المستند التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

462-. حدَّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ، قالَ: حدَّثنا اللَّيْثُ، قالَ: حَدَّثَنا [1] سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ:

سَمِعَ [2] أَبا هُرَيْرَةَ، قالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ، يُقالُ لَهُ ثُمامَةُ بْنُ أُثالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسارِيَةٍ مِنْ سَوارِي المَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالَ: «أَطْلِقُوا ثُمامَةَ». فانْطَلَقَ [3] إلىَ نَخْلٍ [4] قَرِيبٍ مِنَ [/ج1ص99/] المَسْجِدِ، فاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ المَسْجِدَ، فقالَ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.

الأطراف



[1] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر و [عط] ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «حدَّثني».
[2] في رواية أبي ذر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «أنه سمع».
[3] صحَّح عليها في اليونينيَّة، وفي نسخة: «فذهب».
[4] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و«نَجْلٍ»، في رواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «نَخْل» بالخاء، (ن، و)، قارن بما في الإرشاد، وبهامش اليونينية: قال القاضي عياض رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَىَ: «فانطلق إلىَ نخل» كذا هي الرواية بالخاء، وذكر ابنُ دُريد: «إلىَ نَجْل» بالجيم، قال: وهو الماء الجاري.اهـ.





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

462- ( ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ ) بضم أولهما والثاء مثلثة فيهما.

( فانطلق إلى نخل ) هو بالخاء المعجمة في مشهور الرواية، وأنكرها بعضهم وقال: صوابه «نجل» بالجيم وهو الماء القليل المنبعث، وقيل: الماء الجاري.


462# (ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ) بضم الأول من الاسمين [1] ، والثاء مثلثة [2] فيهما.

قال ابن المنيِّر: ترجم قبل هذه على ربط الأسير والغريم في المسجد، ثم ساق حديث العفريت،

@%ج1ص204%

وفيه أنه لم يربطه، وقد كان حديث ثمامة هذا نَصَّ على المقصود؛ لأنه كان أسيرًا، فرُبِط في المسجد، فإما أن يكون سلك عادته في الاستدلال بالخفي، والإعراضِ [3] عن الجليِّ؛ اكتفاءً بسبق [4] الأفهام إليه.

وإما أن يكون ترك حديثَ ثُمامة هناك؛ لأنه عليه السلام لم يربطه، ولا أمرَ بربطه، بل قال حين رآه مربوطًا: ((أطلقوا ثُمامة))، فهو بأن يكون إنكارًا لفعلهم أولى بأن يكون إقرارًا لفعلهم بخلاف قِصَّة [5] العفريت، فإنه عليه السلام هو الذي همَّ بربطه، وإنما امتنع لأمرٍ أجنبيٍّ.

[1] في (د): ((الاثنين)).
[2] في (د): ((المثلثة)).
[3] في (د): ((والاعتراض)).
[4] في (ق): ((سبق)).
[5] في (ق): ((قضية)).





462- قوله: (يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ): (ثمامة): بضمِّ الثَّاء المُثلَّثة، وتخفيف الميم، و (أُثال): بضمِّ الهمزة، وتخفيف الثَّاء المُثلَّثة، وفي آخره لامٌ، و (أُثال): هو ابن النُّعمان بن مسلمة بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدُّؤَل بن حنيفة، الحنفيُّ اليماميُّ، سيِّد أهل اليمامة، أسره رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ثمَّ أطلقه، وحسُن إسلامُه، ولم يرتدَّ مع مَنِ ارتدَّ، ولا خرج عن الطَّاعة قطُّ، قال ابن إسحاق: (لمَّا ارتدَّ أهل اليمامة؛ ثبت ثمامة في قومه على الإسلام، وكان مُقِيمًا باليمامة، فنهاهم عن اتِّباع مُسيلَمة، فلمَّا عصَوه؛ عزم على مفارقتهم، ومرَّ العلاء بن الحضرميِّ على صاحب اليمامة يريد البحرين وبها الحُطَم ومَن تبعه من المرتدِّين، فقال لأصحابه -أعني: ثمامة-: ما أرى أن نتخلَّف عن العلاء، وخرج في طائفة ففتَّ ذلك أعضادَ عدوِّهم، وشهد مع العلاء قتال الحُطَم، فانهزم المشركون، وقُتِل الحُطَم، فأُعطِي العلاءُ خميصةً للحُطَم يفتخر بها، فاشتراها ثمامة، فلمَّا رجع ثمامة؛ رآه قوم الحُطَم، وعليه الخميصة، فقالوا: أنت قتلت الحُطَم، قال: لم أقتله، ولكنِّي اشتريت خميصته من المغنم، فقتلوه، ولم يسمعوا منه رضي الله عنه) .

قوله: (أَطْلِقُوا): هو بفتح الهمزة، رباعيٌّ، وهذا ظاهر.

قوله: (إِلَى نَخْلٍ): هو بالخاء المعجمة، قال ابن قرقول: (بالخاء [1] هي الرِّواية [2] ، وذكره [3] ابن دريد: بالجيم؛ وهو بالجيم: الماء الجاري) انتهى.

[1] في (ج): (فالخاء) .
[2] زيد في (ب): (وقال غيره) .
[3] في (ب) و (ج): (وذكر) .





462- [قولُه: (خَيْلاً قِبَلَ نَجْدٍ): على حذفِ مضافٍ؛ أي: فرسانَ خيلٍ] . @@@


462- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ، المصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا) بالجمع، وللأربعة: ((حدَّثني)) (سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ) بكسر العين فيهما، المقبريُّ (أنه سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، ولأبوَي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: ((حدَّثني))؛ بالإفراد ((أبو هريرة)) [1] (قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لعشر ليالٍ خلون من المُحرَّم سنة ستٍّ، إلى القُرَطاء [2] نفر من بني أبي بكر بن كلابٍ (خَيْلًا) فرسانًا ثلاثين (قِبَلَ) بكسر القاف وفتح المُوحَّدة؛ أي: جهة (نَجْدٍ) بفتح النُّون وسكون الجيم (فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ) بفتح الحاء المُهمَلة (يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ) بضمِّ أوَّل الاسمين والثَّاء المُثلَّثة فيهما، وهي مُخفَّفةٌ كالميم (فَرَبَطُوهُ) بأمر النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم كما صرَّح به ابن إسحاق في «مغازيه» (بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ) وحينئذٍ: فيكون [3] حديث ثمامة من جنس حديث العفريت، فهناك همٌّ بربطه، وإنَّما امتنع؛ لأمرٍ أجنبيٍّ، وهنا أمر به (فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ) منًّا عليه أو تألُّفًا، أو لِما علم من إيمان قلبه وأنَّه سيظهره، أو أنَّه مرَّ [4] عليه فأسلم، [/ج1ص451/] كما رواه ابنا خزيمة وحبَّان من حديث أبي هريرة، وهمزة «أطلقوا»: همزة قطعٍ، فأطلقوه، (فَانْطَلَقَ) وفي روايةٍ: ((فذهب)) (إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجِدِ) بالخاء المُعجَمة في «نخلٍ» في أكثر الرِّوايات، وفي النُّسخة المقروءة عن [5] أبي الوقت: ((إلى نجلٍ))؛ بالجيم، وصوَّبه بعضهم، وهو: الماء القليل النَّابع، وقال ابن دريدٍ: هو الماء الجاري، (فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ) وفيه مشروعيَّة اغتسال الكافر إذا أسلم، وأوجبه الإمام أحمد.

ورواة هذا الحديث الأربعة ما بين مصريٍّ _بالميم_ ومدنيٍّ، وفيه التَّحديث [6] بالجمع والإفراد، والسَّماع والقول، وأخرجه المؤلِّف في «الصَّلاة» [خ¦469] و«المغازي» [خ¦4372] ، ومسلمٌ في «المغازي»، وأبو داود في «الجهاد»، والنَّسائيُّ في «الطَّهارة» ببعضه، وببعضه في «الصَّلاة».

[1] «أبو هريرة»: سقط من (م).
[2] في هامش (ص): «قوله: «إلى القُرَطاء»: ضبطه العينيُّ: بضمِّ القاف وفتح الرَّاء والطَّاء المُهمَلة، وضبطه الشَّاميُّ: بضمِّ القاف وسكون الرَّاء وبالطَّاء المُهمَلة. انتهى. عجمي».
[3] في (م): «يكون».
[4] في (ص): «منَّ».
[5] في (د): «على».
[6] زيد في (د): «والعنعنة».





462- ( خَيْلًا ) أي: فرسانًا.

( ثُمَامَةُ ): بضمِّ المثلَّثة.

( بْنُ أُثَالٍ ): بضمِّ الهمزة وبعدها مثلَّثة خفيفة.

( إِلَى نَخْلٍ ): بالخاء، ولأبي الوقت بالجيم، والنَّجل: الماء القليل النَّابع.


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

462# وقوله: (أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ): وهو إنكارٌ لفعلهم؛ لأنَّه لم يأمر بربطه، وكان شريح إذا قضى على رجلٍ بحقٍّ؛ أمر بحبسه في المسجد إلى أن يقوم بما عليه.


462- وبالسند إلى المؤلف قال: ((حدثنا عبد الله بن يوسف)) هو التنيسي المنزل، الدمشقي الأصل، وفي (يوسف) ؛ تثليث السين مع الهمز وتركه، ومعناه بالعبرانية: جميل الوجه ((قال: حدثنا اللَّيث)) ؛ بالمثلَّثة: هو ابن سعد الفهمي، المصري، القلقشندي المولد، الحنفي المذهب على التحقيق ((قال: حدثني)) بالإفراد رواية الأربعة، ولغيرهم: (حدثنا) بالجمع ((سعيد بن أبي سعيد)) بكسر العين المهملة فيهما، واسم أبي سعيد: كيسان، هو المقبري المدني، المتوفى بعد اختلاطه بأربع سنين سنة خمس وعشرين ومئة، لا يقال: إنَّه مدلس؛ لاحتمال التحديث والسَّماع قبل الاختلاط؛ فافهم: ((أنَّه)) بفتح الهمزة؛ أي: سعيدًا ((سمع أبا هريرة)) هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي الصَّحابي الجليل رضي الله عنه، ولأبوي ذر والوقت، والأصيلي، وابن عساكر: (حدثني أبو هريرة) ((قال)) أي: أبو هريرة: ((بعث النَّبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم)) ؛ أي: لعشر ليال خلون من المحرم سنة ست، قاله ابن إسحاق، أو على رأس تسعة وخمسين شهرًا من الهجرة، قاله ابن سعد، إلى القُرَطَاء؛ بِضَمِّ القاف، وفتح الرَّاء والطاء المهملة، وهم نفر من بني أبي بكر بن كلاب، وكانوا ينزلون البَكرات؛ بفتح الموحَّدة في الأصل؛ جمع بكرة، وهي ماء بناحية ضَرِيَّة؛ بفتح الضَّاد المعجمة، وكسر الرَّاء، وتشديد التحتية؛ وهي أرض كثيرة العشب، وإليها ينسب الحمى، وضريَّة في الأصل: بنت ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، وسمي الموضع المذكور باسمها، وبين ضريَّة والمدينة: سبع ليال، كذا قرره إمام الشَّارحين، ((خيلًا)) ؛ أي: فرسانًا، قاله الجوهري، والخيل أيضًا: الخيول، قاله إمامنا الشَّارح.

وزعم ابن حجر (أي: رجالًا على خيل) ، وردَّه في «عمدة القاري»: (بأنَّ هذا تفسير من عنده، وهو غير صحيح، بل المراد ههنا من الخيل: هم الفرسان، ومنه قوله تعالى: {وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ} [الإسراء: 64] أي: بفرسانك ورجالتك، والخيَّالة: أصحاب الخيول) انتهى.

واعترضه العجلوني فزعم أنَّ تفسيره (خيلًا) هنا بـ (رجالًا على خيل) صحيح على أنَّ الذي رأيناه في نسخ ابن حجر: خيلًا؛ أي: فرسانًا، والأصل أنَّهم كانوا رجالًا على خيل، انتهى.

قلت: واعتراضه مردود عليه؛ لأنَّ المراد بالخيل -كما قاله إمام اللُّغة الجوهري-: الفرسان، وقد جاء ذلك في القرآن، ومثله في «مختصر الصِّحاح»؛ حيث قال: (والخيل: الفرسان، ومنه قوله تعالى: {وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ}؛ أي: بفرسانك ورجالتك) انتهى، ومثله في «القاموس» حيث قال: (الخيل: جماعة الأفراس، لا واحد له، والفرسان) انتهى، وعلى هذا فتفسير ابن حجر غير صحيح؛ لأنَّه مخالف لأهل اللُّغة، وهو تفسير من عنده، وهو مردود، والذي يفهم من «القاموس» أنَّ الرجل الراكب على فرس يقال له: فارس، وجمعه: فرسان، فالفارس: اسم للرجل والدَّابة معًا؛ فافهم.

وقوله: (على أنَّ الذي...) إلخ؛ ممنوع، فإنَّ جميع نسخ ابن حجر هكذا: (خيلًا؛ أي: رجالًا على خيل) فكيف يدعي هذا هربًا من الاعتراض؟

وقوله: (والأصل...) إلخ؛ لا عبرة بهذا؛ لأنَّه غير مراد، بل المراد تفسير أئمة اللُّغة، وهو يخالفه، على أنَّه وإن كان الأصل فيه ذلك لا يقال له ذلك؛ لأنَّه خلاف اللُّغة؛ فافهم.

((قِبَل نَجْد)) ؛ بكسر القاف وفتح الموحَّدة، وهو الجهة، يقال: جلس قُبالته؛ بالضم؛ أي: تجاهه والمقابلة: المواجهة، ونَجْد؛ بفتح النُّون وسكون الجيم؛ وهي الأرض المرتفعة، ضد الغور، وهي تهامة إلى العراق، وهي من جزيرة العرب.

قال المدائني: (جزيرة العرب خمسة أقسام: تهامة، ونجد، وحجاز، وعروض، ويمن، أمَّا التهامة؛ فهي الناحية الجنوبية من الحجاز، وأمَّا نجد؛ فهي الناحية التي بين الحجاز والعراق، وأمَّا الحجاز؛ فهو جبل يقبل من اليمن حتى يتصل بالشام، وفيه المدينة وعمان، وأمَّا العروض؛ فهي اليمامة إلى البحرين) .

وقال الواقدي: (الحجاز من المدينة إلى تبوك ومن المدينة إلى طريق الكوفة، ومن وراء ذلك إلى أن يشارف [1] أرض البصرة؛ فهو نجد، وما بين العراق وبين وجرة وعمرة الطَّائف؛ نجد، وما كان من وراء وجرة إلى البحر؛ فهو تهامة، وما كان بين تهامة ونجد؛ فهو حجاز، سمي به؛ لأنَّه يحجز بينهما) انتهى.

((فجاءت)) ؛ أي: الخيل، وهذا المبعث هو سرية كان أميرها محمَّد بن مسلمة، أرسله عليه السَّلام في ثلاثين راكبًا إلى القُرَطَاء، وكانت غيبته بها تسع عشرة ليلة، وقدم آخر ليلة من المحرم، ((برجل من بني حَنيفة)) ؛ بفتح الحاء المهملة قبيلة مشهورة ((يقال له)) أي: للرجل: ((ثُمَامة بن أُثَال)) بالمثلَّثة فيهما مع ضم أولهما، وتخفيف ثانيهما ورابعهما، وهو في الأول ميم، وفي الثاني لام؛ فافهم، ((فربطوه)) ؛ أي: فربط الخيلُ الرجلَ بأمر من النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم كما صرح به ابن إسحاق في «مغازيه»، وزعم العجلوني أنَّه يحتمل غيرهم، قلت: وهذا الاحتمال بعيد عن النَّظر؛ فافهم، ((بسارية)) أي: أسطوانة ((من سواري)) أي: من أساطين ((المسجد)) ؛ أي: النَّبوي، فاللَّام فيه للعهد، وعلى هذا؛ فيكون حديث ثمامة من جنس حديث العفريت غير أنَّ بينهما فرقًا؛ من حيث إنَّ هناك حصل من النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم همٌّ وإرادةٌ لربطه، وإنَّما امتنع لمانع، وههنا أمرهم بربطه، كما رواه ابن إسحاق كما ذكرناه، وزعم العجلوني أنَّ هنا حصل ربطه منهم، فأقره عليه السَّلام، كما تقدم فيما رواه ابن إسحاق، انتهى، قلت: الذي تقدم عن ابن إسحاق أنَّه عليه السَّلام هو الذي[/ص660/] أمرهم بربطه كما صرح به إمام الشَّارحين، وابن حجر، والقسطلاني، وغيرهم، فما نقله العجلوني غير صحيح؛ فليحفظ.

((فخرج النَّبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم)) ؛ أي: من حجرته بعدما أمرهم بربطه، ودخل حجرته ((فقال)) ؛ أي: النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم لأصحابه، أو للذين ربطوه، وذلك في اليوم الثالث لما تقدم أنَّ الحديث أخرجه المؤلف في «المغازي»، وفيه أنَّه عليه السَّلام مرَّ على ثمامة ثلاث مرات، وهو مربوط في المسجد، ففي المرة الثالثة قال لهم: ((أطلقوا)) بفتح الهمزة، وهي همزة قطع ((ثمامة)) ؛ أي: من القيد، إنَّما أمرهم بإطلاقه؛ منًّا عليه؛ إما للتآلف، وإما لأنَّه أسلم لمَّا مر عليه النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم، كما رواه ابني خزيمة وحبان من حديث أبي هريرة.

وقال الكرماني: (يحتمل أنَّه عليه السَّلام أطلقه لما علم أنَّه آمن بقلبه وسيظهره بكلمة الشهادة، وقال ابن الجوزي: لم يسلم تحت الأسر؛ لعزة نفسه، وكان عليه السَّلام أحس بذلك منه، فقال: «أطلقوه»، فلما أُطلق؛ أسلم) انتهى.

وردَّهما إمام الشَّارحين، فقال: (يرد هذا حديث أبي هريرة الذي رواه ابن خزيمة وابن حبان، وفيه: «فمرَّ صلى الله عليه وسلم عليه يومًا فأسلم فحلَّه»، فهذا يصرح بأنَّ إسلامه كان قبل إطلاقه، فيُعذر الكرماني في هذا؛ لأنَّه قال بالاحتمال، ولم يقف على حديث أبي هريرة، وأمَّا ابن الجوزي؛ فكيف غفل عن ذلك مع كثرة اطلاعه في الحديث؟!) انتهى.

قلت: أي: في الموضوع لا الصَّحيح حتى أفرط في أحاديث صحاح، وحكم عليها بالوضع، وقد قال الحفاظ: لا عبرة بوضع ابن الجوزي ورفع الحاكم، فيحتمل أنَّه لم يطلع على حديث أبي هريرة، لا يقال: يمكن حمل كلامهما -كما زعمه العجلوني- على أنْ يريد بقوله سيظهره بعد إطلاقه بين جمع الصَّحابة؛ لأنَّا نقول: صريح حديث أبي هريرة: أنَّه أسلم حين مرَّ عليه النَّبي عليه السَّلام، وكان بين جمع الصَّحابة، فأمرهم عليه السَّلام بإطلاقه؛ لإسلامه صريحًا بين الصَّحابة، فإسلامه كان بعد إطلاقه؛ فليحفظ.

((فانطلق)) وفي رواية: (فذهب) ؛ أي: ثمامة، وهذا تفريع على قوله: (فأطلقوه) يعني: فأطلقوه، فانطلق (إلى نَجْلٍ) بفتح النُّون، وسكون الجيم، آخره لام، وهو الماء النابع من الأرض، وقال الجوهري: (استنجل الموضع؛ أي: كثر به النجل، وهو الماء يظهر من الأرض) ، وهكذا وقع في النُّسخة المقروءة على أبي الوقت، وكذا زعم ابن دريد.

وفي أكثر الروايات: (إلى نخل) ؛ بالخاء المعجمة، وكذا في رواية مسلم، ويؤيد هذا ما رواه ابن خزيمة في «صحيحه» من حديث أبي هريرة: (أنَّ ثمامة أُسِر، فكان النَّبي صلى الله عليه وسلم يغدو إليه فيقول: «ما عندك يا ثمامة؟» فيقول: إن تقتل؛ تقتل ذا دم، وإن تمنَّ؛ تمنَّ على شاكر، وإن تُرِد المال؛ نعطك منه ما شئت، وكان أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم يحبون الفداء، ويقولون: ما نصنع بقتل هذا؟ فمرَّ عليه النَّبي صلى الله عليه وسلم يومًا، فأسلم، فحله، وبعث به إلى حائط أبي طلحة، فأمره أن يغتسل، فاغتسل وصلى ركعتين، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم: «لقد حسن إسلام أخيكم») ، وبهذا اللَّفظ أيضًا خرَّجه ابن حبان في «صحيحه».

وأخرجه البزار أيضًا بهذا الطريق وفيه: (فأمره النَّبي صلى الله عليه وسلم أن يغتسل بماء وسدر) ، وفي بعض الروايات: (أنَّ ثمامة ذهب إلى المصانع، فغسل ثيابه واغتسل) ، وفي «تاريخ البرقي»: (فأمره أن يقوم بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ) ، قاله إمام الشَّارحين.

قلت: وهذا كله يؤيد الرواية بالخاء المعجمة؛ لأنَّ (الحائط) البستان، والغالب فيه الماء.

وذكر ابن حجر حديث أبي هريرة وأيد به رواية الخاء المعجمة.

واعترضه العجلوني بأنّه لا تأييد فيه؛ لأنَّه يجوز أن يكون انطلاقه إلى حائط أبي طلحة إلى حاجة، فرأى فيه النجل الذي هو الماء، انتهى.

قلت: واعتراضه مردود عليه، بل فيه تأييد ظاهر؛ لأنَّ (الحائط) البستان الذي فيه الماء، والنجل؛ بالجيم: موضع الماء النابع.

وكون ثمامة انطلق لحاجة في حائط أبي طلحة فرأى فيه الماء؛ يحتاج إلى دليل، بل إنَّما ذهب لحائطه؛ لأنَّ النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم بعث به إليه، وأمره أن يغتسل فيه، كما تقدم في حديث أبي هريرة قريبًا.

وعند البزار: (فأمره عليه السَّلام أن يغتسل بماء وسدر) ، فهذا دليل على أنَّ ثمامة إنَّما ذهب لأجل الاغتسال، كما هو صريح الحديث، وإنَّما أمره عليه السَّلام وبعث به إلى الحائط؛ لأجل الاغتسال، ولا حاجة لثمامة غير الاغتسال وغسل الثياب، ولا يمكن من ثمامة قضاء حاجة غير الاغتسال؛ لأنَّ النَّبيَّ الأعظم صلى الله عليه وسلم بعث به إلى حائط أبي طلحة، فأمره أن يغتسل، كما في حديث أبي هريرة، وهو ظاهر في أنَّه عليه السَّلام بعث [معه] بعضًا من الصَّحابة حتى لا يهرب إلى أهله، ومعلوم أنَّ الأسير يكون بيد الناظر عليه كالطير في القفص، وأصحابه عليه السَّلام لا يخالفون أمره عليه السَّلام، فلا يمكن منهم ذلك كما لا يخفى؛ فافهم.

((فاغتسل)) ؛ أي: ثمامة، وفي رواية البزار: (أنَّه عليه السَّلام أمره أن يغتسل بماء وسدر) ، وفي بعض الروايات: (فغسل ثيابه واغتسل) ، وفي «تاريخ البرقي»: (فأمره أن يقوم بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ) ، والظَّاهر أنَّه لأجل أن يعلِّموه كيفية الاغتسال، وغسل الثياب، والطهارة وغير ذلك من فروع الإيمان، وفي رواية أبي هريرة في «صحيحي ابني [2] خزيمة وحبان»: (أنه اغتسل وصلى ركعتين) ((ثم دخل المسجد)) ؛ أي: النَّبويَّ، فاللَّام فيه للعهد، وفيه النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام، ((فقال)) ؛ أي: ثمامة ((أشهد)) ؛ أي: أقر وأذعن بقلبي، وأصدق بلساني: ((أن لا إله إلا الله)) وإنَّما قدَّم النَّفي على الإثبات، ولم يقل: الله لا إله إلا هو؛ بتقديم الإثبات على النَّفي؛ لأنَّه إذا نفى أن يكون هناك إله غير الله؛ فقد فرغ قلبه مما سوى الله بلسانه ليواطئ القلب وليس مشغولًا بشيء سوى الله تعالى، فيكون نفي الشريك عن الله بالجوارح الظَّاهرة والباطنة؛ فافهم.

((وأنَّ محمَّدًا رسول الله)) ؛ أي: وأشهد أنَّه رسول الله؛ لأنَّ المراد بالشهادة: تصديق الرسول فيما جاء به، فيستلزم جميع ما ذكره من الاعتقادات، ولهذا قال في «الأشباه»: الإيمان: تصديق محمَّد صلى الله عليه وسلم في جميع ما جاء به من الدين ضرورة، والكفر: تكذيبه عليه السَّلام فيما جاء به من الدين ضرورة، انتهى.

قلت: وعلى هذا فلا بدَّ من إعادة (أشهد) في صحة الإسلام عند الحنفية، وهو المرجح عند الشَّافعية؛ فيراجع.

قال العجلوني: (ولم نرَ من ذكر من الشراح أنَّ هذا الحديث من مراسيل أبي هريرة مع أنَّ إسلامه سنة سبع، وهذه القضية وقعت قبل، كما تقدم، لكنَّ مرسل الصَّحابي حكمه الوصل على الصَّواب؛ فليعرف) انتهى.

قلت: ولكون حكم مرسل الصَّحابة الوصل؛ لم يتعرض أحد من الشراح لذلك؛ لكونه معلومًا ضرورة؛ فليحفظ.

قال إمام الشَّارحين: (ومطابقة هذا الحديث للجزء الثاني من التَّرجمة ظاهرة، كما في الأثر المذكور) انتهى.

قلت: بقي على المؤلف أنَّه لم يذكر حديثًا يطابق الجزء الأول من التَّرجمة؛ لأنَّ من المعيب على كلِّ مصنف أن يترجم لشيء ولم يتعرض له

[/ص661/] بذكر حديث يطابقه.

وقد يقال: إنَّ هذا الحديث مصرح به بالاغتسال، لكنَّه خارج، وظاهره أنَّه كان قبل إسلامه، لكن المراد أنَّه بعد إسلامه؛ لحديث أبي هريرة عند ابني حبان وخزيمة من التصريح بأنَّه بعد إسلامه، فيحتمل أنَّ المؤلف أراد حمل حديث الباب على هذا، ويحتمل أنَّه أراد أنَّ ثمامة أظهر إسلامه بين الصَّحابة، وإن كان أسلم قبلُ عند خروجه عليه السَّلام إليه في المرة الثالثة لكنه بعيد؛ لأنَّه عليه لا يكون الاغتسال وقع في المسجد، والتَّرجمة أنَّه كان في المسجد، فالصَّواب من القول: أنَّ لفظ (باب) مجردًا من غير ترجمة أحسن، ولا احتياج إلى التكلفات والتعسفات؛ فافهم.

قال إمام الشَّارحين: (وفي الحديث فوائد؛ الأولى: جواز دخول الكافر المسجد، وقال ابن التين: وعن مجاهد وابن محيريز: جواز دخول أهل الكتاب فيه، وقال عمر بن عبد العزيز وقتادة ومالك والمزني: لا يجوز، وقال الإمام الأعظم أبو حنيفة: يجوز للكتابي دخول المسجد دون غيره، واحتج بما رواه أحمد ابن حنبل في «مسنده» بسند جيد عن جابر رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل مسجدنا هذا بعد عامنا هذا مشرك إلا أهل العهد») انتهى.

قلت: وحديث الباب يدل لما قاله؛ فافهم.

واعترضه العجلوني بأنَّ المحفوظ عن الحنفية الجواز مطلقًا، ولعله قول للإمام، انتهى.

قلت: ما آن لهذا أن يحفظ مذهب الأئمة الحنفية فضلًا عن مذهبه، بل هذا الذي قاله إمام الشَّارحين هو مذهب الإمام الأعظم؛ لما في «الأشباه والنظائر» من أحكام الذمي: (ولا يمنع من دخول المسجد جنبًا بخلاف المسلم، ولا يتوقف جواز دخوله على إذن مسلم عندنا، ولو كان المسجد الحرام) انتهى.

فهذا هو المحفوظ، لا ما زعمه هذا القائل؛ فافهم.

وقال إمام الشَّارحين: (واحتج مالك بقوله تعالى: {إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ} [التوبة: 28] ، وبقوله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} [النور: 36] ، ودخول الكفار فيها مناقض لرفعها، وبقوله عليه السَّلام: «إنَّ هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من البول والقذر»، والكافر لا يخلو عن ذلك، وبقوله عليه السَّلام: «لا أحلُّ المسجد لحائض ولا جنب» والكافر جنب) انتهى.

قلت: ولا حجة له في ذلك؛ لأنَّ قوله تعالى: {إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ} معناه كما قاله المفسرون: أنجاس في اعتقادهم، وأفعالهم، وأقوالهم؛ لأنَّهم يشركون بالله غيره، ويريدون بأعمالهم سواه، فالآية في دخولهم للحج؛ لأنَّهم كانوا يعملون في الحج أعمال المشركين، فأمر الله بتنزيه المسجد الحرام والحرم عن ذلك، فأمَّا نفس الدخول للمسجد ولو المسجد الحرام؛ فغير ممنوع؛ لأنَّ الجمهور اتفقوا على أنَّ الكفر لا يؤثر في نجاسة بدن الكافر نجاسة حقيقية، وإنَّما يؤثر في نجاسة باطنه، فكأنَّ صفة الكفر القائم بهم بمنزلة النَّجاسة الملتصقة بالشيء في باطنه، والنَّجاسة إذا كانت في معدنها لا تؤثر في الظَّاهر، ألا ترى أنَّ المسلم حاملٌ للنجاسة في باطنه، وهي غير مؤثرة في ظاهره، كما لا يخفى.

ولأنَّ قوله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ} معناه كما قاله المفسرون: ترفع بالصلوات وتلاوة القرآن، {وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} أي: الأذكار من تسبيح، وتهليل، وذكره تعالى وغير ذلك، هذا هو المراد برفعها، فلا تناقض بدخول الكفار المساجد لرفعها؛ لأنَّهم لا يؤثرون في الظَّاهر، ولا يلزم من دخولهم إبطال الصلوات والأذكار، فدخولهم ليس بممنوع، كما لا يخفى.

وقال مجاهد: {أَن تُرْفَعَ} معناه: تبنى، وعليه أيضًا فلا تناقض في ذلك، لأنَّ دخول الكافر لا ينافي عمارتها وبناءها، كما لا يخفى.

وقال الحسن: معناه: تعظَّم، وعليه فدخوله لا ينافي تعظيمها، والجمهور على الأول؛ فافهم.

ولأنَّ قوله عليه السَّلام: «إنَّ هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من البول والقذر»؛ المراد به: حقيقة النَّجاسة، ولا شكَّ أنَّ المسجد يجب تنزيهه عنها، وأمَّا الكافر؛ فليس بنجس حقيقة ولا حكمًا.

وقوله: (والكافر لا يخلو عن ذلك) ممنوعٌ؛ لأنَّ هذا من الأمور الوهمية، والأحكام لا تبنى على الوهم؛ لأنَّه يجوز أن يكون الكافر نظيفًا ومغتسلًا من النَّجاسات ليس عليه شيء منها.

ولأنَّ قوله عليه السَّلام: «لا أحل المسجد لحائض ولا جنب» أي: حقيقة، وكون الكافر جنبًا أمر موهوم، والأحكام لا تبنى عليه، على أنَّ حديث الباب يدل صريحًا على جواز دخول الكافر المسجد؛ لأنَّ الصَّحابة لما جاؤوا بثمامة؛ أمرهم النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم أن يربطوه في المسجد، كما صرح به ابن إسحاق، وثمامة كان وقتئذٍ كافرًا، فلو كان الكافر نجسًا أو يناقض لرفع المسجد؛ لما أمرهم بربطه، وكون الكافر لا يخلو عن الأقذار والجنابة أمر موهوم فلم يلتفت إليه النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم، وأمر به فربط في المسجد، وبقي على ذلك أيامًا.

والحاصل: أنَّ ما استدل به مالك من المنع غير ظاهر، ولا ينهض دليلًا لما قاله؛ فليحفظ.

وقال الشَّافعي وأحمد ابن حنبل: يجوز دخول الكافر سواء كان كتابيًا أو غيره المسجد لحاجة وإذن مسلم ولو حكمًا، إلا المسجد الحرام فلا يمكَّن الكافر منه؛ لحديث الباب، ولأنَّ ذات الكافر ليست بنجسة.

قلت: وحديث الباب يدل على جواز دخول الكافر المُعاهِد؛ لأنَّ ثمامة كان من خدمة أهل العهد، واشتراط الإذن من المسلم زائد على النص؛ لأنَّه غير مذكور في الحديث؛ لأنَّ ثمامة كان بأيديهم مغلولًا، وجاؤوا به وربطوه في المسجد، أمَّا لو جاء وحده ودخل بإذن منهم؛ ينبغي أن يكون دليلًا مع أنَّه غير مصرح به في الأحاديث، فهو شرط زائد على النص؛ فلا يقبل.

واستثناء المسجد الحرام ممنوع، ويرده قوله تعالى: {فَلاَ يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} [التوبة: 28] والخطاب إنَّما كان للمشركين كما هو صدر الآية، فالمعاهد خارج عن الآية، فيجوز له الدخول في الحرم كما هو صريح الآية؛ فافهم.

وفي الحديث: طلب الاغتسال إذا أسلم الكافر، فإن أسلم طاهرًا؛ يندب له الاغتسال، وإن أسلم جنبًا؛ فُرض عليه الاغتسال، هذا مذهب الإمام الأعظم وأصحابه والجمهور؛ لأنَّ ثمامة يحتمل أن يكون طاهرًا أو جنبًا، فإن كان طاهرًا؛ فأمره عليه السَّلام له بالاغتسال محمولٌ على الندب؛ لأنَّه للتنظيف، يدل عليه ما رواه البزار وغيره من حديث أبي هريرة، وفيه: (فأمره عليه السَّلام أن يغتسل بماء وسدر) ، فإنَّما كان السدر؛ لأجل النظافة، والاغتسال؛ لأجل أن يألف العبادات ويتعلمها، ويدل عليه أنَّ في بعض الروايات: (أمره أن يقوم بين أبي بكر وعمر) ، وما ذاك إلا لأجل أن يتعلم ثمامة منهما كيفية الاغتسال، وإن كان جنبًا؛ فيحتمل أنَّه عليه السلام علم حاله فأمره بالاغتسال على سبيل الوجوب، ويدل عليه ما في «صحيح ابن حبان» أنَّه أمره أن يغتسل ويصلِّي ركعتين.

وقال ابن بطال: (أوجب أحمد الغسل على من أسلم مطلقًا) .

قلت: الأمر عند الجمهور للندب، بل هو على التفصيل، فإن أسلم طاهرًا؛ يندب في حقه الاغتسال، وإن جنبًا؛ افترض عليه، فلو أسلم طاهرًا متوضئًا أو مغتسلًا حال الكفر وأراد الصلاة بعد الإسلام؛ جازت صلاته بذلك الوضوء أو الغسل؛ لأنَّ وضوء الكافر واغتساله صحيح، هذا مذهب[/ص662/] الإمام الأعظم رئيس المجتهدين.

وزعم الشَّافعية الأفضل أن يغتسل إن لم يكن جنبًا، وإلا؛ وجب الغسل وإن اغتسل في الكفر؛ لعدم صحة الغسل منه عندهم.

وزعم ابن بطال وقال مالك: إذا أسلم النصراني؛ فعليه الغسل؛ لأنَّهم لا يتطهرون، فقيل: معناه: لا يتطهرون من النَّجاسة في أبدانهم؛ لأنَّه استحيل عليهم التطهير من الجنابة وإن نووها؛ لعدم الشرع، وقال: وليس في الحديث أنَّه عليه السَّلام أمره بالاغتسال، ولذلك قال مالك: لم يبلغنا أنَّه عليه السَّلام أمر أحدًا أسلم بالغسل، انتهى.

قلت: وهذا كلام فاسد الاعتبار؛ لأنَّ الكفار يتطهرون من النَّجاسة في أبدانهم؛ لأنَّهم يغتسلون بالصيف بالمياه الباردة، وفي الشتاء بالمياه الحارة في الحمامات، كما هو مشاهد من حالهم، لكن ليس اغتسالهم على الوجه المخصوص، بل يعممون البدن بالماء، وهو كاف في صحة الغسل، ولم يلزم لهم نية؛ لأنَّ وضوء الكافر واغتساله صحيح، فلو أسلم بعده؛ جازت صلاته به؛ فافهم.

وقوله: (وقال: وليس في الحديث...) إلخ: رده إمام الشَّارحين، فقال: (قد مر في حديث أبي هريرة الذي أخرجه ابن حبان، وابن خزيمة، والبزار، وفيه: «فأمره عليه السَّلام أن يغتسل»، وفي «تاريخ نيسابور» للحاكم من حديث عبد الله بن محمَّد بن عقيل، عن أبيه، عن جده قال: «لما أسلمت؛ أمرني النَّبي صلى الله عليه وسلم بالاغتسال»، وفي «الحلية» لأبي نعيم عن واثلة قال: «لما أسلمت؛ قال لي النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: اغتسل بماء وسدر، واحلق عنك شعر الكفر»، وفي كتاب «القرطبي» روى عبد الرحيم بن عبيد الله بن عمر، عن أبيه، عن نافع، عن ابن عمر: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر رجلًا أسلم أن يغتسل بماء وسدر) انتهى.

قلت: إذا علمت ذلك؛ ظهر لك أنَّ في الحديث أنَّه عليه السَّلام أمره بالاغتسال، فلا عبرة بكلامه؛ لأنَّ من حفظ حجة على من لم يحفظ، والمُثبِت مقدم على النافي، وإنما ذكر ذلك ترويجًا لمذهبه.

وقول مالك: (لم يبلغنا...) إلخ: يرده ما ذكره إمام الشَّارحين؛ لأنَّه قد ثبت أنَّه عليه السَّلام أمر بذلك، وهو لا ينافي بلوغه لغيره؛ لأنَّ الحفاظ قد أثبتوه في كتبهم الصِّحاح.

وزاد في الطنبور نغمة العجلوني فزعم أنَّه يحمل كلام مالك على عدم بلوغ الخبر إليه بحسب ظنه، أو لأنَّه لم يثبت عنده، فلا ينافي ما مر، انتهى.

قلت: وهذا فاسد؛ لأنَّ مالكًا قد نفى بلوغ الخبر إليه قطعًا، ولم يقل: بحسب ظني، وكونه لم يثبت عنده؛ ممنوع؛ لأنَّه قال: لم يبلغنا، ولم يقل: لم يثبت عندنا.

وقوله: (فلا ينافي ما مر) ؛ أي: الأحاديث الدَّالة على أمره بالاغتسال، بل هو مناف لكلامه؛ لأنَّه قد نفى ذلك، وهو ثابت في الأحاديث الصِّحاح، فكيف لا ينافيه وما ذا إلا تعصب بارد من ذهن شارد؛ فليحفظ.

وقال إمام الشَّارحين: (وفي الحديث: أسر الكافر وجواز إطلاقه، وللإمام في حق الأسير العاقل القتل، أو الفداء، أو الاسترقاق، أو الإطلاق منًّا عليه.

وفيه: جواز ربط الأسير في المسجد، وزعم القرطبي يمكن أن يقال: إنَّ ربطه بالمسجد؛ لينظر حسن صلاة المسلمين واجتماعهم عليها، فيأنس ذلك) .

قلت: يوضح هذا ما رواه ابن خزيمة في «صحيحه» عن عثمان بن أبي العاص: أنَّ وفد ثقيف لما قدموا؛ أنزلهم النَّبيُّ عليه السَّلام المسجد؛ ليكون أرق لقلوبهم، وقيل: يمكن أن يكون ربطه في المسجد؛ لأنَّه لم يكن له موضع يربط فيه إلا المسجد.

ثم قال: (وأخذ ابن المنذر من هذا الحديث: جواز دخول الجنب المسلم المسجد، وأنَّه أولى من المشرك؛ لأنَّه ليس بنجس بخلاف المشرك) انتهى.

قال العجلوني: (وهذا القول في غاية الضعف والغرابة) انتهى.

قلت: ليس هذا القول بأضعف من قول إمامه الشَّافعي: في جواز دخول المسلم الجنب المسجد على وجه المرور، بل هو غريب أيضًا؛ لأنَّ المرور دخول وزيادة، وقد قال عليه السَّلام في الحديث الصَّحيح: «لا أُحِل المسجد لحائض ولا جنب»، وهو محكم لا يحتمل غيره، وقوله تعالى: {إِلَّاعَابِرِي سَبِيلٍ} [النساء: 43] ؛ فمعناه: أي: مسافرين، باتفاق المفسرين؛ فليحفظ.

[1] في الأصل: (يشارق)، وهو تحريف.
[2] في الأصل: (ابن)، ولعل المثبت هو الصواب.