المستند التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

482-. حدَّثنا إِسْحاقُ، قالَ: حدَّثنا ابْنُ شُمَيْلٍ [1] : أخبَرَنا [2] ابْنُ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ:

عن أَبِي هُرَيْرَةَ، قالَ: صَلَّىَ بِنا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِحْدَىَ صَلاتَيِ العَشِيِّ [3] _قالَ ابْنُ سِيرِينَ: سَمَّاها [4] أبو هُرَيْرَةَ، وَلَكِنْ نَسِيتُ أَنا_ قالَ: فَصَلَّىَ بِنا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، فَقامَ إلىَ خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي المَسْجِدِ، فاتَّكَأَ عَلَيْها كَأَنَّهُ غَضْبانُ، وَوَضَعَ يَدَهُ اليُمْنَىَ علىَ [5] اليُسْرَىَ، وشَبَّكَ بَيْنَ أَصابِعِهِ، ووَضَعَ خَدَّهُ الأَيمَنَ علىَ ظَهْرِ كَفِّهِ اليُسْرَىَ، وخَرَجَتِ السَّرَعانُ( [6] مِنْ أَبْوابِ المَسْجِدِ، فقالوا: قَصُرَتِ [7] الصَّلاةُ. وفِي القَوْمِ أبو بَكْرٍ وعُمَرُ، فَهابا [8] أَنْ يُكَلِّماهُ، وَفِي القَوْمِ رَجُلٌ فِي يَدَيْهِ طُولٌ، يُقالَ لَهُ: ذُو اليَدَيْنِ، قالَ [9] : يا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَسِيتَ أَمْ قَصُرَتِ [10] الصَّلاةُ؟ قالَ: «لَمْ أَنْسَ، وَلَمْ تُقْصَرْ». فقالَ: «أَكَما يَقُولُ ذُو اليَدَيْنِ؟». فقالوا: نَعَمْ. فَتَقَدَّمَ فَصَلَّىَ ما تَرَكَ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ وَكَبَّرَ، ثُمَّ كَبَّرَ [11] وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ وَكَبَّرَ. فَرُبَّما سَأَلُوهُ: ثُمَّ سَلَّمَ؟ فَيَقُولُ [12] : نُبِّئْتُ أَنَّ عِمْرانَ بْنَ حُصَيْنٍ قالَ: ثُمَّ سَلَّمَ.

الأطراف



[1] في رواية ابن عساكر: «النضرُ بن شُمَيل».
[2] في رواية الأصيلي: «حدَّثنا».
[3] في رواية أبي ذر والحَمُّويي والمُستملي: «العِشاء»، وبهامش اليونينية: وعند أبي ذر لغير أبي الهيثم: العِشاء، وهو وهم.اهـ.
[4] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر و [عط] ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «قد سمَّاها».
[5] في رواية الأصيلي وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت زيادة: «يدِه».
[6] بهامش اليونينية: سَرَعان الناس، بفتح السين والراء المهملتين: أوائلهم.اهـ.
[7] ضُبطت في رواية [عط] علىَ وجهين: الأول: «قَصُرَت» كالمثبَت: بفتح القاف وضمِّ الصاد، والثاني: «قُصِرَت» بضم القاف وكسر الصاد؛ بالبناء للمفعول (ب، ص)، وبهامش اليونينية: حاشية بخط اليونيني: في أصل شيخنا الحافظ المنذري: «قُصِرَت» بضم القاف وكسر الصاد.اهـ.
[8] في رواية [عط] : «فهاباه».
[9] في رواية [عط] : «فقال».
[10] في رواية [عط] : «قُصِرَت» (ب، ص).
[11] قوله: «ثم كبَّر» صحَّح عليه في اليونينيَّة، وهو ليس في رواية ابن عساكر.
[12] في رواية الأصيلي: «يقول».





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

482- ( إِحْدَى صَلاَتَيِ الْعَشِيِّ ) هو أول الزوال.

( السُّرعان ) بالتحريك جمع سريع: أوائل الناس، وقال أبو الفرج: فيه ثلاث لغات: فتح السين وكسرها وضمها والراء ساكنة، والنون تنصب [1] أبدًا.

( قَصُرَتِ الصَّلاَةُ ) على البناء للفاعل والمفعول.

[1] جاء في هامش [ب] : نسخة نصب.





لا تتوفر معاينة

482- قوله: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ [1] : حَدَّثَنَا ابْنُ شُمَيْلٍ): قال الجيَّانيُّ: (وقال - يعني: البخاري -: في «الصَّلاة»، و«البقرة» في موضعين، و«الفضائل»، و«اللِّباس»، و«الأدب»، و«خبر الواحد»: «حدَّثنا إسحاق: حدَّثنا النضر»، نسبه ابن السَّكن في بعض هذه المواضع: إسحاق بن إبراهيم، وفي نسخة الأصيليِّ في «الوضوء» في «باب مَن لم ير الوضوء إلَّا من المَخْرَجين»، قال البخاريُّ: «حدَّثنا إسحاق بن منصور: أخبرنا النَّضر»؛ فذكر حديث: «أرسل إلى رجل من الأنصار»، وقال أبو نصر: النضر [2] بن شميل: يروي عنه [3] : إسحاق بن إبراهيم، وإسحاق بن منصور) انتهى مُلخَّصًا، ولم ينسبه المِزِّيُّ في «أطرافه»؛ فاعلمه.

قوله: (حَدَّثَنَا ابْنُ شُمَيْلٍ): هو النَّضر؛ بالضَّاد المعجمة، وقد تقدَّم، و (شُمَيل): بضمِّ الشين المعجمة، وهو أبو الحسن، المازنيُّ البصريُّ النَّحْويُ، شيخ مروَ ومُحدِّثها، تقدَّم.

قوله: (عَن ابْنِ عَوْنٍ): تقدَّم في ظاهرها [4] الكلامُ على ابن عون، وأنَّه عبد الله بن عون بن أرطبان، أحد الأعلام، لا ابن عون ابن أمير مصر، هذا الثاني ليس له [5] في «البخاريِّ» شيءٌ، إنَّما روى له مسلم والنَّسائيُّ.

قوله: (عَنِ ابْنِ سِيرِينَ): تقدَّم مرارًا أنَّه مُحَمَّد بن سيرين، الإمام أحد الأعلام، وتقدَّم الكلام في عَدِّ إخوته.

قوله: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ): تقدَّم قريبًا وبعيدًا مرارًا أنَّه عبد الرحمن بن صخر، على الأصحِّ من نحو ثلاثين قولًا.

قوله: (صَلاَتَيِ الْعَشِيِّ [6] ): قال ابن قرقول: («العشيُّ»: ما بعد زوال الشمس إلى الغروب، وصلاة العشيِّ: هي العتمة [7] ، ويقال لهما جميعًا: العشاءان، كما قيل: الأبوان، هذا قول الأصمعيِّ، وقال الخليل: عند العامَّة: من غروب الشَّمس إلى أن يولِّي صدرُ النَّهار، وبعضهم يجعله إلى الفجر، وقال يعقوب: «العشاء»: من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء، والعشاء [8] : آخر النَّهار، والعشاء: آخر الظَّلام، وقيل: إنَّما قيل: صلاة العشاء، والعشيِّ؛ لأجل إقبال الظلام، وأنَّه يُعشِي [9] البصرَ عن الرُّؤية) انتهى، وفي «النِّهاية» [10] : («إحدى صلاتي العشيِّ [11] »: يريد: صلاة الظُّهر أو العصر؛ لأنَّ ما بعد الزَّوال إلى المغرب عشيٌّ، وقيل: العشيُّ: من زوال الشَّمس إلى الصباح...) إلى آخر كلامه.

قوله: (فَاتَّكَأَ): هو بهمزة في آخره، وهذا معروف ظاهر.

قوله: (وخَرَجَتِ السَّرَعَانُ [12] ): وهم المستعجلون من القوم، وهو بفتح السِّين والراء، قال ابن قُرقُول: كذا لمتقني شيوخنا، وهو قول الكسائيِّ، وهو الوجه، وضبطه بعضُهم بسكون الرَّاء، وله وجه، والأوَّل أوجه، لكن يكون جمع «سريع»؛ مثل: «قفيز وقُفزان»، وحكى الخطَّابيُّ أنَّ بعضهم يقول: سُرْعان، قال: وهو خطأ، قال الخطَّابيُّ: وأمَّا قولهم: سرْعانَ ما فعلتُ؛ فبالضَّمِّ والكسر والفتح، والإسكان، وفتح النُّون أبدًا، انتهى، (وكذا قال الجوهريُّ، ومعناه: سَرُع ذا خروجًا، انتهى) [13] ، ولم يذكر في (سرعان الناس) [14] ابنُ الأثير سوى فتح السِّين والرَّاء: (أوائل الناس الذين [15] يتسارعون إلى الشيء ويقبلون عليه بسرعة، قال: ويجوز تسكين الرَّاء) انتهى، [وحكى بعضهم عن أبي الفرج فيه ثلاثةَ أوجه؛ فتح السِّين وكسرها وضمَّها، والرَّاء ساكنة، والنُّون نَصْبٌ [16] أبدًا، انتهى، وهذا في (سُرعان ما فعلت) ؛ أي: سرُع ذا خروجًا -كما ذكرته عن الجوهريِّ وعن الخطَّابيِّ- لا [17] في هذا، والله أعلم] [18] .

قوله: (قَصُرتِ الصَّلَاةُ [19] ): قال ابن قرقول: (بضمِّ القاف؛ ومعناه: نقصت، ومنه القصر في الصَّلاة ضدُّ الإتمام، قال القاضي: ويُروَى: «أَقَصُرت الصَّلاة؟») انتهى، وهذا ما ضُبِط في أصلنا. [/ج1ص183/]

قوله: (لَهُ [20] ذُو الْيَدَيْنِ): (ذو اليدين): اسمه الخِرْباق؛ بكسر الخاء المعجمة، وإسكان الرَّاء، ثمَّ مُوَحَّدة، وفي آخره قافٌ، ابن عَمرو، وهو من بني سُلَيم، وليس هو ذا [21] الشِّمالين الذي قُتِل يوم بدر؛ لأنَّ ذا الشمالين خزاعيٌّ قُتِل يوم بدر، وذو اليدين سُلميٌّ، عاش بعد النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم زمانًا حتَّى رأى المتأخِّرين من التَّابعين، واستدلَّ العلماء لما [22] ذكرناه؛ بأنَّ أبا هريرة شهد قصَّة السَّهو في الصَّلاة -كما في «البخاريِّ» و«مسلم»- وهو مسلم، وقد أجمعوا أنَّ أبا هريرة إنَّما أسلم عام خيبر سنة سبع من الهجرة، أو في آخر سنة ستٍّ، وقد قدَّمنا الخلاف في ذلك، ومدركه فيها [23] بعد بدر بخمس سنين، وكان الزُّهريُّ يقول: إنَّ ذا اليدين هو ذو الشِّمالين، وإنَّه قُتِل ببدر، وإنَّ قصَّته في الصَّلاة كانت قبل بدر، وتابعه أصحاب أبي حنيفة على هذا، وقالوا: كلام النَّاسي في الصَّلاة يبطلها، وادَّعَوا أنَّ هذا الحديث منسوخ، والصواب ما سبق، واتَّفقوا على أنَّ الزُّهريَّ غلط في هذه القصَّة، وإنَّما قيل له: ذو اليدين؛ لطول في يديه، والله أعلم.

قوله: (فَرُبَّمَا سَأَلُوهُ): الضمير في (سألوه) يرجع على [24] ابن سيرين.

[قوله: (نُبِّئْتُ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ: ثُمَّ سَلَّمَ): قال بعض حُفَّاظ العصر: القائل ذلك هو مُحَمَّد بن سيرين، والذي نبَّأه بذلك هو خالدٌ الحذَّاء.

تنبيه: رواية خالد عن عمران مُعضَلة أو مُرسَلة، وأمَّا ابن سيرين؛ فلم يسمع من عمران، قاله الدَّارقطنيُّ، وقد تعقَّبه النَّوويُّ في «شرح مسلم» فقال [25] : (بل هو معدود فيمن سمع منه) انتهى] [26] .

[1] زيد في «اليونينيَّة»: (قال) .
[2] زيد في (ج): (هو) .
[3] في (ج): (عن) ، وليس بصحيح.
[4] في النُّسخ: (ظاهر) ، ولعلَّ المثبت هو الصَّواب.
[5] (له): سقط من (ج) .
[6] في هامش (ق): (وعند أبي ذرٍّ لغير أبي الهيثم: العشا، وهو وهمٌ) .
[7] زيد في (ج): (ويقال هي العتمة) ، وضرب عليها في (أ) .
[8] (والعشاء): سقط من (ج) .
[9] في مصدره : (يغشي) .
[10] في النُّسخ: (النهار): ولعلَّه تحريف عن المثبت.
[11] في (ج): (العشاء) .
[12] في هامش (ق): (أي: أوائل القوم) .
[13] ما بين قوسين جاء في (ب) بعد قوله: (ويجوز تسكين الراء انتهى) .
[14] (الناس): سقط من (ج) .
[15] في (أ) و (ب): (الذي) ، وسقط من (ج) ، والمثبت من مصدره.
[16] في (ج): (نصبت) .
[17] (لا): سقط من (ج) .
[18] ما بين معقوفين جاء في (ب) بعد قوله: (وفتح النون أبدًا انتهى) .
[19] في هامش (ق): (حاشية بخط اليونيني في أصل شيخنا الحافظ المنذري: قُصِرت؛ بضمِّ القاف، وكسر الصاد) .
[20] (له): سقط من (ج) .
[21] في (ج): (ذو) .
[22] في (ج): (كما) .
[23] في (ج): (فيما) .
[24] في (ج): (إلى) .
[25] في (ب): (وقال) .
[26] ما بين معقوفين سقط من (ج) .





482- قوله [1] : (صَلَّى بِنَا): قال التُّورْبَشْتِيُّ: (أي: أَمَّنَا، يدخُلُ فيه حرفُ التَّعديةِ، فيفيدُ معنى قولِنا: أَمَّنَا، فجعلنا من المؤتمين بصلاته، وقوله: (صَلَّى لَنَا) أقام اللَّام مُقام الباء، ومن اللَّام الجارَّة ضربٌ تورَد أيضًا لتعدية الفعل، ويصحُّ أن يُراد به: صلَّى من أجلنا؛ لما يعود إليهم من فائدة الجماعة، ويصيبهم من البركة بسبب الاقتداء به) انتهى، وفي أصلِنا: (صَلَّى بِنَا).

[1] (قوله): مثبت من (أ).





482- وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) بن منصورٍ، كما جزم به أبو نُعيمٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ شُمَيْلٍ) بضمِّ المُعجَمة، ولابن عساكر: ((النَّضر بن شميلٍ)) (قال: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ: ((حدَّثنا)) (ابْنُ عَوْنٍ) بفتح العين وسكون الواو، عبد الله (عَنِ ابْنِ سِيرِينَ) محمَّدٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (قَالَ): (صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ) بفتح العين المُهمَلة وتشديد الياء؛ وهو من أوَّل الزَّوال إلى الغروب، وللمُستملي والحَمُّوييِّ: ((صلاة العشاء))؛ بالمدِّ، ووهم في ذلك؛ لما صحَّ أنَّها الظُّهر أو العصر. (_ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ) محمَّدٌ: قد (سَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرَةَ، وَلَكِنْ نَسِيتُ أَنَا _) أهي الظُّهر أم العصر؟ (قَالَ: فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ إِلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ)؛ أي: موضوعةٍ بالعرض، أو مطروحةٍ (فِي) ناحية (الْمَسْجِدِ، فَاتَّكَأَ) عليه الصَّلاة والسَّلام (عَلَيْهَا كَأَنَّهُ غَضْبَانُ، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى) ولأبي الوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: ((على يده اليسرى)) (وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَوَضَعَ خَدَّهُ الأَيْمَنَ عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى)، ولغير الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((ووضع يده اليمنى)) بدل ((خدِّه الأيمن))، والرِّواية الأولى أَوْلى؛ لئلَّا يلزم التَّكرار (وَخَرَجَتِ السَّرَعَانُ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ) بفتح السِّين والرَّاء المُهمَلتين وضمِّ النُّون، فاعل «خرج»؛ أي: أوائل النَّاس الَّذين يتسارعون، وضبطه الأَصيليُّ ممَّا في غير [1] «اليونينيَّة»: ((سُرْعان))؛ بضمِّ السِّين وإسكان الرَّاء، جمع سريعٍ [ككثيبٍ وكثبان] [2] ، لم يذكر شيء عن المعقوفات وهو المسرع للخروج، وقول أبي الفرج فيما حكاه الزَّركشيُّ: إنَّ فيه ثلاث لغاتٍ: فتح السِّين وكسرها وضمُّها، والرَّاء ساكنةٌ، والنُّون نصبٌ أبدًا؛ تعقَّبه الدَّمامينيُّ: بأنَّه إنَّما هو في «سرعان» الَّذي هو اسم فعلٍ [3] ؛ أي: سَرُع؛ ولذا قال: والنُّون نصبٌ أبدًا؛ أي: مفتوحةٌ لا تتغيَّر [4] عن الفتح؛ لأنَّها حركة بناءٍ، فأمَّا جمع سريعٍ؛ فمعربٌ، تعتور [5] نونه [6] الحركات الثَّلاث [7] ، فنقل اللَّفظ في غير محلِّه _كما ترى_. انتهى. (فَقَالُوا: قَصُرَتِ الصَّلَاةُ؟) بفتح القاف وضمِّ الصَّاد على البناء للفاعل، أو «قُصِرت» [8] من: قُصِر يُقصَر؛ بضمِّ [/ج1ص461/] القاف وكسر الصَّاد على البناء للمفعول، وعُزِي لأصل الحافظ المنذريِّ (وَفِي الْقَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فهابا) بإسقاط الضَّمير المنصوب، وفي روايةٍ: ((فَهَابَاه))؛ أي: خافاه (أَنْ يُكَلِّمَاهُ) عليه الصلاة والسَّلام؛ إجلالًا له (وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ) هو الخرباق، وكان (فِي يَدَيْهِ طُولٌ يُقَالُ لَهُ: ذُو الْيَدَيْنِ، قَالَ) وفي روايةٍ: ((فقال)): (يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَسِيتَ أَمْ قَصُرَتِ الصَّلَاةُ؟) بالفتح ثمَّ الضَّمِّ، أو الضَّمِّ ثمَّ الكسر كالسَّابقة (قَالَ) عليه الصَّلاة والسّلام: (لَمْ أَنْسَ) في ظنِّي (وَلَمْ تُقْصَرْ)؛ أي: الصَّلاة (فَقَالَ) عليه الصَّلاة والسَّلام للحاضرين: (أَكَمَا)؛ أي: الأمر كما (يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ) الأمر كما يقول (فَتَقَدَّمَ) عليه الصَّلاة والسَّلام (فَصَلَّى مَا تَرَكَ)؛ أي: الَّذي تركه، وهو الرَّكعتان (ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ ثُمَّ كَبَّرَ) وسقط لابن عساكر: ((ثُمَّ كَبَّرَ)) (وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ، فَرُبَّمَا سَأَلُوهُ)؛ أي: سألوا ابن سيرين: هل في الحديث (ثُمَّ سَلَّمَ؟ فَيَقُولُ) وللأَصيليِّ: ((يقول)): (نُبِّئْتُ) بضمِّ النُّون؛ أي: أُخبِرت (أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ: ثُمَّ سَلَّمَ) ولأبي داود والتِّرمذيِّ والنَّسائيِّ من طريق أشعث عن ابن سيرين: حدَّثني خالد الحذَّاء عن أبي قلابة عن عمِّه أبي المُهلَّب عن عمران بن حصينٍ: «أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم صلَّى بهم فَسَها، فسجد سجدتين ثمَّ تشهَّد ثمَّ سلَّم»، فبيَّن أشعثُ الواسطة بين ابن سيرين وبين عمران.

ومباحث هذا الحديث تأتي _إن شاء الله تعالى_ في باب «السَّهو»، ورواته الخمسة ما بين مروزيٍّ وبصريٍّ، وفيه التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه أيضًا في «السَّهو» [خ¦1228] ، وكذا مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجه.

[1] في (د): «فرع»، وفي نسخةٍ في هامشها كالمُثبَت.
[2] في (م): «ككتبٍ وكتبان».
[3] في (م): «فاعل»، وليس بصحيحٍ.
[4] في (د): «تُغيَّر».
[5] في (م): «بغير».
[6] زيد في (م): «وفي».
[7] في (د): «تغيَّر نونه في الحركات الثَّلاث».
[8] «قُصِرت»: سقط من (د).





482- (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ): هو ابن منصور.

(إِحْدَى صَلاَتَيِ العَشِيِّ): للحَمُّويي والمُسْتملي: « العشاء» بالمدِّ، وهو وهمٌ؛ فقد صحَّ أنَّها الظُّهر أو العصر، وابتداء العشيِّ من الزَّوال.

(وَوَضَعَ يَدَهُ اليُمْنَى): للكشميهنيِّ: « خدَّه الأيمن »، وهو أشبه؛ لئلَّا يلزم التَّكرار.

(فَرُبَّمَا سَأَلُوهُ: ثُمَّ سَلَّمَ؟): أي: ربَّما سألوا ابن سيرين: هل في الحديث: « ثمَّ سلَّم »؟

(فَنُبِّئْتُ): قاله ابن سيرين، وقد أبهم ثلاثة أنفس بينه وبين عمران بن حصين، أخرجه أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ من طريق أشعث، عن ابن سيرين، عن خالد الحذَّاء، عن أبي قلابة، عن عمِّه أبي المهلَّب عن عمران. [/ج2ص547/]


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

482- وبالسند إلى المؤلف قال: ((حدثنا إسحاق)) هو ابن منصور بن بهرام، كما جزم به أبو نعيم، وعليه درج إمام الشَّارحين، وتبعه ابن حجر، والقسطلاني، والعجلوني.

قلت: وحيث وقع هنا غير منسوب؛ يحتمل هو ويحتمل أنَّه إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي المروزي المشهور بابن راهويه، المتوفى بنيسابور سنة ثمان وثلاثين ومئتين، ويؤيده ما قاله الجياني عن ابن السكن: إذا وقع في هذا الكتاب: (إسحاق) غير منسوب؛ فهو ابن راهويه، ولا يقدح هذا الاختلاف؛ لأنَّ كلًّا منهما يروي عنه المؤلف؛ فتأمل.

((قال: حدثنا ابن شُميل)) ؛ بِضَمِّ المعجمة، ولابن عساكر: (النَّضر بن شميل) هو البصري، تقدم في باب (حمل العنزة) ((قال: أخبرنا)) وللأصيلي: (حدثنا) ((ابن عَوْن)) ؛ بالنُّون، وفتح العين المهملة، وإسكان الواو: هو عبد الله بن عون بن أرطبان البصري، المتوفى سنة إحدى وخمسين ومئة، ((عن ابن سيرين)) هو محمَّد التَّابعي المشهور، ((عن أبي هريرة)) هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي الصَّحابي الجليل رضي الله عنه أنَّه ((قال: صلى بنا)) أي: معشر الصَّحابة ((رسول الله صلى الله عليه وسلم)) أي: في مسجده النَّبوي ((إحدى صلاتي)) ؛ بالتثنية، قال الكرماني: وفي بعضها: بالإفراد فهي للجنس ((العشي)) هكذا في أكثر الروايات، وفي رواية الحموي والمستملي: (العشاء) ؛ بالمد، والظَّاهر أنَّه وهم؛ لأنَّه صح في رواية أخرى للبخاري: (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظُّهر أو العصر) .

وفي رواية مسلم: (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر) ، وفي أخرى له: (صلى ركعتين من صلاة الظُّهر ثم سلم) .

وفي رواية أبي داود: (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشي؛ الظُّهر أو العصر) .

وفي رواية الطَّحاوي: (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشي؛ الظُّهر أو العصر، وأكبر ظني أنَّه ذكر الظُّهر) ، وقوله: (أكبر ظني أنَّه ذكر الظُّهر) هو قول ابن سيرين؛ أي: أكبر ظني أنَّ أبا هريرة ذكر صلاة الظُّهر، وكذا ذكره البخاري في «الأدب».

وأطلق على الظُّهر والعصر صلاة العشي؛ لأنَّ العشي يطلق على ما بعد الزوال إلى المغرب، كذا قاله إمام الشَّارحين.

ثم قال: (فإن قلت: قال الجوهري: العشي والعشية: من صلاة المغرب إلى العتمة.

قلت: الذي ذكره هو أصل الوضع، وفي الاستعمال يطلق على ما ذكرنا، وقال الأزهري: العَشِيُّ؛ بفتح العين المهملة، وكسر الشين المعجمة، وتشديد التحتية: ما بين زوال الشمس وغروبها) انتهى.

قلت: وما ذكره إمامنا الشَّارح من أنَّ رواية المستملي والحموي: (العشاء) وهم، قد تبعه عليه ابن حجر، والقسطلاني، وغيرهما.

واعترضهم العجلوني بما في «الصِّحاح»: (العشاء؛ بالمد والكسر: مثل العشي؛ من صلاة المغرب إلى العتمة، والعشاءان: المغرب والعتمة، وزعم قوم أنَّ العشاء: من زوال الشمس إلى طلوع الفجر) ، وبما في «القاموس»: (والعشاء: أول الظلام، أو من المغرب إلى العتمة، أو من زوال الشمس إلى طلوع الفجر) ، ثم قال: (وبذلك تعلم صحة معنى هذه الرواية، فلا ينبغي التوهيم، وكلام الكرماني يومئ إلى التصحيح؛ فتأمل) انتهى.

قلت: وكلامه فاسد الاعتبار، فإنَّ عبارة «الصِّحاح» هي كلام الجوهري، وقد أجاب عنه إمام الشَّارحين بأنَّ ما ذكره هو أصل الوضع، وفي الاستعمال يطلق على ما بعد الزوال إلى المغرب، وآخر عبارة الجوهري في «الصِّحاح» الذي هي (وزعم قوم..) إلى آخره: هو الصَّواب في أصل الوضع والاستعمال، ومثله عبارة «القاموس»، على أنَّ أبا بكر الرازي قد اعترض على الجوهري في «مختصره» حيث قال: (قلت: وقال الأزهري: العشي: ما بين الشمس إلى غروبها، وصلاتا العشي: هما الظُّهر والعصر، فإذا غابت الشمس؛ فهو العشاء) انتهى، وكذلك الزبيدي والمنلا علي القاري اعترضا على صاحب «القاموس» واعتمدا على ما ذكره الأزهري؛ فليحفظ.

ولا يخفى عليك أنَّ ما ذكره إمام الشَّارحين من رواية البخاري، وكذا رواية مسلم، وكذلك رواية أبي داود والطَّحاوي؛ يدل صريحًا أنَّ المراد بصلاتي العشاء: هما الظُّهر والعصر، فإنَّ الأحاديث وكذا الروايات تفسر بعضها بعضًا، فثبت بذلك أنَّ رواية المستملي والحموي وَهَمٌ ألبتة غير صحيحة المعنى، والكرماني لم يتعرض لها، بل سكت عنها، وسكوته يدل على عدم رضاه بها، لا أنَّه يومئ إلى التصحيح كما زعمه، ويحتمل سكوته اشتباهه بالمعنى، وكأنَّه لم يقف على كلام الأزهري، ولا على كلام الرازي، والقاري، والزبيدي، ولو وقف على كلامهم؛ لم يتوقف بأنها وهم؛ فافهم، ولا تكن من الغافلين.

((قال ابن سيرين)) هو محمَّد التَّابعي المشهور بالتعبير المذكور ((قد سماها)) أي: إحدى صلاتي العشي ((أبو هريرة)) أي: لنا، ((ولكن نسيت)) أي: غفلت عنها ((أنا)) ؛ أي: دون أصحابي، والمراد: أنَّه نسي تعيينها، وقد سماها في رواية «مسلم»: أنَّها العصر، وفي رواية أخرى [1] لمسلم: أنَّها الظُّهر، وفي رواية أبي داود والطَّحاوي: أنَّها الظُّهر أوالعصر على الشك، كما أوضحه إمام الشَّارحين فيما ذكرناه عنه آنفًا؛ فافهم، ((قال)) ؛ أي: أبو هريرة: ((فصلى بنا)) ؛ أي: معشر الصَّحابة؛ أي: النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم في مسجده ركعتين من الظُّهر أو العصر، ((ثم سلم)) ؛ أي: من صلاته ساهيًا أنَّه أتمها، فهو في الصلاة حكمًا ما دام في المسجد ما لم يأت بمناف، ((فقام)) عليه السَّلام ((إلى خشبة معروضة)) أي: موضوعة بالعرض أو مطروحة ((في المسجد)) ؛ أي: في ناحية منه، واللَّام فيه للعهد، وهو مسجده عليه السَّلام ((فاتكأ)) ؛ بالهمز في آخره؛ أي: اعتمد ((عليها)) أي: على تلك الخشبة ((كأنَّه غضبان)) ؛ بمعجمتين، ولعله رأى من بعض أصحابه شيئًا فأنكره فغضب؛ لأنَّه كان يغضب لله، ويرضى لله، لا يفعل ولا يقر إلا على الذي أوحي إليه من ربه عز وجل.

وفي حديث عمران بن حصين: (أنه عليه السَّلام دخل منزله) ، ولا يجوز لأحد أن ينصرف عن القبلة، ويمشي وقد بقي عليه شيء من صلاته.

وأجيب: بأنه فعل ذلك وهو لا يرى أنَّه في الصلاة، لا يقال: إنَّه يلزم عليه أنَّه لو باع أو أكل وهو لا يرى أنَّه في الصلاة أنَّه لا يخرجه ذلك منها؛ لأنَّا نقول: هذا كله منسوخ، فلا يعمل به اليوم، انتهى.

قلت: والمقرر في الفروع: أنَّ السَّلام سهوًا لا يقطع الصلاة، فهو عليه السَّلام سلم ساهيًا أنَّه أتمها، ودخوله منزله لا ينافي ذلك؛ لأنَّ منزله -وهي حجرته- داخل المسجد، والساهي لا تقطع صلاته ما لم يخرج من المسجد، فهو لم يخرج منه فهو في الصلاة حكمًا، والانصراف عن القبلة إنَّما يكون قاطعًا لها إذا كان يصلِّي في الصحراء، أمَّا المسجد؛ فلا يقطعها ذلك بل بالخروج منه، وبهذا يعلم الجواب عما ذكر؛ فليحفظ.

((ووضع يده اليمنى على اليسرى)) ولأبي الوقت والأصيلي: (على يده اليسرى) ((وشبَّك)) بتشديد الموحَّدة ((بين أصابعه)) ؛ أي: أدخل الأصابع بعضها بين بعض[/ص693/] ((ووضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى)) ؛ يعني: أنَّه بعدما شبَّك بين أصابعه؛ وضع بطن يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى، وهذا بيان وإيضاح للوضع الأول فلا تكرار كما توهمه العجلوني؛ لأنَّ قوله: (ووضع يده اليمنى على اليسرى) صادق بوضع الأصابع، ثم إنَّه شبك بينها، ثم وضع بطن اليمنى على ظهر اليسرى.

قال إمام الشَّارحين: (يحتمل أن يكون هذا الوضع حال التشبيك، وأن يكون بعد زواله وعند الكشميهني: «وضع خده الأيمن» بدل «يده اليمنى») انتهى، ومثله في الكرماني.

قلت: وعلى هذه الرواية أنَّه لما فرغ من التشبيك؛ وضع خده الأيمن على ظهر كفه اليسرى، واليمنى ليس لها وضع أو هي موضوعة وحدها، فيكون الوضع الأول حال التشبيك، والوضع الثاني -وهو وضع خده الأيمن- بعد زواله وبهذا تعلم ما في عبارة العجلوني من الخفاء وعدم ظهور المراد؛ فافهم.

((وخرجت السرعانُ من أبواب المسجد)) ؛ أي: النَّبوي؛ أي: من أبواب الداخل منه وهو الحرم، لا الخارج عنه وهو البراني الذي أبوابه على الطريق؛ فافهم، وسرعان الناس؛ بالتحريك: أوائلهم، ويقال: أخفَّاؤهم والمستعجلون منهم الذين يتسارعون إلى الخروج من المسجد ولا يلبثون فيه للذكر بعد الصلاة، ويلزم الإعراب نونه في كل وجه؛ أي: فهو برفع النُّون فاعل، وهذا هو الصَّواب الذي قاله الجمهور من أهل الحديث واللُّغة وكذا ضبطه المتقنون، وقال ابن الأثير: السَّرَعان؛ بفتح السين والرَّاء المهملتين: أوائل الناس الذين يتسارعون إلى الشيء ويقبلون عليه بسرعة، ويجوز تسكين الرَّاء) .

قلت: وكذا نقله القاضي عياض عن بعضهم، قال: وضبطه الأصيلي في «البخاري»: بِضَمِّ السين وإسكان الرَّاء، ووجهه: أنَّه جمع سريع؛ كقفيز وقفزان، وكثيب وكثبان، ومن قال: سِرَعان بكسر السين؛ فهو خطأ، ويقال أيضًا: سِرْعان؛ بكسر السين وسكون الرَّاء، وهو جمع سريع؛ كرعيل ورعلان، وأمَّا قولهم: سرْعانَ ما فعلت؛ ففيه ثلاث لغات: الضم والكسر والفتح، مع إسكان الرَّاء، والنُّون مفتوحة أبدًا، كذا قرره إمام الشارحين.

قلت: وما ذكره من أنَّ (سرْعانَ) فيه ثلاث لغات قد تبعه عليه صاحب «التنقيح» وغيره.

واعترضه الدماميني بأنَّ هذا في (سرْعانَ) اسم الفعل، وهي مبنية على الفتح دائمًا، لكنه عبر عنه بالنصب، وأمَّا هنا؛ فهو (سريع) معرب فنقل اللَّفظ في غير محله، انتهى.

قلت: واعتراض الدماميني متوجه على صاحب «التنقيح» ومن حذا حذوه، وأمَّا إمام الشَّارحين؛ فلم يخف عليه ذلك؛ حيث قال: (وأمَّا قولهم..) إلى آخره؛ فهذا كما رأيت يدل على أنَّه خارج عما هنا، ألا ترى إلى قوله في أول عبارته: (ويلزم الإعراب نونه...) إلى آخره؛ أي: فهو معرب، فلله دره من إمام، وحقيق بأن يقال له: إمام الشَّارحين؛ فافهم.

((فقالوا)) ؛ أي: السرعان؛ تعجبًا من صلاته عليه السَّلام الظُّهر أوالعصر ركعتين، وسلم منها، وكان في مسجده غير مسافر: ((قُصِرت الصلاة؟)) ؛ بِضَمِّ القاف وكسر الصَّاد المهملة على البناء للمفعول، وفي رواية: بفتح القاف وضم الصَّاد المهملة على البناء للفاعل؛ أي: خفَّت وقلَّت ركعاتها؛ لأنَّه من القصر، وهو القلة من الكثرة، والمراد به: التخفيف.

قال المنذري: (الأَولى: البناء للمفعول؛ لقوله: «لم تُقْصَر»؛ للبناء له، ولا خلاف فيه، فكذا الأول) .

واعترضه الدماميني، فقال: (وبهذا الترجيح نظر) ، ولم يذكر وجهه.

قلت: ولعل وجهه أنَّه لا يلزم من كون قوله: «لم تقصر» بالبناء للمفعول بلا خلاف أن يكون قوله: (قصرت) بالبناء للمفعول أولى من البناء للفاعل مع أنَّهما روايتان؛ الأولى رواية الأكثرين، والثانية رواية البعض، ولم يعزها إمام الشَّارحين ولا غيره لأحد من الرواة، بل قال: (ويروى) وهو كافٍ؛ فافهم.

واللَّام في (الصلاة) للعهد؛ أي: المعهودة للمقيم، وهي الأربع، وكأنَّهم ظنوا نزول الوحي أو حدوث شيء يوجب قصر الصلاة، وسؤالهم إنَّما كان لبعضهم بعضًا أو للقوم الحاضرين في المسجد الذين لم يسرعوا في الخروج.

((وفي القوم أبو بكر)) أي: الصديق الأكبر ((وعمر)) أي: ابن الخطاب رضي الله عنهما،والجملة حالية ((فهاباه)) ؛ بضمير منصوب، ويروى بدونه لكنه مقدر، وهو عائد إلى النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم، وضمير التثنية المرفوع يعود لأبي بكر وعمر، وهو من الهيبة؛ وهو الخوف والإجلال، وقد هابه يهابه، والأمر منه: هَبْ؛ بفتح الهاء، انتهى، ((أن يكلماه)) ؛ أي: خاف أبو بكر وعمر أن يسألا النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم عن صلاته ركعتين في الفرض الرُّباعي؛ لما علما منه الغضب؛ لأنَّه انصرف من الصلاة كأنَّه غضبان أو إجلالًا له؛ لاحتمال نزول أمر عليه، فخافا السآمة، فلم يكلماه بذلك، وكلمة (أن) : مصدرية، والتقدير من التكليم.

وقوله: ((وفي القوم رجل)) : جملة اسمية وقعت حالًا ((في يديه)) بالتثنية ((طول يُقال)) بِضَمِّ التحتية أوله ((له)) أي: لذلك الرجل: ((ذو اليدين)) ، والجملتان صفتان لرجل، أو الثانية حالية أو مستأنفة.

وفي رواية الإمام الحافظ أبي جعفر الطَّحاوي: (فقام رجل طويل اليدين، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم سماه: ذا اليدين) ، وفي رواية: (رجل من بني سليم) ، وفي رواية: (رجل يقال له: الخرباق بن عمرو، وكان في يده طول) ، وفي رواية: (كان رجل بسيط اليدين) ، وقع ذلك في رواية الطَّحاوي في حديث عمران بن حصين: (أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صلَّى بهم الظُّهر ثلاث ركعات ثم سلَّم وانصرف، فقال له الخرباق: يا رسول الله؛ إنَّك صلَّيت ثلاثًا، قال: فجاء فصلَّى ركعة، ثم سلَّم، ثم سجد سجدتين للسهو، ثم سلَّم) ، وأخرجه أحمد أيضًا في «مسنده»، والطَّبراني في «الكبير».

وخِرباق -بكسر الخاء المعجمة- ابن عبد عمرو السلمي، وهو الذي يقال له: ذو اليدين، وذو الشمالين أيضًا، وكلاهما لقب عليه.

وقال السمعاني: (ذو اليدين، ويقال له: ذو الشمالين؛ لأنَّه كان يعمل بيديه جميعًا) .

وقال ابن حبان في «الثقات»: (ذو اليدين _ويقال له: ذو الشمالين أيضًا_ ابن عبد عمرو بن نضلة الخزاعي.

وقال أبو عبد الله العدني في «مسنده»: قال أبو محمَّد الخزاعي: ذو اليدين أحد أجدادنا، وهو ذو الشمالين، ابن عبد عمرو بن ثور بن ملكان بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر.

وقال ابن أبي شيبة في «مصنفه»: حدَّثنا ابن فضيل، عن حصين، عن عكرمة قال: (صلَّى النَّبي عليه السَّلام بالناس ثلاث ركعات، ثم انصرف، فقال له بعض القوم: حدث في الصلاة شيء؟ قال: «وما ذاك؟»، قالوا: لم تصل إلا ثلاث ركعات، فقال: «أكذلك يا ذا اليدين؟»، وكان يسمى: ذا الشِّمالين، فقال: نعم؛ فصلَّى ركعة وسجد سجدتين) .

وقال ابن الأثير: (ذو اليدين: اسمه الخِرباق، من بني سليم، كان ينزل بذي خشب من ناحية المدينة، وليس هو ذا الشمالين، خزاعي حليف لبني زهرة، قتل يوم بدر، وإنَّ قصة ذي الشمالين كانت قبل بدر، ثم أحكمت الأمور بعد ذلك) .

وقال القاضي عياض في «شرح مسلم»: وأمَّا حديث ذي اليدين؛ فقد ذكر مسلم في حديث عمران بن الحصين: (أنَّ اسمه الخرباق، وكان في يديه طول) ، وفي الرواية الأخرى: (بسيط اليدين) ، وفي حديث أبي هريرة: (رجل من بني سليم) ، ووقع للعذري: (سلم) ، وهو خطأ، وقد جاء في حديث عبيد بن عُمَيْر مفسرًا، فقال فيه: (ذو اليدين أخو بني سليم) ، وفي رواية الزهري: (ذو الشمالين رجل من بني زهرة) ، وبسبب هذه الكلمة ذهب الحنفيون إلى أنَّ حديث ذي اليدين منسوخ بحديث ابن مسعود، قال: لأنَّ ذا الشمالين قتل يوم بدر فيما ذكره أهل السير، وهو من بني سليم؛ فهو ذو اليدين المذكور في الحديث، وهذا لا يصح لهم إن كان قتل ذو الشمالين يوم بدر، فليس هو الخِرباق، وهو رجل آخر حليف لبني زهرة، واسمه عُمَيْر بن عبد عمرو [/ص694/] من خزاعة؛ بدليل رواية أبي هريرة حديث ذي اليدين ومشاهدته خبره، ولقوله: (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم...) ، وذكر الحديث، وإسلام أبي هريرة بخيبر [بعد] يوم بدر بسنين [2] ، فهو غير ذي الشمالين المستشهد ببدر، وقد عدوا قول الزهري فيه هذا من الوهم، وقد عدها بعضهم حديثين في نازلتين، وهو الصَّحيح ولاختلاف صفتهما؛ لأنَّ في حديث الخِرباق ذي الشمالين: أنَّه سلَّم من ثلاث، وفي حديث ذي اليدين: من اثنتين، وفي حديث الخِرباق: أنَّها العصر، وفي حديث ذي اليدين: أنَّها الظُّهر بغير شك عند بعضهم، وقد ذكر مسلم ذلك كله، انتهى، وتبعه أبو عمر [3] بن عبد البر تعصبًا.

وردَّ ذلك كله إمام الشَّارحين حيث قال: قلت: الجواب عن ذلك كله مع تحرير الكلام في هذا الموضع: أنَّه وقع في كتاب «النسائي»: أنَّ ذا اليدين وذا الشمالين واحد كلاهما لقب على الخِرباق، كما ذكرنا، حيث قال: أخبرنا محمَّد بن رافع: حدَّثنا عبد الرزاق: حدَّثنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وأبي بكر بن سليمان بن أبي خيثمة، عن أبي هريرة قال: (صلى النَّبي صلى الله عليه وسلم الظُّهر أو العصر، فسلم من ركعتين فانصرف، فقال له ذو الشمالين بن عمرو: أنقصت الصلاة أم نسيت؟ قال: «ما يقول ذو اليدين؟!»، قالوا: صدق يا رسول الله، فأتمَّ بهم الركعتين اللتين نقصتا) ، وهذا سند صحيح متصل، صرح فيه بأنَّ ذا الشمالين هو ذو اليدين.

وقال النسائي أيضًا: حدثنا هارون بن موسى الفروي: حدثني أبو ضمرة، عن يونس، عن ابن شهاب قال: أخبرني أبو سلمة، عن أبي هريرة قال: (نسي رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلَّم في سجدتيه، فقال ذو الشمالين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ قال: «أصدق ذو اليدين؟»، قالوا: نعم، فقام فأتمَّ الصلاة) ، وهذا أيضًا سند صحيح، صرح فيه أيضًا أنَّ ذا الشمالين هو ذو اليدين، وقد تابع الزهري على ذلك عمران بن أبي أنس وغيره.

وقال النسائي أيضًا: حدثنا عيسى بن حماد: حدثنا اللَّيث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: (أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى يومًا فسلَّم في ركعتين ثم انصرف، فأدركه ذو الشمالين فقال: يا رسول الله؛ أنقصت الصلاة أم نسيت؟ فقال: «لم تنقص الصلاة ولم أنس»، قال: بلى والذي بعثك بالحق، قال رسول الله: «أصدق ذو اليدين؟» قالوا: نعم، وصلى بالناس ركعتين) ، وهذا أيضًا سند صحيح على شرط مسلم.

وأخرج نحوه الإمام الطَّحاوي عن ربيع المؤذن، عن شعيب بن اللَّيث، عن اللَّيث، عن يزيد بن أبي حبيب... إلى آخره.

وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة في «مصنفه»؛ فثبت بهذا أنَّ الزهري لم ينفرد بذلك، وأنَّ المخاطب للنبي صلى الله عليه وسلم ذو الشمالين، وأنَّ من قال ذلك لم يهم، ولا يلزم من عدم تخريج ذلك في «الصَّحيحين» عدم صحته، فثبت أنَّ ذا اليدين وذا الشمالين واحد، كلاهما لقب على الخِرباق، وهذا أولى من جعله رجلين؛ لأنَّه خلاف الأصل في هذا الموضع.

فإن قلت: أخرج البيهقي حديثًا واستدل به على بقاء ذي اليدين بعد النَّبي عليه السَّلام، فزعم أنَّ الذي قُتِل ببدر هو ذو الشمالين بن عبد عمرو بن نضلة حليف بني زهرة من خزاعة، وأمَّا ذو اليدين الذي أخبر بسهوه عليه السَّلام؛ فإنَّه بقي بعده عليه السَّلام، كذا ذكره شيخنا أبو عبد الله، ثم خرج عنه بسنده إلى معدي بن سليمان، قال: حدثني شعيث [4] بن مطير عن أبيه ومطير حاضروصدقه، قال شعيث: يا أبتاه؛ أخبرتني أنَّ ذا اليدين لقيك بذي خشب فأخبرك: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم...؛ الحديث، ثم قال البيهقي: (وقال بعض الرواة في حديث أبي هريرة: «فقال ذو الشمالين: يا رسول الله؛ أقصرت الصلاة؟»، وكان شيخنا أبو عبد الله يقول: كل من قال ذلك؛ فقد أخطأ، فإنَّ ذا الشمالين تقدم موته ولم يعقب، وليس له راوٍ) .

قلت: هذا سنده ضعيف؛ لأنَّ فيه معدي بن سليمان، وقال أبو زرعة: (هو واهي الحديث) ، وقال النسائي: (ضعيف الحديث) ، وقال أبو حاتم: (يحدِّث عن ابن عجلان مناكير) ، وقال أبو حيان: (يروي المقلوبات عن الثقات، والملزوقات عن الأثبات، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد) .

وفي سنده أيضًا شعيث، وهو لم يعرف حاله، فهو مجهول، ووالده [5] مطير قال فيه ابن الجارود: لم يكتب حديثه، وذكره الذهبي في «الضعفاء»، وقال: (لم يصح حديثه) ، وفي «الكاشف»: مطير بن سليم عن ذي الزوائد، وعنه ابناه شعيث وسليم، لم يصح حديثه، ولضعف هذا السند قال البيهقي في «المعرفة»: (ذو اليدين بقي بعد النَّبي صلى الله عليه وسلم فيما يقال) ، ولقد أنصف في هذه العبارة.

ثم إنَّ قول شيخه أبي عبد الله: (كل من قال ذلك؛ فقد أخطأ) : خطأ وغير صحيح، روى مالك في «موطئه» عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن سليمان، عن أبي خيثمة: بلغني أنَّه عليه السَّلام ركع ركعتين من إحدى صلاتي النهار؛ الظُّهر أو العصر، فسلَّم من اثنتين، فقال له ذو الشمالين _رجل من بني زهرة بن كلاب_: أقصرت الصلاة؟...؛ الحديث، وفي آخره: مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن...؛ بمثل ذلك، فقد صرح في هذه الرواية: أنَّه ذو الشمالين، لا يقال: إنَّه مرسل؛ لأنَّا نقول: ذكر أبو عمر [6] في «التَّمهيد» أنَّه متصل من وجوه صحاح، والدليل عليه ما ذكرناه مما روى النسائي آنفًا.

وقول الحاكم عن ذي الشمالين: (لم يعقب) يفهم من ظاهره أنَّ ذا اليدين أعقب، ولا أصل لذلك كما قاله الحفاظ.

فإن قلت: إنَّ ذا اليدين وذا الشمالين إذا كانا لقبًا على شخص واحد على ما جزمتم به؛ فهو يدل على أنَّ أبا هريرة لم يحضر تلك الصلاة؛ لأنَّ ذا اليدين الذي هو ذو الشمالين قتل ببدر وأبو هريرة أسلم عام خيبر وهو متأخر بزمان كثير، ومع هذا فأبو هريرة يقول: (صلى بنا رسول الله...) ؛ الحديث، وفيه: (فقام ذو اليدين، فقال: يا رسول الله) ، أخرجه مسلم وغيره، وفي رواية: (صلى لنا رسول الله...) ؛ الحديث.

قلت: أجاب الإمام الحافظ أبو جعفر الطَّحاوي: بأنَّ معناه: صلى بالمسلمين وهو ليس منهم، وهذا جائز في اللُّغة كما روي عن النزال بن سبرة قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنا وإياكم كنا ندعى بني عبد مناف...»؛ الحديث، والنزال لم ير [7] رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنَّما أراد بذلك: قال لقومنا، وروي عن طاووس قال: قدم علينا معاذ بن جبل، فلم يأخذ من الخضراوات شيئًا، وإنَّما أراد: قدم بلدنا؛ لأنَّ معاذًا قدم اليمن من عهده عليه السَّلام قبل أن يولد طاووس، ومثله ما ذكره البيهقي: أنَّ النَّهي مخصوص ببعض الأمكنة عن مجاهد قال: (جاءنا أبو ذر...) إلى آخره، قال البيهقي: مجاهد لم يثبت له سماع من أبي ذر، وقوله: (جاءنا) ؛ أي: جاء بلدنا؛ فافهم، انتهى كلام إمام الشَّارحين.

قلت: وعلى هذا فأبو هريرة كان حاضرًا تلك الصلاة، ولم يكن وقتئذٍ مسلمًا، وإطلاق قوله: (صلى لنا) أو (بنا) على قومه وغيرهم دونه شائع في كلام الله تعالى ورسوله عليه السَّلام وهو معروف في اللُّغة، كما لا يخفى.

وقال القرطبي: (لا يجوز أن يقال: «صلى بنا» وهو كافر ليس من أهل الصلاة، ويكون ذلك كذبًا) انتهى.

قلت: ممنوع، فإنَّه إن أراد غير جائز في اللُّغة، فما قدمنا صريح في الرد عليه، وأنَّه جائز، وإن أراد في غيرها؛ فجائز أيضًا، فإنَّ المجاز في الكلام لم ينكره أحد من أولي الألباب، ولا مانع من كونه كان كافرًا؛ لأنَّه لعله قد اهتدى بتلك الصلاة وأسلم بعدها.

وكونه كذبًا لعله كان جائزًا في دينهم؛ لأنَّ الإخبار به صحيح، وأراد به: قومه لا نفسه، فإنَّ الكفار لا يبالون بالكذب؛ لأنَّه غير حرام عندهم، فما زعمه هذا باطل.

فإن قلت: روي في بعض روايات «مسلم»: أنَّ أبا هريرة قال في قصة ذي اليدين: (بينا أنا أصلي مع النَّبي صلى الله عليه وسلم) ، وهذا صريح في أنَّه حضر تلك الصلاة وكان مسلمًا.

قلت: الروايات المشهورة: (صلى لنا) أو (بنا) ، فيحتمل على[/ص695/] هذه الرواية أنَّ بعض الرواة فَهِم من قوله: (صلى بنا) : أنَّه كان حاضرًا وصلى معهم، فروى الحديث بالمعنى على زعمه، وقال: (بينا أنا أصلي) ، والرواية بالمعنى جائزة بالشروط، ويحتمل أن يكون المعنى: بينا أنا أريد الصلاة مع النَّبي عليه السَّلام والحال هو لم يدخل في الإسلام بل أراده؛ لما رأى من حسن صلاته عليه السَّلام، فأبو هريرة قد شاهد تلك الصلاة ولم يصلِّ معهم؛ لأنَّه كان كافرًا؛ فافهم.

والحاصل بل الصَّواب: أنَّ ذا اليدين المذكور في هذا الحديث هو ذو الشمالين، فهما لقبان لواحد على الصَّحيح، والله تعالى أعلم.

((قال)) وفي رواية: (فقال) ؛ أي: الرجل: ((يا رسول الله؛ أنَسِيت)) بفتح النُّون وكسر السين المهملة المخففة ((أم قَصُرت الصلاة؟)) ؛ بفتح القاف وضم الصَّاد المهملة؛ لأنَّه من باب (فَعُل يَفعُل) ؛ بالضم فيهما، فما زعمه العجلوني من أنَّه بفتح القاف وكسر الصَّاد غير ظاهر كما لا يخفى؛ أي: هل خفَّت من الأربع إلى الركعتين في الرُّباعي أم نسيت؟

((قال)) أي: النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم له: ((لم أَنْسَ)) بفتح الهمزة وسكون النُّون مجزوم بحذف الألف ((ولم تُقصر)) ؛ بِضَمِّ الفوقية أوله مبنيًّا للمفعول؛ أي: الصلاة، وفي رواية مسلم: (كل ذلك لم يكن) ، وفي رواية أبي داود: (وكل ذلك لم أفعل) ، وزعم النَّووي أنَّ معناه: لم يكن المجموع ولا ينفي أحدهما، والصَّواب: أنَّ معناه: لم يكن لا ذاك ولا ذا في ظني، بل ظني أنِّي أكملت الصلاة أربعًا، ويدل عليه قوله: (لم تُقصر ولم أنس) .

ويقال: (لم أنس) : يرجع إلى السَّلام؛ أي: لم أنسه فيهإنَّما سلمت قصدًا، أو لم أنسه في نفس السَّلاموإنَّما سهوت عن العدد.

واعترضه القرطبي بأنَّه فاسد؛ لأنَّه حينئذٍ لا يكون جوابًا عما سئل عنه، ويقال: بين السَّهو والنِّسيان فرق [8] .

وقيل: كان عليه السَّلام يسهو ولا ينسى، فلذلك نفى عن نفسه النِّسيان؛ لأنَّ فيه غفلة ولم يغفل، قاله القاضي.

وقال القشيري: (الفرق بين السَّهو والنِّسيان في الاستعمال ظاهر في اللُّغة، وكان يلوح من اللَّفظ أنَّ النِّسيان: عدم الذكر لأمر لا يتعلق بالصلاة، والسَّهو: عدم الذكر لأمر يتعلق بها، ويكون النِّسيان: الإعراض عن تفقد أمورها حتى يحصل عدم الذكر، والسَّهو: عدم الذكر لا لأجل الإعراض) .

واعترضه القرطبي بأنَّا لا نسلم الفرق، ولئن سلم؛ فقد أضاف عليه السَّلام النِّسيان إلى نفسه في غير ما موضع بقوله: «إنَّما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت؛ فذكروني».

وقال القاضي عياض: إنَّما أنكر عليه السَّلام (نسيتُ) المضافة إلى نفسه، وهو قد نهى عن هذا بقوله: «بئسما لأحدكم أن يقول: نسيت كذا، ولكنه نُسِّي»، وقال أيضًا: «لا أنسى» على النَّفي «ولكن أُنَسَّى»، وقد شك بعض الرواة، فقال: (أنسى أو أُنسَّى) ، وأن (أو) للشك أو للتقسيم، وأنَّ هذا يكون منه مرة من قبل شغله، ومرة يغلب ويجبر عليه، فلما سأله السائل بذلك؛ أنكره وقال: «كل ذلك لم يكن»، وفي الأخرى: «لم أنس ولم تقصر»، أمَّا القصر؛ فبيِّن، وكذلك لم أنس حقيقة من قبل نفسي ولكنَّ الله أنساني.

قال إمام الشَّارحين: (ويمكن أن يجاب عما قاله القاضي: أنَّ النَّهي في الحديث عن إضافة «نسيت» إلى الآية الكريمة؛ لأنَّه يقبح للمؤمن أن يضيف إلى نفسه نسيان كلام الله تعالى، ولا يلزم من هذا النَّهي الخاص النَّهي عن إضافته إلى كل شيء) ؛ فافهم.

وقال إمام الشَّارحين: (تحقيق الكلام في هذا المقام أنَّ قوله: «لم أنس ولم تقصر» مثل قوله: «كل ذلك لم يكن»؛ والمعنى: كل من القصر والنِّسيان لم يكن، فيكون في معنى: لا شيء منهما بكائن على شمول النَّفي وعمومه؛ لوجهين:

أحدهما: أنَّ السؤال عن أحد الأمرين بـ«أم» يكون لطلب التَّعيين بعد ثبوت أحدهما عند التكلم لا على التَّعيين، غير أنَّه إمَّا بالتَّعيين أو بنفيهما جميعًا تخطئة للمستفهم، لا بنفي الجمع بينهما حتى يكون نفي العموم؛ لأنَّه عارف بأنَّ الكائن أحدهما.

والثاني: لما قال عليه السَّلام: «كل ذلك لم يكن»؛ قال له ذو اليدين: «قد كان بعض ذلك»، ومعلوم أنَّ الثبوت للبعض إنَّما ينافي النَّفي عن كل فرد لا النَّفي عن المجموع، وقوله: «قد كان بعض ذلك» موجبة جزئية، ونقيضها السالبة الكلية، ولولا أنَّ ذا اليدين فهم السلب الكلي؛ لما ذكر في مقابلته الإيجاب الجزئي.

وههنا قاعدة أخرى: وهي أنَّ لفظة «كل» إذا وقعت في حيز النَّفي؛ كان النَّفي يوجبها خاصة، وأفاد بمفهومه ثبوت الفعل لبعض الأفراد؛ كقولك: ما جاء كل القوم ولم آخذ كل الدراهم، وقوله:

ما كل ما يتمنى المرء يدركه....

وإن وقع النَّفي في حيزها؛ اقتضى السلب عن كل فرد؛ كقوله عليه السَّلام: «كل ذلك لم يكن») انتهى كلام إمام الشَّارحين.

وهو الصَّواب الموافق للخطاب؛ فافهم، وكل ما قاله هؤلاء خارج عن المقام، وبعيد عن الأفهام إلا إمامنا الشَّارح، فإنَّه قد فهم موقع الخطاب، وتكلم بالصَّواب، فلله دره من إمام.

وقال الخطابي: («لم أنس ولم تقصر»: يتضمن أمرين: أحدهما: حكم في الدين، وهو لم تقصر _عصمه الله من الغلط فيه_؛ لئلا يعرض في أمر الدين إشكال، والآخر: حكاية عن فعل نفسه وقد جرى الخطأ فيه؛ إذ كان غير معصوم مما يدفع إليه البشر من الخطأ والنِّسيان، والأمر موضوع عن الناسي، وتلافي الأمر في المنسي سهل غير متعذر) انتهى.

قال العجلوني: (ومقتضاه: أنَّه «لم أنس» كذب، لكن محذور فيه، والأنزه أن يقال: لم أنس بحسب ظني فلا كذب؛ لأنَّ الظن هو الواقع والخبر مطابق له، فهو صدق) انتهى.

قلت: وهذا كله خارج عن المقام ولا يليق بهذا النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّه وإن كان يجوز عليه الخطأ والنِّسيان لكن لا يقر عليه، بل يأتيه الوحي على الصَّواب، والأمر موضوع عن الناسي بالنسبة للأمة؛ لأنَّه عليه السَّلام قال: «رفع عن أمتي الخطأ والنِّسيان...»؛ الحديث؛ أي: رفع إثم ذلك، أمَّا هو عليه السَّلام؛ فليس كذلك؛ لأنَّه وإن وقع منه، لكن لا يقره الله عليه، بل يوحي إليه بخلافه، ومع هذا فهو عليه السَّلام لم يقع في ظنه الخطأ والنِّسيان؛ لقوله: «كل ذلك لم يكن»، فإخباره عليه السَّلام كان موافقًا للواقع في ظنه، لكن لما كان الأمر على خلافه؛ يوهم أنَّه خطأ ونسيان بحسب الواقع، وهو لا يوصف بأنَّه كذب؛ لأنَّه كان على غير قصد، والكذب: ما أخبر به عن قصد على خلاف الواقع، ومن الواجب الاعتقاد بأنَّه عليه السَّلام معصوم من الكذب ألبتة، فما زعمه الخطابي والعجلوني غير صواب، كما لا يخفى على أولي الألباب؛ فافهم.

ولهذا قال ابن حجر: (إنَّ العصمة ثابتة في الإخبار عن الله تعالى، وأمَّا إخباره عن الأمور الوجودية؛ فيجوز فيها النِّسيان) انتهى.

قلت: يعني: لكنَّه لا يقر عليه لوقوع الغلط في أمور الدين وهو محال؛ فليحفظ.

((فقال)) أي: النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم للقوم الحاضرين: ((أكما)) ؛ بهمزة الاستفهام؛ أي: هل الأمر واقع كما ((يقول ذو اليدين)) ؛ أي: من أنَّي صليت ركعتين في الفرض الرُّباعي؛ وهي صلاة القصر، ولهذا قال: أقصرت؟ ((فقالوا)) أي: القوم: ((نعم)) ؛ أي: الأمر كما يقول، وفي رواية للبخاري: (فقال الناس: نعم) ، وفي رواية أبي داود: (فأومؤوا أي نعم) .

قال إمام الشَّارحين: (ويمكن الجمع بينهما بأنَّ بعضهم أومأ وبعضهم تكلم.

فإن قلت: كيف تكلم ذو اليدين والقوم وهم في الصلاة؟

قلت: لأنَّهم لم يكونوا على اليقين من البقاء في الصلاة؛ لأنَّهم كانوا مجوزين نسخ الصلاة من أربع إلى ركعتين، وفي رواية لأبي داود بإسناد صحيح: «أنَّ الجماعة أومؤوا -أي: أشاروا- أي نعم»، فعلى هذه الرواية لم يتكلموا) انتهى.

وقال النَّووي: (هذا كان خطابًا للنبي صلى الله عليه وسلم وجوابًا، وذلك لا يبطل عندنا ولا عند غيرنا) انتهى.

قلت: هذا بعيد عن النَّظر؛ لأنَّه ولو كان خطابًا فهو مبطل، بل إنَّما المبطل[/ص696/] ما كان عن قصد خطاب، والظَّاهر أنَّ قول الراوي: (فقالوا: نعم) ؛ أي: أشاروا برؤوسهم أي نعم، ويدل عليه رواية أبي داود: (فأومؤوا) ، فيكون الرواي روى ذلك بالمعنى على أنَّه يحتمل أنَّ الذي تكلم أمره عليه السَّلام بالإعادة بعده، وهو غير بعيد، هذا وسيأتي أنَّ الكلام في الصلاة كان مباحًا ثم مُنِع منها؛ لحديث: «إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنَّما هي التسبيح وقراءة القرآن»، فهذا كله منسوخ، ويدل له قوله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] ، كما سيأتي تحقيقه.

((فتقدم)) أي: النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم لمكانه الأول أو غيره على القوم، ((فصلى ما ترك)) ؛ أي: الذي تركه من الركعتين ((ثم سلَّم)) ؛ أي: من صلاته؛ لكونها قد تمت، ((ثم كبر)) ؛ أي: لسجود السَّهو، وقول العجلوني؛ أي: للإحرام؛ غير ظاهر كما لا يخفى، ((وسجد مثل سجوده)) أي: للصلاة ((أو أطول)) أي: منه، ((ثم رفع رأسه)) ؛ أي: من السُّجود مكبرًا، ((ثم كبر)) ؛ أي: للسجود ثانيًا، وسقط لابن عساكر: (ثم كبر) ، ((وسجد مثل سجوده)) أي: للصلاة ((أو أطول)) ؛ أي: منه، فالسُّجود وقع منه مرتين؛ لأنَّ سجود السَّهو سجدتان، ففيه دليل على الاجتزاء بسجدتين عن السَّهوات؛ لأنَّه عليه السَّلام سها عن الركعتين وتكلم ناسيًا، واقتصر على السجدتين، وفيه دليل على أنَّ سجود السَّهو [9] سجدتان، وفيه: دليل وحجة للإمام الأعظم ومن قال بقوله: إنَّ سجدتي السَّهو [10] بعد السَّلام، وهو حجة على الشَّافعي في أنها قبل السَّلام، وكأنَّه لم يبلغه هذا الحديث؛ فافهم.

((ثم رفع رأسه وكبَّر)) ؛ أي: للرفع من السُّجود؛ أي: وسلم، كما سيأتي، وإنَّما فعل هذا؛ لأنَّه قد رجع إلى قول القوم في أنَّه صلى ركعتين، فأتمها، وهو دليل واضح لمذهب الإمام الأعظم في أنَّ الساهي يرجع إلى كلام القوم ويبني على غالب ظنه، وهو المرجح عن مالك.

وزعم الشَّافعية أنَّ الساهي يعمل بيقينه ولا يرجع إلى قول القوم، وهو رواية عن مالك، والحديث حجة عليهم، وأجاب النَّووي: بأنَّه عليه السَّلام سألهم؛ ليتذكر، فلما ذكَّروه؛ تذكر بعلم السَّهو، فبنى عليه لا أنَّه رجع إلى مجرد قولهم، ولو جاز ترك يقين نفسه والرجوع إلى قول غيره؛ لرجع ذو [11] اليدين حين قال عليه السَّلام: «لم أنس ولم تقصر».

وردَّه إمام الشَّارحين: (بأنَّ هذا ليس بجواب مخلص؛ لأنَّه لا يخلو من الرجوع إليهم سواء كان رجوعه للتذكير أو لغيره، وعدم رجوع ذي اليدين كان لأجل كلام الرسول صلى الله عليه وسلم لا لأجل يقين نفسه) انتهى.

قلت: وعلى كل حال فالرجوع إلى قول القوم موجود يدل عليه أنَّه عليه السَّلام سأل القوم عما يقوله ذو اليدين، فحين قالوا: نعم؛ أخذ بقولهم وتقدم وتمم صلاته، فلو كان ذلك لأجل التذكير؛ لكان اقتصر على سؤال ذي اليدين ولم يسأل القوم؛ فافهم.

قال ابن عون: ((فربما سألوه)) ؛ أي: ابن سيرين: هل في الحديث: ((ثم سلم؟)) ؛ يعني: سألوا ابن سيرين: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذا السُّجود هل سلم مرة أخرى أو اكتفى بالسَّلام الأول؟ وكلمة (رُبَّ) أصلها للتقليل، وكثر استعمالها في التكثير، ويلحقها كلمة (ما) فتدخل على الجمل، قاله إمام الشَّارحين.

ولم يبين أحد من الشراح السائل له عن ذلك، والظَّاهر أنَّه من دونه من الرواة؛ فافهم.

((فيقول)) ؛ أي: ابن سيرين، وللأصيلي: (يقول) : ((نُبئت)) ؛ بِضَمِّ النُّون مبنيًّا للمفعول؛ أي: أخبرت ((أنَّ عمران بن حُصَين)) بضم الحاء المهملة وفتح الصاد [12] ((قال)) أي: في روايته: ((ثم سلم)) ؛ أي: النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم بعد هذا السُّجود مرة أخرى، وهذا يدل على أنَّ ابن سيرين لم يسمع: (ثم سلم) من عمران.

وقد بيَّن أبو داود في روايته عن ابن سيرين الواسطة بينه وبين عمران، فقال: حدثنا محمَّد بن يحيى بن فارس قال: حدثنا محمَّد بن عبد الله بن المثنى قال: حدثني الأشعث بن محمَّد بن سيرين، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمه أبي المهلب، عن عمران بن حصين: (أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم فسها فسجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلَّم) .

ورواية ابن سيرين عن خالد من رواية الأكابر عن الأصاغر، وكذا رواه النسائي، والترمذي وقال: (حسن غريب) ، ورواه الطَّحاوي من حديث شعبة عن خالد الحذاء قال: سمعت أبا قلابة يحدِّث عن عمه أبي المهلب عن عمران بن حصين: (أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم الظُّهر ثلاث ركعات، ثم سلم وانصرف، فقال له الخِرباق: يا رسول الله؛ إنَّك صليت ثلاثًا، قال: فجاء فصلى ركعة، ثم سلَّم، ثم سجد سجدتين للسهو، ثم سلَّم) .

وأبو قلابة: اسمه عبد الله بن زيد الحرمي، واسم عمه أبي المهلب عمرو بن معاوية، قاله النسائي، وقيل: عبد الرحمن بن معاوية، وقيل: معاوية بن عمرو، وقيل: عبد الرحمن بن عمرو، وقيل: النَّضر بن عمرو، قاله إمامنا الشَّارح.

قلت: ولا يقدح هذا الاختلاف؛ لأنَّه قد اشتهر بأبي المهلب؛ فافهم.

وفي الحديث: دليل على جواز تشبيك الأصابع في المسجد على ما ترجم عليه الباب.

وفيه دليل على أنَّ من قال ناسيًا: لم أفعل كذا، وكان قد فعله؛ أنَّه غير كاذب.

وفيه: جواز التلقيب الذي سبيله التعريف دون التهجين.

وفي الحديث: دليل على أنَّ الذي عليه السَّهو إذا ذهب من مقامه ثم عاد، وقضى ما عليه؛ أنَّه يصح ذلك؛ لأنَّه عليه السَّلام تقدم فصلى، وفي رواية: (فرجع إلى مقامه) ، وفي رواية عمران: (فجاء فصلى ركعة) ، وهذا مجمل، وقد فصله الفقهاء رضي الله عنهم:

فذهب الإمام الأعظم رأس المجتهدين أنَّه إذا سلم ساهيًا على الركعتين وهو في مكانه لم يصرف وجهه عن القبلة ولم يتكلم؛ عاد إلى القضاء لما عليه، ولو اقتدى به رجل؛ يصح اقتداؤه، أمَّا إذا صرف وجهه عن القبلة، فإن كان في المسجد ولم يتكلم؛ فكذلك؛ لأنَّ المسجد كله في حكم مكان واحد؛ لأنَّه مكان الصلاة، وإن كان خرج من المسجد ثم تذكر؛ لا يعود إليه، وتفسد صلاته، وأمَّا إذا كان في الصحراء، فإن تذكر قبل أن يجاوز الصفوف من خلفه أو من قبل اليمين أو اليسار؛ عاد إلى القضاء لما عليه، وإن جاوزها؛ فلا يعود وتفسد صلاته، وإن مشى أمامه، فإن كان مشى قدر الصفوف التي خلفه؛ تفسد صلاته، وإن كان أقل؛ فلا تفسد، وعليه القضاء لما عليه، وهو مروي عن الإمام أبي يوسف؛ اعتبارًا لأحد الجانبين بالآخر، وقيل: إذا جاوز موضع سجوده؛ تفسد صلاته، وإن لم يجاوزه؛ لا تفسد، وعليه قضاء ما تركه، وهو الأصح.

وعند الشَّافعي وجهان؛ أحدهما: أنَّ الذي عليه السَّهو إذا ذهب من مقامه ثم عاد وقضى ما عليه؛ أنَّه يصح؛ لأنَّه ثبت في رواية مسلم: أنَّه عليه السَّلام مشى إلى الجذع وخرج السرعان، وفي رواية: (دخل منزله) ، وفي رواية: (دخل الحجرة، ثم خرج ورجع الناس وبنى على صلاته) .

والوجه الثاني وهو المشهور عنده: أنَّ الصلاة تبطل بذلك، وقال النَّووي: (وهذا مشكل، وتأويل الحديث صعب على من أبطلها) انتهى.

قلت: وكأنَّه استشكله هو وإمامه، واستصعبا التأويل؛ لأنَّ ما ذكره مخالف للحديث ومصادم له، كما لا يخفى.

أمَّا على مذهب الإمام الأعظم؛ فالأمر ظاهر بلا إشكال؛ لأنَّه صريح الحديث[/ص697/] وموافق له، كما لا يخفى.

وعن مالك: أنَّه ما لم ينتقض وضوءه؛ يجوز له ذلك وإن طال الزمن، وكذا روي عن ربيعة مستدلين بحديث عمران.

قلت: هو مخالف للحديث؛ لأنَّه ليس فيه عدم نقض الوضوء، ولا تعرض إليه ولا إشارة إليه، بل الذي فيه أنَّه ما لم يخرج من المسجد؛ لأنَّه عليه السَّلام لم يخرج منه، وخروجه إلى منزله أو حجرته ليس بمنافٍ؛ لأنَّ منزله من المسجد وفنائه، بدليل صحة الاعتكاف فيه كما قدمناه؛ فافهم.

واستدل بالحديث قوم على أنَّ الكلام في الصلاة من المأمومين لإمامهم إذا كان على وجه إصلاح الصلاة؛ لا يقطع الصلاة، وأنَّ الكلام من الإمام والمأمومين فيها على السَّهو؛ لا يقطع الصلاة، وهو قول مالك، وربيعة، والشَّافعي، وأحمد، وإسحاق.

قال ابن عبد البر: ذهب الشَّافعي إلى أنَّ الكلام والسَّلام ساهيًا في الصلاة لا يبطلها كقول مالك، وإنَّما الخلاف أنَّ مالكًا كان يقول: لا يفسد الصلاة تعمد الكلام فيها إذا كان في شأنها وإصلاحها، وهو قول ربيعة وابن القاسم، وأنَّ الشَّافعي يقول: من تعمد الكلام وهو يعلم أنَّه لم يتم صلاته وأنَّه فيها؛ فسدت صلاته، فإن تكلم ناسيًا أو تكلم وهو يظن أنَّه ليس في الصلاة؛ لا يبطلها.

وقال أحمد ابن حنبل: ما تكلم به الإنسان في صلاته لإصلاحها؛ لم تفسد، فإن تكلم لغير ذلك؛ فسدت، ذكره الأشرم،وقال الخرقي عنه: أنَّ من تكلم عامدًا أو ساهيًا؛ بطلت صلاته إلا الإمام خاصة، فإنَّه إذا تكلم لمصلحة صلاته؛ لم تبطل صلاته.

وأجمع المسلمون على أنَّ الكلام عامدًا في الصلاة إذا كان المصلي يعلم أنَّه في الصلاةولم يكن ذلك في إصلاح صلاته؛ أنَّه يفسد الصلاة إلا ما روي عن الأوزاعي أنَّه قال: من تكلم لإحياء نَفْسٍ أو مثله من الأمور الجسام؛ لا تفسد صلاته بذلك، انتهى.

قلت: وهذا الاستدلال فاسد، ولا سلف ولا خلف لهم في ذلك، والصَّواب من القول ما ذهب إليه الإمام الأعظم رأس المجتهدين وأصحابه والجمهور أنَّ الكلام في الصلاة يبطلها سواء كان ناسيًا أو جاهلًا، لإصلاحها أو لا، كيفما كان، وهو قول سفيان الثَّوري، وإبراهيم النخعي، وعطاء، والحسن البصري، وحمَّاد بن سليمان، وقتادة، وغيرهم.

قال الحارث بن مسكين: (أصحاب مالك كلهم على خلاف قول مالك في مسألة ذي اليدين إلا ابن القاسم وحده؛ فإنَّه يقول بقوله، وأمَّا أصحابه؛ فيأبونه ويقولون: إنَّما كان هذا في صدر الإسلام، فأمَّا الآن؛ فقد عرف الناس صلاتهم، فمن تكلم فيها؛ أعادها، وهو قول العراقيين، والثَّوري، والنخعي، وعطاء، والحسن، وحمَّاد، وقتادة، فإنَّهم ذهبوا إلى أنَّ الكلام في الصلاة يفسدها على أيِّ حال كان، وقالوا: إنَّ حديث أبي هريرة هذا في قصة ذي اليدين منسوخ بحديث ابن مسعود وزيد بن الأرقم، قالوا: وإن كان أبو هريرة متأخر الإسلام؛ فإنَّه أرسل حديث ذي اليدين، كما أرسل حديث: «من أدركه الفجر جُنبًا؛ فلا صوم له»، وكان كثير الإرسال) انتهى.

قلت: أمَّا حديث ابن مسعود؛ فرواه المؤلف ومسلم في «صحيحيهما» في (المناقب) في باب (هجرة الحبشة) وغيره: عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كنا نُسلِّم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة، فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي؛ سلمنا عليه، فلم يرد علينا، قلنا: يا رسول الله؛ كنا نسلم عليك في الصلاة، فترد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي؛ سلمنا، فلم ترد علينا، فقال عليه السَّلام: «إنَّ في الصلاة لشغلًا».

وأمَّا حديث زيد؛ فرواه أبو داود في «سننه» وغيره: عن زيد بن أرقم قال: (كنا نتكلم في الصلاة؛ يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] ، فأُمرنا بالسكوت، ونُهينا عن الكلام) ، وقال جماعة: معنى قوله تعالى: {قَانِتِينَ}: ساكتين، وهو قول السدي؛ لأنَّ الآية نزلت في المنع عن الكلام في الصلاة، وكان مباحًا في صدر الإسلام.

وقال ابن مسعود رضي الله عنه كما رواه أصحاب السنن: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنَّ الله أحدث من أمره ألَّا تكلموا في الصلاة».

وقال إمام الشَّارحين: (والدليل على أنَّ الحديث منسوخ أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه عمل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلاف ما كان عليه السَّلام عمله يوم ذي اليدين، والحال أنَّه كان في من حضر يوم ذي اليدين، فلولا ثبت عنده انتساخ ذلك؛ لما عمل بخلاف ما عمل به النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم.

وأيضًا فإنَّ عمر رضي الله عنه قد فعل ذلك بحضرة الصَّحابةرضي الله عنه، ولم ينكر عليه منهم أحد، فصار ذلك منهم إجماعًا على النَّسخ.

وروى الحافظ الطَّحاوي ذلك عن ابن مرزوق قال: حدثنا أبو عاصم، عن عثمان بن الأسود قال: سمعت عطاء يقول: (صلى عمر بن الخطاب بأصحابه، فسلَّم في ركعتين، ثم انصرف، فقيل له في ذلك، فقال: إنِّي جهزت عِيرًا من العراق بأجمالها وأحقابها حتى وَرَدت المدينة، قال: فصلى بهم أربع ركعات) انتهى.

قلت: وكأنَّ المخالف لنا لم يبلغه نزول الآية، ولا حديث ابن مسعود ولا زيد بن الأرقم، ولا صلاة عمر بن الخطاب رضي الله عنهم، وهذا ضرب من الإجماع، بل الإجماع كله؛ لأنَّ الذين أجمعوا على منع الكلام في الصلاة من أصحاب النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم ثلاثة أفتوا به؛ عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن الأرقم رضي الله عنهم.

ولم يُرْوَ عن أحد من الصَّحابة الذين شهدوا هبوط الوحي والتنزيل وأعيذوا من التحريف والتبديل خلاف هؤلاء الثلاثة بعد نزول الآية لا بإسناد متصل ولا منقطع، فكأنَّ الصَّحابة أجمعوا على أنَّ الكلام في الصلاة يفسدها على كل حال، وبه قال سليمان بن داود، وأبو خيثمة، وابن أبي شيبة، ومحمَّد بن نصر، ومحمَّد بن إسحاق بن خزيمة، ومحمَّد بن إسماعيل، وغيرهم من أهل الحديث، والله تعالى أعلم.

وفي «العجلوني»: (وفيه: أنَّ من تكلم ناسيًا؛ لا تفسد صلاته؛ لأنَّه عليه السَّلام تكلم لظنه أنَّه أكمل الصلاة، وسبيله سبيل الناسي، وأمَّا ذو اليدين؛ فأمره متأول؛ لأنَّ الزمان زمان نسخ، فجرى منه مجرى من هو خارج الصلاة، وأمَّا كلام الشيخين؛ فإنَّه كان واجبًا عليهم إجابته؛ لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ} [الأنفال: 24] ، فلم يقدح في صلاتهم) انتهى.

قلت: وهذا فاسد؛ لأنَّه عليه السَّلام وإن كان ظنه أنَّه أكمل صلاته، فليس سبيله سبيل الناسي، فلا دليل فيه لما ذكر؛ لأنَّ بين الناسي وغيره فرقًا بيِّنًا، ولا عذر للناسي؛ لأنَّ قوله عليه السَّلام: «رُفِع عن أمتي الخطأ والنِّسيان»؛ معناه: رفع إثمهما، على أنَّه قال: «عن أمتي»، ولم يقل: عني، والنِّسيان لا يضر عليه من الله تعالى.

وأمَّا ذو اليدين؛ فعلى ما ذكره؛ صلاته فسدت، فهو تناقض في كلامه، كما لا يخفى.

وأمَّا كلام الشيخين... إلخ؛ فيه نظر، بل هو قادح في صلاتهم؛ لأنَّ الآية إنَّما هي [13] في الدعاء خارج الصلاة لا فيها؛ للقرينة الدَّالة على ذلك؛ لأنَّه [14] فيها ممنوع منه، كما لا يخفى.

وظاهر الحديث يدل على أنَّ العمل الكثير والخطوات في الصلاة لا تبطلها، واختلف في ذلك، ومذهب الإمام الأعظم رأس المجتهدين أنَّ العمل الكثير يبطل الصلاة، وكذا المشي فيها خطوات.

واختلف أيضًا في العمل الكثير؛ فظاهر الرواية عن الإمام الأعظم: أنَّه مفوض لرأي المصلي، فإن رآه كثيرًا؛ فكثير، وإن قليلًا؛ فقليل، وقيل: إنَّه ما استكثره الناظر، والقليل ما استقله، وقيل: إنَّه ما فعل ثلاث مرات متواليات في ركن واحد، وقد صححه غير واحد، وعلى هذا فالنَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم رأى أنَّ هذا العمل قليل، وأنَّه غير مفسد،