المستند التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

466-. حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، قالَ: حدَّثنا فُلَيْحٌ، قالَ: حدَّثنا أبو النَّضْرِ، عن عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ، عن بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ [1] :

عن أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قالَ: خَطَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالَ: «إِنَّ اللَّهَ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيا وَبَيْنَ ما عِنْدَهُ، فاخْتارَ ما عِنْدَ اللَّهِ [2] ». فَبَكَىَ أبو بَكْرٍ [3] رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: ما يُبْكِي هَذا الشَّيْخَ، إِنْ يَكُنِ اللَّهُ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيا [4] وَبَيْنَ ما عِنْدَهُ، فاخْتارَ ما عِنْدَ اللَّهِ؟! فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو العَبْدُ [5] ، وَكانَ أبو بَكْرٍ أَعْلَمَنا، قالَ [6] : «يا أَبا بَكْرٍ لا تَبْكِ، إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمالِهِ أبو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا مِنْ أُمَّتِي [7] لاتَّخَذْتُ أَبا بَكْرٍ [8] ، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ [9] الإِسْلامِ وَمَوَدَّتُهُ، لا يَبْقَيَنَّ فِي المَسْجِدِ بابٌ إلَّا سُدَّ، إلَّا بابَ [10] أَبِي بَكْرٍ».

الأطراف



[1] قوله: «عن بسر بن سعيد» ليس في رواية أبي ذر والأصيلي، «لا الحمرة إلىَ» وبهامش اليونينية: حاشية على الأصل المسموع على الحافظ أبي ذر: «صوابه: عن عُبيد بن حُنين عن أبي سعيد» وقال الفربري: الرواية هكذا وفي كتاب البخاري: «عن بُسْر بن سعيد» وهو مضروبٌ عليه.
وبهامشها أيضًا: قال الحافظ أبو علي الغَسَّاني: روي: «فُليح عن أبي النضر عن عُبيد بن حُنين عن بُسْر»، و: «عن عُبيد وبُسْر» بواو العطف، و: «عن أبي النضر عن بُسْر عن أبي سعيد» بإسقاط عُبيد بن حُنين. قال: وكلٌّ صوابٌ، لعلَّ فُليحًا كان يحدِّث به مرةً: عن عُبيد، ومرةً: عن بُسْر، ومرةً يَجمعهما.اهـ. انظر: «تقييد المهمل»: 2/584.
[2] قوله: «فاختار ما عند الله» ليس في رواية الأصيلي وابن عساكر ولا في رواية [عط] ، وبهامش اليونينية: وضُرب عليه في رواية السَّمعاني عن أبي الوقت، وهو مخرَّج [يعني إلى الهامش] في رواية أبي ذر.اهـ.
[3] في رواية الأصيلي زيادة: «الصدِّيق».
[4] في رواية أبي ذر: «إنْ يكن عبدًا خُيِّر بين الدنيا».
[5] في (و، ب، ص): «هو العبدَ» بالنصب، والمثبت موافق لما في نسخة البقاعي.
[6] في رواية الأصيلي و [عط] ورواية أبي ذر عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فقال».
[7] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر و [عط] ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «متَّخِذًا من أُمتي خليلًا».
[8] في رواية الأصيلي: «يعني لاتَّخذت أبا بكر خليلًا». والذي في (ب، ص) أن روايته: «لاتَّخذت أبا بكر يعني خليلًا» وهو موافق لما في السلطانية.
[9] في رواية الأصيلي: «خُوَّة».
[10] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و« بابُ».





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

466- ( حدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ ) بسين مكسورة ثم نون. [/ج1ص165/]

( حدَّثَنَا فُلَيْحٌ ) بضم أوله.

( أَبُو النَّضْرِ ) بنون ثم ضاد معجمة.

( عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ ) بضم أولهما.

( إِنْ يَكُنِ اللَّهُ [خيَّر عبدًا] [1] ) بكسر الهمزة على أنَّها شرطية، وجوَّز السَّفاقُسِي فتحها، والمعنى: ما يبكيه لأجل أن يكون الله خيَّر عبدًا.

( إِنَّ أَمَنَّ ) أي: أسمح، ولم يرد من الامتنان؛ لأن المنَّة تفسد الصنيعة، وفي رواية: «إن من أمنِّ [الناس] [1] » على حذف اسمها، والمجرور صفته، أي: رجلًا من أمنِّ.

( ولَكِنْ أُخُوَّة الإِسْلَام ) وفي رواية الأصيلي: «خُوَّة الإسلام» بغير ألف، كأنه نقل حركة الهمزة إلى النون وحذف الهمزة، وذكر ابن مالك مع حذف الهمزة في نون ( لكن ) وجهين: ضمها وإسكانها، ومع إثبات الهمزة سكون النون فقط.

( إِلَّا بَابُ أَبِي بَكْرٍ ) بالنصب والرفع.

[1] ما بين معقوفين زيادة من [ق] .





لا تتوفر معاينة

466- قوله: (حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ): تقدَّم مرَّات أنَّه بضمِّ الفاء، وفتح اللام، وأنَّه ابن سليمان، وتقدَّم بعض ترجمته، وليس في الكتب السِّتَّة راوٍ اسمُه فُليحٌ سواه، فهو فردٌ في السِّتَّة.

قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ): تقدَّم أنَّه بالضاد المعجمة، وأنَّه لا يحتاج [إلى] تقييدٍ؛ لما قدَّمتُه، واسمه سالم بن أميَّة، والله أعلم.

قوله: (عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ [1] ،عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ): كذا في الأصل الذي سمعت فيه على العراقيِّ، وكذا في أصلنا الدِّمشقيِّ، وقال الدِّمياطيُّ: (صوابه: عن عبيد بن حنين، وبسر بن سعيد؛ بواو العطف، كذا ذكره خلف الواسطيُّ) ، قال شيخنا العراقيُّ: (سقط عند أبي ذرٍّ: بسر [2] بن سعيد) ، وضرب أيضًا عليه الحافظ أبو سعد السمعانيُّ في أصله، وهو ثابت في أكثر النسخ، قال الحافظ أبو عليٍّ الغسَّانيُّ: (روى فُليح عن أبي النضر عن عبيد بن حنين عن بسر، وعن عبيدٍ وبُسْر؛ بواو العطف، وعن أبي النضر [3] عن بُسْر؛ عن أبي سعيدٍ؛ بإسقاط «عبيد بن حنين») ، قال: (وكلٌّ صواب، لعلَّ [4] [-كذا في كلام العراقيِّ، وأمَّا الغسَّانيُّ؛ فلفظه: ولعلَّ؛ بالواو-] [5] فُليحًا [6] كان يُحَدِّث به [7] مرَّة عن عبيد، ومرَّة عن بُسْر، ومرَّة يجمعهما) ، انتهى، وقد راجعت «تقييد المهمل» فوجدته كذلك، غير أنَّه لخَّصه [8] منه، ثمَّ قال بعد قوله: (وكلٌّ صواب): والحديث محفوظ لسالم [9] أبي النضر عن عبيد بن حنين وبسر بن سعيد؛ جميعًا عن أبي سعيد الخدريِّ، ثمَّ ساق سندَه بذلك، وقال المِزِّيُّ في «أطرافه» في (مسند أبي سعيدٍ الخدريِّ) في رواية عبيد بن حنين عنه وقد ساق طرقه: وفي رواية الفربريِّ [10] عن البخاريِّ، عن مُحَمَّد بن سنان، عن فليح، عن أبي النضر، عن عبيد بن حنين، عن بسر بن سعيد، عن أبي سعيد، [وقال: (الرواية هكذا في «كتاب البخاريِّ»: عن بسر [11] بن سعيد] [12] ، وقد ضُرِب عليه) ، انتهى.

قوله: (عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ): هو بضمِّ المُوَحَّدة، ثمَّ سين مهملة.

فائدةٌ هي قاعدةٌ: اعلم أنَّ كلَّ ما في «الصحيحين» و«المُوطَّأ» (بشر) [13] ؛ بكسر المُوَحَّدة، وبالشين المعجمة، إلَّا أربعة أسماء، فهي (بُسْر) ؛ بالمُوَحَّدة المضمومة، وبالسين المهملة؛ أوَّلهم: بُسْر بن سعيد، الذي نحن فيه [14] ، والثاني: بُسْر المازنيُّ والد عبد الله بن بُسْر، وبُسْر بن عبيد الله الحضرميُّ، وبُسْر بن محجن الديليُّ، وقد اختُلِف في هذا الرابع، فذهب مالك والجمهور: إلى أنَّه بالمهملة، وقال الثَّوريُّ: بالمعجمة، وقال الدَّارقطنيُّ: (إنَّ الثَّوريَّ رجع عنه فيما يقال) ، وابن محجن: حديثه في «المُوطَّأ» فقط، وليس له في «البخاريِّ» و«مسلم» شيء، وأيضًا بُسْر المازنيُّ ليس له في «البخاريِّ» و«مسلم» شيءٌ؛ ولذا لم يذكره ابن الصلاح، وقد غلط المِزِّيُّ في «تهذيبه» فيه، إنَّما ذكر [15] مسلم عبدَ الله ابنَه، والله أعلم.

قوله: (يُبْكِي هَذَا الشَّيْخَ): (يُبكِي): بضمِّ أوَّله، رباعيٌّ، و (الشيخ): منصوب مفعول، وهذا ظاهرٌ.

قوله: (إِنْ يَكُنِ اللهُ): قال شيخنا الشَّارح: (قال ابن التِّين: رُوِّيناه بكسر الهمزة على الشرط، ويصحُّ فتحها، ويكون منصوبًا بـ«أنْ»، فيكون المعنى: ما يبكيه لأجل أن يكون الله خيَّر عبدًا؟!) ، انتهى.

قوله: (هُوَ الْعَبْدَ): بالنصب، وهو مثل قوله تعالى: {إِن كَانَ هَذَا هُوَ الحَقَّ} [الأنفال: 32] ، ويجوز رفعه.

قوله: (أَعْلَمَنَا): بالنصب ليس غيرُ، خبرٌ.

قوله: (إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ): أي: أجود وأكثر وأكرم [16] تفضُّلًا، وليس من المَنِّ المذموم؛ الذي هو اعتداد الصنيعة على المعطَى، ذاك حرامٌ ومُبطِل [17] .

قوله: (وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الإِسْلاَمِ): قال ابن قرقول: («ولكن أُخُوَّة الإسلام»، وعند العذريِّ [18] خاصَّة: «خُوَّة الإسلام»، وفي حديث الخوخة في المسجد للجُلوديِّ [19] والمروزيِّ: «أخوَّة»، وعند النَّسفيِّ: «خُلَّة») ، وقال في (باب الهمزة): (وقال [20] نفطويه: إذا كانت الأخوَّة من غير ولادة؛ فهي بمعنى المشابهة) ، انتهى، [وسأذكر في (مناقب الصِّدِّيق) ما ذكره شيخنا فيه غيره] [21] .

قوله: (إِلاَّ بَابَ أَبِي بَكْرٍ): (بابَ): منصوبٌ على الاستثناء.

تنبيهٌ: سيأتي الكلام على الأحاديث التي فيها: «إلَّا بابَ عليٍّ» في (المناقب) في (فضل أبي بكر) .

[1] في هامش (ق): (حاشية: على الأصل المسموع على الحافظ أبي ذرٍّ: صوابه: عن عبيد بن حنين، عن أبي سعيد، وقال الفربريُّ: الرواية هكذا، وفي كتاب البخاريّ: عن بسر بن سعيد، وهو مضروب عليه) .
[2] في (ج): (عند أبي إدريس) ، وهو تحريف من المثبت.
[3] زيد في (ج): (عن أبي النضر) ، وهو تكرار، وضرب عليها في (أ) .
[4] في (ب) و (ج): (ولعلَّ) .
[5] ما بين معقوفين سقط من (ب) و (ج) .
[6] زيد في (ب): (ما) ، ولا يصحُّ.
[7] زيد في (ب): (شخصه منه) ، وهو سبق نظر.
[8] في (ب): (يخصه) .
[9] في (ب) و (ج): (بسالم) ، وهو تحريف.
[10] في (ج): (للفربري) .
[11] في (ب): (يونس) ، وهو خطأ.
[12] ما بين معقوفين سقط من (ج) .
[13] (بشر): سقط من (ب) .
[14] (الذي نحن فيه): سقط من (ج) .
[15] في (ج): (ذكره) .
[16] في (ج): (وألزم) .
[17] (مبطل): سقط من (ب) .
[18] في (ج): (القدري) ، وهو تحريف.
[19] في (ج): (للجلمودي) ، وهو تحريف.
[20] في (ب): (قال) .
[21] ما بين معقوفين سقط من (ج) .





466- (إِنْ يَكُن): شرطٌ جزاؤُهُ محذوفٌ يدُلُّ عليه السِّياقُ، أو (إِنْ) هو بمعنى: إِذْ، وفي بعضِها: (أَنْ) ؛ بفتحِ الهمزةِ.

إنْ قلتَ: لِمَ جُزِمَ؟

قلتُ: قال المالكيُّ في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَنْ تُرَعْ، لَنْ تُرَعْ»: (فيه إشكالٌ ظاهرٌ؛ لأنَّ «لَنْ» يجبُ انتصابُ الفعلِ بعدَها، وقد وليَها في هذا الكلامِ بصورةِ الجَزْمِ، والوجهُ فيه أنْ يُقالَ: سَكَّنَ عينَ «تُرَاعْ» للوقفِ، ثمَّ شَبَّهَهُ [1] بسكونِ الجَزْمِ؛ فحَذَفَ الألفَ قبلَه كما تُحذَفُ قبلَ سكونِ المجزومِ، ثمَّ أَجرى الوصلَ مُجرى الوقفِ)، فيوجَّه فيما نحنُ فيه مثلَه، انتهى.

وقال ابنُ التِّينِ: (رويناه بكسرِ همزةِ «إِنْ» على أنَّه شرطٌ، ويصحُّ فتحُها، ويكونُ [«يكن»] منصوبًا بـ«أنْ»؛ فيكونُ المعنى: ما يُبكيه؛ لأجلِ أن يكونَ اللهُ تعالى خيَّر عبدًا؟).

(هُوَ الْعَبْدَ): بالنَّصبِ خبر (كَانَ)، ويجوزُ الرَّفعُ، وسيأتي توجيهُه.

وقد قرأَ العامَّةُ قولَه تعالى: {اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الحَقَّ} [الأنفال: 33] ؛ بنصبِ {الحقَّ}، وهو خبرُ الكونِ، و{هُوَ} فصلٌ.

وقال الأخفشُ: {هُوَ} زائدةٌ، ومرادُه ما تقدَّم مِن كونِها فَصْلًا.

وقرأَ الأعمشُ وزيدُ بنُ عليٍّ برفعِ {الحقُّ}، ووجْهُه ظاهرٌ؛ برفعِ {هُوَ} بالابتداءِ، و{الحَقُّ}: خبرُه، والجملةُ خبرُ الكونِ؛ كقولِ الشاعرِ: [من الطويل]

~ تَحِنُّ إِلَى لَيْلَى وَأَنْتَ تَرَكْتَهَا وَكُنْتَ عَلَيْهَا بِالمَلَا أَنْتَ قَادِرُ وهي لغةُ تميمٍ.

وقالَ ابنُ عطيَّة: (ويجوزُ في العربيَّةِ رفعُ {الحَقُّ} على خبرِ {هُوَ}، والجملةُ خبرٌ لـ{كَانَ}).

وقال الزَّجَّاجُ: (ولا أعلمُ أحدًا قَرَأَ بهذا الجائزِ).

قال السَّمينُ: (قلتُ: قد ظهرَ مَنْ قَرَأَ به [2] ، وهما رجلانِ جليلانِ).

(أَعْلَمَنَا): خبرُ (كَانَ).

(لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا): (اتَّخَذَ): يتعدَّى إلى مفعولينِ؛ أحدُهما بحرفِ الجرِّ، فيكونُ بمعنى: اختارَ واصطفى، وهنا سكتَ عن أحدِ مفعوليها، وهو الَّذي دخلَ عليه حرفُ الجرِّ؛ فكأنَّه قال: لو كنتُ متَّخذًا مِنَ النَّاسِ خليلًا؛ لاتَّخذْتُ منهم أبا بكرٍ، وقد يتعدَّى (اتَّخَذَ) لأحدِ المفعولينِ بحرفِ الجرِّ، وقد يتعدَّى[/ص51/] لمفعولٍ واحدٍ، وكلُّ ذلك في القرآنِ.

(وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ): وللأصيليِّ: (خُوَّةُ) ؛ بحذفِ الهمزةِ، توجيهُهُ أنْ يُقال: نُقِلَتْ حركةُ الهمزةِ إلى النُّونِ، وحُذِفتِ الهمزةُ؛ فصار: ( [وَلَكِنُ] خُوَّةُ)، فعَرَضَ بعدَ ذلكَ استثقالُ ضمَّةٍ بينَ كسرةٍ وضمَّةٍ، فسُكِّنَتِ النُّونُ تخفيفًا؛ فصارَ: (وَلَكِنْ خُوَّةُ)، وسكونُ النُّونِ بعدَ هذا العملِ غيرُ سكونِه الأصليِّ.

قال المالكيُّ: (الحاصلُ فيه ثلاثة: سكون النُّون وثبوت الهمزة بعدها مضمومة، وضمُّ النُّون وحذفُ الهمزة، وسكون النُّون وحذف الهمزة؛ فالأوَّل: أصل، والثَّاني: فرع، والثَّالث: فرع فرع)، و (أُخُوَّةُ): مبتدأٌ، وخبرُه محذوفٌ؛ وهو (أفضلُ)، انتهى.

وقال ابنُ التِّين: (رويناهُ بغيرِ همزةٍ، ولا أصلَ لهذا).

وقال ابنُ بطَّالٍ: (ولا أعرفُ معناهُ).

(يَبْقَيَنَّ): بالنُّونِ المشدَّدةِ.

(إِلَّا سُدَّ): إنْ قلتَ: الفعلُ ههنا وَقَعَ مستثنًى ومستثنًى منه، فكيف ذلك؟

قلتُ: التَّقديرُ: إِلَّا بابًا سُدَّ، و (البابُ) الموصوفُ المحذوفُ هو المستثنى أوَّلًا، والمستثنى منه ثانيًا، أو هو مستثنًى مفرَّغٌ؛ تقديرُه: لا يَبْقَينَّ بابٌ بوجهٍ مِنَ الوُجوهِ إِلَّا بوجهِ السَّدِّ إِلَّا بابه، وحاصلُه: لا يَبقينَّ بابٌ غيرُ مسدودٍ إلَّا بابه، والله أعلم.

(إِلَّا بَاب): قال والدي رحمه الله: (منصوبٌ على الاستثناءِ) انتهى كلامُه هنا.

وقال في (مناقبِ أبي بكرٍ): (يجوزُ فيه النَّصبُ والرَّفعُ، وهما ظاهرانِ) انتهى.

وقال الزَّركشيُّ: (بالنَّصب والرَّفع).

واعلم أنَّه إنْ كانَ الكلامُ غيرَ موجَبٍ؛ فإنْ كانَ الاستثناءُ متَّصلًا؛ فالأرجحُ إتْبَاعُ المستثنى للمستثنى منه بدلَ بعضٍ عندَ البصريِّينَ، وعطفَ نَسَقٍ عندَ الكوفيِّينَ؛ نحو: {مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُم} [النساء: 66] ، {وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتُكَ} [هود: 81] ، {وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّه إِلَّا الضَّالُّونَ} [الحجر: 56] ، والنَّصبُ عربيٌّ جيِّدٌ، وقد قُرِئَ به في السَّبعِ في: {قَلِيلٌ}، و{امْرَأَتُكَ}، والله أعلم.

[1] في النسختين: (شبه).
[2] في (ب): (بهما).





466- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ) بكسر السِّين المُهمَلة ثمَّ نونين، بينهما ألفٌ (قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ) بضمِّ الفاء وفتح اللَّام، آخره حاءٌ مُهمَلةٌ، ابن سليمان (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ) بفتح النُّون وسكون المُعجَمة، سالم بن أبي أميَّة (عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ) بضمِّ العين والحاء المُهمَلتين فيهما، وفتح النُّون في الثَّاني، مُصغَّرين، المدنيِّ (عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ) بضمِّ المُوحَّدة وإسكان المُهمَلة وكسر العين في الثَّاني، المدنيِّ العابد، مولى ابن الحضرميِّ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: ((عن أبي زيدٍ عن عبيد بن حنينٍ عن أبي سعيدٍ الخدريِّ))، فأسقطا [1] : ((بسر بن سعيدٍ))، وكذا وُجِد تصويبه على الأصل المسموع على الحافظ أبي ذَرٍّ، وأنَّ الفربريَّ قال: إنَّ الرِّواية هكذا؛ أي: بإسقاطه، ونقل ابن السَّكن عن الفربريِّ عن البخاريِّ أنَّه قال: هكذا حدَّث به محمَّد بن سنانٍ عن فليحٍ، وهو خطأٌ، وإنَّما هو عن عُبَيْد بن حُنَيْنٍ، وعن بسر بن سعيدٍ، يعني: بواو العطف، قال الحافظ ابن حجرٍ: فعلى هذا يكون أبو النَّضر سمعه من شيخين، حدَّثه كلٌّ منهما به عن أبي سعيدٍ، فحذف العاطف خطأٌ من محمَّد بن سنانٍ أو من فُلَيْحٍ، وحينئذٍ فانتقاد الدَّارقُطنيِّ على المؤلِّف هذا الحديث مع إفصاحه بما ذكر لا وجه له، وليست هذه بعلَّةٍ قادحةٍ، والله أعلم. (قَالَ: خَطَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: (إِنَّ اللهَ سبحانه خَيَّرَ عَبْدًا) من التَّخيير (بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ)؛ أي: عند الله في الآخرة (فَاخْتَارَ) العبد (مَا عِنْدَ اللهِ) سقط عند الأَصيليِّ وابن عساكر قوله: ((فاختار ما عند الله))، وضُرِبَ عليه عند أبي الوقت (فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) وللأَصيليِّ: ((أبو بكر الصِّدِّيق))، قال أبو سعيدٍ: (فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: مَا يُبْكِي هَذَا الشَّيْخَ؟) نُصِبَ على المفعوليَّة، وكلمة «ما»: استفهاميَّةٌ (إِنْ يَكُنِ اللهُ خَيَّرَ عَبْدًا) كذا في رواية الأكثرين [2] ، وهو بكسر همزة «إن» الشَّرطية، و«يكن»: فعل الشَّرط [3] مجزومٌ، كُسِرَ؛ لالتقاء الساكنين؛ أي: أيُّ شيءٍ يبكيه من كون الله خيَّر عبدًا؟ وللكُشْمِيْهَنِيِّ من غير «اليونينيَّة»: ((إن يكن لله عبدٌ خُيِّر))؛ بكسر «إن»، و«يكن»: مجزومٌ به كذلك، و«عبدٌ»: مُبتدَأٌ [4] ، وخبره «لله» مُقدَّمًا، و«خُيِّر»: بضمِّ الخاء مبنيًّا للمفعول في موضع رفعٍ، صفةٌ لـ: «عبدٌ»، وفي بعض النُّسخ _كما في «اللَّامع»_: ((أن))؛ بالفتح، وجعله الزَّركشيُّ من تجويز السَّفاقسيِّ؛ أي: لأجل أن، لكن يشكل الجزم حينئذٍ في «يكن»، وأجاب ابن مالكٍ: بأنَّه [5] يُقال فيه ما قِيلَ في حديث: «لن تُرَعْ» [6] ، فإنَّه سُكِّن مع النَّاصب _وهو «لن»_ للوقف، فأشبه المجزوم، فحُذِفت [7] الألف، كما تُحذَف في المجزوم، ثمَّ أجرى الوصل مجرى الوقف. انتهى. والجزاء محذوفٌ يدلُّ عليه السِّياق، وفيه ورود الشَّرط مضارعًا مع حذف الجزاء، أو [8] الجزاء قوله: «فاختار»، وفي «اليونينيَّة» من غير علامةٍ: ((أن يكون عبدًا خُيِّر)) [9] (بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ) تعالى (فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللهِ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْعَبْدَ) المُخيَّر، وسقط قوله: ((فاختار ما عند الله)) للأَصيليِّ وابن عساكر، وضرب عليه أبو الوقت (وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق رضي الله عنه (أَعْلَمَنَا) حيث فَهِمَ أنَّه _رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم_ يفارق الدُّنيا، فبكى حزنًا [/ج1ص453/] على فراقه، وعبَّر بقوله: «عبدًا»؛ بالتَّنكير؛ ليظهر نباهة أهل العرفان [10] في تفسير هذا المُبهَم، فلم يفهم المقصود غير صاحبه الخصيص به، فبكى وقال: بل نفديك بأموالنا وأولادنا، فسكَّن الرَّسول صلى الله عليه وسلم جزعه (فقَالَ) ولغير الأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((قال)): (يَا أَبَا بَكْرٍ، لَا تَبْكِ) ثمَّ خصَّه بالخصوصيَّة العظمى فقال: (إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبُو بَكْرٍ) بفتح الهمزة والميم وتشديد النُّون، من أَمَنَّ؛ أي: أكثرهم جودًا بنفسه وماله، أي: بلا استثابةٍ [11] ، ولم يُرِد به [12] المنَّة؛ لأنَّها تفسد الصَّنيعة [13] ، ولأنَّه لا منَّة لأحدٍ [14] عليه _عليه الصَّلاة والسَّلام_، بل منَّته والله على جميع الخلائق [15] ، وقال القرطبيُّ: هو من الامتنان؛ يعني: أنَّ أبا بكرٍ رضي الله عنه له من الحقوق ما لو كان لغيره؛ لامتنَّ بها، وذلك؛ لأنَّه بادر بالتَّصديق ونفقة الأموال، وبالمُلازَمة والمُصاحَبة [16] ، إلى غير ذلك؛ بانشراح صدرٍ ورسوخ علمٍ؛ بأنَّ الله ورسوله لهما المنَّة في ذلك، لكنَّ الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام بجميل أخلاقه وكرم أعراقه [17] اعترف بذلك؛ عملًا بشكر المنعم، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند التِّرمذيِّ مرفوعًا: «ما لأحدٍ عندنا يدٌ إِلَّا كافأناه، ما خلا أبا بكرٍ، فإنَّ [18] له _واللهِ_ عندنا يدًا يكافئه الله بها يوم القيامة»، (وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا)؛ أي: أختار وأصطفي (مِنْ أُمَّتِي) كذا للأربعة، ولغيرهم: ((ولو كنت متَّخذًا من أمَّتي خليلًا))؛ (لَاتَّخَذْتُ) منهم (أَبَا بَكْرٍ)؛ لكونه متأهِّلًا لأن يتَّخذه عليه الصَّلاة والسَّلام خليلًا، لولا المانع، وهو أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام امتلأ قلبه بما تخلَّله من معرفة الله تعالى ومحبَّته ومُراقَبته، حتَّى كأنَّها مُزِجَت أجزاء قلبه بذلك، فلم يتَّسع قلبه لخلَّةٍ غير الله عزَّ وجلَّ، وعلى هذا فلا يكون الخليل إِلَّا واحدًا، ومن لم ينتهِ إلى ذلك ممَّن تعلَّق القلب به؛ فهو حبيبٌ، ولذلك أثبت عليه الصَّلاة والسَّلام لأبي بكرٍ وعائشة رضي الله عنها أنَّهما أحبُّ النَّاس إليه، ونفى عنهما الخلَّة الّتي هي فوق المحبَّة، وللأَصيليِّ: ((لاتَّخذت أبا بكرٍ؛ يعني: خليلًا)) (وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الإِسْلَامِ) أفضل، وللأَصيليِّ: ((ولكن خُوَّة الإسلام))؛ بحذف الهمزة، ونقل حركة الهمزة إلى النُّون وحذف [19] الهمزة، فتُضَمُّ فيُنطَق [20] بها كذلك، ويجوز تسكينها تخفيفًا، فتحصَّل فيها [21] ثلاثة أوجهٍ: سكون النُّون مع ثبوت الهمزة على الأصل، ونقل ضمَّة الهمزة للسَّاكن قبلها وهو النُّون، والثَّالثة كذلك، لكن استُثِقلت ضمَّةٌ بين كسرةٍ وضمَّةٍ؛ فسكنت تخفيفًا، فهذه فرع الفرع، انتهى. (وَمَوَدَّتُهُ)؛ أي: مودَّة الإسلام، وهي بمعنى الخلَّة، والفرق بينهما باعتبار المُتعلَّق، فالمُثبَتة ما كان [22] بحسب الإسلام، والمنفيَّة بجهةٍ أخرى، يدلُّ عليه قوله في الحديث الآخر: «ولكن خلَّة الإسلام أفضل»، والمودَّة الإسلاميَّة متفاوتةٌ بحسب التَّفاوت في إعلاء كلمة الله تعالى، وتحصيل كثرة الثَّواب، ولا ريب أنَّ الصِّدِّيق رضي الله عنه كان أفضل الصَّحابة رضي الله عنهم من هذه الحيثيَّة (لَا يَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ بَابٌ) بالبناء للفاعل، والنُّون مُشدَّدةٌ؛ للتَّأكيد، و«بابٌ» رُفِع على الفاعليَّة، والنَّهيُ راجعٌ إلى المُكلَّفين [23] لا إلى «الباب»، فكنَّى بعدم البقاء عن عدم الإبقاء؛ لأنَّه لازمٌ له، كأنَّه قال [24] : لا يبقيه أحدٌ حتَّى لا يبقى، وفي بعض النُّسخ [25] : ((لا يُبقيَنَّ))؛ مبنيًّا للمفعول، فلفظ «بابٌ» نائبٌ عن الفاعل؛ أي: لا يُبْقِ أحدٌ في المسجد بابًا (إِلَّا) بابًا (سُدَّ) بحذف المُستثنَى الُمقدَّر بـ: «بابًا»، والفعل صفته، وحينئذٍ فلا يُقال: الفعل وقع مُستثنًى ومُستثنًى منه، ثمَّ استثنى من هذا فقال: (إِلَّا بَاب أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق رضي الله عنه؛ بنصب «بابٍ» على الاستثناء، أو برفعه على البدل، وفيه دلالةٌ على الخصوصيَّة لأبي بكرٍ الصِّدِّيق رضي الله عنه بالخلافة بعده عليه الصَّلاة والسَّلام والإمامة دون سائر النَّاس، فأبقى خوخته دون خوخة [26] غيره، وهو يدلُّ على أنَّه يخرج منها إلى المسجد دون غيره [27] للصَّلاة، كذا قرَّره ابن المُنَيِّر، وعُورِض بما في «التِّرمذيِّ» من حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «سدُّوا الأبواب إلَّا باب عليٍّ»، وأُجيب: بأنَّ التِّرمذيَّ قال: إنَّه غريبٌ، وقال ابن عساكر: إنَّه وهمٌ، لكن للحديث طرقٌ يقوِّي بعضها بعضًا، بل قال الحافظ ابن حجرٍ في بعضها: إسناده قويٌّ، وفي بعضها: رجاله ثقاتٌ، وفيه: أنَّ المساجد تُصان عن تطرُّق النَّاس إليها في خوخاتٍ ونحوها، إِلَّا من أبوابها إِلَّا لحاجةٍ مهمَّةٍ، وسيكون لنا عودةٌ _إن شاء الله تعالى_ إلى ما [28] في ذلك من البحث في الفضائل.

وفي الحديث التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف في «فضل أبي بكرٍ رضي الله عنه» [خ¦3654] ، ومسلمٌ في «الفضائل».

[1] في (د): «بإسقاط».
[2] في (م): «كثيرين».
[3] في هامش (ص): «قوله: «ويكن فعل الشَّرط»، قال الكرمانيُّ: وجوابه محذوفٌ يدلُّ عليه السِّياق، انتهى. وتقديره: أي: فلم يكن. انتهى. عجمي، كما نبَّه عليه الشَّارح بعد ذلك بأسطرٍ. انتهى».
[4] في هامش (ص): «قوله: «وعبدٌ: مُبتدَأٌ»؛ أي: في الأصل، وإلَّا؛ فهو اسم «يكن»، و«له»: خبرها. انتهى. عجمي».
[5] في (ب) و(س): «بأن».
[6] في هامش (ص): «قوله: «لن تُرَع»: مبنيٌّ للمفعول؛ أي: لا روع عليك؛ أي: لا فزع ولا خوف. انتهى. وقوله: «سكن مع النَّاصبة، وهو لن...» إلى آخره: قال ابن مالكٍ: ويجوز أن يكون السُّكون سكون جزمٍ على لغة من يجزم بـ: «لن»، وهي لغةٌ حكاها الكسائيُّ. انتهى. عجمي».
[7] في (ص): «فحذف».
[8] في (د): «و».
[9] في هامش (ص): «قوله: «أن يكون عبدًا خُيِّر»، كذا في نسخٍ، وعبارة الدَّمامينيِّ وقع في بعض النُّسخ: أن يكون الله خَيَّر عبدًا، وإن يكن الله عبدًا خُيِّر؛ بتقديم المفعول مع كسر «إنَّ» وفتحها. انتهى».
[10] في (م): «الزَّمان»، وفي هامش (ص): «قوله: «نباهة أهل العرفان»، قال في «المصباح»: النَّباهة: مصدر «نَبُه»؛ بالضَّمِّ، فهو نبيهٌ؛ أي: شريفٌ، وفي «القاموس»: النُّبه: بالضَّمِّ: الفطنة. انتهى».
[11] في هامش (ص): «قوله: «بلا استثابةٍ»؛ أي: بلا أخذ ثوابٍ عليه، وهو بالمُثلَّثة؛ كما في قوله تعالى: {وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} [المدَّثر: 6] ؛ أي: لا تعطِ لتأخذ أكثر ممَّا أعطيت، انتهى. عجمي».
[12] «به»: ليس في (ص).
[13] في (م): «الصَّنعة».
[14] في (د) و(م): «ليس لأحد».
[15] في (د) و(م): «الخلق».
[16] في غير (ص) و(م): «بالمصاحبة».
[17] في (م): «أعرافه».
[18] زيد في (م): «والله»، وليست في «سنن التِّرمذيِّ» (3661).
[19] في (د) و(م): «بحذف».
[20] في (ب) و(د): «لينطق»، وفي (م): «للنُّطق».
[21] في (ص): «منها».
[22] في (د) و(ص): «كانت».
[23] في (ص): «للمُكلَّفين».
[24] «قال»: سقط من (د).
[25] في غير (د) و(م): «وفي نسخة».
[26] «خوخة»: سقط من (د) و(م).
[27] «دون غيره»: مثبتٌ من (د) و(م).
[28] في (د): «لِما».





466- ( عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ ): سقط هذا للأصيليِّ، فصار: عن عبيد بن حنين، عن أبي سعيد، وهو صحيح في نفس الأمر، لكن محمَّد بن سنان إنَّما حدَّث به بإثباته، فقد نقل ابن السَّكن عن الفربريِّ، عن البخاريِّ أنَّه قال: هكذا حدَّث به محمَّد بن سنان، وهو خطأ، إنَّما هو عن عبيد بن حنين، وعن بسر بن سعيد بواو العطف، سمعه منهما أبو النَّضر.

( إِنْ يَكُنِ اللهُ خَيَّرَ عَبْدًا ): للكُشْمِيهنيِّ: «إن يكن لله عبد خُيَّر».

( إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ ): أي: أكثرهم جودًا لنا بنفسه وماله، وليس من المنِّ الذي هو الاعتداد بالصَّنيعة؛ لأنَّ المنَّة لله ورسوله في قبول ذلك.

( وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الإِسْلاَمِ ): للأصيليِّ: «ولكن خوَّة» بحذف الهمزة، ونقل حركتها إلى النُّون وضمِّ نون لكن، وخبر هذه الجملة محذوف، أي: أفضل.[/ج2ص538/]

( إِلاَّ بَابُ أَبِي بَكْرٍ ): للكُشْمِيهنيِّ: «غير باب» وفيه إشارة إلى استخلافه.


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

466- وبالسند إلى المؤلف قال: ((حدثنا محمَّد بن سِنان)) بكسر السين المهملة، ثم نونين، بينهما ألف ((قال: حدثنا فُلَيْح)) ؛ بِضَمِّ الفاء، وفتح اللَّام، وسكون التحتية، آخره حاء مهملة، ذكره بلقبه؛ لشهرته به، وإلا؛ فاسمه عبد الملك بن سليمان ((قال: حدثنا أبو النَّضْر)) ؛ بفتح النُّون، وسكون الضَّاد المعجمة، ذكره بكنيته؛ لشهرته به، وإلا؛ فاسمه سالم بن أبي أمية، ((عن عُبيد بن حنين)) بِضَمِّ العين المهملة، مصغر العبد، ضد الحر، و (حُنَيْن) : بِضَمِّ الحاء المهملة، وفتح النُّون، وسكون التحتية، آخره نون، هو أبو عبد الله المدني، المتوفى بالمدينة سنة مئة وخمس، ((عن بُسْر)) بِضَمِّ الموحَّدة، وسكون المهملة، آخره راء ((ابن سَعِيد)) بكسر العين المهملة، المدني الزاهد، المتوفى بالمدينة سنة مئة، ((عن أبي سعيد)) هو سعد بن مالك ((الخدري)) الصَّحابي الجليل رضي الله عنه، هكذا في أكثر الروايات، وفي رواية الأصيلي وأبي ذر: (عن عُبيد بن حُنَيْن، عن أبي سعيد) ؛ بإسقاط (بُسْر) .

وقال الكرماني: (وقع في بعض النُّسخ: «عن عُبيد بن حُنَيْن، عن أبي سعيد»، وفي بعضها: «عن بُسْر بن سعيد، عن أبي سعيد»، وفي بعضها: «عن عُبيد وعن بُسْر، عن أبي سعيد»؛ بالجمع بينهما بواو العطف، وفي بعضها: «عن عُبيد، عن بُسْر، عن أبي سعيد»؛ بدون الواو بينهما) انتهى.

قال إمام الشَّارحين: قال ابن السكن عن الفربري: قال محمَّد بن إسماعيل: هكذا رواه محمَّد بن سِنان، عن فليح، عن أبي النَّضْر، عن عُبيد، عن بُسْر، عن أبي سَعِيد، وهو خطأ، وإنما هو عن عُبيد بن حُنَيْن وعن بُسْر بن سعيد [1] ؛ يعني: بواو العطف، وكذا خرجه مسلم: عن سعيد بن منصور، عن فُلَيح، عن أبي النَّضْر، عن عُبيد وبُسْر، عن أبي سعيد، ورواه عن فُلَيح كرواية سعيد بن يونس بن محمَّد عند ابن أبي شيبة، ورواية أبي زيد المروزي في «صحيح البخاري»: حدثنا محمَّد بن سِنان: حدثنا فُلَيح: حدثنا أبو النَّضْر، عن عُبيد، عن أبي سعيد، ورواه البخاري في (فضل أبي بكر) : عن عبيد الله بن محمَّد، عن ابن عامر: حدثنا فُلَيح: حدثنا سالم، عن بُسْر بن سعيد، عن أبي سعيد، وفي (هجرة النَّبي صلى الله عليه وسلم) : عن إسماعيل بن عبد الله: حدثني مالك، عن أبي النَّضْر، عن عُبيد بن حُنَيْن، عن أبي سعيد بلفظ: «أن يؤتيه الله من زهرة الدنيا ما شاء»، وفيه: (فبكى أبو بكر، وقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا) ، وكذا رواه عن مالك عبد الله بن مسلمة، وابن وهب، ومعن، ومطرف، وإبراهيم بن طهمان، ومحمَّد بن الحسن، وعبد العزيز بن يحيى، قال الدارقطني: (لم أره في «الموطأ» إلا في كتاب «الجامع» للقعنبي، ولم يذكره في «الموطأ» غيره، ومن تابعه؛ فإنما رواه في غير «الموطأ») .

قال إمام الشَّارحين: وكأنَّ هذا الاختلاف إنَّما أتى من فُلَيح؛ لأنَّ الحديث حديثه وعليه يدور، وهو عند بعضهم هو لين الرواية، وحاصل الكلام: أنَّ فُلَيحًا كان يروي تارة عن عُبيد وعن بسر كليهما، وتارة يقتصر على أحدهما، والخطأ من محمَّد بن سِنان؛ حيث حذف الواو العاطفة.

وعلى هذا؛ فانتقاد الدارقطني عليه هذا الحديث بقوله: (رواية من رواه عن أبي النَّضْر، عن عُبيد، عن بُسْر غير محفوظة) ؛ لا وجه له مع إفصاحه بما ذكره؛ إذ ليست هذه بعلة قادحة؛ فليحفظ.

((قال)) أي: أبو سعيد الخدري: ((خطب النَّبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم)) ؛ أي: في مرضه الذي توفي فيه، كما يفيده حديث ابن عبَّاس الآتي، ((فقال)) أي: النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم في خطبته: ((إنَّ الله)) سبحانه وتعالى ((خيَّر)) ماضي التخيير ((عبدًا)) ؛ أي: فوض إليه الخيار بين الشيئين، وإنَّما ذكره منكرًا للإبهام على السامعين؛ ليظهر فهم[/ص668/] أهل المعرفة، ونباهة أصحاب الشرف، وإلا؛ فهو عليه السَّلام العبد المخيَّر ((بين الدنيا)) ؛ أي: البقاء فيها إلى وقت يعلمه، وسميت دنيا؛ لدنوها وقربها من الزوال ((وبين ما عنده)) ؛ أي: عند الله؛ وهو الدار الآخرة وما أعد له فيها من النعيم المقيم، وسميت آخرة؛ لتأخرها عن الدنيا، أو لعدم زوالها، فهي آخرة حقيقة.

وقوله: ((فاختار)) أي: العبد المخيَّر ((ما)) أي: الذي ((عند الله)) ؛ أي: من النعيم الدائم، ساقط عند الأصيلي وابن عساكر، وضرب عليه أبو الوقت، ((فبكى أبو بكر)) زاد الأصيلي: (الصديق) ؛ أي الأكبر رضي الله عنه، والفاء للسببية.

وقوله: ((فقلت في نفسي)) ... إلى قوله: (أعلمنا) من كلام أبي سعيد الخدري: ((ما يبكي)) كلمة (ما) استفهامية مبتدأ، وقوله: ((هذا الشيخ)) ؛ يعني: أبا بكر الصديق، منصوب على المفعولية، وما بعده بالتبعية، و (يبكي) : من الإبكاء لا من البكاء؛ لأنَّ بكيته؛ بمعنى: بكيت عليه، وهنا المعنى: أي شيء يجعل هذا الشيخ باكيًا؛ فافهم.

وقوله: ((إنْ يكنِ اللهُ خيَّرَ عبدًا؟)) قيد للاستفهام؛ أي: إن كان الله خيَّر بعض عباده بين ما ذكر، وهذا رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهني: (إنْ يكنْ لله عبدٌ خُيِّر) .

قال إمام الشَّارحين: (وإعراب الأولى هو أنَّ «إن» بالكسر: شرطية، و«يكن»: فعل الشرط، وهو مجزوم، ولكنه لما اتصل بلفظ «الله»؛ كسر؛ لأنَّ الأصل في الساكن إذا حُرك؛ حُرك بالكسر، قال الكرماني: «والجزاء محذوف، يدل عليه السياق»، قلت: لا حاجة إلى هذا، بل الجزاء قوله: «فاختار ما عند الله») انتهى كلام [إمام] الشَّارحين.

واعترضه العجلوني، فزعم أنَّ فيه نظر؛ لأنَّه ليس المعنى عليه، انتهى.

قلت: واعتراضه ونظره مردودان عليه، بل المعنى عليه صحيح، ويدل عليه دخول الفاء، وهي لا تدخل إلا على الجزاء كما هنا؛ فافهم، ولا تغتر بهذه العصبية الزائدة.

ثم قال إمام الشَّارحين: (و«خَيَّر» على صيغة المعلوم من التخيير، و«عبدًا»: مفعوله، والضمير في «فاختار» يرجع إلى العبد، و«ما عند الله»: في محل النصب، مفعوله، وإعراب الرواية الثانية: هو أنَّ «إنْ» أيضًا: كلمة شرط، و«يكنْ»: مجزوم به، وقوله: «عبد»: مبتدأ، وخبره قوله: «لله» مقدمًا، وقوله: «خُيِّر» على صيغة المجهول في محل رفع؛ لأنَّه صفة لـ«عبد»، والجزاء هو قوله: «فاختار») انتهى.

قال العجلوني: (ولم يتعرض لاسم «يكن» أو فاعلها، ولعله ضمير الشأن، والمناسب جعل «عبد» مرفوع «يكن» تامة أو ناقصة، و«لله»: حال منه على جعلها تامة أو ناقصة، وجملة «خير» صفة لـ«عبد»، أو خبرًا لـ«يكن»؛ مثل قولك: إن يكن في الدار رجل قائمًا؛ فالأمر كذا؛ فتأمَّل) انتهى.

قلت: وهذا فيه تكلف وتعسف لا حاجة إليه.

وقوله: (ولم يتعرض لاسم «يكن»...) إلخ؛ ممنوع، فإنَّه قد صرح بأنَّ الجزاء قوله: (فاختار) ، ولهذا دخلته الفاء، وإذا وجد فعل الشرط وجزاؤه؛ لا حاجة إلى غيره؛ لأنَّه اسمها وفاعلها في الحقيقة.

وقوله: (ولعله ضمير الشأن) : كلام غير موجه؛ لأنَّ كلمة (إن) شرطية، فكيف تجعل للشأن؟! وهو خلاف القواعد.

وقوله: (والمناسب...) إلخ؛ ممنوع؛ لأنَّ فيه تكلفًا لا حاجة إليه، مع كونه غير موافق للمعنى المراد منه؛ فافهم.

وقال الدماميني: (ووقع في بعض النُّسخ: «أن يكون اللهُ عبدًا خيَّر»؛ بتقديم المفعول مع فتح «أن» وكسرها) .

وقال السفاقسي: (ويصح أن تكون الهمزة _يعني: همزة «إن»_ مفتوحة) ، قال ابن التين: (على أنَّها تعليلية) ، وقال إمام الشَّارحين: بأن [2] يكونمنصوبًا بـ (أن) ، ويكون المعنى: ما يبكيه لأجل أن يكون الله خيَّر عبدًا؟

قال ابن حجر: (وفيما قاله ابن التين نظر) ، ولم يذكر وجهه.

وردَّه إمام الشَّارحين فقال: (في نظره نظر؛ لأنَّ التعليل هنا لأجل فراقه عليه السَّلام، لا على كونه خُيِّر بين الدنيا وبين ما عنده) .

واعترضه العجلوني، فزعم بل النَّظر في نظره؛ لأنَّه علل بعكس ما قاله، انتهى.

قلت: هذا محاولة وخروج عن الظَّاهر؛ لأنَّه لم يذكر وجه النَّظر بل ذكره رجمًا بالغيب، وعلى فرض كون التعليل بالمعنى المذكور؛ إنَّما هو بحسب ظاهر الأمر، وإنما هو في الحقيقة لأجل الفراق، وهو يستلزم أن يكون خيِّر بين الأمرين، فما زعمه ليس في محله وإنما هو من تحريك عرق العصبية؛ فافهم.

واستشكل جزم (يكن) على فتح (أن) ، وأجاب الكرماني قياسًا على توجيه ابن مالك في حديث: (لن ترع) : بأنَّه أجرى الوصل مجرى الوقف، فسكن النُّون له، وحذف الواو؛ لالتقاء الساكنين.

وقال العجلوني: (يحتمل أنَّها جازمة؛ كقوله: تعالوا إلى أن يأتنا العيد) انتهى.

قلت: يحتمل كونها جازمة في الشعر للضرورة، ولا ضرورة ههنا، والذي يفهم من كلام إمام الشَّارحين: أنَّه على الفتح بالنصب لا غير؛ لأنَّه قال: بأن [3] يكون منصوبًا بـ (أن) كما ذكرنا عبارته، وظاهر اقتصاره على النصب أنَّه لا يجوز غيره وهو الرواية، واقتصار الكرماني على الجزم وتوجيهه قياسًا كما مر؛ غير ظاهر؛ لأنَّه قياس مع الفارق، والرواية لا تساعده، وعلى هذا فلا يلزم توجيه الجزم، ولا التعرض إليه؛ لأنَّه غير محتاج إليه؛ فافهم، ولا تغتر بعصبية العجلوني؛ لأنَّه قد تحرك عرقه؛ فافهم.

((بين الدنيا)) متعلق بقوله: (خيِّر) ((وبين ما عنده)) أي: الله تعالى من النعم الدائمة، ((فاختار ما عند الله، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو العبدَ)) ؛ أي: المخير بين الأمرين، و (العبدَ) : منصوب؛ لأنَّه تابع لاسم (كان) ، وهو الرواية.

وزعم العجلوني أنَّه يحتمل النصب والرفع، كما يحتمل (هو) المحل وعدمه، انتهى.

قلت: احتمال النصب مع احتمال المحل في (هو) هو الصَّواب؛ لأنَّه الرواية والمعنى عليه، وأمَّا الاحتمال الثاني؛ فبعيد؛ لأنَّ الرفع لا وجه له صحيح، وكون (هو) لا محل له بعيد أيضًا؛ لأنَّه يخل في المعنى، والرواية لا تساعد هذا؛ فليحفظ.

وسقط هنا أيضًا: (فاختار ما عند الله) للأصيلي وابن عساكر، وضرب عليه أبو الوقت.

((وكان أبو بكر)) أي: الصديق الأكبر رضي الله عنه ((أعلمنا)) أي: أكثرنا علمًا؛ حيث فهم أنَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبكى حزنًا على فراقه وقال: (بل نفديك بآبائنا وأموالنا وأولادنا) ، وإنما كان أبو بكر أعلم الصَّحابة؛ لأنَّه لم ينكر عليه أحد[/ص669/] ممن حضر من الصَّحابة حين قال أبو سعيد: (وكان أبو بكر أعلمنا) ، اختصه الشَّارع بالخصوصية العظمى، وأظهر أنَّ للصديق من الفضائل والحقوق ما لا يشاركه في ذلك مخلوق، ولهذا ((قال)) وللأصيلي وأبي ذر: (فقال) ؛ أي: النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم: ((يا أبا بكر؛ لا تَبك)) ؛ بفتح الفوقية؛ أي: على فراقي، وهذا أمر منه له بالصبر، وأعقبه بتسلية نفسه، وسكون روعه، وعلل ذلك بقوله: ((إنَّ أمنَّ الناس)) ؛ بنصب (أمنَّ) اسم (إنَّ) ، هكذا رواية الأكثرين، وفي رواية كما في «التنقيح»: (إنَّ من أمن الناس) على حذف اسمها والمجرور صفته؛ أي: رجلًا من أمن، وجوز الدماميني أن يكون على حد قوله عليه السَّلام: «إنَّ من أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون»، فأمَّا (من) زائدة في الإيجاب والتعريف على رأي الأخفش، وأمَّا اسمها؛ فضمير الشأن محذوف [4] ، انتهى، ((عليَّ)) بتشديد ياء المتكلم ((في صحبته وماله أبو بكر)) ؛ أي: أكثرهم جودًا وسماحة لنا بنفسه وماله، من المن؛ بمعنى: العطاء من غير استثابة، ومنه: {هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ} [ص: 39] ، وقوله: {لاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ} [المدثر: 6] ، وليس هو من المن الذي هو الاعتداد بالصنيعة؛ لأنَّه مبطل للثواب، لأنَّ المنة لله ولرسوله في قبول ذلك، قاله الخطابي، وقال القرطبي: (ووزن «أمن»: «أفعل» من المنة؛ أي: الامتنان؛ أي: أكثر منةً؛ ومعناه: أنَّ أبا بكر له من الحقوق ما لو كان لغيره؛ لامتن بها، وذلك لأنَّه بادر بالتصديق، ونفقة الأموال، وبالملازمة، والمصاحبة إلى غير ذلك بانشراح صدر ورسوخ علم بأنَّ الله ورسوله لهما المنة في ذلك والفضل، لكن النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم بجميل أخلاقه وكرم أعرافه، اعترف بذلك عملًا بشكر المنعم، ليسنَّ [5] ؛ كما قال للأنصار، وفي «جامع الترمذي» من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «ما لأحد عندنا يد إلا كافيناه ما خلا أبا بكر، فإنَّ له عندنا يدًا يكافيه الله بها يوم القيامة» انتهى.

((ولو كنت متخذًا خليلًا من أمتي)) كذا في رواية الأربعة، وفي رواية غيرهم: (ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا) ، قال إمام الشَّارحين: الاتخاذ: (افتعال) من الأخذ، و (اتخذ) يتعدى إلى مفعول واحد، ويتعدى إلى مفعولين؛ أحدهما بحرف الجر، فيكون بمعنى: أختار وأصطفي، وههنا سكت عن أحد مفعولهما، وهو الذي دخل عليه حرف الجر، فكأنَّه قال: لو كنت متخذًا من الناس خليلًا؛ ((لاتخذت)) منهم ((أبا بكر)) يعني: خليلًا، كما هو ثابت في رواية الأصيلي دون غيره؛ فافهم، والخليل: المخال؛ وهو الذي يخالك؛ أي: يوافقك في خلالك، أو يسايرك في طريقتك، من الخِل؛ وهو الطريق في الرمل، أو يسد خللك كما تسد خلله، أو يداخلك خلال منازلك [6] ، وقيل: أصل الخلة: الانقطاع، فخليل الله: المنقطع إليه، وقال ابن فورك: (الخلة: صفاء المودة بتخلل الأسرار، وقيل: الخليل: من لا يتسع قلبه لغير خليله) ، وقال القاضي عياض: أصل الخلة: الافتقار والانقطاع، فخليل الله؛ أي: المنقطع إليه؛ لِقَصْرِهِ حاجته عليه، وقيل: الخلة: الاختصاص بأصل الاصطفاء، وسمي إبراهيم خليل الله؛ لأنَّه والى فيه وعادى فيه، وقيل: سمي به؛ لأنَّه تخلل بخلالٍ حسنة، وأخلاق كريمة، وخله الله: نصره وجعله إمامًا لمن بعده.

وزَعْمُ السفاقسي أنَّه كان اتخذ خليلًا من الملائكة، ولهذا قال: «لو كنت متخذًا خليلًا من أمتي»؛ يرده قوله عليه السَّلام: «ولكن صاحبكم خليل الرحمن»، وفي رواية: «لو كنت متخذًا خليلًا غير ربي»؛ أي: أنَّ حب الله لم يُبقِ في قلبي موضعًا لغيره تعالى.

ومعنى الحديث: أنَّ أبا بكر متأهل لأن يتخذه عليه السَّلام خليلًا لولا المانع المذكور، وهو أنَّه امتلأ قلبه بما تخلله من معرفة الله تعالى، ومحبته، ومراقبته، حتى كأنَّها مزجت أجزاء قلبه بذلك، فلم يتسع قلبه لخليل آخر، وعلى هذا فلا يكون الخليل إلا واحدًا، ومن لم ينته إلى ذلك ممن يَعْلَق القلب به؛ فهو حبيب، ولذلك أثبت لأبي بكر وعائشةأنهما أحب الناس إليه، ونفى عنهما الخلة التي هي فوق المحبة.

وقد اختلف أرباب القلوب في ذلك؛ فذهب الجمهور إلى أن الخلة أعلا؛ تمسكًا بهذا الحديث، وذهب ابن فورك إلى أنَّ المحبة أعلا؛ لأنَّها صفة النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم وهو أفضل من الخليل، وقيل: هما سواء؛ فلا يكون الخليل إلا حبيبًا ولا الحبيب إلا خليلًا.

وزعم الفراء أنَّ معناه: فلو كنت أخص أحدًا بشيء من العلم دون الناس؛ لخصصت به أبا بكر؛ لأنَّ الخليلك من تفرد بخله من الفضل لا يشركه فيها أحد.

وقيل: معنى الحديث: لو كنت منقطعًا إلى غير الله؛ لانقطعت إلى أبي بكر، لكن هذا ممتنع؛ لامتناع ذلك، وقول بعض الصَّحابة: (سمعت خليلي يقول) لا بأس به؛ لأنَّ انقطاعه إلى النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم انقطاع إلى الله عز وجل، والممتنع انقطاعه عليه السَّلام إلى غير الله تعالى لا انقطاع غيره إليه، كذا قرره إمام الشَّارحين، وأخذ عبارته العجلوني ونسبها لنفسه، ولهذا عزوتها إليه؛ فافهم.

وقال الخطابي: (الخليل: الفقير، كأنَّهم غيروا فقره إلى محبته، والاسم منه: الخَلة؛ بالفتح، ومن المحبة: الخُلة؛ مضمومة، وقيل: الخليل: مشتق من خلة المرعى؛ وهو نبات تستحليه الماشية فتستكثر منه) انتهى.

((ولكن أُخُوَّة الإسلام)) ؛ بِضَمِّ الهمزة والخاء المعجمة، مع تشديد الواو، كذا في رواية الأكثرين، وللأصيلي: (ولكن خُوَّة الإسلام) ؛ بحذف الهمزة.

قال الكرماني: (وتوجيهه أن يقال: نقلت حركة الهمزة إلى النُّون في «لكن»، وحذفت الهمزة، فعرض بعد ذلك استثقال ضمة من كسرة وضمة، فسكَّن النُّون تخفيفًا، فصار: «ولكن خوة»، وسكون النُّون بعد هذا العمل غير سكونه الأصلي [7] ، ثم نقل عن ابن مالك أنَّ فيه ثلاثة أوجه؛ سكون النُّون وثبوت الهمزة بعدها مضمومة، وضم النُّون وحذف الهمزة، فالأول أصل، والثاني فرع، والثالث فرع فرع) انتهى.

وردَّه إمام الشَّارحين فقال: (كل هذا تكلف خارج عن القاعدة، ولكن الوجه أن يقال: إنَّ «لكنْ» على حالها ساكنة النُّون، وحذفت الهمزة من (أخوة) اعتباطًا، ولهذا قال ابن التين: رويناه بغير همزة، ولا أصل لهذا، وكأنَّ الهمزة سقطت هنا، وهي ثابتة في باقي المواضع، وقوله: «أخوة الإسلام»: كلام إضافي مبتدأ، وخبره محذوف؛ تقديره: ولكن أخوة الإسلام أفضل أو نحوه، ويؤيده أنَّ في حديث ابن عبَّاس الذي بعده وقع هكذا) انتهى كلامه.

قال العجلوني: (ليتأمل في دعواه الكلية، وهل القاعدة الحذف الاعتباطي أو القياسي؟ والمقرر الأول) انتهى.

قلت: مراد الكرماني وابن مالك: أنَّ الحذف هنا قياسي مع أنَّ القاعدة أنَّه اعتباطي، على أنَّ ما قالاه تكلف وتعسف بلا فائدة، والحق ما قاله إمام الشَّارحين، وهو الصَّواب، ولا تغتر بما يزعمه أهل التعصب البارد،[/ص670/] فإنَّه من توغلهم الشارد.

((ومودته)) ؛ أي: مودة الإسلام، وهو معطوف على (أخوة) الواقع مبتدأ، وخبره محذوف؛ أي: أفضل، قال العجلوني: (ويجوز العكس) انتهى.

قلت: هو غير ظاهر، بل الظَّاهر الأول، ويدل عليه تصريح حديث ابن عبَّاس الآتي بذلك؛ فافهم.

قال إمامنا الشَّارح: (والفرق بين الخلة والمودة باعتبار المتعلق مع أنَّهما بمعنى واحد، وهو أنَّه أثبت المودة؛ لأنَّها بحسب الإسلام والدين، ونفى الخلة؛ للمعنى الذي ذكرناه، والدليل على أنَّهما بمعنى واحد: قوله في الحديث الذي بعده: «ولكن خلة الإسلام»، بدل لفظ المودة، وقد قيل: إنَّ الخلة أخص وأعلى مرتبة من المودة، فنفى الخاص وأثبت العام.

فإن قيل: المراد من السياق أفضلية أبي بكر، وكل الصَّحابة داخلون تحت أخوة الإسلام، فمن أين لزم أفضليته؟

قلت: بأنَّها تعلم مما قبله ومما بعده) انتهى.

وقال الكرماني: (ليس المراد تفضيل المودة على الخلة، فـ«أفضل» المقدر –كالآتي- بمعنى: الفاضل) ، ثم قال: (والمودة الإسلامية متفاوتة بحسب تفاوتهم في إعلاء كلمة الله، وتحصيل كثرة الثواب، وذلك معنى الأفضلية، ولا شك أنَّ الصديق أفضل الصَّحابة من هذه الحيثية، أو «أفضل» ليس على حقيقته، أو معناه: أنَّ مودة الإسلام معه أفضل من مودته مع غيره) انتهى.

((لا يبقينَّ)) ؛ بالنُّون المشددة؛ للتأكيد، قال الكرماني: (بلفظ المجهول، ويروى بلفظ المعروف أيضًا) انتهى.

((في المسجد)) : متعلق بـ (يبقى) ، واللَّام فيه للعهد؛ أي: النَّبوي، والمراد به العام، ((باب)) ؛ بالرفع، قال إمام الشَّارحين: (في صيغة المجهول يكون لفظ «بابُ» مرفوعًا على أنَّه مفعول ناب عن الفاعل؛ والتقدير: لا يبقي أحد في المسجد، وفي صيغة المعلوم يكون «باب» مرفوعًا على أنَّه فاعل، ولا يقال: كيف ينهى الباب عن البقاء وهو غير مُكلَّف؛ لأنَّا نقول: إنَّه كناية؛ لأنَّ عدم البقاء لازم للنَّهي عن الإبقاء، فكأنَّه قال: لا يبقيه أحد حتى لا يبقى، وذلك كما يقال: لا أريتك ههنا؛ أي: لا تقعد عندي حتى لا أراك) انتهى.

وقد أخذ العجلوني عبارته، وتصرف بها، ونسبها لنفسه؛ فافهم.

والباب في الأصل: فرجة في حائط صغيرًا كان أو كبيرًا، والمراد به ههنا: الخَوْخَة؛ لأنَّها كوة [8] في جدار ترى الضوء، كما قاله أهل اللُّغة، وهذا تفسير لما في التَّرجمة من الخَوْخَة، فالمراد بها: الباب في الجدار، وهو المراد به هنا: الخَوْخَة الآتية في لفظ الحديث الثاني، فإنَّها المأمور بسدها، فلا تغاير بين التَّرجمة والحديثين؛ فليحفظ.

((إلا سدَّ)) ؛ بالنصب، استثناء مفرغ؛ تقديره: لا يبقى باب بوجه من الوجوه إلا بوجه السد، ويحتمل أن يكون إلا بابًا سُدَّ، والجملة صفة لـ (بابًا) المقدر، مستثنًى من كلام تام غير موجب، فيجوز رفعه اتباعًا ((إلا بابَ أبي بكر)) ؛ بالنصب على الاستثناء من (بابًا) المقدر، فيجوز فيه الوجهان؛ فـ (بابًا) المقدر مستثنًى أولًا، ومستثنًى منه ثانيًا، فلا يلزم كون الفعل مستثنًى ومستثنًى منه.

وحاصل المعنى: لا يبقى باب غير مسدود إلا باب أبي بكر رضي الله عنه.

قال الخطابي: (إنَّ أمره عليه السَّلام بسد الأبواب غير الباب الشَّارع إلى المسجد إلا باب أبي بكر يدل على اختصاص شديد لأبي بكر وإكرام له؛ لأنَّهما كانا لا يفترقان) انتهى.

وقال إمام الشَّارحين: (ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة؛ لأنَّ الخَوْخَة هي الباب الصغير، وقد يكون بمصراع واحد وبمصراعين، وأصلها: فتح في حائط.

فإن قلت: التَّرجمة شيئان؛ أحدهما: الخَوْخَة، والآخر: المَمَر، ومطابقته للخَوْخَة ظاهرة، وليس فيه ذكر المَمَر.

قلت: المَمَر من لوازم الخَوْخَة، فذكرها يغني عن ذكره) انتهى.

ثم قال: (وفي الحديث دلالة على أنَّه قد أفرده في ذلك بأمر لا يشاركه فيه غيره، فأولى ما انصرف إليه التأويل فيه الخلافة، وقد أكثر الدلالة عليها بأمره إياه بالإمامة في الصلاة التي بنى لها المسجد) .

قال الخطابي: (ولا أعلم في إثبات القياس أقوى من إجماع الصَّحابة على استخلاف أبي بكر مستدلين في ذلك باستخلافه عليه السَّلام في أعظم أمور الدين؛ وهو الصلاة، فقاسوا عليها سائر الأمور، ولأنه عليه السَّلام كان يخرج من باب بيته وهو في المسجد للصلاة، فلما غلَّق الأبواب إلا باب أبي بكر؛ دلَّ على أنَّه يخرج منه إليه للصلاة، فكأنَّه عليه السَّلام أمر بذلك على أنَّه من بعده يفعل ذلك هكذا.

فإن قلت: روي عن ابن عبَّاس: أنَّه عليه السَّلام قال: «سدوا الأبواب إلا باب علي رضي الله عنه».

قلت: قال الترمذي: هو حديث غريب، وقال البخاري: حديث: «إلا باب أبي بكر»؛ أصح، وقال الحاكم: تفرد به مسكين بن بكير الحراني عن شعبة، وقال ابن عساكر: وهو وهم، قال صاحب «التوضيح»: وتابعه إبراهيم بن المختار) انتهى.

قال العجلوني: (قيل: الحديث على طرق يقوي بعضها بعضًا، بل قال ابن حجر: في بعضها إسناده قوي، وفي بعضها رجاله ثقاة) انتهى.

قلت: هذا كلام فاسد الاعتبار؛ لأنَّ قول الترمذي: (غريب) ، وقول الحاكم: (تفرد به مسكين) ، وقول ابن عساكر: (وهم) ؛ يرد هذا، ومن القواعد: أنَّ الجرح مقدم على التَّعديل، ويحتمل أنَّه عليه السَّلام قال لعلي هذا خصوصية له، وتطييبًا لخاطر ابنته فاطمة، وإلا فالقرائن في الأحوال والأقوال تدل على أنَّه خاص بأبي بكر، وأنَّ الخلافة له، يدل عليه أنَّه أمره بالصلاة مقامه، ولم يأمر عليًّا كما ثبت في «البخاري»، فما زعمه العجلوني وابن حجر يوافق قول الشيعة الفرقة الضالة، فلا ينبغي القول بذلك، ولذلك أجمعت الصَّحابة على استخلاف أبي بكر دون علي؛ لعلمهم ذلك منه عليه السَّلام بالقرائن بالقول والفعل، ولم يلتفتوا إلى حديث علي؛ لعلمهم أنَّه خصوصية له؛ لأجل خاطر فاطمة رضي الله عنهما؛ فافهم ذلك ولا تكن من الغافلين.

وقال ابن بطال: (وفي الحديث التعريض بالعلم للناس، وإن قل فهماؤهم؛ خشية أن يدخل عليهم مساءة أو حزن) انتهى.

وقال إمام الشَّارحين: (وفي الحديث: أنَّه لا يستحق أحد العلم حقيقة إلا من فهم، والحافظ لا يبلغ درجة الفهم، وإنما يقال للحافظ: عالم بالنص لا بالمعنى.

وفيه: دليل على أنَّ أبا بكر أعلم الصَّحابة رضي الله عنهم.

وفيه: الحض على اختيار ما عند الله تعالى، والزهد في الدنيا، والإعلام بمن اختار ذلك من الصالحين.

وفيه: أنَّ على السلطان شكر من أحسن صحبته ومعونته بنفسه وماله، واختصاصه بالفضيلة التي لم يُشارَك فيها كما خصه عليه السَّلام بما لم يشركه غيره، وذلك أنَّه جعل بابه في المسجد؛ ليخلفه في الإمامة فيخرج من بيته إلى المسجد، كما كان عليه السَّلام يخرج، ومنع الناس كلهم من ذلك دليل على خلافته بعده عليه السَّلام.

وفيه: إئتلاف النفوس بقوله: «ولكن أخوة الإسلام أفضل».

وفيه: أنَّ المساجد تصان عن تطرق الناس إليها في خوخات ونحوها إلا من أبوابها إلا من حاجة مهمة.

وفيه: أنَّ الخليل [/ص671/] فوق الصديق والأخ) انتهى.

[1] في الأصل: (سعد) ، وهو تحريف.
[2] في الأصل: (فإن)، وهو تحريف.
[3] في الأصل: (فإن)، وهو تحريف.
[4] في الأصل: (محذوفًا) .
[5] في الأصل: (ليس)، ولعل المثبت هو الصواب.
[6] في الأصل: (من أزلك)، ولعل المثبت هو الصواب.
[7] في الأصل: (الأصيلي)، ولعل المثبت هو الصواب.
[8] في الأصل: (كورة)، وليس بصحيح.