المستند التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

475-. حدَّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عن مالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عن عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ:

عن عَمِّهِ: أَنَّهُ رَأَىَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَلْقِيًا فِي المَسْجِدِ، واضِعًا إِحْدَىَ رِجْلَيْهِ على الأُخْرَىَ.

وَعَنِ ابْنِ شِهابٍ، عن سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: كان عُمَرُ وَعُثْمانُ يَفْعَلانِ ذَلِكَ.

الأطراف



الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

475- قوله: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ): تقدَّم مرارًا أنَّه أبو بكر مُحَمَّد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزُّهريُّ، العالم المشهور.

قوله: (عَنْ عَمِّهِ): تقدَّم مرَّات أنَّ عمَّه هو عبد الله بن زيد بن عاصم المازنيُّ، وهو عمُّه لأمِّه.

قوله: (وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ...) إلى آخره: هذا معطوف على السند المذكور قبله، وليس تعليقًا، والبخاريُّ روى هذا أيضًا عن القعنبيِّ، عن [1] مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيّب، والأوَّل رواه بالسند الذي ذكرته إلى ابن شهاب، عن عبَّاد بن تميم؛ فاعلم ذلك، وإيَّاك أن تظنَّه تعليقًا، والله أعلم.

قوله: (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيّبِ): تقدَّم أنَّ ياء (المسيّب) بالكسر والفتح، وأنَّ غيره لا يجوز في يائه غير الفتح، والله أعلم.

قوله: (كَانَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ يَفْعَلاَنِ ذَلِكَ): اعلم أنَّه اختلف في سماع سعيد بن المسيّب من عمر رضي الله عنه، وقد وُلِد سعيدٌ لسنتين مضتا من خلافة عمر، قال أبو حاتم: لا يصحُّ له سماع منه إلَّا رؤية؛ رآه على المنبر ينعي النعمان بن مقرِّن، وحديثه عن عمر في «السنن الأربعة»، وعن أبي بكر في «سنن ابن ماجه»، كذا قاله العلائيُّ شيخ شيوخنا صلاح الدين في «المراسيل»، وإنَّما هي في «أبي داود»، وقد وَهِمَ المِزِّيُّ أيضًا في ذلك، كما يأتي قريبًا، والذي قاله العلائيُّ وَهِمَ فيه [2] ، والذي فيه روايته مرسلةٌ، ليس فيها [/ج1ص181/] أبو بكر رضي الله عنه، وقال يحيى القطَّان: (سعيد بن المسيّب عن عمر رضي الله عنه مرسلٌ، يدخل في المسند على المجاز) ، وقال المِزِّيُّ في «تهذيبه»: (قال أحمد: رأى سعيدٌ عمرَ وسمع منه، وإذا لم يُقبَل سعيد عن عمر؛ فمَن يُقبَل؟!) ، انتهى.

[1] (عن): سقط من (ب) .
[2] في (ب): (فيه وهم) .





475- (مُسْتَلْقِيًا): حالٌ مِنْ (رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).

(وَاضِعًا): أيضًا حالٌ منه؛ فهُما حالانِ مترادفانِ، أو (وَاضِعًا) حالٌ مِنْ ضميرَ (مُسْتَلْقِيًا) ؛ فهُما حالانِ متداخلانِ.


475- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ) إمام دار الهجرة (مَالِكٍ) بن أنس [1] (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ) بفتح العين وتشديد المُوحَّدة (عَنْ عَمِّهِ) عبدالله بن زيد بن عاصمٍ المازنيِّ رضي الله عنه (أَنَّهُ رَأَى)؛ أي: أبصر (رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) حال كونه (مُسْتَلْقِيًا) على ظهره (فِي الْمَسْجِدِ) حال كونه (وَاضِعًا إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الأُخْرَى) فعل ذلك؛ ليبيِّن [2] جوازه، فحديث جابرٍ المرويُّ في «مسلمٍ»: «نهى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أن يضع الرَّجل إحدى رجليه على الأخرى وهو مستلقٍ على ظهره»، إمَّا منسوخٌ، أو مقيَّدٌ بما إذا ظهرت بذلك عورته؛ كأن يكون الإزار ضيِّقًا، فإذا وضع رِجلًا فوق الأخرى وهناك فرجةٌ؛ ظهرت فيها [3] العورة، فإن أمنَ ذلك؛ جاز [4] .

ورواة هذا الحديث الخمسة مدنيُّون، وفيه التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «اللِّباس» [خ¦5969] ، و«الاستئذان» [خ¦6287] ، ومسلمٌ في «اللِّباس»، وأبو داود في «الأدب»، والتِّرمذيُّ في «الاستئذان» _وقال: حسنٌ صحيحٌ_ والنَّسائيُّ في «الصَّلاة».

(وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ؛ بواو العطف على الإسناد السَّابق، وصرَّح به الدَّاوديُّ في روايته عن القعنبيِّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة وكسرها، ابن حزنٍ، القرشيِّ المخزوميِّ، أحد العلماء الأعلام الأثبات، المُتفَّق على أنَّ مُرسَلاته [5] أصحُّ المراسيل، و [6] قال ابن المدينيِّ: لا أعلم في التَّابعين أوسع علمًا منه، وتُوفِّي بعد التِّسعين، وقد ناهز الثَّمانين (قَالَ: كَانَ عُمَرُ) بن الخطَّاب (وَعُثْمَانُ) بن عفَّان (يَفْعَلَانِ ذَلِكَ) رضي الله عنهما؛ أي: الاستلقاء المذكور، وزاد الحميديُّ عن ابن مسعودٍ: «أنَّ أبا بكرٍ الصِّدِّيق [7] رضي الله عنه كان يفعل ذلك أيضًا» [8] ، وهذا يردُّ على من قال: إنَّ الاستلقاء كان [9] من خصائصه صلَّى الله عليه وسلَّم.

[1] «ابن أنسٍ»: مثبتٌ من (د) و(م).
[2] في (م): «لتبيين».
[3] في (ب) و(س): «منها».
[4] في (ص) و(م): «جازه».
[5] في (م): «مراسيله».
[6] «و»: سقط من (د).
[7] «الصِّديِّق»: سقط من (د).
[8] «كان يفعل ذلك أيضًا»: سقط من (ص).
[9] «كان»: مثبتٌ من (د) و(م).





475- (وَاضِعًا إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الأُخْرَى): قال الخطَّابيُّ: فيه بيان أنَّ النَّهي عن ذلك خاصٌّ بما إذا خشي أن تبدو العورة.

(وَعَنْ ابْنِ شِهَابٍ): عطف على ما قبله لا تعليق، [والله أعلم] [1] . [/ج2ص543/]

[1] ما بين معقوفين زيادة من [ف] .





123/475# قال أبو عبد الله: حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عن مالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عن عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ:

عن عَمِّهِ: أَنَّهُ رَأَىَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم مُسْتَلْقِياً فِي المَسْجِدِ، واضِعاً إِحْدَىَ رِجْلَيْهِ على الأُخْرَىَ.

فيه بيانُ جواز هذا الفعل، ودلالةُ على [1] أنَّ خبر النَّهي عنه إمَّا منسُوخ، وإمَّا أن تكون علَّةُ [2] النهي عنه أن تبدو عَورةُ الفاعل لذلك، فإنَّ الإزار رُبَّما ضاقَ، فإذا شَالَ [3] لابسُه إحدى رِجليهِ فوق الأخرى بقيت هناك فُرجَةٌ [4] تظهر منها عورةٌ [5] .

وفيه [6] دليلٌ على جواز الاتِّكاء في المسجد والاضطجاع، وأنواع الاستراحة والاتِّداع فيه، كجوازها [7] في المنازل والبيوت [8] ، غير الانبطاح [9] والوُقوع على الوجه المنهِيِّ عنه، فإنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قد نهى عنه، وقال: «إنَّها ضَجعةٌ يُبغضُها اللهُ» [10] .

[1] قوله: (على) زيادة من (ط).
[2] في (ط): (عليه).
[3] في (ط): (أسال) وفي الفروع: (وأشال).
[4] (فرجة) تكررت في (ط).
[5] في (ط): (عورته).
[6] في (م): (وفي ذلك).
[7] في (ط): (لجوازها) باللام.
[8] في (ط): (والثبوت).
[9] في (ط): (الانطاح).
[10] رواه الإمام أحمد في مسنده (5/436) عن طِخْفَة الغفاري.





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

475- وبالسند إلى المؤلف قال: ((حدثنا عبد الله بن مَسلَمَة)) ؛ بفتحات: هو القعنبي المدني، ((عن مالك)) هو ابن أنس الأصبحي المدني، ((عن ابن شهاب)) : [/ص682/] هو محمَّد بن مسلم الزهري المدني، ((عن عَبَّاد)) بفتح العين المهملة، وتشديد الموحَّدة ((بن تميم)) هو ابن يزيد الأنصاري المدني، الصَّحابي في قول الذهبي، والتَّابعي في قول غيره، ((عن عمه)) هو عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري المازني المقتول بالحَرَّة في ذي الحجة سنة ثلاث وستين، وعباد وعمه تقدما في باب (لا يتوضأ من الشك) : ((أنَّه رأى)) ؛ أي: أبصر، فلهذا اكتفي لها بمفعول واحد ((رسول الله صلى الله عليه وسلم)) ، وقوله: ((مستلقيًا)) : حال من الرسول الأعظم؛ أي: متكئًا على ظهره ((في المسجد)) ؛ أي: النَّبوي، فاللَّام فيه للعهد، وقوله: ((واضعًا [إحدى رجليه على الأخرى] [1] ) ) : حال من النَّبي الأعظم أيضًا، فهما حالان مترادفتان، ويجوز أن يكون قوله: (واضعًا) : حال من الضمير الذي في (مستلقيًا) ، فعلى هذا يكون الحالان متداخلتين، كذا قرره إمامنا الشَّارح.

ومطابقته للحديث ظاهرة، وقال الخطابي: (فيه بيان جواز هذا الفعل، والنَّهي الوارد عن ذلك منسوخ بهذا الحديث) ، قال إمام الشَّارحين: (قلت: النَّهي ما روى جابر بن عبد الله: «أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يضع الرجل إحدى رجليه على الأخرى وهو مستلقٍ»، وأجاب الخطابي عن النَّهي بجواب آخر: وهو أنَّ علة النَّهي عنه أن تبدو عورة الفاعل لذلك، فإنَّ الإزار ربما ضاق، فإذا شال لابسه إحدى رجليه فوق الأخرى؛ بقيت هناك فُرجة تظهر منها عورته، وممن جزم بأنه منسوخ ابن بطال) انتهى كلام إمام الشَّارحين.

قال ابن حجر: (الجواب الثاني أولى من ادعاء النَّسخ؛ لأنَّه لا يثبت بالاحتمال، وممن جزم به: البيهقي، والبغوي، وغيرهما) انتهى.

وردَّه إمام الشَّارحين، فقال: (القائل بالنَّسخ ما ادعى أنَّ النَّسخ بالاحتمال، وإنَّما جزم به، فكيف يدعي الأولوية بالاحتمال، ويقوي دعوى النَّسخ ما روي عن عمر وعثمان: أنَّهما كانا يفعلان ذلك على ما سيأتي، ويقال: يحتمل أنَّ الشَّارع فعل ذلك لضرورة أو كان ذلك بغير محضر جماعة، فجلوسه عليه السَّلام في المجامع كان على خلاف ذلك من التربع، والاحتباء، وجلسات الوقار، والتواضع) انتهى.

واعترضه العجلوني بأنَّ الخطابي لما ردد في الجواب بين النَّسخ وبين الحمل على إذا خشي بدوَّ عورته كان بصورة الاحتمال.

وعبارة ابن بطال: (وكأنَّ البخاري ذهب إلى أنَّ حديث جابر منسوخ بهذا الحديث، واستدل على نسخه بحديث الخليفتين بعده، ولا يجوز أن يخفى عليهما الناسخ والمنسوخ) انتهى.

واعترضه العجلوني بأنَّ حديث الخليفتين بعده لا يدل على خصوص النَّسخ؛ لاحتمال أن يكون النَّهي عندهما محمولًا على ما إذا خشي بدوَّ العورة، فلا نسخ، انتهى.

وأجاب ابن حجر في «الانتقاض»: بأنَّه لا حرج في دعوى الأولوية بالاحتمال، وأمَّا النَّسخ؛ فلا يثبت إلا بمعرفة التاريخ أو بتنصيص الشَّارع، انتهى.

قلت: كلام العجلوني وابن حجر كلاهما فاسد الاعتبار.

أمَّا قوله: (بأن الخطابي لما ردد في الجواب...) إلخ؛ فيرده أنَّه ذكرهما بصيغة الجزم، ولم يذكرهما بصيغة الاحتمال، فليس في كلامه ما يدل على أنَّه قائل بالاحتمال ولو صورة، على أنَّ المعتبر للفظ لا للصورة؛ فافهم، وعبارة ابن بطال صحيحة لا يرد عليها ما ذكره، فإنَّ حديث الخليفتين بعده يدل على النَّسخ قطعًا؛ لأنَّهما لا يفعلان شيئًا مخالفًا لسنته عليه السَّلام؛ لأنَّهما أعلم بحاله، وعَلِما أنَّ النَّهي كان في ابتداء الأمر، ثم إنَّه نسخ بفعله، كما لا يخفى.

وما ذكره من الحمل على ما إذا خشي عندهما؛ ممنوع؛ لأنَّهما لا يفعلان شيئًا من تلقاء أنفسهما، بل حتى يعلما ويشاهدا ذلك من فعله عليه السَّلام، واستلقاؤه عليه السَّلام لم يخف عليهما قطعًا؛ لأنَّهما دائمًا معه عليه السَّلام مترقبين لأفعاله، ومن البعيد كونه عليه السَّلام مستلقيًا في المسجد ولم يره خليفته الفاروق وذو النورينولم يعلما به، فنسبة عدم علم الناسخ والمنسوخ لهما جرأة عظيمة يجب الإعراض عنها، فلا تغتر بما زعمه.

وأمَّا قول ابن حجر: (لا حرج في دعوى الأولوية بالاحتمال) ؛ ممنوع؛ لأنَّه قد ذكر الأولوية بغير دليل، فالحرج ظاهر؛ لأنَّ القول بغير مستند غير مقبول، لا سيما في الأحكام، فكيف يقول: لا حرج؟! وما هذا إلا القول بالرأي بعينه يجب الإعراض عنه.

وقوله: (وأمَّا النَّسخ...) إلخ؛ لا يخفى على من له أدنى ذوق في العلم أنَّ عمر وعثمان رضي الله عنهماأعلم الناس بمعرفة التاريخ وبأقوال الشَّارع وأفعاله، ولا ينكر ذلك إلا كل معاند، وفعلهما دليل على كون فعله عليه السَّلام كان ناسخًا للنَّهي، ولا يتصور أن يفعلا شيئًا منهيًّا عنه من الشَّارع؛ لأنَّهما أشد اتباعًا للسنة، فهذا أقوى دليل على النَّسخ، كما لا يخفى، على أنَّ ما فعله الخليفتان كان بمحضر الصَّحابة، ولم ينكر عليهما أحد منهم، فصار ذلك منهم إجماعًا على نسخه، كما لا يخفى؛ فافهم.

فانظر جرأة ابن حجر والعجلوني على خليفتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما زعما فيهما؛ فاجتنبه.

وقال المازري: إنَّ النَّهي وقع في غير الكتب الصِّحاح؛ كـ«أبي داود»، لكنه عام؛ لأنَّه قول، والاستلقاء فعل، فهو خاص قد يدعى قصره عليه لولا ما صح عن الخليفتين، فصار تعارضًا [2] بين الحديثين، ثم أجاب بنحو ما ذكره الخطابي.

واعترضه ابن حجر بأنَّ حديث النَّهي في «البخاري» في (اللباس) ، وبأنَّ الخصائص لا تثبت بالاحتمال، والظَّاهر أنَّ فعله عليه السَّلام؛ لبيان الجواز، أو كان في وقت الاستراحات لا في مجتمع الناس؛ لِمَا عُرِفَ من عادته في الجلوس بينهم بالوقار التام؛ كالتربع والاحتباء، انتهى.

قلت: واعتراضه مردود عليه، وحفظ شيئًا وغاب عنه أشياء، فإنَّ حديث النَّهي وإن كان ذكره البخاري في (اللباس) ، لكنه منسوخ بفعل الخليفتين، فلم يُلتَفت إليه، وبقي الفعل، فليس ثمة تعارض، وإلى هذا أشار المازري بقوله: (ولولا ما صح عن الخليفتين) ، ثم أجاب: بأنَّ النَّهي منسوخ بفعلهما.

وقوله: (وبأنَّ الخصائص...) إلخ؛ ممنوع؛ لأنَّ المازري بناها على فرض ثبوت عدم فعل الخليفتين ذلك، لا مع ثبوت فعلهما، ومعنى كلامه: أنَّه إذا ثبت فعلهما ذلك؛ فيكون دليلًا على النَّسخ، فليس للنَّهي محل لذلك، على أنَّه لو لم يصح عنهما؛ لكان قوله بالخصوصية مقبولًا؛ فانظر كيف فهم هذا الكلام؟

وقوله: (والظَّاهر...) إلخ؛ هذا ليس بظاهر؛ لأنَّ الشَّارع وخلفاءه الذين أُمرنا باتباعهم قد فعلوا ذلك، فلا يكون فعلهم مبنيًّا على بيان الجواز؛ لأنَّه يقال فيما إذا تعارض دليلان، وليس هنا كذلك؛ فافهم.

وقوله: (أو كان في وقت...) إلخ؛ ممنوع؛ لأنَّ فعله عليه السَّلام لا يدل على هذا، فإنَّ الحديث يرده، ومحل الاستراحة المنزل لا المسجد، وليس في الحديث إشارة إلى هذا، وإنَّما كان عليه السَّلام يفعل ذلك في مجتمع الناس؛ بدليل كونه في المسجد وهو لا يخلو عن الناس، وكفى بذلك رؤيته لعمر بن الخطاب وعثمان رضي الله عنهما حتى فعلا كفعله؛ لأنَّهما أشد اتباعًا له، كما لا يخفى، وعادته التربع إذا كان في مجمع مذاكرة العلم وحوائج الناس لا مطلقًا، كما زعمه؛ فافهم.

وقال إمام الشَّارحين: (وفي الحديث الاتكاء في المسجد، والاضطجاع فيه، وكذا أنواع الاستراحات غير الانبطاح [3] _وهو الوقوع على الوجه_، فإن النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم قد نهى عنه، وقال: «إنَّها ضجعة يبغضها الله تعالى») انتهى؛ فليحفظ.[/ص683/]

((وعن ابن شهاب)) هو محمَّد بن مسلم الزهري المدني، ((عن سعيد بن المسيَّب)) ؛ بفتح التحتية المشددة وبكسرها، وكان يقول: (بكسر الياء، سيَّب الله من يسيب أبي) ، توفي بالمدينة سنة إحدى ومئة، وهو ابن حزن القرشي المخزومي، المتفق على أنَّ مرسلاته أصح المراسيل، ((قال)) أي: سعيد: ((كان عمر)) هو ابن الخطاب القرشي، أحد الخلفاء الراشدين ((وعثمان)) هو ابن عفان، ثالث الخلفاء المهديين، الملقب بذي النورين رضي الله عنهما ((يفعلان ذلك)) ؛ أي: الاستلقاء المذكور، والوضع في المسجد، وإفادة (كان) الدوام والاستمرار غالبًا، وهو بواو العطف معطوف على الإسناد المذكور، ولهذا قال صاحب «التوضيح»: (ساقه البخاري بالسند الأول، وقد صرح به أبو داود، وزاد أبو مسعود فيما حكاه الحميدي في «جمعه»، فقال: «إنَّ أبا بكر وعمر وعثمان كانوا يفعلون ذلك»، وقد أخرج البرقاني هذا الفعل من حديث إبراهيم بن سعد عن الزهري متصلًا بالحديث الأولولم يذكر سعيد بن المسيَّب، وسعيد لم يصح سماعه من عمر، وأدرك عثمان، ولا يحفظ له عنه رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم) انتهى.

وقال ابن حجر: («وعن ابن شهاب»: معطوف على الإسناد الأول، وقد صرح بذلك أبو داود في روايته عن القعنبي، وهو كذلك في «الموطأ»، وغفل عن ذلك من زعم أنَّه معلق) انتهى.

وردَّه إمام الشَّارحين فقال: (يريد به الكرماني؛ حيث قال: يحتمل أن يكون هذا معلقًا وأن يكون داخلًا تحت الإسناد السَّابق، فالكرماني ما جزم بأنَّه معلق، بل قال بالاحتمال، وهو صحيح بحسب الظَّاهر، وتصريح أبي داود بذلك في كتابه لا يدل على أنَّ هذا داخلًا في الإسناد المذكور ههنا قطعًا، ورواية أبي داود هكذا: «حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب: أنَّ عمر وعثمان كانا يفعلان ذلك»؛ أي: من الاستلقاء والوضع) انتهى.

وأجاب ابن حجر في «الانتقاض»: (بأنَّ تصريح مثل مَنْ ذَكَرَ بذلك يرجح الوصل، ويُصيِّر احتمال التَّعليق كالعدم) انتهى.

قلت: هو غير ظاهر، فإنَّ تصريح أبي داود يحتمل التَّعليق والوصل، بل الأول أظهر؛ لأنَّ ابن المسيب لم يصح سماعه من عمر، ولا من عثمان، ولا يحفظ له رواية، كما قدمناه عن صاحب «التوضيح»؛ فافهم.

ونقل العجلوني عن النَّووي: (أنَّ ابن المسيب ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر، وقيل: لأربع سنين، ورأى عمر وسمع منه، ومن عثمان، وعلي، وغيرهم، ثم نقل عن أحمد: أنَّه رأى عمر وسمع منه) ، ثم قال العجلوني: (وبه تعلم أنَّ ما ذكره ابن الملقن وإن تبعه عليه في «العمدة»؛ ليس بعمدة) انتهى.

قلت: أراد بهذا الاعتراض على إمام الشَّارحين وعلى صاحب «التوضيح»، واعتراضه مردود عليه؛ لأنَّ ابن خلكان قال في ترجمته: (سمع سعد بن أبي وقاص، وأبا هريرة، وغيرهما، وأكثر روايته المسند عن أبي هريرة، وكانت ولادته لسنتين مضتا من خلافة عمر) انتهى، ولم يذكر أنَّه سمع من عمر، وعثمان، وعلي، كما رأيت على أنَّ كونه ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر يرد كونه سمع منه؛ لأنَّ صحة سماع الصبي مشروط بأن يكون ابن خمس سنين، وليس ابن المسيب سنه وقتئذٍ خمسًا، كما لا يخفى، وفيه خلاف؛ فابن العربي يشترط فيه بلوغ خمس، وابن العجمي بلوغ سبع، وهو قول الجمهور، وقال جماعة: بلوغ خمس مطلقًا، قاله القاضي عياض، وقدمناه في باب (متى يصح سماع الصغير) ؛ فاعرفه.

قال إمام الشَّارحين: (اختلف جماعة من الصَّحابة والتَّابعين وغيرهم في هذا الباب؛ فذهب محمَّد بن سيرين ومجاهد وطاووس وإبراهيم النخعي إلى أنَّه لا يكره وضع إحدى الرِّجلين على الأخرى، وروي ذلك عن ابن عبَّاس وكعب بن عجرة.

وخالفهم في ذلك آخرون؛ فقالوا: لا بأس بذلك؛ وهم: الحسن البصري، والشَّعبي، وابن المسيب، وأبو مجلز، ومحمَّد ابن الحنفية، ويروى ذلك عن أسامة بن زيد، وابن عمر، وأبيه عمر بن الخطاب، وعثمان، وابن مسعود، وأنس رضي الله عنهم.

وقال ابن أبي شيبة في «مصنفه»: «حدثنا وكيع، عن عبد العزيز الماجشون، عن الزهري، عن ابن المسيب: أنَّ عمر وعثمان كانا يفعلانه».

وروي عن عبد الله بن مالك عن أبيه قال: «دخل على عمر ورآه مستلقيًا واضعًا إحدى رجليه على الأخرى».

وروي عن عبد الله بن عبد الله بن الحارث: «أنه رأى ابن عمر يضطجع فيضع إحدى رجليه على الأخرى».

وحدثنا وكيع، عن أسامة، عن نافع: «كان ابن عمر يستلقي على قفاه، ويضع إحدى رجليه على الأخرى، ولا يرى بذلك بأسًا، ويفعله وهو جالس لا يرى بذلك بأسًا».

وحدثنا وكيع، عن سفيان، عن جابر، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن عمه قال: «رأيت ابن مسعود رضي الله عنه مستلقيًا واضعًا إحدى رجليه على الأخرى، وهو يقول: {رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [يونس: 85] ».

وحدثنا ابن مهدي، عن سفيان، عن عمران _يعني: ابن مسلم_ قال: «رأيت أنسًا رضي الله عنه واضعًا إحدى رجليه على الأخرى») انتهى.

والحاصل: أنَّ الاستلقاء في المسجد ومد الرِّجل فيه؛ غير مكروه، إلا أنَّه يكره مد الرِّجل نحو الكعبة، وهذا مذهب الإمام الأعظم رأس المجتهدين، وهو قول الجمهور من الصَّحابة والتَّابعين، والله أعلم.

[1] ما بين معقوفين مثبتٌ من «الصحيح».
[2] في الأصل: (تعارض)، وليس بصحيح.
[3] في الأصل: (الانطباع)، وهو تحريف.