرةُ لا أعرفُ له إسلامًا، والظاهرُ: أنَّه ماتَ قبلَ النُّبُوَّة- ودخلَه ليلةَ الإسراء على الصحيح أنَّه يقظة، ومرَّة رابعة: إلى تبوك، والله أعلم] [32] .

قوله: (فِي الْمُدَّةِ...) إلى آخر الكلام: كان الصلح بينهم على أَنْ يدخُلَ مكَّة في العام المقبل وكذا وكذا، ووضعِ الحرب عشرَ سنين.

قال ابنُ إسحاقَ: (صالَحهم عَلى ترْكِ الحربِ عشرَ سنين) ، وكذا قال ابن سعدٍ.

وقال موسى بن عُقبة: (إنَّ الصلح كان على سنتين) ، وكذا عنِ ابن عائذٍ، عن محمَّد بن شعيب، عن عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن عكرمة، عنِ ابن عبَّاس: (أنَّ مُدَّةَ الصلح كانت إلى سنتين) .

وقد روى أبو داود: (أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام صالَحَهُم على ترك الحربِ عشرَ سنين) .

وقد روى الحاكمُ في «المستدرك» في (البيوع) عنِ ابن عمر: (أَنَ الهُدنةَ بينه عليه الصَّلاة والسَّلام وبين أهل مكَّة بالحديبية أربعُ سنين) ، قال الحاكم: صحيح، قال الذَّهبيُّ في «تلخيصه»: (بل ضعيفٌ؛ فإنَّ عاصمًا ضعَّفوه، وهو أخو عُبيد الله بن عمر) انتهى.

قوله: (بِإِيلِيَاءَ): إِيلِياء: هي بيتُ المقدس، وفيها ثلاثُ لغات:

أشهرُها: كسر الهمزة [واللَّام] ، وإسكان الياء بينهما، وبالمدِّ.

والثانية: مثلُها إلَّا أنَّه مقصورٌ.

والثالثة: بحذف الياء الأولى، وإسكان اللَّام، وبالمدِّ، حكاهُنَّ في «المطالع»، قال: (قيل: معناه: بيت الله) انتهى [33]

ووقع في «مسند أبي يعلى [34] » في مسند ابن عبَّاسٍ: (الإيلياء [35] ؛ بالألف واللَّام) ، قاله النوويُّ واستغرَبَهُ.

قوله: (وَحَوْلَهُ): هو بالنصبِ ظرفُ مكانٍ.

قوله: (بِتَرْجُمَانِهِ): هو بفتح التَّاء أفصحُ مِن ضمِّها، والجيمُ مضمومةٌ ومفتوحة.

قال الجوهريُّ: (وقد ترجم كلامَه؛ إذا فسَّرَه بلسانٍ آخرَ، ومنه: التَّرجُمان، والجمع: التراجم [36] ، مثل: زَعْفران وزَعافر، ويقال: تَرجُمان، ولك أن تضمَّ التَّاء؛ لضمَّة الجيم) انتهى.

فهذه ثلاثُ لُغات، والتَّاء فيه أصليَّةٌ، وأُنكِر على الجوهريِّ جعلُها زائدةً، وتبعه ابن الأثير في «نهايته»، وقد أخرجه [37] في (التاء) لكن قال: (والتاء والنون زائدتان) .

وهذا الترجمان لا أعرفُ اسمَه.

قوله: (أَدْنُوهُ): هو بفتح الهمزة؛ لأنَّه رباعيٌّ، وهذا ظاهرٌ سهلٌ.

قوله: (عِنْدَ ظَهْرِهِ): معناه: لئلَّا يستحيوا أن يواجهوه بالتكذيب إن كَذَب، وجاءتْ هذه العِلَّةُ مِن كلام هرقل في بعض طرق الحديث.

قوله: (فَإِنْ كَذَبَنِي): هو بتخفيفِ الذال؛ أي: حدَّثني حَديثَ كَذِبٍ.

قوله: (لَوْلَا [38] الْحَيَاءُ): سيأتي تعريفُ الحياء في (كتاب الإِيمان) إن شاء الله تعالى.

قوله: (يَأْثرُوا): بضمِّ الثاء وكسرها؛ أي: يحكوه عنِّي ويتحدَّثوا به، يقال: أثرتُ الحديثَ -مقصور [39] - آثرُه -بالمدِّ وضمِّ الثاء وكسرها- أَثْرًا -ساكنة الثاء-: حدَّثْتُ به.

قوله: (لَكَذَبْتُ عَنْهُ): أي: عليه، وقد جاء ذلك في رواية الأصيليِّ.

تنبيه: ذَكَرَ أبو الفتح اليَعمُريُّ في «سيرته» قال: (ويُروى في خبر أبي سفيانَ أنَّه قال لقيصر لمَّا سأله عنه عليه الصَّلاة والسَّلام: أيُّها الملك؛ أَلَا أُخبرُك عنه خبرًا تعرِفُ به أنَّه [40] قد كَذَب، قال: وما هو؟ قال: إنَّه زعم لنا أنَّه خرج من أرضنا أرض الحرم في ليلة، فجاء مسجدَكم هذا -مسجد إيلياء- ورجع في تلك الليلة قبل الصباح، قال: وبطريق إيلياء عند رأس قيصر، فقال: صدقَ [أيُّها الملكُ] ، قال: وما علمكَ بهذا؟ قال: إنِّي كنتُ لا أنام ليلةً حتَّى أُغلق أبوابَ المسجد، فلمَّا كانت تلك الليلة؛ أغلقتُ الأبواب كلَّها غيرَ بابٍ واحدٍ غلبني، فاستعنتُ عليه عُمَّالي ومَن يحضُرُني، فلم نستطع أن نحرِّكَه كأنَّما نزاولُ جبلًا، فدعوتُ النَّجَّارين، فنظروا إليه فقالوا: هذا باب سقط عليه النجاف والبنيان، فلا نستطيع أن نحرِّكه حتى نصبح فننظر من أين أُتِي؟ فرجعتُ وتركتُ البابين مفتوحين، فلمَّا أصبحتُ؛ غدوتُ عليهما؛ فإذا الحَجَرُ الذي في زاوية المسجد منقوب، وإذا فيه أثرُ مربط الدابَّة، فقلت لأصحابي: ما حُبس هذا الباب هذه الليلة إلَّا على نبيٍّ، وقد صلَّى الليلةَ في مسجدنا هذا، فقال قيصر: يا معشرَ الروم؛ ألستم تعلمون أنَّ بين عيسى وبين الساعة نبيًّا بشَّرَكم به عيسى ابن مريم ترجون أن يجعلَه اللهُ فيكم، قالوا [41] : بلى، قال: فإنَّ اللهَ قد جعله في غيركم، في أقلَّ منكم عددًا، وأَضيقَ منكم بلادًا، وهي رحمةٌ يضعُها حيث يشاء) انتهى [42]

قوله: (كَانَ أَوَّلَ): هو بنصب اللَّام، ويجوزُ رفعُها.

قوله: (قَطُّ): هي بفتح القاف، وتشديد الطاء المضمومة؛ ومعناها: الزمان، وبضمِّ القاف والطاء مع التشديد، وبضمِّ الطاء مخفَّفة، ويُضمَّان كذلك: قَطُّ وقُطُّ وقَطُ وقُطُ، فهذه أربع لغات ذكرها الجوهريُّ، أقلُّها الأخيرة؛ وهي ضمُّ القاف والطاء مع التخفيف.

قوله: (مِنْ مَلِكٍ): رُوي على وجهين؛ أحدُهما: بكسر ميم (مِنْ) ، وكسر لام (ملِك) ، وثانيها: (مَن) ؛ بفتح ميمها، وفتح لام [43] (ملَك) فعل ماض، وكلاهُما صحيحٌ، والأوَّلُ أصحُّ وأشهرُ، وتؤيِّدُه [44] روايةُ «مسلم» [م (1773)] : (هل كان في آبائه ملِكٌ) ؛ بحذف (مِنْ) ، وكذا هو في (التفسير) من هذا «الصحيح» [خ¦4553] .

قوله: (سَخْطَةً): السَّخَط والسُّخْط؛ مثل: السَّقَم والسُّقْم؛ وهي الكراهية للشيء وعدم الرِّضا به، وهو مفعولٌ من أجله.

قوله: (يَغْدِرُ): هو بكسر الدال، والغدرُ: ترك الوفاء.

قوله: (كَلِمَةٌ): هي مرفوعةٌ منوَّنةٌ، فاعل.

قوله: (غَيْرُ هَذِهِ): بالضمِّ على أنَّه صفة لـ (كلمة) ، ويجوز فيها النصب على الاستثناء، وبالأوَّل هو مضبوط في أصلنا.

قوله: (سِجَالٌ): أي: مرَّة على هؤلاء، ومرَّة على هؤلاء، من مساجلة المستقين على البئر بالدِّلاء، وهو بكسر السين المهملة.

قوله: (وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ): وفي نسخة: (بالصدقة) ، قال الدِّمياطيُّ: (وفي «مسلمٍ» [م (1773)] من حديث مَعْمَرٍ: يأمرُنا بالصَّلاة، والزَّكاة، والصِّلة، والعفاف) انتهى.

وقد راجعتُه فوجدتُه كذلك، إلَّا أنَّ مسلمًا ذكره بطريقين؛ الأُولى: من حديث مَعْمَر عنِ الزُّهريِّ [م (1773 )] ، ثمَّ عقَّبه بسندٍ آخرَ عن صالحٍ عنِ الزُّهريِّ [م (1773 )] ، وفي آخرِه: (وزاد في الحديث...) فذكر [45] الزيادة، فدلَّ كلامُه أنَّ صالحًا وافقَ مَعْمَرًا في هذه ولم يخالفْه، فكان ينبغي له الإطلاقُ واختصارُ قوله من حديث مَعْمَرٍ.

قوله: (وَالْعَفَافِ): هو بفتح العين؛ وهو ترك المحارم وخوارم [46] المروءة. [/ج1ص16/]

قوله: (حِينَ يُخَالِطُ [47] بَشَاشَةَ الْقُلُوبِ): يعني: أُنْسَه ولطفَهُ، قال ابن قُرقُول: (ورواه المستملي، والحَمُّوي، والعُذريُّ، وابُن سفيان: «حتَّى تخالط [48] بشاشتُهُ القلوبَ») .

قوله: (بِمَا يَأْمُرُكُمْ): كذا في أصلِنا بإثبات الألف في الاستفهام، وهو قليلٌ، والجادَّةُ (بِمَ) ؛ بحذف الألف.

قوله: (لَتَجَشَّمْتُ): أي: تَكَلَّفْتُ مَا فيه من مَشقَّةٍ، قال ابن قُرقُول: (كذا في «البخاريِّ»، وفي «مسلم»: «لَأَحْبَبْتُ») ، والأوَّل أوجه؛ لأنَّ الحُبَّ للشيءِ لا يُصَدُّ عنه؛ إذ لا يُطَّلَعُ عليه، وإنَّما يُصَدُّ عنِ العمل الذي يظهَرُ، فلا يُملَكُ في كلِّ حينٍ.

قوله: (مَعَ دحْيَةَ): (دحْية): بكسر الدال، وعليه اقتصر الجوهريُّ، وبفتحها أيضًا، وهو دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة [49] ، وباقي نسبه معروفٌ، كان مِن أجملِ الصحابة وَجْهًا، وكان جبريلُ عليه السلام يأتي النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في صورتِه، كما تقدَّم.

وقد ذكر السُّهيليُّ عنِ ابن سلَّام _ وهو يحيى بنُ سلَّام- في «تفسيره» في قوله تعالى: {تِجَارَةً أَوْ لَهُوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا} [الجمعة: 11] قال: (كان اللَّهْوُ نظرَهم إلى وجهِ دحية لجمالِه) [50] .

أسلمَ قديمًا، ولم يشهد بدرًا وشهد ما بعدَها، وتوفِّي في خلافة معاويةَ، وقُتِلَ شهيدًا باليرموك، وقد تقدَّم أنَّها سنةُ خمسَ عشرةَ، وسكن المِزَّة بقُرب دمشقَ رضي الله عنه.

والدِّحيةُ بلسانِ أهل اليمن: الرئيسُ، قاله السُّهيليُّ في بني قُريظَةَ [51] .

قوله: (عَظِيمِ بُصْرَى): عظيمُها: لا أعلمُ اسمَه، وقال حافظ عصري [52] : (قيل: هو الحارثُ بن أبي شمر، وقيل: ملك غسان) انتهى [53]

وسيأتي الكلام على ملك غسان قريبًا، وأنَّه الحارث [54] بن أبي شمر.

قوله: (بُصْرَى): بضمِّ الباء مقصورة؛ بلدٌ بحوران معروفةٌ، وهي أوَّلُ بُلدان الشام فُتُوحًا، فُتحتْ سنةَ ثلاثَ عشرةَ صُلحًا.

قوله: (عَظِيمِ الرُّومِ): هو بدلٌ يجوزُ قطعُه واتباعُه، ولم يقل: (مَلِك) ؛ لما يقتضيه هذا الاسمُ مِنَ المعاني التي لا يستحقُّها مَن ليس مِن أهل الإسلام، ومع ذلك فلم يُخلِهِ [55] مِن نوع إكرامٍ في المخاطبةِ؛ ليكون آخذًا بإذن الله في تليين القول لِمَن يبتدِئُه بالدَّعوةِ إلى الحقِّ.

قوله: (أَمَّا بَعْدُ): هو بضمِّ الدال وفتحها، ورفعِها منوَّنةً، وكذا نصبِها.

وفي المبتدِئِ بها خمسةُ أقوالٍ:

داودُ عليه السلام -وقيل: هو فصلُ الخِطاب، وقيل: فصل الخطاب: علم القضاء، وقطع الخصام، وقيل: معرفة البيِّنة على المدَّعي، واليمين على مَن أنكر، والله أعلم- أو قسُّ بن ساعدة، أو كعب بن لؤيٍّ، أو يعرُب بن قحطان، أو سَحْبان.

وأفاد شيخُنا الشَّارح: أنَّ في «غرائب مالك» للدارقطنيِّ بسندٍ صحيح: (لمَّا جاء مَلَكُ الموت إلى يعقوب عليه السلام؛ قال يعقوب في جملة كلامٍ: أمَّا بعدُ؛ فإنَّا أهلُ بيتٍ موكَّلٌ بنا البلاء) انتهى [56]

ولو [57] ثبت هذا؛ لكان أوَّلَ مَن تكلَّم بها يعقوب.

قوله: (بِدِعَايَةِ الْإِسْلَامِ): الدِّعاية: بكسر الدال مصدرٌ؛ كالشِّكاية [58] .

قال ابن قُرقُول: (والمشهورُ في المصدر: دعاءً ودَعوى، كما قال: «ليس منَّا مَن دعا بدَعوى الجاهليَّة»، وذكر في «البارع»: «دَعاوة» [59] ، وللأصيليِّ في «الجهاد»: «بدَاعِيَةِ الإسلام»؛ أي: بدَعوتِه وبالكلمةِ التي يُدعى بها إلى الإسلام، ويدخل بها فيه مَن دُعي إليه، وهو بمنزلة قوله في الحديث الآخر بعدَها: «وَيَا أَهْلَ الْكِتَابِ») انتهى [60] ، كذا قال: (في الحديث الآخر) ، وإنَّما هو في نفس الحديث المذكور.

وقال النوويُّ: («بِدِعَايَةِ»؛ بكسر الدال؛ أي: بدَعوتِه، وهي كلمةُ التوحيد) انتهى ، وهو ملخَّصٌ ممَّا قبلَه.

قوله: (يُؤْتِكَ اللهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ) [61] : لإيمانِك بعيسى، واتِّباعكَ لي، بخلافِ الجاهليَّة أهلِ الأوثان الذين لَمْ يكونوا على شيءٍ مِن دينِ الله ولا كتابٍ.

قوله: (الْأَرِيسِيِّينَ) [62] : اختُلِف في ضبطها على أوجهٍ:

أحدُها: بِيَاءَيْنِ بَعْد السِّينِ.

وثانيها: بياءٍ واحدةٍ، والهمزةُ مفتوحةٌ، والراءُ مكسورةٌ مخفَّفةٌ في كلا الوجهين.

وثالثها: بهمزةٍ مكسورةٍ، وتشديدِ الراء، وياء واحدة بعد السين، وقد وقع في إحدى روايتي «البخاريِّ» و«مسلم»: (الْيَرِيسِيِّينَ) [63] ، وهو ما عزاه النوويُّ وغيرُه إلى البخاريِّ هنا، وفي أصلنا: (الأَرِيسِيِّينَ) [64] ، وفي الحاشية: (اليَرِيسِيِّينَ) ؛ بفتح الياء، وكسر الراء، وبالسين المهملة، ويجوزُ أن يكون بدلًا مِنَ الهمزة كما في: (أَزَنِيٍّ ويَزَنِيٍّ) [65] ، وبالهمز [66] أكثرُ استعمالًا [67] عند أهل اللُّغة، وفي روايات الحديث أيضًا.

وهذا بسطُ الروايات، وهي أربع غير ما في أصلنا: (الأَرِيسيِّين، الأريسين، الإِرِّيسين، اليَرِيسِيِّين) .

واختُلف في المراد بهم، والصحيحُ المشهور: أنَّهم الأكارون؛ أي: الفلَّاحون والزَّرَّاعون؛ أي: عليك إثمَ رَعاياكَ الذين يتَّبعونَك وينقادونَ لأمركَ، ونبَّه بهؤلاء على جميعِ الرَّعايا؛ لأنَّهمُ الأغلبُ في الرَّعايا، وأسرعُ انقيادًا، وأكثرُ تقليدًا، فإذا أسلمتَ؛ أسلموا، وإذا امتنعتَ؛ امتنَعوا.

قال شيخُنا الشَّارح: وقد جاء ذلك مصرَّحًا به في «دلائل النُّبوَّة» للبيهقيِّ والطبري قال: «عليك إثم الأكارين»، ولأبي عُبيدٍ: (وإن لَمْ يدخل في الإسلام؛ فلا يحُلُّ [68] بين الفلَّاحين والإسلام) ، وللبَرقانيِّ: (يعني: الحرَّاثين) ، وللإسماعيليِّ: (فإنَّ عليكَ إثمَ الرَّكوسيِّين) ؛ وهم أهلُ دينٍ بين النصارى والصابئين، يقال لهم: الركوسيَّة، ويُقال: إنَّ الأريسيين كانوا يحرثون أرضهم، كانوا مجوسًا، وكان الرُّومُ أهلَ كِتابٍ؛ فيُريد: إنَّ عليك مثلَ وزرِ المجوس إنْ لم تُؤمن وتُصدِّق.

وقال أبو عُبيد [69] : (هُمُ الخَدَم والخَوَل) .

وقيل: الملوك والرؤساء الذين يقودون الناس إلى المذاهب الفاسدة.

وقيل: هُمُ المتبخترون [70] ، فعلى هذا؛ يكون المراد: فإنَّ عليك إثمَ مَن تكبَّر عنِ الحقِّ.

وقيل: همُ اليهودُ والنصارى أتباع عبد الله بن أريس، الذي تنسب [71] إليه (الأروسيَّة) من النصارى، رجل كان في الزمن الأوَّل، قَتَلَ هو ومَن معه نبيًّا بعثَه اللهُ إليهم.

وقال [72] أبو الفتح اليعمريُّ: (اليريسيُّون: دهَّاقين القرى كانوا إذْ ذاك مجوسًا) .

قوله: (وَ{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ} [آل عمران: 64] ) [73] : هذه الواو ثبتت في رواية عبدوس، والنسفيِّ، والقابِسيِّ، وسقطت في رواية الأصيليِّ وأبي ذرٍّ، كما نبَّه عليه القاضي [74] قال: (وقد اختلف المحدِّثون فيما وقع من الأوهام في بعض التلاوة؛ فمنهم مَن أوجبَ إصلاحَها؛ لأنَّه إنَّما سِيقتْ للدلالة، ولا حجَّةَ [/ج1ص17/] إلَّا في الثابت في المصحف، ومنهم مَن قال: ينقلُها كما وقعتْ، ويُنبِّه عليها؛ لأنَّه يبعُد خفاؤها عنِ المؤلِّفِ والناقل عنه، ثمَّ على جميعِ الرواةِ حتَّى وصلتْ إلينا، فلعلَّها قراءةٌ شاذَّةٌ، ثمَّ ضُعِّفَ بأنَّ الشَّاذَّ مرويٌّ معلومٌ لا يُحتجُّ به في حكمٍ ولا يُقرَأُ به في صلاةٍ) انتهى.

ومسألةُ ما إذا وقع في الأصل لحنٌ أو خطأٌ؛ معروفةٌ في علوم الحديث، واختار أبو محمَّد بن عبد السلام فيها مذهبًا نقله عنه أبو الفتح ابن دقيق العيد، وهو ترك الصواب والخطأ.

قال في «الاقتراح»: (سمعتُ أبا محمَّد بن عبد السلام، وكان أحدَ سلاطين العلماء، كان يرى في هذه المسألة ما لَمْ أره لأحدٍ: «أنَّ هذا اللفظَ المختلَّ لا يُروى على الصوابِ ولا على الخطأِ، أمَّا على الصوابِ؛ فإنَّه لَمْ يُسمَع مِنَ الشَّيخ كذلك، وأمَّا على الخطأِ؛ فلأنَّ [75] سيِّدَنا رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَمْ يَقُلْه كذلك»، هذا معنى ما قاله أو قريب منه) [76] .

سؤال: إن قيل: ما الحكمةُ في إرسال هذه الآية دون غيرِها مِنَ الآيِ؟

وجوابه: لأنَّ هرقل نصرانيٌّ، والنصارى جمعتِ الأمورَ الثلاثة؛ فعبدوا عيسى عليه السلام وأشركوا بالله، وقالوا: إنَّ الله ثالث ثلاثة، واتَّخذوا الأحبارَ والرُّهبان أربابًا من دون الله.

فائدةٌ: قال السُّهيليُّ: (رُوِيَ أنَّ هِرقلَ وضع كتاب النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الذي كتب إليه في قصبةٍ مِنْ ذهبٍ تعظيمًا له، وأنَّهم لم يزالوا يتوارثونه كابرًا عن كابر في أرفع صوان وأعزِّ مكانٍ، حتى كان عند إذفونش الذي تغلَّب على طليطلة، وما أخذ أخذها من بلاد الأندلس، ثمَّ كان عند ابن بنته المعروف بالسلطين.

حدَّثني بعضُ أصحابِنا أنَّه حدَّثه مَن سأله رؤيتَه مِنْ قُوَّاد أجناد المسلمين، وكان يُعرف بعبد الملك [77] بن سعيد، قال: فأخرجه إليَّ، فاستعبرتُ وأردتُ تقبيلَه، فأخذَه مِن يدي، فمنعني مِنْ ذلك صِيانةً له، وضنًّا به عليَّ) انتهى [78]

قوله: (الصَّخَبُ): هو اختِلاطُ الأصواتِ [79] وارتفاعُها.

قوله: (لَقَدْ أَمِرَ [80] ): هو بفتحِ الهمزة مقصورة، وكسر الميم، وفتح الراء؛ أي: كثُرَ وارتفعَ شأنُه.

قوله: (ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ): يعني: النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأبو كبشةَ: اسمُ رجلٍ تألَّه قديمًا وفارقَ دِينَ الجاهليَّة، وعَبَدَ الشِّعرى، فشُبِّهَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم به [81] ، وقيل: بل كانت للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أُختٌ تُسمَّى كبشة -وكان أبوها [82] أبا النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِنَ الرضاعة، وهو الحارثُ بنُ عبد العُزَّى بنِ رِفاعة مِن هوازن، ذَكَرَ يونس بن بُكير، عنِ ابن إسحاقَ، عن أبيه، عن رجالٍ مِنْ بني سعدِ بنِ بكرٍ: أنَّه أدرك الإسلام، وأسلم بمكَّة- يُكنى بها، وقيل: بل كان في أجدادِه لأُمِّه مَن يُكنى بأبي كبشةَ، وقد ذَكَرَ محمَّدُ ابنُ حبيبَ - وحبيبُ لا ينصرفُ؛ لأنَّها أُمُّهُ، قاله النَّوويُّ، وقال السُّهيليُّ: مصروفٌ - في «مُحَبَّرِهِ» جماعةً مِن جهة أبيه وأمه يُكنَون بأبي كبشة، وقيل: بل أبو كبشةَ الخُزاعيُّ الذي فارق دِينَ قومه؛ هو جدُّ جدِّ [83] أُمِّ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.

فائدة: اسمُ أبي كبشةَ وَجز بن غالب؛ بواو مفتوحة، ثمَّ جيم، ثمَّ زاي، ذكره ابن ماكولا، وعُزِيَ للدَّارقطنيِّ أيضًا، قال ابنُ ماكولا: (وجز بن غالب بن عامر بن الحارث، وهو غبشان، ووجز هو أبو كبشةَ الذي كانت قريشٌ تَنسب النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إليه، وكان أبو كبشةَ أوَّلَ مَن عَبَدَ الشِّعرى وخالف دِينَ قومِه...) إلى آخرِه.

قوله: (إِنَّهُ يَخَافُهُ): هو [84] بكسر الهمزة على الاستئناف، ويجوزُ على ضعفٍ فتحُها على أنَّه مفعولٌ لأجله، وضُعِّفَ لوجود اللَّام في الخبر [85] ، وقال في «المطالع»: (كذا ضبطناه بالفتح؛ أي: مِن أجل ذلك عظُم الأمر على أبي سفيان) ، قال: (والكسرُ صحيحٌ على استئنافِ الإخبارِ عمَّا رآه مِن هرقل، ولا سيَّما إذا ثبتت لام التأكيد في الخبر [86] ) [87] .

قوله: (بَنِي الْأَصْفَرِ): همُ الروم، وجدُّهُم الأصفرُ بنُ روم بن عيصو بن إسحاق، قاله الحربيُّ، وهو الأشبه، وقال غيرُه: بل لأنَّ جيشًا من الحبش غلب عليهم في الزمان الأوَّل فوطِئَ نساءَهم، فوُلِدَ لهم أولادٌ صفرٌ فنُسبوا إليهم، قاله ابن الأنباريِّ.

قوله: (وَكَانَ ابْنُ النَّاطُورِ): الظاهرُ أنَّ مِنْ هنا إلى آخرِ الحديثِ مِن قولِ الزُّهريِّ، واللهُ أعلم [88] .

قوله: (ابْنُ النَّاطُورِ) [89] : بطاءٍ مهملةٍ، وعند الحَمُّوي بالمعجمة، قاله في «المطالع» [90] ، قال أهل اللُّغةِ: هو ناظورة القوم وناظورهم؛ إذا كان المنظور إليه منهم، و (الناطور) ؛ بالمهملة: حافظُ النخل؛ أعجميَّة تكلَّمتْ بها العرب، قال الأصمعيُّ: (هو بالمعجمة، والنبطُ يجعلونَ الظاءَ طاءً) ، وقال غيرُه: هو بالمهملة حافظ النخل، وحُكِي إعجامُها، قاله الجواليقيُّ في «المعرَّب»، ولا أعرف أنا اسمَ ابن الناطور [91] ، والله أعلم.

قوله: (صَاحِبَ إِيلِيَاءَ [92] ): منصوبٌ على الاختصاص لا على الخبر، وخبر (كان): (يُحدِّثُ أَنَّ هِرَقْلَ) ، وهو الأوجهُ، وقيل: (سُقُفًّا) ، قاله الدِّمياطيُّ، والذي قاله ظاهرٌ، ويَحتمل أن يكون منصوبًا على الحال، ونُقل الإعرابان عنِ القاضي.

قوله: (وَهِرَقْلَ): قال الدِّمياطيُّ: (بنصب اللَّام معطوفٌ على «إيلياء»، وموضعُه خفضٌ بالإضافة) انتهى.

قوله: (سُقُفًّا): هو بضمِّ السين والقاف وتشديد الفاء، ويُروى: (أُسقفًا) ؛ بضمِّ الهمزة مع تخفيف الفاء وتشديدها، والأشهرُ: ضمُّ الهمزة، وتشديد الفاء، وقال بعضُهم: إنَّ الروايةَ فيه: تخفيف الفاء، وجمعُه: أساقفة وأساقف، وفي بعضِ الأصول: (سُقِّفَ) ؛ بضمِّ السين، وكسر القاف المشدَّدة؛ أي: جُعل أُسقفًا، والأُسقف للنصارى: رئيسُ دينِهِم وقاضيهم، قيل: سُمِّيَ به؛ لانحنائه وخضوعه؛ لتديُّنه عندهم.

قوله: (قَدِمَ إِيلِيَاءَ): تقدَّم الكلامُ عليها قريبًا.

قوله: (بَطَارِقَتِهِ): هو بفتح الموحَّدة: قُوَّاد ملوكِ الروم، وخواصُّ دولتهم، وأهلُ الرأي والشُّورى، وقال الخليل: (البِطريق -يعني: بكسر الباء-: العظيمُ مِنَ الروم) ، قال الحربيُّ: (هو العظيمُ المختال المتعاظم المزهُوُّ، ولا يُقال ذلك للنساء) ، ولفظ «النهاية»: (البطارقة من الروم: جمع بطريق؛ وهو الحاذقُ بالحرب وأمورِها بلُغة الروم، وهو ذو منصبٍ عندهم) .

قوله: (حَزَّاءً): هو بفتح الحاء المهملة، وتشديد الزاي، وبالمدِّ، والحازيْ معناها [93] : المتكهِّن، يقال: حَزَى يَحْزِي ويَحزُو ويُحَزَّى.

وفسَّره في الحديث: بأنَّه (ينظر في النجوم) ، ويمكن أن يريد بيانَ حَزوه؛ لأنَّ التكهُّنَ بوجوه، وقال في «الصِّحاح»: (والحَازي: الذي ينظر في الأعضاء وفي خِيلان الوجه يتكهَّن) .

قوله: (مَلِكَ الْخِتَانِ): ضُبِط بوجهين؛ أحدُهما: (مَلِك) ؛ بفتح الميم، وكسر اللام، وثانيهما: ضمُّ الميم، وإسكان اللَّام، ومعناهما صحيح، ومعناه: رأيتُ المُلْكَ لطائفةٍ تختتن.

قوله: (فَلَا يُهِمَّنَّكَ شَأْنُهُمْ): هو رباعيٌّ، و (شأنُهُم): مرفوعٌ فاعلٌ، وبه ضُبِط في أصلنا، ويقال: بفتح الياء على أنَّه ثلاثيٌّ، يقال: هَمَّني الأمرُ همًّا؛ أي: أحزنَنِي وأغمَّني، وأَهمَّنِي؛ إذا بالغ في ذلك.

قوله: (إِلَى مَدَائِنِ): هو بالهمز، ويجوز تركُه.

قوله: (أَرْسَلَ بِهِ مَلِكُ غَسَّانَ): قال شيخُنا الشَّارح: (هو الحارثُ بنُ أبي شمر) انتهى.

وكذا قال ابن شيخنا البلقينيِّ، قال شيخنا الشَّارح: (أراد حرب النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وخرج إليهم في غزاة، ونزل قبيل من كندة ماء يقال له: غسَّان بالمُشلَّل، فسمُّوا به) انتهى.

والحارث [/ج1ص18/] هذا: الظاهر هلاكه على كفره، ولا أعرفُ له إسلامًا، وقد كتب إليه النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مع شُجاع بن وهب كما ذَكَرَ الواقديُّ، وقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعد أن رجع الرسول من عنده: «باد وباد مُلكه»، وهذا ممَّا يُقوِّي أنَّه هَلَكَ على كفره، قال ابن قيِّم الجوزيَّة في غزوة تبوك: (إنَّه مات عام الفتح) .

قوله: (هَذَا يَمْلِكُ هَذِهِ الْأُمَّةَ): قال ابن قُرقُول: («هذا مُلْكُ هذه الأُمَّةِ»؛ يعني: بضمِّ الميم، وسكون اللام؛ هكذا لعامَّتِهِم، وعند القابِسيِّ عنِ المروزيِّ: «مَلِك»؛ يعني: بفتح الميم، وكسر اللَّام، وعند أبي ذرٍّ: «يَمْلِكُ هذه الأُمَّةَ»، وأُراها ضمَّة الميم اتَّصلتْ بها فتصحَّفت) انتهى، وعن السُّهيليِّ أنَّه وجَّهها في «أماليه»: (هَذَا يَمْلِكُ): مبتدأٌ وخبرٌ؛ أي: هذا المذكور يملِكُ هذه الأُمَّة.

وقوله: (قَدْ ظَهَرَ): جملة مستأنفة لا في موضع الصفة ولا الخبر، ويجوز أن يكون (يملك) نعتًا؛ أي: هذا رجل يملك هذه الأُمَّة، وقد جاء النعت بعد النعت ثمَّ حذف المنعوت، وهذا إنَّما هو في الفعل المضارع، لا في الماضي، قاله ابن السَّراج وحكاه عنِ الأخفش.

وعن النوويِّ أنَّه قال: (كذا [94] ضبطناه عن أهل التحقيق، وكذا هو في أكثر أصول بلادنا) ، قال: (و هي صحيحة؛ ومعناها: هذا المذكور يملك هذه الأمَّة، وقد ظهر) .

قوله: (إِلَى صَاحِبٍ لَهُ): صاحبه لا أعلم اسمَه، وقال ابن شيخنا البلقينيِّ ما لفظه: (يقال: هو ضغاطِر؛ الأُسقف الروميُّ، وقيل في اسمه: بقاطر، وذكر ابن الأثير في «أسد الغابة» شيئًا [95] يدلُّ على ذلك) انتهى [96] ، وكذا قال حافظ مصريٌّ: إنَّه [97] ضغاطر، انتهى، قال الذَّهبيُّ: (ضغاطر: الأُسقف الروميُّ، أسلم على يد دحية الكلبيِّ وقت الرسليَّة، فقتلوه) انتهى [98] ، فانظر ما [99] بين هذين الكلامين.

قوله: (بِرُومِيَةَ [100] ): قال في «المطالع»: (مخفَّفُ الياء؛ يعني: مع ضمِّ الراء، مدينةُ رِئاسة الروم وعلمهم) ، كذا قيَّدناه عن جميع شيوخنا، قال الأصمعيُّ: (ومثله أنطاكية مخفَّفٌ أيضًا) انتهى، يقال: إنَّ رُوماس بناها.

قوله: (فَلَمْ يَرِمْ حِمْصَ): هو بفتح المثنَّاة تحت، وكسر الراء؛ أي: لَمْ يبرَح ولا فارق، يقال: رامَ يَرِيمُ رَيْمًا، وأمَّا مَن طلب شيئًا؛ فيُقال: رام الأمرَ يَرومُ، وغلط الداوديُّ في (فَلَمْ يَرِمْ) ؛ فقال: (معناه: لَمْ يَصِلْ حمصَ) ، وهو عكسُ ما قال.

قوله: (حِمْصَ): مدينةٌ معروفةٌ، لا تنصرفُ؛ للعُجمة والعلميَّة والتأنيث، وهي مِنَ المُدُن الفاضلة، جاء في حديثٍ ضعيفٍ: أنَّها مِنْ مُدُن الجنَّة.

ويروى في حديث وفي سنده حُمْرة - بالحاء المهملة وبالراء - ابن عبد كُلال، وسيأتي بما فيه، قال: سار عمر إلى الشام...؛ فذكر حديثًا عنه، وفي آخره: ثمَّ أَدخُلَ حمصَ، فإنِّي سمعتُ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقول: «ليُبعثَنَّ منها يومَ القيامةِ سبعينَ ألفًا لا حسابَ عليهم ولا عذاب، يبعثهم فيما بين الزيتون وحائطها في البَرْث الأحمر» انتهى.

والبَرْث؛ بفتح الموحَّدة، ثمَّ راء ساكنة، ثمَّ ثاء مثلَّثة: وهو الأرض اللَّيِّنة، وجمعُها: براث؛ وهي أرضٌ قريبةٌ مِن حمص، قُتل بها جماعةٌ من الشهداء، وهذا الحديث ذكره أحمد في «مسنده».

وحمرة-كما تقدَّم ضبطه- ذكره الذهبيُّ في الحاء المهملة في «الميزان»، فقال فيه [101] : (الرُّعينيُّ: حدَّث عنه رِشدين بن سعد المصريُّ، ليس بعُمدةٍ ويُجهل) انتهى [102] ، وذكره في ترجمة أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، ثمَّ قال فيه بعد ذكره هذا الحديث من عند أحمد بإسناد أحمد: (حمرةُ في كتاب «ابن أبي حاتم» بالراء كما هنا، وهو كذلك في «ثقات ابن حبَّان»، لكنَّه ذكره في أثناء مَنْ [103] اسمُه [104] حمزةُ؛ بالزاي، وهو غير معروف، قال أبو داود: سرق لابن أبي مريم [حلي] فأنكر [105] عقله، وسمعتُ أحمدَ يقول: ليس بشيءٍ) انتهى [106]

وكانت حمصُ في أوَّل الأمر أشهر بالفضل من دمشق، وقد ذَكَرَ الثعلبيُّ في «العرائس» في فضل الشام: (أنَّه نزلَ حمصَ تسعُ مئةِ رجلٍ مِنَ الصحابة) .

قوله: (في دَسْكَرَةٍ [107] ): هي بفتح الدال، وإسكان السين المهملتين، والراءُ والكافُ مفتوحتان [108] ؛ وهي بناءٌ؛ كالقصر، حولَه بيوتٌ، وجمعُه: دساكر، وفي «النهاية»: (الدَّسْكرةُ: بناءٌ على هيئةِ القصر، فيه منازلُ وبيوتٌ للخَدَمِ والحَشَم، وليست بعربيَّة محضة) انتهى [109] ، وقال شيخنا الشَّارح: (قال التِّبريزيُّ: الدَّسْكرةُ: البساتين والرياض) ، قال: (وفي «جامع القزَّاز»: الدَّسْكرةُ: الأرضُ المستوية) .

قوله: (يَا مَعْشَرَ الرُّومِ): همُ الجيل المعروف، وهم بنو الأصفر، وهم الإفرنج، قال الجوهريُّ: (هُم مِن ولد الروم بن عيصو، واحدهم: رُوميٌّ؛ كزنجيٍّ وزنج، فليس بين الواحد والجمع إلَّا الياء المشدَّدة) .

قوله: (هَلْ لَكُمْ فِي الْفَلاَحِ): هو الفوزُ، والبقاءُ، والنجاة.

قوله: (وَالرّشدِ): هو بضمِّ الراء وإسكان الشِّين، وبفتحهما؛ لُغتان، وهو خِلاف الغيِّ.

قوله: (فَتُتَابِعُوا): هو بتاءين مثنَّاتين فوق، من المتابعة؛ وهي الاقتداء، وفي أصلنا: (فَتُبَايِعُوا) ؛ بموحَّدة بعد التاء.

قوله: (فَحَاصُوا): أي: نفروا وكرُّوا راجعين، وقيل: جالوا، والمعنى قريب.

قوله: (آنِفًا): هو بالمدِّ والقصر، وهما لغتان قُرئ بهما في السبع؛ أي: قريبًا أو الساعة، وقيل: أوَّل وقت كنَّا فيه، وكلُّه من الاستئناف والقرب.

قوله: (رَوَاهُ صَالِحُ): هو صالح بن كيسان، وروايته عنِ الزُّهريِّ أخرجها البخاريُّ في (الجهاد) [خ¦2940] .

قوله: (وَيُونُسُ): هو يونس بن يزيد الأيليُّ، وروايته أخرجها البخاريُّ في (الاستئذان) عن محمَّد بن مقاتل، عنِ ابن المبارك، عن يونس، عنِ الزُّهريِّ به [110] مختصرًا [خ¦6260] ، وفي (الجزية) مختصرًا أيضًا [خ¦3174] .

قوله: (ومَعْمَرٌ): تقدَّم أنَّه بإسكان العين، وهو ابنُ راشدٍ [111] ، ورواية مَعْمَرٍ عنِ الزُّهريِّ أخرجها البخاريُّ في (التفسير) عن إبراهيم بن موسى، عن هشام بن يوسف، وعن [112] عبد الله بن [113] محمَّد، عن [114] عبد الرَّزَّاق؛ كلاهما عن مَعْمَر، عنِ الزُّهريِّ به [خ¦4553] .

قوله: (عَنِ الزُّهْرِيِّ): تقدَّم أنَّه العَلَمُ أبو بكرٍ محمَّدُ بنُ مسلمِ بن عبيد الله بن عبد الله بن شهابٍ.

[1] زيد في «اليونينيَّة»: (قال) ، وليست في النسخ و (ق) .
[2] في النسخ: (عن) ، والمثبت موافق لما في «اليونينيَّة» و (ق) .
[3] في (ب) و (ج): (منسوب) .
[4] في (ب): (العلائي) ، ولا يصح.
[5] في (ب): (أخرجه) .
[6] في (ج): (البردعي) .
[7] ما بين قوسين سقط من (ب) ، وهو في (أ) بالهامش.
[8] في (ب): (أناس) .
[9] زيد في (ج): (وبأنا) .
[10] في (ب): (وحكي) ، وفي (ج): (فجاء) .
[11] في (ب): (وإخشيد) .
[12] في (ب): (والإخشيد) .
[13] في (ب): (وكان) .
[14] في (ب): (النقير) .
[15] في (ب): (نقيرًا) .
[16] في (ج): (والقاف عرضًا فيه) .
[17] في (ب): (فنقر) .
[18] (وكفار قريش): ليست في (ب) .
[19] الصلاة مثبتة من (ب) و (ج) .
[20] (إني مسلم): ليست في (ج) .
[21] في (ب): (بتبوك) .
[22] في (ب): (فدخل) .
[23] في (ب): (بقيصر) .
[24] (في دينكم): ليست في (ب) .
[25] في (ب): (وقد) .
[26] «الروص الأنف» (*) .
[27] في (ب): (هذا) ، وفي (ج): (فهذا) .
[28] في (ب): (مخالفة) .
[29] مراده كتابه «نور النبراس في شرح سيرة ابن سيد الناس» المسماة «عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير».
[30] أي: كان فيهم المغيرة.
[31] في هامش (أ): (انظر: دخل النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم الشام أربع مرَّات) .
[32] ما بين معقوفين سقط من (ب) .
[33] «مطالع الأنوار» (*) .
[34] (أبي يعلى): ليست في (ب) .
[35] في النسخ: (الإيلا) .
[36] في (ج): (الراجم) .
[37] أي: ابن الأثير.
[38] في (ب): (أولًا) .
[39] في (ب) و (ج): (مقصورًا) .
[40] في (ب): (تعرف بأنه) .
[41] في (ب): (فقالوا) .
[42] «عيون الأثر» (*) .
[43] في (أ) و (ج): (اللام) .
[44] في (ب): (ويؤيده) .
[45] في (ب): (وذكر) .
[46] في (ب): (وجوازم) ، وهو تصحيف.
[47] في (ب): (يخالط) .
[48] في (ب): (يخالط) .
[49] زيد في (ب): (بن) .
[50] «الروض الأنف» (*) .
[51] «الروض الأنف» (*) .
[52] في (ب): (عصرنا) .
[53] «فتح الباري» (*) .
[54] في (ب): (الحرب) .
[55] في (ب): (نحله) .
[56] «التوضيح» (*) .
[57] في (ب): (فلو) .
[58] في (ب): (كالسقاية والشكاية) .
[59] في النسخ: (دُعاءه) ، والمثبت من مصدره.
[60] «مطالع الأنوار» (*) .
[61] في هامش (ق): (لإيمانك بعيسى، ثم بمحمد) .
[62] في (ب) و (ج): (الأريسين) .
[63] في (ب) و (ج): (اليريسين) .
[64] في (ب): (الأريسين) .
[65] يقال: رمحٌ أَزَنِيٌّ ويَزَنِيٌّ؛ نسبةً إلى ملك حمير ذو يزن؛ وإنَّما سميت الأسنَّةُ يَزَنِيَّة؛ لأنَّه أوَّلُمَن عُملتْ له.
[66] في (ب): (وبالهمزة) .
[67] زيد في (ب): (أكثر استعمالًا) .
[68] في (ب): (يخل) ، وهو تصحيف.
[69] في (ب) و (ج): (أبو عبيدة) .
[70] في (ج): (المتجبرون) .
[71] في (ب): (ينسب) .
[72] في (ب): (قال) .
[73] الآية في سورة آل عمران (64): {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}.
[74] «مشارق الأنوار» (2/330) .
[75] في (ج): (فإنَّ) .
[76] «الاقتراح في بيان الاصطلاح» لابن دقيق العيد (ص388-389) .
[77] في (ب): (الله) .
[78] «الروض الأنف» (*) .
[79] (الأصوات): ليست في (ب) .
[80] في هامش (ق): (أي: كبر) .
[81] في (ب): (فشبه به النبي...) .
[82] في (ب): (أبوه) .
[83] (جد): ليست في (ب) .
[84] (هو): ليست في (ب) .
[85] أي: في روايةٍ.
[86] في (ج): (الجر) .
[87] «مطالع الأنوار» (*) .
[88] يرويه موصولًا عن ابن الناطور، وقد بيَّن ذلك أبو نعيم في «دلائل النبوة»بأنَّالزُّهريَّّ قال: لقيته بدمشق في زمن عبد الملك بن مروان.
[89] زيد في (ج): (هو) .
[90] «مطالع الأنوار» (*) .
[91] في (ب): (الناظور) .
[92] في هامش (ق): (بنصب الباء على الاختصاص لا على الخبر، وخبر «كان»: «يحدِّث أنَّ هرقل»، وهو الأوجه، وقيل: سُقُفًّا) .
[93] في (ج): (معناهما) .
[94] (كذا): ليست في (ب) .
[95] في (ب): (ما) .
[96] (انتهى): ليست في (ب) .
[97] (إنه): ليست في (ج) .
[98] «تجريد الصحابة» (1/272) (2862) .
[99] (ما): ليست في (ب) .
[100] في هامش (ق): (مدينة بالروم، يقال: إنَّها مدينة رئاستهم) .
[101] (فيه): ليست في (ب) .
[102] «ميزان الاعتدال» (*) .
[103] في (ب): (في) .
[104] في (ب): (أنه) .
[105] في (ب): (فأنكرنا) .
[106] «ميزان الاعتدال» (*) ، وقوله في آخره: (قال أبو داود: سرق لابن أبي مريم...) متعلق بترجمة أبي بكر ابن أبي مريم، ولا غرض لذكره.
[107] في هامش (ق): (بناء كالقصر حوله بيوت، والجمع: دساكر) .
[108] في (ج): (مفتوحان) .
[109] «النهاية في غريب الحديث والأثر» (*) .
[110] في (ب): (أنه) .
[111] في (ب): (رشد) .
[112] في (ب): (عن) .
[113] في (ج): (عن) .
[114] في (ج): (بن) .





7- ( حدَّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ) ( ابن ) الأوّل مَرْفُوْعٌ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لعبيد الله، و( ابن ) الثَّاني والثَّالث مَجْرُوْرَانِ؛ لِأَنَّهُمَا تَابِعَانِ لِلْمَجْرُوْرِ بِالْإِضَافَةِ.

( هِرَقْلَ ) بكسر الهاء وفتح الراء على المشهور كدِمشق، ويقال: مع سكون الراء كخِنْدِف، لا ينصرف للعلمية والعجمة، وهو اسم، وقيصر لقبه، كما تقول: عليٌّ أمير المؤمنين، قاله الشافعي رضي الله عنه.

وقال الخطابي: إذا تأملت معاني ما استقرأه من أوصافه تبيَّنت قوة إدراكه، ولله دَرُّه من رجل ما كان أعقله لو ساعد معقوله مقدوره.

( تُجَّارًا ): بضم التاء مع تشديد الجيم، وبكسرها مع تخفيف الجيم: جَمْعُ تَاجِرٍ.

( فِي الْمُدَّةِ الَّتِي مَادَّ ) بتشديد الدال؛ أَيْ: جعل بينهم وبينه مدَّة؛ أي: أطالها، وهي فاعل من المدِّ، يريد صلحه بالحديبية سنة ست، عشرَ سنين، ثم نقض أهلُ مكة الصلح بقتالهم خزاعة حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك سبب غزوة الفتح. [/ج1ص19/]

( وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ ) بالنصب: مفعول معه.

( بِإِيلِيَاءَ ) بهمزة مكسورة بعدها ياء ساكنة، ثم لام مكسورة، ثم ياء آخر الحروف، ثم ألف ممدودة، بوزن: كبرياء، وحكى البكري فيها القصر، وحكى في «المطالع»: «إلياء» بحذف الياء الأولى وسكون اللام والمد، قيل: معناه بيت الله.

( وَحَوْلَهُ ) بالنصب؛ لأنَّه ظرف مكان، وهو خبر المبتدأ الذي بعده.

( ترجمانه ) بفتح التاء وضم الجيم، ويجوز ضم التاء إتباعًا لضمة الجيم، وهو المفسر لغة بلغة، قيل: أعجمي معرَّب، وقيل: عربي مأخوذ من ترجيم الظن، فعلى هذا يكون تفعُلانًا، ويجوز أن يكون من الرجم بالحجارة؛ لأن المفسر يرمي بالخطاب كما يُرمى بالحجارة.

( كَذَبَنِي ) بتخفيف الذال: نقل إليَّ الكذب.

( أن يأثروا ) بضم المثلثة وكسرها، ولم يذكر القاضي غير الضم، و( عَلَيَّ ) بمعنى عنِّي.

(لأن يأثروا) بمعنى يحدثوا.

( لَكَذَبْتُ عَنْهُ ) «عن» هنا بمعنى: «على»، وقد رُوي كذلك فقد تعاكس الحرفان.

( ثم كان أوّل ) يجوز نصبه ورفعه.

( هل كان في آبائه مَن مَلكَ ) قال القاضي: هو بفتح الميمين وفتح الكاف واللام، ويروى: «مِنْ مَلِكٍ» بكسر الميم الأولى وفتح الثانية وكسر اللام، [/ج1ص20/] وكلاهما بمعنى واحد.

( سَخْطَةً ) بفتح السين، ويروى: سُخطةً بضمها، وهو منصوب مفعول لأجله، ويجوز أن يكون حالًا.

( كَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ ) فيه انفصال ثاني الضميرين مع إمكان اتصاله.

( يَغْدِرُ ) بدالٍ مكسورة، أي: ينقض العهد.

( وَلَمْ تُمْكِنِّي كَلِمَةً ) بالتاء المثناة من فوق، ومن تحت في أوله؛ لأن تأنيث الكلمة غير حقيقي، و«الكَلِمة»: بفتح الكاف وكسر اللام في اللغة الحجازية، وبفتح الكاف وكسرها مع إسكان اللام في اللغة التميمية، وفيه إطلاق الكلمة على الجملة وهو شائع [1] لغةً.

( أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ ) برفع ( غير ) صفة لكلمة.

( سِجَالٌ ) بكسر السين، أي: نُوَب ودُوَل، مرَّة على هؤلاء ومرة على هؤلاء، من مساجلة المستقين على البئر بالدلاء، وقوله: ( يَنَالُ مِنَّا وَنَنَالُ مِنْهُ ) جملة تفسيرية.

( تخالط بَشاشة ) بفتح الباء، و( القلوب ) مجرورة بالإضافة، وروي ( بَشَاشَتُهُ ) بضم التاء وزيادة هاء الضمير، و( الْقُلُوبَ ) منصوب.

( وَسَأَلْتُكَ بِمَا يَأْمُرُكُمْ ) إثبات الألف مع ( ما ) الاستفهامية قليل.

( لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ ) أي: تكلَّفت بما فيه من مشقة، كذا في البخاري، وفي مسلم: [/ج1ص21/] «لأحببت لقاءه»، قال القاضي: والأول أوجَه؛ لأن الحُبَّ للشيء لا يُصدُّ عنه؛ إذ لا يطلع عليه وإنَّما يصد عن العمل الذي يظهر ولا يُملَك في كل حين.

( دِحْيَةُ ) بفتح الدال وكسرها على الحالة والمرَّة، والأشهر الفتح، من الدَّحي والدحو: وهو البسط، وقيل: بالكسر رئيس الجند، ولعلَّ هذا هو الحكمة في أن جبريل عليه السلام كان يجيء على صورته.

( بُصْرَى ) بضم الباء والقصر: مدينة بحوران [2] .

( إِلَى هِرَقْلَ ) بالفتح؛ لأنَّه غير منصرف.

( عَظِيمِ الرُّومِ ) بالجر بدل مما قبله، ويجوز فيه الرفع والنصب على القطع، يعني: مَن تعظمه الروم، وتقدِّمه للرئاسة عليها، ولم يكتب إلى ملك الروم؛ لما يقتضيه هذا الاسم من المعاني التي لا يستحقها مَن ليس من أهل الإسلام، ولو فعل لكان فيه التسليم لملكه وهو بحق الدِّين معزول، ومع ذلك فلم يُخله من نوع الإكرام في المخاطبة ليكون آخذًا بإذن [3] الله في تليين القول لمن يبتدئه بالدعوة [ب:6] إلى الحق. [4]

( بِدِعَايَةِ الإِسْلاَمِ ) بكسر الدال، أي: بدعوته، وهي كلمة الشهادة التي تدعى إليها الأمم، وفي رواية: «بداعية الإسلام»، وهي مصدر بمعنى الدعوة كالعافية.

( الأَرِيسِيِّينَ ) هذه كلمة أعجمية، وتروى على أوجه كثيرة: بالهمزة المفتوحة وكسر الراء المخففة وتشديد الياء الثانية، وبسكون الراء وفتح الياء الأولى، وبتشديد الراء وياء واحدة بعد السين، أي: المزارعين والأُجَراء، قاله [/ج1ص22/] ابن الخشاب، وبالياء في أوله إبدالًا للهمزة بالياء.

قال أبو علي ابن السكن: هم اليهود والنصارى؛ لأنَّه فسره في الحديث، ومعناه: عليك إثم رعاياك وأتباعك ممن صددته عن الإسلام فاتبعك على كفرك.

وقيل: هم أتباع عبد الله بن أريس الذي وحَّد الله عندما تفرَّقت النصارى.

( أَمِرَ أَمْرُ ) بكسر الميم وقصر الهمزة وفتحها في الأولى، أي: عظم وزاد، وأما الثاني: فبفتح الهمزة وسكون الميم يعنى الشأن والحال، قاله القاضي.

( ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ ) يريد النبيَّ صلى الله عليه وسلم، قيل: جده لأمِّه؛ لأن أمَّه آمنة بنت وهب، وأمُّ وهب: قيلة بنت أبي كبشة [5] ، واعتمده الدمياطي، وقيل: كُنية أبيه من الرضاع، وقيل: كنية جدِّ عبد المطلب لأمِّه، وقيل: بل كان أبو كبشة رجلًا من خزاعة خالف قريشًا في عبادة الأوثان وعبد الشعرى العبور، فلما خالفهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم في دِينهم قالوا: هذا ابن أبي كبشة تشبيهًا به.

وفي « المحكم»: كَنَتْ العرب بأبي كبشة، قال ابن جني: كبشة اسم مرتجل ليس بمؤنث الكبش؛ لأن مؤنث ذلك من غير لفظه. [/ج1ص23/]

( إنه ليخافه ) بكسر الهمزة استئنافًا، ويجوز على ضعفٍ فتحها على أنَّه مفعول لأجله، وضعف لوجود اللام في الخبر.

( مَلِكُ بَنِي الأَصْفَرِ ) أي: الروم.

( ابْنُ النَّاطُورِ ) بطاء مهملة عند الجماعة، وبمعجمة عند الحموي.

( صَاحِبَ إِيلِيَا ) منصوب، قال القاضي: على الاختصاص أو الحال، لا على خبر كان؛ لأنَّ خبرها ( أسقفًا )، أو قوله: ( يحدث أن هرقل ) وهو أوجه.

قلت: يجوز أن يكون [منصوبًا] [6] على خبر كان ويكون ( أسقفًا ) خبرًا ثانيًا، فإن قيل: هلا جاز رفع ( صاحب ) على الصفة [7] ؟ قيل: لا؛ لأن ما قبله معرفة و( صاحب إيليا ) نكرة والإضافة لا تعرفه؛ لأنها في تقدير الانفصال.

و( هِرَقْلَ ) بفتح اللام معطوف على إيلياء، وموضعهما خفض بالإضافة.

( سُقِّفَ ) [فعل] [8] مبني لما لم يسمَّ فاعله، أي: قُدِّم، قال في «العباب»: سَقَّفتُه بالتشديد: جعلته أسقفًا، وروي: «سُقُفًّا»، ويروى: «أسقفًّا» مشدد الفاء فيهما، أي: رئيسهم، وجمعه أساقفة.

( حَزَّاءً ) بحاء مهملة وزاي مشددة ممدودة، فسَّره في الحديث بالنظر في النجوم، قال القاضي: ويمكن أن يكون أراد بيان حَزْرِهِ، فإن التكهن يكون بوجوهٍ منها ذلك. [/ج1ص24/]

( ملكَ الْخِتَانِ ) بضم الميم وسكون اللام، وبفتح الميم وكسر اللام.

( يُهِمَّنكَ ) بضم الياء من الهم، أهمني الأمر: أقلقني وأحزنني.

( مُلْكُ هَذِهِ الأُمَّةِ ) بضم الميم وسكون اللام، قال القاضي عياض: كذا لعامة الرواة، وعند القابسي: بفتح الميم وكسر اللام، وعند أبي ذر: «يَملك» فعل مضارع، فأراها ضمة الميم اتصلت بها فتصحَّفت، ووجَّهها السهيلي في «أماليه»: هذا يملك مبتدأ وخبر، أي: هذا المذكور يملك هذه الأمة.

وقوله: ( قَدْ ظَهَرَ ) جملة مستأنفة لا في موضع الصفة ولا الخبر، ويجوز أن يكون ( يملك ) نعتًا، أي: هذا رجل يملك هذه الأمة، وقد جاء النعت بعد النعت ثم حذف المنعوت.

قال الشاعر:

~ لو قلتَ ما في قومها لم تيثَمِ يَفضُلُها في حَسَبٍ ومِيْسَمِ

أي: ما في قومها أحد يفضلها، وهذا إنَّما هو في الفعل المضارع لا في الماضي، قاله ابن السراج، وحكاه عن الأخفش.

( رُومِيَةَ ) [9] بتخفيف الياء: مدينة رياسة الروم وعِلْمِهم.

( المدائن ): بالهمز أفصح.

( نَظِيرَهُ ) بالنصب خبر كان.

( إِلَى حِمْصَ ) مجرور بالفتحة؛ لأنَّه غير منصرف للعلمية والتأنيث، لا العجمة [/ج1ص25/] والعلمية على الصحيح؛ لأن العجمة لا تمنع صرف الثلاثي، وجعله بعضهم كهند، حتى يجوز فيه الصرف وعدمه، ولم يجعل للعجمة أثرًا.

( الدَّسكرة ): بناء كالقصر حوله بيوت.

( الرُّشدِ ) بضم الراء وسكون الشين وبفتحهما.

( فَلَمْ يَرِمْ ) بفتح الياء وكسر الراء، أي: لم يفارقها، يقال: ما يريم يفعل كذا، أي: ما يبرح.

( فَتُبَايِعُوا ) بالتاء المثناة ثم الموحدة من البيعة، وروي: «فتتابعوا» بتاءين أوله من المتابعة.

( فَحَاصُوا ) بحاء وصاد مهملتين، أي: نفروا وكرُّوا راجعين، وقيل: صالوا [10] ، والمعنى قريب، وجاض بالجيم والضاد المعجمة أيضًا مثل حاص.

و ( أَيِسَ ) وروي: «ويئس» وهما بمعنى من المقلوب.

( آنِفًا ) بالمد وكسر النون منصوب على الحال، أي: قريبًا. [/ج1ص26/]

[1] في ( ز ): شائع.
[2] في ( ت ): مدينة حوران.
[3] هكذا في الأصول ( ت،ز،ق )، ولعل الأولى: بأدب.
[4] قال محب الدين البغدادي: قوله: ( عظيم الرُّومِ ). وقع في القرآن في قصة موسى: { وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى} [طه: 47] ، وفي كتاب هرقل هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب في أوله: «سلام على من اتبع الهدى».بالتنكير فما حكمةُ كلٍّ منهما؟ ولم يذكر ذلك شيخنا شمس الأئمة الكرماني ولا تعرض له، وقد أجبت عن ذلك بأن التعريف في الآية لتقدم قوله: {مِنْ رَبِّكَ} والسلام من أسماء الله، فكان السلام فيه عائد على معهود متقدم وليس كذلك في الحديث. وفيه نظر؛ لأن في كتاب هرقل تقديم البسملة في اسم الله أيضًا.ويحتمل أن اللام في الآية للجنس والحقيقة فيكون دخولها كعدمها فيستويان، ويحتمل أن اللام للاستغراق والتنكير للتعظيم فيستويان.
[5] جاء في هامش [ب] : (أبو كبشة اسمه وحز بن غالب).
[6] ما بين معقوفين زيادة من [ق] .
[7] جاء في هامش [ب] : على قبلَه.
[8] ما بين معقوفين زيادة من [ف] .
[9] جاء في هامش [ب] : ينبغي تقديم: المدائن، على رومية، لأنها قبلها، وكذا تقديم: فلم يرم على الدسكرة.
[10] في ( ز ): ( جالوا ).





7- ( هِرَقْلَ ) بكسر الهاء وفتح الرَّاء وسكون القاف في الأشهر، وقيل: بسكون الرَّاء وكسر القاف، ولقبه قيصر.

( رَكْبٍ ) جمع راكب كصَحْب وصاحب، وهم أولو الإبل العشرة فما فوقها، وكانوا ثلاثين رجلًا كما رواه الحاكم في «الإكليل»، وسمَّى منهم المغيرةَ بن شعبة في «مصنَّف ابن أبي شيبة» بسند مرسل.

( تُجَّارًا ) بضمِّ التَّاء وتشديد الجيم أو كسرها والتَّخفيف، جمع تاجر. [/ج1ص141/]

( فِي الْمُدَّةِ ) يعني: مدَّة الصُّلح بالحديبية وكانت سنة ستٍّ، وقيل: سنة أربع، ومدَّتها: عشر سنين، ولكنَّهم نقضوا، فغزاهم [صلَّى الله عليه وسلَّم] [1] في سنة ثمان وفتح مكَّة.

( أَبَا سُفْيَانَ ) مفعول به.

( بِإِيلِيَاءَ ) بهمز مكسورة بعدها تحتيَّة [ساكنة] [1] ثمَّ لام مكسورة ثمَّ تحتيَّة ثمَّ ألف مهموزة، وحكى البكريُّ فيها القصر، قيل: معناه: بيت الله.

( وَحَوْلَهُ ) بالنَّصب ظرف مكان.

( عُظَمَاءُ الرُّومِ ) جمع عظيم، ولابن السَّكن: « [فأُدْخِلت] [2] عليه وعنده بطارقته والقسِّيسون والرُّهبان».

( ثمَّ دَعَاهُمْ ) أي: استدناهم بعد أن دعا أوَّلًا بإحضارهم.

( وَدَعَا ِتَرْجُمَانِهِ ) بفتح الفوقيَّة وضمِّ الجيم، / ويجوز ضمُّ أوَّله إتباعًا، ويجوز فتح الجيم.

وفي رواية الأَصِيلي وغيره: «بترجمانه» بزيادة باء الجرِّ؛ يعني: أرسل إليه رسولًا أحضره صحبتَه، والتَّرجمان: المعبِّر عن لغة بلغة، وهو مُعرَّب، وقيل: عربيٌّ.

( أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا ) ضَمَّنَ ( أقرب ) معنى أوْصَلَ فعدّاه بالباء، وفي التَّفسير: «من هذا»، [خ:4553] وفي الجهاد: «إلى هذا» [خ2941] وهو على الأصل.[/ج1ص142/]

( فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ ) أي: لئلَّا يستحيوا أن يواجِهُوه بالتَّكذيب إن كذب، وصرَّح بذلك الواقديُّ في روايته.

( كَذَبَنِي ) بالتَّخفيف، أي: نقل إليَّ الكذب، وهو يتعدَّى إلى مفعولين، يقال: كذبني الحديث، وأمَّا بالتَّشديد: فإلى مفعول واحد وكذا صدق.

( قَالَ ): أي: أَبُو سُفْيَانَ وسقط لفظ ( قال ) من رواية كريمة وأبي الوقت، فأشكل ظاهره.

( يَأْثِرُوا ): ينقلوا

( لَكَذَبْتُ عَلَيْهِ ) وللأَصِيلي: ( عنه )، أي: عن الإخبار بحاله، وفي رواية ابن إسحاق: «فو الله لو قد كذبتُ ما ردُّوا عليَّ ولكنِّي كنت [أميرًا] [3] سيِّدًا يكرَّم عن الكذب، فخشيت إن أنا أكذب أن يحفظوا ذلك عنِّي ثمَّ يحدِّثوا به فلم أكذبه».

( ثمَّ كَانَ أوَّل ) الرِّواية بالنَّصب على الخبرية، ويجوز رفعه على الإسميَّة.

( كَيْفَ نَسَبُهُ ؟ ) أي: ما حاله ؟ أهو من أشرافكم أم لا ؟.

( ذُو نَسَبٍ ) التَّنكير فيه للتَّعظيم، وفي رواية ابن إسحاق: «قلت: في الذِّرْوة»، وهي بكسر المعجمة وسكون الرَّاء: أعلى ما في البعير من السَّنام، فكأنَّه قال: هو من أعلانا نسبًا.

( فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَطُّ قَبْلَهُ ؟ ) للكُشْمِيهنيِّ والأَصِيلي: «مثله»، واستعمل ( قطّ ) بغير أداة نفي، وهو نادر، ويحتمل تقديره، أي: ولم يقله أحد قطُّ ؟.

( فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِكٌ ؟ ) لكريمة والأَصِيلي وأبي الوقت بزيادة «من» الجارَّة، ولابن عساكر بفتح «من» و«ملك»: فعل ماض. [/ج1ص143/]

( فَأَشْرَافُ النَّاسِ ) أراد بهم أهل النَّخوة والتَّكبُّر لا كلَّ شريف، وإلَّا لورد مثل أبي بكر وعمر.

وفي رواية ابن إسحاق: «تبعه منَّا الضُّعفاء والمساكين والأحداث، وأمَّا ذوو الأسنان والشَّرف فما تبعه منهم أحد».

( سَخْطَةً ) بضمِّ أوَّله وفتحه.

( يَغْدِرُ ) بدال مكسورة، أي: ينقض العهد.

( قَالَ: وَلَمْ تُمْكِنِّي كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا ) أي: أنتقصه بها.

( غَيْرُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ ) برفع ( غير ) صفة.

زاد ابن إسحاق في روايته: «قال: فو اللهِ ما التفت إليها منِّي».

( سِجَالٌ ) بكسر أوَّله وتخفيف الجيم، أي: نُوَبٌ ودُوَلٌ، مرَّة على هؤلاء ومرَّة على هؤلاء، من مساجلة المُسْتَقِيَيْنِ على البئر بالسَّجلِّ وهو الدَّلو.

وقوله: ( يَنَالُ مِنَّا وَنَنَالُ مِنْهُ ) جملة تفسيريَّة.

( اعْبُدُوا اللهَ وَحْدَهُ وَلاَ تُشْرِكُوا ) سقطت الواو من رواية المُسْتملي، فتكون الجملة تأكيدًا لقوله: ( وحده ).

( يَتَأسَّى ) للكُشْمِيهنيِّ: «يأتسى» بتقديم الهمزة على التَّاء.

( يُخَالِطُ بَشَاشَةَ الْقُلُوبِ ) بنصب ( بشاشة ) وإضافته للقلوب، أي: يخالط الإيمانُ انشراحَ الصُّدور، وروي « بشاشتُه القلوبَ» بالرَّفع وزيادة هاء و«القلوبَ» مفعول، أي: يخالط بشاشة الإيمان، وهو شرحُه القلوبَ التي يدخل فيها. [/ج1ص144/]

وفي رواية ابن السَّكن زيادة: «يزاد بها عجبًا وفرحًا»، وفي رواية ابن إسحاق: «وكذلك حلاوة الإيمان لا تدخل قلبًا فتخرج منه».

( أَخْلُصُ ) بضمِّ اللَّام: أَصِلُ.

( لَتَجَشَّمْتُ ) بالجيم والشِّين المعجمة، أي: تكلَّفتُ الوصولَ إليه، وفي مسلم: «لأحببت لقاءه».

( لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمِيهِ ) مبالغة في العبوديَّة له، وفي رواية عبد الله بن شدَّاد عن أبي سفيان: «لو علمتُ أنَّه هو لمشيت إليه حتَّى أُقبِّل رأسه وأغسل قدميه»، وهي تدلُّ على أنَّه كان بقي عنده بعضُ شكٍّ.

وقد اختُلِفَ في إيمانه، والأرجح بقاؤه على الكفر، ففي «مسند أحمد»: أنَّه كتب من تبوك إلى النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: إنِّي مسلم، فقال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «كذب؛ بل هو على نصرانيَّته».

( دَحْيَةُ ) بفتح الدَّال أشهر من كسرها.

( عَظِيمِ بُصْرَى ) هو: الحارث بن أبي شَمِر الغسَّانيُّ، وهي بضمِّ الباء والقصر: مدينة بين المدينة ودمشق.

( بِدِعَايَةِ الإِسْلاَمِ ) بكسر الدَّال، أي: بدعوته، ولمسلم: «بداعية الإسلام»، أي: بالكلمة الدَّاعية إليه، وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله، والباء موضع إلى. [/ج1ص145/]

( الأَرِيسِيِّينَ ) جمع أريسيٍّ، منسوب إلى أريس، بوزن كريم، وقد تقلب همزته ياء كما جاءت به رواية الأَصِيلي وأبي ذرٍّ هنا.

قال ابن سيده: الأريس الأكَّار، أي: الفلَّاح عند ثعلب، وعند [ كُرَاع] [1] : الأريس الأمير.

وقال الجوهريُّ: هي لغة شاميَّة، وأنكر ابن فارس أن تكون عربيَّة.

وقال ابن السَّكن: هم اليهود والنَّصارى، والمعنى: أنَّ عليك إثم رعاياك وأتباعك ممَّن صددته عن الإسلام فاتَّبعك على كفرك.

وأيَّدَ الأوَّل ما في رواية ابن إسحاق عن الزُّهريِّ: «فإنَّ عليك إثم الأكَّارين». زاد [البرقانيُّ] [4] في روايته: يعني «الحرَّاثين»، وفي رواية المدائنيِّ من طريق مرسلة: «فإنَّ عليك إثم الفلَّاحين».

قال الخطَّابيُّ: أراد أنَّ عليه إثم الضُّعفاء / والأتباع إذا لم يسلموا تقليدًا له؛ لأنَّ الأصاغر أتباع الأكابر.

وقيل: ( الأريسيُّون ) أتباع عبد الله بن أريس الذي وحَّدَ الله عندما تفرَّقت النَّصارى، وقيل: هم العشَّارون؛ يعني: أهل المَكْس، أخرجه الطَّبرانيُّ في «الكبير» من طريق اللَّيث بن سعد عن يونس.

قال ابن حجر: فإن صحَّ فالمراد المبالغة في الإثم كقوله في [/ج1ص146/] المرأة التي اعترفت بالزِّنا: «لقد تابت توبة لو تابها صاحب مَكْس لقبلت».

( و يَا أَهْلَ الْكِتَابِ ): سقطت الواو من رواية الأَصِيلي وأبي ذرٍّ، وعلى ثبوتها فهي داخلة على مقدَّر معطوف على قوله: ( أدعوك )، أي: أدعوك بدعاية الإسلام وأقول لك ولأتباعك امتثالًا لقول الله: { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ } [آل عمران:64] .

( أَمِرَ ): بفتح الهمزة وكسر الميم، أي: عَظُم.

( أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ ) أي: شأنه وحاله، وأراد به النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم، لأنَّ أبا كبشة أحد أجداده، وعادة العرب إذا تنقَّصَت نَسبَتْ إلى جدٍّ غامض، ثمَّ قيل: هو جدُّ وهبٍ جدِّ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لأُمِّه، وقيل: جدُّ عبد المطلب لأُمِّه، وقيل: هو أبوه من الرَّضاعة، واسمه الحارث بن عبد العزَّى، وقيل: هو رجل من خزاعة خالف قريشًا في عبادة الأوثان فعبد الشِّعرى فنسبوه إليه للاشتراك في مطلق المخالفة.

( إِنَّهُ يَخَافُهُ ): بكسر الهمزة استئنافًا لا بفتحها لثبوت اللَّام في يخافه في رواية.

( بَنِي الأَصْفَرِ ) هم الرُّوم، لأنَّ جدَّهم روم بن عيض تزوَّج [/ج1ص147/] بنت ملك الحبشة، فجاء لون ولده بين البياض والسَّواد فقيل له الأصفر.

وقال ابن هشام في «التِّيجان»: إنَّما لُقِّب الأصفر، لأنَّ جدَّته سارة زوج الخليل حلَّتْهُ بالذَّهب.

( فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا ) زاد في حديث عبد الله بن شدَّاد عن أبي سفيان: «فما زلت مرعوبًا من محمَّد حتَّى أسلمتُ» أخرجه الطَّبرانيُّ.

( ابْنُ النَّاطُورِ ) بطاء مهملة، وفي رواية الحَمُّويي بمعجمة، وهو بالعربيَّة: حارس البستان، وفي رواية اللَّيث عن يونس: «ابن ناطورا» بألف في آخره، فعلى هذا أعجمي.

( صَاحِب إِيلِيَاءَ وَهِرَقْلَ ) بالنَّصب على الحال أو الاختصاص، والرَّفع على الصِّفة، وهرقل عطف على إيلياء، وفيه لطيفة: وهو أنَّه استعمل ( صاحب ) في معنيين مجازيٍّ وحقيقيٍّ لأنَّه بالنِّسبة إلى إيلياء أمير وإلى هرقل تابع، والأُولى مجاز والثَّاني حقيقة.

( سُقُفًّا ): بضمِّ السِّين والقاف وتشديد الفاء، وللمُسْتملي والسَّرخسيِّ: «أسقفًا» بزيادة همزة لغتان، وهو عربيٌّ، وهو الطَّويل في انحناء، وقيل ذلك للرَّئيس لأنَّه يتخاشع، وقيل: عجميٌّ، ومعناه: رئيس دين النَّصارى، وللكُشْمِيهنيِّ: « سُقِّف» بكسر القاف فعلًا مبنيًا للمفعول أي: قُدِّم. قال في «العُبَاب»: سقَّفته بالتَّشديد: جعلته أسقفًا، وهو خبر كان، و ( يُحدِّثُ ) خبر بعد خبر.

( خَبِيثَ النَّفْسِ ) أي: مهمومًا. [/ج1ص148/]

( بَطَارِقَتِهِ ): جمع بِطْريق بكسر أوَّله، وهم خواصُّ دولة الرُّوم.

( حَزَّاءً ): بالمهملة وتشديد الزَّاي، آخره همزة منوَّنة، أي: كاهنًا.

( يَنْظُرُ فِي النُّجُومِ ): خبر ثان أو جملة تفسيريَّة.

( مُلْكَ الْخِتَانِ ): بضمِّ الميم وإسكان اللَّام، وللكُشْمِيهنيِّ: بفتح الميم وكسر اللَّام.

( ظَهَرَ ) أي: غلب.

( يُهِمَّنَّكَ ): بضمِّ أوَّله [وهو] [5] من أهمَّ: أثار الهمَّ.

( شَأْنُهُمْ ): أمرهم.

( مَدَائِنِ ): جمع مدينة، بالهمز من مَدَنَ بالمكان: أقام به، وبدونه [6] من دان، أي: ملك.

( فَبَيْنَا هُمْ عَلَى أَمْرِهِمْ ) أي: في هذه المشورة.

( مَلِكُ غَسَّانَ ): صاحب بصرى المتقدِّم.

( يُخْبِرُ عَنْ خَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّم ): فسَّره ابن إسحاق في رواية فقال: «خرج بين أظهرنا رجل يزعم أنَّه نبيٌّ، فقد اتَّبعه ناس وخالفه ناس، فكانت بينهم ملاحن في مواطن فتركهم وهم على ذلك».

( يَخْتَتِنُونَ ): في رواية الأَصِيلي بالميم أوَّله.

( هَذَا مُلْكُ هَذِهِ الأُمَّةِ ): بالضَّمِّ ثمَّ السُّكون، وللقابسيِّ بالفتح ثمَّ الكسر، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهنيِّ: يملك فعل مضارع.

قال عياض: أظنُّها ضمَّة الميم اتَّصلت بها فتصحَّفت، ووجَّهه السُّهَيليُّ بأنَّه مبتدأ وخبر، أي: هذا المذكور يملك هذه الأمَّة. [/ج1ص149/]

وقال غيره: يجوز أن يكون ( يملك ) نعتًا، أي: هذا رجل يملك.

وقال البلقينيُّ: يجوز أن يكون من حذف الموصول، أي: هذا الذي يملك على حدِّ قوله: [وهذا] [1] تحملين طليق.

وقال ابن حجر: رأيت في أصل معتمد عليه علامة السَّرخسيِّ بباء موحَّدة في أوَّله، وهي متعلِّقة بظَهَر، أي: هذا الحكم ظَهَر بملك هذه الأمَّة التي تختتن.

( صَاحِبٍ لَهُ ): هو ضُغَاطِر.

( بِرُومِيَةَ ) بالتَّخفيف: مدينة رئاسة الرُّوم.

( حِمْصَ ): بالصَّرف وعدمه.

( يَرِمْ ): بفتح الياء وكسر الرَّاء، أي: يبرح.

( فأَذنَ ) بالقصر من الأذان، وللمُسْتملي وغيره بالمدِّ، أي: أَعْلَم. [/ج1ص150/]

( دَسْكَرَةٍ ): بسكون المهملة: القصر الذي حوله بيوت.

( الرُّشْدِ ): بضمِّ الرَّاء وسكون الشِّين وبفتحها.

( فَتُبَايِعُوا ): بالموحَّدة والتَّحتيَّة، وللكُشْمِيهنيِّ بمثنَّاتين فوقيَّتين ثمَّ موحَّدة، وللأَصِيلي: «فنبايع» بنون وموحَّدة.

( هَذَا النَّبيَّ ): لأبي ذرٍّ: لهذا بلام.

( فَحَاصُوا ): بمهملتين، أي: / نفروا.


( حَيْصَةَ حُمُرِ الْوَحْشِ ): شبَّههم بها دون غيرها من الوحوش لمناسبة الجهل وعدم الفطنة.

( وَأَيِسَ ) للأَصِيلي: «يئس»، وهما بمعنى، والأوَّل مقلوب من الثَّاني.

( آنِفًا ): بالمدِّ وكسر النُّون، أي: قريبًا، ونصبه على الحال.

( فَقَدْ رَأَيْتُ ) زاد في التَّفسير: «منكم الذي أحببت». [خ:4553] [/ج1ص151/]

[1] ما بين معقوفين زيادة من [ف] .
[2] ما بين معقوفتين في غير [ع] : (فأدخلنا)
[3] ما بين معقوفتين في غير [ع] : (امرءًا)
[4] ما بين معقوفتين في غير [ع] : (ابن برقان)
[5] ما بين معقوفتين زيادة من [ع] .
[6] أي بدون الهمز، أي: مداين.





7- وبه قال: ((حدثنا أبو اليمان)) ؛ بفتح المثناة وتخفيف الميم واسمه: ((الحكم بن نافع)) ؛ بفتح الحاء المهملة والكاف: الحمصي البهراني، مولى امرأة بهراء، المتوفى سنة إحدى وعشرين ومئتين، وللأصيلي وكريمة: (حدثنا الحكم بن نافع) ((قال: حدثنا شعيب)) ؛ هو ابن أبي حمزة؛ بالحاء المهملة والزاي: دينار القرشي، الأموي مولاهم، أبو بشر، المتوفى سنة اثنين وستين ومئة.

((عن الزهري)) محمد بن مسلم أنه ((قال: أخبرني)) بالإفراد ((عبيد الله)) بالتصغير ((بن عبد الله بن عتبة بن مسعود)) رضي الله عنه، ((أن)) ؛ بفتح الهمزة: ((عبد الله بن عباس)) رضي الله عنهما ((أخبره: أن)) ؛ بفتح الهمزة: ((أبا سفيان)) ؛ بتثليث السين: يكنى أبا حنظلة، واسمه: صخر بالمهملة، ثم [/ص7/] المعجمة ((بن حرب)) ، بالمهملة والراء ثم الموحدة ابن أمية، ولد قبل الفيل بعشر سنين، وأسلم ليلة الفتح، وشهد الغزوات، وتوفي بالمدينة سنة إحدى وثلاثين عن ثمان وثمانين سنة، وصلى عليه عثمان رضي الله عنه.

((أخبره: أن)) ؛ أي: بأن ((هِرَقل)) ؛ بكسر الهاء وفتح الراء: غير منصرف للعلمية والعجمة، ولقبه قيصر، وأول من ضرب الدنانير، وملك الروم إحدى وثلاثين سنة، وفي ملكه توفي النبي عليه السلام، والظاهر أنه الموسكوف المسمى الآن بالروسية، وقيل: إنه الفراسة، ((أرسل إليه)) ؛ أي: إلى أبي سفيان حال كونه ((في)) ؛ أي: مع ((ركب)) ؛ جمع راكب كصحب وصاحب؛ وهم أولو الإبل العشرة فما فوقها، كذا قيل ((من قريش)) صفة لـ (ركب) ؛ بضم القاف بعدها راء ومثناة تحتية ساكنة: وهم ولد النضر بن كنانة، وإنما سميت قريشًا: لأنَّهم كانوا يفتشون الحاج خلَّتهم فيسدونها، وقيل: من القرش، وقيل: باسم دابة في البحر، والله أعلم، و (من) إما بيانية أو تبعيضية، وكان عدد الركب ثلاثين رجلًا.

((و)) الحال أنهم ((كانوا تُجَّارًا)) ؛ بضم المثناة الفوقية وتشديد الجيم، على وزن (كفار) وعلى وزن (كلاب) : جمع تاجر ((بالشام)) بالهمز، وقد تترك، وقد تفتح الشين مع المد، وقد دخلها عليه السلام مرتين قبل النبوة مع عمه أبي طالب حتى بلغ بصرى حين لقيه الراهب، ومرة في تجارة لخديجة إلى سوق بصرى، ومرتين بعد النبوة ليلة الإسراء وفي غزوة تبوك، وتمامه في «شرح الإمام بدر الدين العيني»، ((في المدة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مادَّ)) ؛ بتشديد الدال من (مادد) ، فأدغم الأول في الثاني من المثلين: وهو مدة صلح الحديبية سنة ست، التي ماد ((فيها أبا سفيان)) زاد الأصيلي: (ابن حرب) ، ((وكفار قريش)) ؛ أي: مع كفارهم على وضع الحرب عشر سنين، ونصب (كفار) على المفعول معه.

((فأتوه)) ؛ أي: أرسل إليه في طلب إتيان الركب، ((وهم)) بالميم؛ أي: هرقل وجماعته، ولأبوي ذر والوقت، والأصيلي: (وهو) ((بإيلياء)) ؛ بهمزة مكسورة، فمثناتين آخر الحروف، أولاهما ساكنة، بينهما لام، آخره ألف مهموزة، بوزن كبرياء، [و] بالقصر، وهو بيت المقدس، ((فدعاهم)) هرقل حال كونه ((في مجلسه وحوله)) ؛ بالنصب على الظرفية: خبر المبتدأ؛ وهو ((عظماء الروم)) ؛ وهم من ولد عيص بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، وفي رواية: (وعنده بطارقته، والقسيسون، والرهبان) ، ((ثم دعاهم)) ؛ أي: أمر بإحضارهم؛ فلا تكرار، ((ودعا ترجمانه)) بالنصب على المفعولية، وفي رواية: (بترجمانه) ، وفي رواية: (بالترجمان) ؛ بفتح المثناة الفوقية وضم الجيم فيهما، وقد تضم التاء فيهما اتباعًا؛ وهو المفسر لغة بلغة، فقال له: أيكم أقرب؟ ولم يسم الترجمان.

((فقال)) الترجمان: ((أيكم أقرب نسبًا بهذا الرجل؟)) ، وفي رواية: (من هذا الرجل) ، وفي رواية: (إلى هذا الرجل) ، وفي رواية: (الذي خرج بأرض العرب) ، ((الذي يزعم)) ، وفي رواية: (يدعي) ((أنه نبي، فقال)) وفي رواية: (قال) ((أبو سفيان: قلت)) وفي رواية: (فقلت) : ((أنا أقربهم نسبًا)) وفي رواية: (أنا أقربهم به نسبًا) ؛ أي: من حيث النسب، وأقربيته أبي سفيان؛ لكونه من بني عبد مناف؛ وهو الأب الرابع للنبي عليه السلام ولأبي سفيان، وإنَّما خص هرقل الأقرب؛ لأنَّه الأعلم الأتقن.

((فقال)) ؛ أي: هرقل، وفي رواية: (قال) : ((أدنوه مني)) ؛ بهمزة قطع مفتوحة: من الدنو؛ وهو القرب حتى يمعن في السؤال، ((وقربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره)) ؛ لئلا يستحوا أن يواجهوه بالتكذيب (إن كذب) ؛ كما في رواية، ((ثم قال)) هرقل ((لترجمانه: قل لهم)) ؛ أي: لأصحاب أبي سفيان ((إني سائل هذا)) ؛ أي: أبا سفيان ((عن هذا الرجل)) ؛ أي: النبي عليه السلام، ((فإن كذبني)) بالتخفيف، كذا قيل؛ ((فكذِّبوه)) بتشديد المعجمة المكسورة، ((قال)) ؛ أي: أبو سفيان، وفي رواية بإسقاط لفظ: (قال) .

((فوالله؛ لولا الحياء)) وفي رواية: (لولا أن الحياء) ، ((من أن يأثروا علي)) بضم المثلثة وكسرها و (عليَّ) بمعنى (عني) ؛ أي: رفقتي: يرون عني ((كذبًا)) بالتنكير، وفي رواية: (الكذب) ((لكذبت عنه)) ؛ أي: لأخبرت عن حاله بكذب؛ لبغضي إياه، وفي رواية: (لكذبت عليه) ، ((ثم كان أول ما سألني عنه)) بنصب (أول) خبر (كان) ، واسمها ضمير الشأن، وفي رواية: برفع (أول) اسم (كان) ، وخبره قوله: ((أن قال: كيف نسبه)) عليه السلام ((فيكم)) ، أهو من أشرافكم أم لا؟ قال أبو سفيان: ((قلت: هو فينا ذو)) ؛ أي: صاحب ((نسب)) عظيم، فالتنوين للتعظيم، ((قال)) هرقل: ((فهل قال هذا القول منكم)) من قريش ((أحد قط)) بتشديد الطاء المضمومة مع فتح القاف، وقد يضمان، وقد تخفف الطاء وتفتح القاف، ولا تستعمل إلَّا في الماضي المنفي، وإنَّما استعمل هنا بغير نفي؛ لأنَّ الاستفهام حكمه حكم النفي، ((قبله)) بالنصب على الظرفية، وفي رواية: (مثله) .

قال أبو سفيان: ((قلت: لا)) ؛ أي: لم يقله أحد قبله، ((قال)) هرقل: ((فهل كان من آبائه مِن)) بكسر الميم؛ حرف جر ((مَلِك؟)) ؛ بفتح الميم وكسر اللام: صفة مشبهة، وفي رواية: (مَن) بفتح الميم؛ اسم موصول، و (مَلَك) فعل ماضي، وفي رواية: (فهل كان من آبائه ملك) ، قال أبو سفيان: ((قلت: لا)) ؛ أي: لم يكن، ((قال)) هرقل: ((فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟)) وفي رواية: (أيتبعه أشراف الناس؟) بإثبات همزة الاستفهام، وفي أخرى: (فأشراف الناس اتبعوه؟) قال أبو سفيان: ((قلت)) : وفي رواية: (فقلت) : ((بل ضعفاؤهم)) ؛ أي: اتبعوه.

قال ابن حجر: الأشراف هنا؛ أهل النخوة والتكبر، لا كل شريف، ليخرج مثل العمرين ممن أسلم قبل سؤال هرقل، واعترضه الإمام بدر الدين العيني؛ بأن العمرين وحمزة كانوا من أهل النخوة، فقول أبي سفيان جرى على الغالب... إلى آخره، قلت: وهو وجيه؛ فليحفظ، وفي رواية: (تبعه منا الضعفاء والمساكين) ، وأما ذوو الأنساب والشرف؛ فما تبعه منهم أحد، قال ابن حجر: وهو محمول على الأكثر الأغلب.

قلت: فيه نظر؛ لأنَّ هذا المحمل بعيد جدًا؛ لأنَّ كلامه لا يعطيه ولا يشير إليه، فالأولى الحمل على أنه لم يتبعه أحد في الظاهر، وفي باطن الأمر قد اتبعوه وأخفوه حتى يعلموا ما يقع؛ فافهم.

((قال)) هرقل: ((أيزيدون أم ينقصون؟)) بهمزة الاستفهام، وفي رواية: بإسقاطها؛ وهو جائز مطلقًا على الصحيح، قال أبو سفيان: ((قلت: بل يزيدون، قال)) هرقل: ((فهل يرتد أحد منهم سخطة)) ؛ بفتح السين المهملة: منصوب على المفعول لأجله، أو على الحال؛ أي: ساخطًا، وجوَّز ابن حجر: ضم السين وفتح الخاء، ورده الإمام بدر الدين العيني بما يطول، نعم في رواية بضم السين وسكون الخاء، ((لدينه بعد أن يدخل فيه؟)) خرج من ارتد مكرهًا أو رغبة؛ كما وقع لابن جحش.

قال أبو سفيان: ((قلت: لا)) ؛ أي: لم يرتد، وإنما سأل عنه؛ لأنَّ من دخل في أمر محقق لا يرجع عنه، بخلاف دخوله في الباطل.

((قال)) هرقل: ((فهل كنتم تتهمونه بالكذب)) على الناس ((قبل أن يقول ما قال؟)) ، قال أبو سفيان: ((قلت: لا)) ؛ أي: لم نتهمه، وإنما عدل عن سؤال الكذب إلى سؤال التهمة؛ تقريرًا لهم على صدقه.

((قال)) هرقل: ((فهل يغدر؟)) ؛ بدال مهملة مكسورة؛ أي: ينقض العهد، قال أبو سفيان: ((قلت: لا)) ينقض ((ونحن منه)) ؛ أي: النبي عليه السلام ((في مدة)) ؛ أي: مدة صلح الحديبية أو غيبته، ((لا ندري ما هو فاعل فيها)) ؛ أي: في المدة، وأشار بقوله: (لا ندري) إلى عدم الجزم بغدره، ((قال)) أبو سفيان: ((ولم يمكني)) ؛ بالمثناة الفوقية أو التحتية، ((كلمة أدخل فيها شيئًا)) أنتقصه به ((غير هذه الكلمة)) ، قيل: النقص أمر نسبي، فإن من يقطع بعدم غدره؛ أرفع درجة ممن يجوَّز ذلك، وقد كان عليه السلام معروفًا عندهم بعدم الغدر، ولكن لما كان الأمر مغيبًا؛ أمن أبو سفيان أن يُنسَب في ذلك إلى الكذب، انتهى، و (غير) رفع صفة لـ (كلمة) ، ويجوز فيها النصب؛ صفة لـ (شيئًا) ، لكن الرواية على الأول.

((قال)) هرقل: ((فهل قاتلتموه؟)) إنَّما نَسب القتال إليهم ولم ينسبه له عليه السلام؛ لما علم أنَّه لا يبدأ قومه حتى يقاتلوه، قال أبو سفيان: ((قلت: نعم)) قاتلناه، ((قال)) هرقل: ((فكيف كان قتالكم إياه؟)) بفصل ثاني الضميرين، والاختيار ألا يجيء بالمنفصل إذا تأتى أن يجيء المتصل؛ وهو أفصح من (قتالكموه) باتصال الضمير، فلذا فصله؛ وهو الصواب، كذا قال الإمام بدر الدين العيني.

قال أبو سفيان: ((قلت)) وفي رواية (قال) : ((الحرب بيننا وبينه سجال)) ؛ بكسر السين المهملة وبالجيم المخففة؛ أي: نُوَب، نوبة لنا ونوبة له؛ كما قال: ((ينال منا وننال منه)) ؛ أي يصيب منا ونصيب منه، و (السجال) ؛ بمعنى المساجلة: مرفوع خبر لـ (الحرب) ، فما قاله ابن حجر غير وارد ومردود، والجملة: لا محل لها من الإعراب؛ لأنَّها مفسرة، وفي (الحرب بيننا وبينه سجال) ؛ تشبيه بليغ.

((قال)) هرقل: ((ما)) وفي رواية: (بما) وفي أخرى: (فما) ((ذا يأمركم؟)) ؛ أي: ما الذي يأمركم به؟ قال أبو سفيان: ((قلت: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئًا)) ، وفي رواية: بحذف الواو؛ فيكون تأكيدًا لقوله وحده، والجملة من عطف الخاص على العام، ((واتركوا ما يقول آباؤكم)) من عبادة الأصنام، ((ويأمرنا بالصلاة)) المعهودة، وفي رواية بزيادة: (والزكاة) ، ((والصدق)) ؛ القول المطابق للواقع، وفي رواية: (بالصدقة) ، ((والعفاف)) ؛ بفتح العين: الكف عن المحارم، ((والصلة)) للأرحام، ((فقال)) هرقل ((للترجمان: قل له)) ؛ أي: لأبي سفيان: ((سألتك عن نسبه، فذكرت أنه فيكم ذو)) صاحب ((نسب)) عظيم؛ ((فكذلك)) ، وفي رواية: بالواو ((الرسل تبعث في نسب قومها)) ؛ لما علمه في الكتب.

((وسألتك هل قال أحد)) وفي رواية: بإسقاط (هل) ((منكم هذا القول)) وفي رواية: (قبله) ، ((فذكرت أن لا، فقلت)) في نفسي: ((لوكان أحد قال هذا القول لقلت: رجل يأتسي)) ؛ بهمزة ساكنة، بعدها مثناة فوقية مفتوحة، وسين مهملة مكسورة؛ أي: يقتدي ((بقول قيل قبله)) ، وفي رواية: (يتأسى) بتقديم المثناة الفوقية على الهمزة المفتوحة وفتح السين المشددة.

((وسألتك هل كان من آبائه مِن مَلك؟)) وفي رواية: بفتح الميمين ((فذكرت: أن لا، قلت)) في نفسي، وفي رواية: (فقلت) : ((فلو)) وفي رواية: (لو) ((كان من آبائه من ملك؛ قلت: رجل يطلب ملك أبيه)) بالإفراد، وإنما قال: (لأبيه) ولم يقل: (لآبائه) ؛ بالجمع؛ لأنَّه يكون أعذر في طلب الملك، بخلاف ما لو قال: (ملك آبائه) .

قال هرقل لأبي سفيان: ((وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت: أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر)) اللام جحودية؛ أي: لم يكن ليدع ((الكذب على الناس)) قبل النبوة، ((ويكذب)) بالنصب ((على الله)) بعد إظهارها، ((وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه؛ وهم أتباع الرسل)) غالبًا؛ كما مر.

قال هرقل لأبي سفيان: ((وسألتك أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت: أنهم يزيدون؛ وكذلك أمر الإيمان)) ؛ فإنَّه يزيد ((حتى يتم)) وحيه؛ ولهذا آخر النزول كان قوله: {اليوم أكملت} الآية [المائدة: 3] ، ((وسألتك أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت: أن لا، وكذلك الإيمان حين)) بالنون، وفي رواية: (حتى) بالمثناة الفوقية، ((تخالط)) بالمثناة الفوقية، ((بَشَاشَتُه)) ؛ [/ص8/] بفتح الموحدة، والشين المعجمتين، وضم التاء ((القلوبَ)) : بالنصب على المفعولية، وفي رواية: (يخالط) بالمثناة تحت (بشاشةَ) بالنصب مفعول، و (القلوبِ) : بالجرِّ على الإضافة، والمراد بـ (بشاشة القلوب) : انشراح الصدور.

((وسألتك هل يغدر؟ فذكرت: أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر)) ؛ لأنَّها تطلب الآخرة، ((وسألتك بما يأمركم؟)) بإثبات الألف مع (ما) الاستفهامية، ((فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وينهاكم عن عبادة الأوثان)) ؛ جمع (وثن) بالمثلثة؛ وهو الصنم، ((ويأمركم بالصلاة، والصدق، والعفاف)) ؛ أي: بأداء الصلاة المعهودة، وعدم الكذب، وأن تكفُّوا عن المحارم، قال هرقل لأبي سفيان: ((فإن كان ما تقول حقًّا)) ؛ لأنَّه خبر محتمل للصدق والكذب؛ ((فسيملك)) أي: النبي عليه السلام ((موضع قدمي هاتين)) أرض بيت المقدس، ((وقد كنت أعلم أنه)) أي: النبي عليه السلام ((خارج)) ، وفي رواية: (فإن كان ما تقول حقًّا؛ فإنه نبي) ، وفي رواية: (هذه صفة نبي) ، وإنما علم ذلك هرقل؛ لأنَّ النبي منعوت في كتبهم، ((لم)) وفي رواية: (ولم) ((أكن أظن أنَّه منكم)) أي: من قريش، ((فلو أنَّي أعلم أني)) وفي رواية: (أنني) ((أخلُص)) ؛ بضم اللام؛ أي: أصل ((إليه؛ لتجشمت)) ؛ بالجيم والشين المعجمتين؛ أي: لتكلفت ((لقاءه)) على ما فيه من المشقة، والمراد بالتجشم: الهجرة، وكانت فرضًا قبل الفتح على كل مسلم، وفي رواية: (قال هرقل: ويحك! والله إنِّي لأعلم أنَّه نبي مرسل، ولكني أخاف الروم على نفسي، ولولا ذلك لاتبعته) ، ((ولو كنت عنده)) أي: النبي عليه السلام؛ ((لغسلت عن قدميه)) ، وفي رواية: بإسقاط لفظ (عن) ، وفي رواية: (لو علمت أنه هو؛ لمشيت إليه، حتى أقبل رأسه وأغسل قدميه، ولقد رأيت جبهته يتحادر عرقها من كرب الصحيفة) ، وفي رواية: (قدمه) بالإفراد، والمراد: المبالغة في الخدمة.

((ثم دعا)) هرقل ((بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم)) ؛ أي: ثم دعا من أتى بكتابه عليه السلام، وجاز زيادة الباء؛ أي: دعا الكتاب على سبيل المجاز، وما قاله ابن حجر؛ ففيه نظر، ((الذي بعث به دَِحيةُ)) ؛ بكسر الدال وفتحها ورفع التاء على الفاعلية: ابن خليفة الكلبي، وفي رواية: (مع دحية) ، وهو مدفون في سطح المزة؛ قرية قرب دمشق، وكان البعث في آخر سنة ست بعد الرجوع من الحديبية، ((إلى عظيم)) أهل ((بُصرى)) ؛ بضم الموحدة مقصورًا: مدينة حوران؛ أي: أميرها الحارث بن أبي شمر الغساني، ((فدفعه إلى هرقل)) ، فيه مجاز؛ لأنَّه أرسل به إليه صحبة عدي بن حاتم، وكان وصوله إليه في سنة سبع، ((فقرأه)) هرقل بنفسه أو الترجمان بأمره؛ وهو الثابت عند الواقدي، ((فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم)) وتقديم سليمان اسمه على البسملة؛ حكاية الحال، أو خاف منها أن تسب فقدَّم اسمه فإذا سبَّت يقع على اسمه، وفيه دليل على استحباب تصدير الكتب بالبسملة، وإن كان المبعوث إليه كافرًا؛ كذا قيل، وقال بعض الفضلاء: إن السنة تصدير الاسم فيقول: من فلان إلى فلان؛ وهو قول الجمهور، مستدلين بما في «أبي داود» عن العلاء وكان عامل النبي على البحرين، وكان إذا كتب إليه بدأ بنفسه؛ فليحفظ.

((من محمد عبد الله ورسوله)) ، وفي رواية: (من محمد بن عبد الله ورسول الله) ، وإنما وصف نفسه بالعبودية؛ تعريضًا لبطلان قولهم في المسيح: إنه ابن الله؛ لأنَّ الرسل على السواء في أنهم عباده تعالى ((إلى هرقل عظيم)) أهل ((الروم)) ؛ أي: المعظم عندهم، ويجوز في (عظيم) الجر بدل من سابقه، والرفع على القطع، والنصب على الاختصاص، وإنما لم يصفه بالإمرة أو الملك؛ لكونه معزولًا بحكم الإسلام، وذكر المدائني: أن القارئ لما قرأ: (من محمد رسول الله) ؛ غضب أخو هرقل فاجتذب الكتاب، فقال له هرقل: ما لك؟ فقال: لأنَّه بدأ بنفسه وسماك صاحب الروم، قال: إنك لضعيف الرأي، أتريد أن أرمي بكتاب قبل أن أعلم ما فيه، لئن كان رسول الله؛ إنَّه لأحق أن يبدأ بنفسه، ولقد صدق أنا صاحب الروم واللهُ مالكي ومالكه، ((سلامٌ)) بالتنكير، وفي رواية بالتعريف، ((على من اتبع الهدى)) ؛ أي: الرشاد، ومعناه: سلم من عذاب الله من أسلم، فليس المراد به التحية وإن كان اللفظ يشعر به، ((أما بعدُ)) : بالبناء على الضم؛ لقطعه عن الإضافة المنوية لفظًا، ويؤتى بها للفصل بين الكلامين، واختلف في أول من تكلم بها؛ فقيل: داود، وقيل: يعرب بن قحطان، وقيل: كعب، وقيل: يعقوب، والأرجح: أنه يعرب أو يعقوب، والأقوال كثيرة؛ ((فإني أدعوك بدِعاية الإسلام)) ؛ بكسر الدال المهملة، وفي رواية: بداعية الإسلام؛ أي: بالكلمة الداعية إليه؛ وهي الشهادة والباء بمعنى (إلى) ، ((أسلِمْ)) ؛ بكسر اللام؛ ((تسلَمْ)) بفتحها ((يؤتك الله أجرك مرتين)) بالجزم في الأول على الأمر، وفي الثاني جواب له، والثالث بحذف حرف العلة جواب ثان له أيضًا، أو بدل منه، وإعطاء الأجر مرتين؛ لكونه مؤمنًا بنبيه ثم آمن بمحمد عليه السلام، وفي رواية: (أسلم؛ تسلم، أسلم؛ يؤتك) بتكرار (أسلم) مع زيادة الواو، ((فإن توليت)) ؛ أي: أعرضت عن الإسلام؛ ((فإن عليك)) مع إثمك ((إثم اليَرِيْسِين)) ؛ بمثناتين تحتيتين؛ الأولى مفتوحة والثانية ساكنة بينهما راء مكسورة، ثم سين مكسورة، ثم مثناة تحتية ساكنة، ثم نون: جمع (يريس) ، على وزن (كريم) ، وفي رواية: (الأريسين) بقلب المثناة الأولى همزة، وفي أخرى: (اليريسيِّين) بتشديد الياء بعد السين جمع (يريسي) ، وفي رواية: (الأريسيِّين) ؛ بتشديد الياء بعد السين كذلك، إلَّا أنَّه بالهمزة في أوله موضع الياء، وأما قوله تعالى: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164] ؛ فمعناه: أنَّ وزر الإثم لا يتحمله غيره والفاعل يتحمل من جهتين؛ جهة فعله وجهة تسببه، والأريسيون: الأكارون؛ أي: الفلاحون، والمراد بهم هنا: أهل مملكته الشامل للفلاحين وغيرهم على الأظهر، وفيه أقوال، وكلها بعيدة؛ فليحفظ، وفي قوله: (فإن توليت) استعارة تبعية.

((و{يَا أَهْلَ الكِتَابِ})) وفي رواية: بإسقاط الواو، والمراد: أهل الكتابين، والظاهر أنه عليه السلام أراد مخاطبتهم بذلك ولم يرد التلاوة؛ فهو من باب الالتفات؛ فافهم، (({تَعَالَوْا})) بفتح اللام (({إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ})) ؛ أي: مستوية (({بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ})) لا يختلف فيها القرآن، والتوراة، والإنجيل؛ وهي (({ألَّا نَعْبُدَ إلَّا اللهَ})) ؛ أي: نوحده بالعبادة، (({وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا})) ؛ أي: لا نجعل له شريكًا كما جعلتم، (({وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ})) فلا نقول: المسيح ابن الله، ولا: العزير ابن الله، ولا نطيع الأحبار، وروي: لمَّا نزلت: {اتَّخَذُواأَحْبَارَهُمْ} الآية [التوبة: 31] ، قال عدي بن حاتم: ماكنا نعبدهم يارسول الله، قال: أليس كانوا يحلون لكم ويحرمون، فتأخذون بقولهم؟ قال: نعم، قال: هو ذاك، (({فَإِن تَوَلَّوْا})) عن التوحيد (({فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ})) [آل عمران: 64] ؛ أي: لزمتكم الحجة، فاعترفوا بأنا مسلمون دونكم، أو اعترفوا بأنكم كافرون.

وكتب ذلك عليه السلام قبل نزول الآية؛ فوافق لفظه لفظها، ونزلت في وفد نجران سنة الوفود سنة تسع، وقصة أبي سفيان سنة ست، وقيل: نزلت في اليهود، وقيل: نزلت مرتين، وقيل: إنَّ هرقل وضع الكتاب في قصبة من ذهب؛ تعظيمًا، وإنهم يتوارثونه، وقيل: إن ملكهم زمن المنصور قلاوون أخرج لسيف الدين قلج صندوقًا مصفحًا بالذهب فيه الكتاب، فقال: هذا كتاب نبيكم الذي أرسله إلى جدي قيصر، وأوصانا آباؤنا: أنه مادام عندنا؛ لا يزال الملك فينا.

وفي سنة ست وسبعين ومئتين وألف وجد أحد الفرنج كتابًا في أرض مصر، وذهب به إلى الفرنج، فقالوا: إنه كتاب محمد إلى المقوقس، فاشتروه منه بستين ألف قرش، وأهدوه إلى الملك الأعظم؛ السلطان عبد المجيد خان-نصره الله تعالى- العثماني، فتبارك فيه وعظمه، وجمع العلماء لقراءته، فما [1] أحد عرف قراءته؛ لأنَّه مكتوب بالكوفي، فرسم صفته وأرسله إلى والي ديارنا الشريفة الشامية، فأرسل الوالي إلى شيخ الحرم الأموي، وطلب منه مصحف عثمان رضي الله عنه، وأمر بعض عماله على ترجمته بالعربي، وأرسله إلى السلطان، والله تعالى أعلم.

((قال أبو سفيان: فلما قال)) هرقل ((ما قال)) ؛ أي: الذي قاله من السؤال والجواب، ((وفرغ من قراءة الكتاب)) النبوي؛ ((كثر عنده الصَّخَب)) ؛ بالصاد المهملة والخاء المعجمة المفتوحتين؛ أي: اللغط، ((وارتفعت الأصوات)) المختلفة؛ وهذا معنى اللغط، ((وأُخرِجنا)) ؛ بضم الهمزة وكسر الراء؛ أي: أمر بإخراجنا، ((فقلت لأصحابي حين أخرجنا)) : وفي رواية: (حين خلوت بهم) : والله ((لقد أَمِرَ)) ؛ بفتح أوله مقصورًا وكسر ثانيه؛ أي: عظم ((أمْر ابن أبي كَبْشة)) بسكون الميم؛ أي: شأنه، و (كَبْشة) ؛ بفتح الكاف وسكون الموحدة، اسم مرتجل، وأراد بذلك: النبي عليه السلام؛ لأنَّها كنية أبيه من الرضاعة؛ الحارث بن عبد العزى، وكانت له بنت تسمى كبشة، فكُنِّي بها، قيل: إنه أسلم، أو هو والد حليمة مرضعته، أو نسبه إلى جدِّ جدِّه وهب؛ لأنَّ أمه آمنة بنت وهب، وأم جد وهب: قيلة بنت أبي كبشة، والظاهر الأول؛ ((أنه يخافه)) ؛ بفتح الهمزة: مفعول لأجله، وقيل: بكسر الهمزة على الاستئناف، والمعنى: عظم أمره عليه السلام لأجل أنه يخافه ((ملك بني الأصفر)) ؛ وهم الروم؛ لأنَّ جدهم روم بن عيص بن إسحاق تزوج بنت ملك الحبشة؛ فجاء ولده بين البياض والسواد، فقيل له: الأصفر، قال أبو سفيان: ((فما زلت موقنًا أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام)) فأبرزت ذلك اليقين.

((وكان ابن الناطور)) بالمهملة؛ أي: حافظ البستان، وفي رواية: بالمعجمة، وفي رواية: بزيادة ألف آخره، والواو عاطفة، والقصة الآتية موصولة إلى ابن الناطور مروية عن الزهري، كذا قيل، وقوله: ((صاحبَ)) منصوب ((إيلِياء)) ؛ بكسر الهمزة واللام، بينهما مثناة تحتية مع المد؛ وهي بيت المقدس؛ أي أميرها، ونصبه؛ إما على الاختصاص في رواية، أو على الحال، وفي رواية: أنَّه مرفوع صفة لابن الناطور؛ لأنَّ الإضافة معنوية؛ كذا قاله الإمام شهاب الدين الكرماني، واستظهره البرماوي، ((وهرقلَ)) بفتح اللام مجرور عطفًا على (إيلياء) ؛ أي: صاحب هرقل أيضًا، وأطلق عليه الصحبة؛ إما بمعنى الاستقلال بالرأي، أو بمعنى التبع أو الصداقة، والظاهر الأول، ((أُسقف)) ؛ بضم الهمزة: مبنيًّا للمفعول، وفي رواية: (أُسْقُفًا) بضم الهمزة، وسكون السين، وضم القاف، وتخفيف الفاء، وفي رواية: (أسقفًّا) بتشديد الفاء، وفيه روايات؛ أي: مقدمًا ((على نصارى الشام)) ؛ لكونه رئيس دينهم، أو ملكهم، أو قيم شريعتهم؛ وهو البترك الكبير المسمى بالباب؛ بفتح الموحدتين بينهما ألف، وما قيل؛ فهو بعيد، ((يحدث أن هرقل حين قدم إيلياء)) وغلبة جنوده جنود فارس وإخراجهم في سنة عمرته عليه السلام الحديبية؛ ((أصبح خبيث النفس)) ؛ مما حل به من الهم، وفي رواية: (أصبح يومًا خبيث النفس) ، ((فقال)) له ((بعض بَطارقته)) ؛ بفتح الموحدة: جمع بطريق، بكسرها؛ وهو العالم بدينهم: ((قد استنكرنا هيئتك)) ؛ لمخالفتها عادتك، ((قال ابن الناطور)) : بالمهملة وفي رواية بالمعجمة ((وكان هرقل)) عالمًا وكان ((حَزَّاءً)) ؛ بالمهملة وتشديد الزاي، آخره همزة منونة، منصوب؛ لأنَّه خبر (كان) ؛ أي: كاهنًا ((ينظر في النجوم)) خبر ثان لـ (كان) ؛ إن قلنا: إنه ينظر في الأمرين، أو تفسير لـ (حزاء) ؛ لأنَّ الكهانة تؤخذ تارة من ألفاظ الشياطين وتارة من أحكام النجوم، [/ص9/] فكان هرقل يعلم حساب النجوم أن المولد بقِرَانِ العلويين ببرج العقرب؛ وهما يقترنان في كل عشرين سنة مرة إلى أن تستوفي الثلاثة بروجها في ستين سنة، وكان ابتداء العشرين الأول للمولد، وعند تمام العشرين الثانية مجيء جبريل، وعند الثالثة فتح خيبر، وليس المراد بهذا تقوية قول الحساب؛ بل البشارة به عليه السلام، والجملة اعتراضية.

((فقال)) هرقل ((لهم)) ؛ أي: لبعض البطارقة ((حين سألوه: إنِّي رأيت الليلة حين نظرت في النجوم مَلِك الختان)) ؛ بفتح الميم وكسر اللام، وفي رواية: بالضم ثم الإسكان ((قد ظهر)) ؛ أي: غلب؛ لأنَّ في تلك الأيام كان ابتداء ظهوره؛ لأنَّه صالح الكفار بالحديبية عليه السلام، وأنزل الله سورة الفتح، ((فمن)) استفهامية ((يختن من هذه الأمة؟)) ؛ أي: من أهل هذه الملل، وفي رواية: (الأمم) ((قالوا: ليس يختن إلا اليهود)) ؛ لأنَّهم كانوا بإيلِياء ((فلا يُهمنَّك)) بضم المثناة تحت: من (أهم) ؛ أي: لا يقلقنك ((شأنهم، واكتب إلى مدائن ملكك)) بالهمز وقد يترك؛ ((فيقتلوا من فيهم من اليهود)) ، وفي رواية: (فليقتلوا) ؛ باللام.

((فبينما هم)) بالميم، وأصله (بين) ، فأشبعت الفتحة فصار (بينا) ، فزيدت الميم، وفي رواية: بغير ميم، ومعناهما واحد، و (هم) ؛ مبتدأ خبره ((على أمرهم)) مشورتهم ((أتي هرقل برجل أرسل به ملك غسَّان)) ؛ بالغين المعجمة والسين المهملة المشددة، واسم الملك الحارث ابن أبي شمر، و (غسان) اسم ماء نزل عليه قوم من الأزد؛ فنسبوا إليه، ولم يسم الرجل ولا من أرسل به ((يخبره عن خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم)) ، فقال: خرج بين أظهرنا رجل يزعم أنه نبي، فقد اتبعه ناس وصدقوه وخالفه ناس؛ فكانت بينهم ملاحم في مواطن وتركتهم وهم على ذلك، ((فلما استخبره هرقل)) وأخبره؛ ((قال)) لجماعته: ((اذهبوا فانظروا)) إلى الرجل ((أمختَتِن هو)) بهمزة الاستفهام وفتح المثناة الفوقية الأولى وكسر الثانية ((أم لا؟ فنظروا إليه)) ، وفي رواية: (فجردوه؛ فإذا هو مختتن) ، ((فحدثوه)) أي: هرقل ((أنه مختَتِن)) ؛ بفتح الفوقية الأولى وكسر الثانية، ((وسأله عن العرب)) ؛ هل يختتنون؟ ((فقال)) ؛ أي: الرجل: ((هم يختتنون)) ، وفي رواية: (مختتنون) ، والأول أشمل؛ كما قاله الإمامان العيني والعسقلاني، ((فقال هرقل: هذا)) الذي نظرته في النجوم ((مُلْك هذه الأمة)) ؛ أي: العرب ((قد ظهر)) بضم الميم وسكون اللام، وفي رواية: بالفتح ثم الكسر، واسم الإشارة للنبي عليه السلام؛ وهو مبتدأ خبره (ملك) ، و (قد ظهر) حال، وفي رواية: (وحده يملك) وتمامه في «شرح الإمام بدر الدين العيني».

((ثم كتب هرقل إلى صاحب له)) يسمى ضغاطر الأسقف ((بروميَة)) بالتخفيف، وفي رواية: (بالرومية) ؛ وهي مدينة رئاسة الروم، قيل: إن دور سورها أربعة وعشرون ميلًا، ((وكان نظيره)) ، وفي رواية: (وكان هرقل نظيره) ((في العلم)) الشامل للنجوم والكتب، لكن الأول أظهر.

((وسار هرقل إلى حمص)) مجرور بالفتحة؛ لأنَّه غير منصرف؛ للعلمية والتأنيث؛ وهي دار ملكه بالشام، وبها دفن خالد بن الوليد رضي الله عنه، ((فلم يَرِم)) هرقل؛ بفتح المثناة تحت وكسر الراء ((حمص)) ؛ أي: لم يصل إليها، والظاهر أن يقال: وأراد هرقل المسير إلى حمص ولم يبرح ((حتى أتاه كتاب من صاحبه)) ضغاطر ((يوافق رأي هرقل على خروج النبي صلى الله عليه وسلم)) أي: ظهوره ((وأَنه نبي)) بفتح الهمزة، وهذا يدل على أنَّ هرقل وصاحبه أقرَّا بنبوته، لكن هرقل لم يستمر على ذلك، بل رغب في الرئاسة، فأعرض عن الإسلام، وأما صاحبه؛ فأظهر الإسلام ودعاهم إليه فقتلوه.

((فأذن)) بالقصر؛ من الإذن، وفي رواية: (فآذن) بالمد؛ أي: أعلم ((هرقل لعظماء الروم)) جمع عظيم ((في دَسْكَرَة)) ؛ بمهملتين الأولى مفتوحة والثانية ساكنة، وفتح الكاف والراء، كائنة ((له بحمص)) ؛ أي: فيها، والدسكرة: القصر حوله بيوت، ((ثم أمر بأبوابها)) ؛ أي: الدسكرة ((فغلِّقت)) بتشديد اللام، وكان دخلها ثم أغلقها، وفتح أبواب البيوت التي حولها، وأذن للروم في دخولها، ثم أغلقها عليهم، ((ثم اطلع)) عليهم من مكانه العالي؛ خوفًا منهم أن يقتلوه فخاطبهم ((فقال: يامعشر الروم؛ هل لكم)) رغبة ((في الفلاح والرَُّشَْد)) ؛ بضم الراء ثم السكون أو بفتحتين: خلاف الغي، ((وأن يثبت)) ؛ بفتح الهمزة: مصدرية ((ملككم، فتُبَايعوا)) ؛ بمثناة فوقية مضمومة، ثم موحدة، بعدها ألف ومثناة تحتية: منصوب بحذف النون بـ (أن) مقدرة في جواب الاستفهام، وفي رواية: (فبايعوا) بإسقاط المثناة قبل الموحدة، وفي رواية: (نبايع) بنون الجمع ثم موحدة، وفي أخرى: (نتابع) بنون الجمع أيضًا، ثم مثناة فوقية، فألف، فموحدة، وفي رواية: (فتتابعوا) بمثناتين فوقيتين، وبعد الألف موحدة، وفي رواية: (فنتبع) ((هذا النبي)) وفي رواية: باللام، وفي أخرى: (صلى الله عليه وسلم) ، وإنما قال هذا؛ لما علم من الكتب: أن التمادي على الكفر سبب لذهاب الملك.

((فحاصوا)) بمهملتين؛ أي: نفروا ((حيصة حمر الوحش)) ؛ أي: كحيصتها ((إلى الأبواب)) المعهودة، ((فوجدوها قد غُلِّقت)) ؛ بضم الغين المعجمة وكسر اللام مشددة، وإنما شبه نفرتهم بنفرة حمر الوحش؛ لأنَّها أشد نفرة من سائر الحيوانات، وقول ابن حجر: (شبههم بالحمر لمناسبة الجهل) ؛ فيه نظر ظاهر لا يخفى على من له أدنى نظر في علمي المعاني والبيان، ((فلما رأى هرقل نفرتهم)) وأنهم ربما قتلوه، ((وأيس)) ؛ بهمزة ثم مثناة تحتية، جملة حالية بتقدير: قد، وفي رواية: بتقديم الياء على الهمزة، وهما بمعنًى، والأول مقلوب من الثاني؛ أي: قنط ((من الإيمان)) ؛ أي: من إيمانهم ومن إيمانه أيضًا؛ لكونه شح بملكه؛ ((قال)) هرقل لخدامه: ((ردوهم عليَّ)) بفتح المثناة تحت؛ أي: إلى محل الخطاب ((وقال)) لهم: ((إنِّي قلت مقالتي آنفًا) بالمد مع كسر النون، وقد تقصر منصوب على الظرفية لا على الحال؛ كما توهم ((أختبر)) ؛ أي: أمتحن ((بها)) الجملة حال ((شدتكم)) ؛ أي: رسوخكم ((على دينكم)) إنَّما أضاف الدين إليهم؛ إشارة إلى أن له خاطرًا في الدخول في الإسلام ومنعه حب الرئاسة، ((فقد رأيت)) أي: شدتكم، فحذف المفعول؛ للعلم به، وفي رواية: (فقد رأيت منكم الذي أحببت) ، ((فسجدوا له)) ؛ حقيقة على عادتهم لملوكهم أو قبَّلوا الأرض بين يديه، ((ورضوا عنه)) بأن سكنت نفرتهم، ((فكان ذلك آخرَ)) بالنصب خبر (كان) ((شأن هرقل)) فيما يتعلق بهذه القصة أو فيما يتعلق في أمر الإيمان، فإنه قد وقعت له أمور من تجهيز الجيش إلى مؤتة سنة ثمان، وتبوك، ومحاربته للمسلمين؛ وهذا يدل على استمراره على الكفر، لكن يحتمل مع ذلك أنه كان يضمر الإيمان ويفعل هذه المعاصي؛ مراعاة لمملكته وخوفًا من أن يقتلوه؛ كما قتلوا ضغاطر، لكن في «مسند أحمد»: أنه كتب من تبوك إلى النبي عليه السلام: أنَّي مسلم، قال النبي عليه السلام: «كذب؛ بل هو على نصرانيته..» الحديث، {إن هو إلا وحي يوحى} [النجم: 4] .

((رواه)) ؛ أي: حديث هرقل، وفي رواية بالواو، وفي رواية: (قال محمد -أي: البخاري- رواه) ((صالح بن كَيسان)) ؛ بفتح الكاف: أبو محمد أو أبو الحارث الغِفَاري؛ بكسر الغين المعجمة مخفف الفاء، المدني، المتوفى سنة خمس وأربعين ومئة، عن مئة ونيف وستين سنة؛ كذا قيل، ((و)) رواه أيضًا ((يونس)) بن يزيد الأيلي ((و)) رواه ((مَعمَر)) ؛ بفتح الميمين بينهما عين ساكنة: ابن راشد؛ الثلاثة عن الزهري، وأخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.

ومناسبة الحديث هنا من حيث أوصاف من يوحى إليه، ومن قصة هرقل؛ لتضمنها حال النبي عليه السلام في ابتداء الأمر، ولا يخفى مناسبة القصة؛ لما يذكره من كتاب الإيمان؛ وهو أول فرض على المكلف، فقال:

[1] في الأصل: (فلم).