المستند التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

461-. حدَّثنا إِسْحاقُ بْنُ إِبْراهِيمَ، قالَ: أخبَرَنا [1] رَوْحٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عن شُعْبَةَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ زِيادٍ:

عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: «إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الجِنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ البارِحَةَ _أَوْ: كَلِمَةً نَحْوَها_ لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلاةَ، فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ، فَأَرَدْتُ [2] أَنْ أَرْبِطَهُ إلىَ سارِيَةٍ مِنْ سَوارِي المَسْجِدِ، حَتَّىَ تُصْبِحُوا وَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمانَ: رَبِّ [3] { هَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي} [ص: 35] [4] ». قالَ رَوْحٌ: فَرَدَّهُ [5] خاسِئًا.

الأطراف



[1] في رواية الأصيلي: «حدَّثنا».
[2] في رواية الأصيلي وابن عساكر و [عط] ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت ورواية أبي ذر عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «وأردتُ».
[3] لفظة: «ربِّ» ليست في رواية ابن عساكر.
[4] بهامش اليونينية بدون رقمٍ زيادة: «{ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ }». كتبت بالحمرة.
[5] صحَّح عليها في اليونينيَّة.





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

لا تتوفر معاينة

461# (إِنَّ شَيْطَاناً [1] تَفَلَّتَ عَلَيَّ) أي: توثَّب [2] وتسرَّع إليَّ.

(الْبَارِحَةَ) أقرب ليلة مضتْ.

(أَنْ أَرْبِطَهُ) بكسر الباء الموحدة، ماضيه: ربَط، بفتحها.

(فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ) يشير إلى أنه لم يُرد مزاحمته فيما أُعطيه، فتركه مع القدرة عليه، وهل كانت إرادتُه لربطه بعد تمام الصلاة أو فيها؛ لأنه يسير؟! احتمالان ذكرهما ابن الملقِّن.

[1] في المتن: ((عِفْرِيتًا)).
[2] في (ق): ((يتوثب)).





461- قوله: (حَدَّثَنَا رَوْحٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ): أمَّا (رَوحٌ) ؛ فقد تقدَّم أنَّه بفتح الرَّاء، وتُضمُّ، وهو ابن عُبادة القيسيُّ، أبو مُحَمَّد، الحافظ البصريُّ، عن ابن عون وابن جريج، وعنه: أحمد، وعبْد، والكديميُّ، وصنَّف الكتب، وكان من العلماء البحور، تقدَّم، أخرج له الجماعة، تُوُفِّيَ سنة (205 هـ ) ، له ترجمة في «الميزان»، وصحَّح عليه، وقد تقدَّم، ولكن طال العهد [به] .

وأمَّا (مُحَمَّد بن جعفر) ؛ فهو غُنْدر، تقدَّم مرارًا، وهو مشهور الترجمة، وقد قدَّمت بعضها.

قوله: (إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ): اعلم أنَّه جاء في الحديث في «مسلم» أنَّ عدوَّ الله إبليس جاء بشهاب من نار، فالظاهر: أنَّه هذا، والله أعلم، أو يكون جاءه هذا، وجاءه إبليس لعنهما الله.

تنبيه: عزا القاضي عياض في «الشِّفا»: (قال عبد الرزَّاق: في صورة هرٍّ) ، انتهى.

قوله: (فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ): قال شيخنا الشَّارح: (قال الدَّاوديُّ: لمَّا احتمل قول سليمان: {لَا يَنْبَغِي} [ص: 35] ، لشيء منه أو لجميعه؛ كفَّ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم عن الفعل، والله أعلم) انتهى، وقال القاضي عياض: (معناه: أنَّه مُختصٌّ بهذا، فامتنع نبيُّنا صلَّى الله عليه وسلَّم من ربطه، إمَّا لأنَّه [1] لم يقدر عليه لذلك، وإمَّا لكونه لمَّا تذكر ذلك؛ لم يتعاطَ ذلك؛ لظنِّه [2] أنَّه لا يقدر عليه، أو تواضُعًا وتأدُّبًا) انتهى، وقد أوتي المُلْكَ غيرُه، وهو بعضُ ما سأل، قال شيخنا في (سورة ص): (وقد قَدِرَ الشَّارعُ على العفريت، وهو من بعض ذلك المُلْك، وأخذ أبو هريرة شيطانًا، وَجَدَه يسرق التَّمر مرَّاتٍ، وأراد أن يوثقه) ، انتهى، وقد أخذه النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وخنقه حتَّى وجد برد لسانه على يده، وهذا يؤيِّد أنَّه أُقدِر على أخذه، وفي «المستدرَك» في ترجمة أبي أيُّوب الأنصاريِّ: عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، قال: (كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم نازلًا على أبي أيُّوب في غرفة وكان طعامه في سلَّة في المخدع، فكانت تجيء من الكوَّة السِّنَّور [تأخذ الطَّعام من السَّلَّة، فشكا ذلك إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «تلك الغول، فإذا جاءت؛ فقل: عزم عليك رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ألَّا تبرحي»، فجاءت، فقال لها أبو أيُّوب: عزم عليك رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ألَّا تبرحي، فقالت: يا أبا أيُّوب؛ دعني هذه المرَّة، فوالله لا أعود، فتركها، فأتى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فأخبره، قالت [3] ذلك مرَّتين، [ثم قالت] [4] : هل لك أن أعلِّمك كلماتٍ إذا قلتهنَّ؛ لا يقرب بيتَك شيطانٌ تلك اللَّيلة، وذلك اليوم، ومن الغد؟ قال: نعم، قالت: اقرأ آية الكرسيِّ، فأتى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فأخبره، فقال: «صدقت، وهي كذوب»)] [5] .

[1] في (ج): (أنه) .
[2] في (ب): (لمظنة) .
[3] في (ج): (فقال) .
[4] ما بين معقوفين مستدرك من مصدره.
[5] ما بين معقوفين سقط من (ب) .





461- (نَحْوَهَا): الضَّميرُ لـ (البَارِحَةَ)، أو لجملةِ (تَفَلَّتَ).

(تُصْبِحُوا): أي: تَدخلوا في الصَّباحِ، وهي تامَّةٌ لا تحتاجُ إلى خبرٍ.

(كُلُّكُمْ): بالرَّفعِ توكيدٌ للضَّميرِ المرفوعِ.


461- وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن راهُويه (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ: ((حدَّثنا)) (رَوْحٌ) بفتح الرَّاء، ابن عبادة؛ بضمِّ العين المُهمَلة وتخفيف المُوحَّدة (وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المشهور بغندر، كلاهما (عَنْ شُعْبَةَ) بن الحجَّاج (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ) بكسر الزَّاي المُعجَمة وتخفيف المُثنَّاة التَّحتيَّة، القرشيِّ الجمحيِّ، مولى آل عثمان بن مظعونٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ عِفْرِيتًا)؛ أي: جنيًّا ماردًا (مِنَ الْجِنِّ) بيانٌ له [1] (تَفَلَّتَ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ)؛ أي: تعرَّض لي فلتةً، أي: بغتةً في سرعةٍ في أدنى ليلةٍ مضَت، و«تَفَلَّتَ»: بفتحاتٍ مع تشديد اللَّام، ونُصِب «البارحة» على الظَّرفيَّة. (_ أَوْ) قال عليه الصَّلاة والسَّلام (كَلِمَةً نَحْوَهَا_)؛ أي: كقوله في الرِّواية الآتية _إن شاء الله تعالى_ في أواخر [2] «الصَّلاة» [خ¦1210] : «عرض لي فشدَّ عليَّ»، فالضَّمير لجملة «تفلَّت عليَّ البارحة» (لِيَقْطَعَ) بفعله (عَلَيَّ الصَّلَاةَ، فَأَمْكَنَنِي اللهُ مِنْهُ، فَأَرَدْتُ) بالفاء، ولأبوي ذَرٍّ والوقت [/ج1ص450/] والأَصيليِّ وابن عساكر: ((وأردت)) (أَنْ أَرْبِطَهُ) بكسر المُوحَّدة (إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ)؛ أي: أُسطوانةٍ [3] من أساطينه (حَتَّى تُصْبِحُوا) تدخلوا في الصَّباح (وَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ) بالرَّفع، توكيدٌ [4] للضَّمير المرفوع، والفعل تامٌّ لا يحتاج إلى خبرٍ، وهل كانت إرادته لربطه بعد تمام الصَّلاة أو فيها لأنَّه يسير؟ احتمالان ذكرهما ابن الملقِّن فيما نقله عنه في «المصابيح» (فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي) في النُّبوَّة (سُلَيْمَانَ) بن داود عليهما السَّلام: ({رَبِّ اغفر لي وهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي}) من البشر مثله، فتركه عليه الصَّلاة والسَّلام مع القدرة عليه؛ حرصًا على إجابة الله عزَّ وجلَّ دعوة سليمان [5] ، كذا في رواية أبي ذَرٍّ كما في «الفتح»: (({رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا})) [ص: 35] ، ولابن عساكر: (({هب لي})) وإسقاط سابقه، كما في «الفرع» و«أصله»، ولغيرهما: (({رَبِّ هَبْ لِي})) وحمله في «الفتح» على التَّغيير من بعض الرُّواة، وقال الكرمانيُّ: ولعلَّه ذكره على قصد الاقتباس من القرآن لا على قصد أنَّه قرآنٌ، وزاد في حاشية «الفرع» و«أصله» بعد قوله: {منْ بَعْدِي} ممَّا ليس به رقم علامة أحدٍ من الرُّواة: (({إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ})).

ورواة هذا الحديث السِّتَّة ما بين مروزيٍّ وبصريٍّ، وفيه التَّحديث والإخبار والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦1210] ، و«التَّفسير» [خ¦4808] ، و«أحاديث الأنبياء» [خ¦3423] ، و«صفة إبليس اللَّعين» [خ¦3284] ، وأخرجه [6] مسلمٌ في «الصَّلاة»، والنَّسائيُّ في «التَّفسير».

(قَالَ رَوْحٌ) هو [7] ابن عبادة في روايته دون رواية رفيقه محمَّد بن جعفرٍ: (فَرَدَّهُ) عليه الصَّلاة والسَّلام؛ أي: العفريت حال كونه (خَاسِئًا)؛ أي: مطرودًا. نعم؛ وقع عند المؤلِّف في «أحاديث الأنبياء» [خ¦3423] عن محمَّد بن بشَّارٍ عن محمَّد بن جعفرٍ وحده بلفظ: ((فرددته خاسئًا)).

واستُنبِط من الحديث: إباحة ربط الأسير في المسجد، وربط الغريم بالقياس عليه. والله سبحانه تعالى الموفِّق والمعين على الإتمام، والمتفضِّل بالقبول والإقبال.

[1] «له»: ليس في (ص).
[2] في (د) و(م): «آخر».
[3] في هامش (ص): «قوله: «أُسطوانة»: بضمِّ الهمزة؛ كما في «المصباح»، انتهى».
[4] في غير (د): «توكيدًا».
[5] «لي ملكًا»: سقط من (د).
[6] «أخرجه»: ليس في (ص).
[7] «هو»: سقط من (د).





461- ( تَفَلَّتَ ): بالفاء وتشديد اللَّام، أي: تعرَّض لي فلتة، أي: بغتة.

وقال القزَّاز: يعني توثب.

( الْبَارِحَةَ ): قال صاحب «المنتهى»: كلُّ زائلٍ بارحٌ، ومنه سُمَّيت البارحة، وهي أدنى ليلة زالت عنك.

( أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا ): شكٌّ من الرَّاوي، ففي لفظ ذكره في الصَّلاة: «عرضَ لي فشدَّ عليَّ» [خ:1210] ولعبد الرَّزاق: «عرض لي في صورة هِرٍّ»، ولمسلم: «جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي». [/ج2ص533/]

( فَأَمْكَنَنِي اللهُ مِنْهُ ): للنَّسائيِّ من حديث عائشة: «فأخذته فصرعته حتَّى وجدت بردِّ لسانه على يدي».

( فَرَدَّهُ ) أي: ردَّ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم العفريت.

( خَاسِئًا ): أي: مطرودًا، وللمصنَّف في أحاديث الأنبياء: «فرددته خاسئًا»، [خ:3423] ولمسلم: «فردَّه الله خاسئًا».


119/461# قال أبو عبد الله: حدَّثنا إِسْحاقُ بْنُ إِبْراهِيمَ، قالَ: حدَّثنا رَوْحٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عن شُعْبَةَ، عن مُحَمَّدِ بْنِ زِيادٍ:

عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: «إِنَّ عِفْرِيتاً مِنَ الجِنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ البارِحَةَ _أَوْ كَلِمَةً نَحْوَها_ لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلاةَ، فَأَمْكَنَنِي اللهُ مِنْهُ، وَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ [1] إلىَ سارِيَةٍ مِنْ سَوارِي المَسْجِدِ، حَتَّىَ تُصْبِحُوا وَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمانَ: ربِّ هبْ { لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي } [ص: 35] ».

«العِفريت»: المارد الخَبيثُ من الجِنِّ.

وقوله: (تَفَلَّت) معناه: تَعَرَّض لي فَلَتَةً، أي: فَجْأةً؛ ليغلبني على صلاتي.

وفيه دليلٌ على أنَّ رُؤيةَ البشرِ الجِنَّ غير مُستحيلة، والجنُّ [2] أجسام لطيفة، والجسم وإن لَطُفَ فإنَّ دَرْكَه [3] غيرُ ممتنع أصلاً، وقد رأينا غيرَ واحدٍ من ثِقاتِ أهل [4] الزُّهد والوَرَع، وبَلَغَنَا عن غير واحدٍ من أصحاب الرِّياضَات وأهل الصَّفاء [5] والإخلاص من أهل المعرفة يُخبرون أنَّهم يُدركون أشْخَاصَهم، فأمَّا قوله تعالى: { إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ } [الأعراف: 27] فإنَّ ذلك حُكمُ الأعمِّ الأغلب

@%ص121%

من أحوال بني آدمَ، امتحنهم اللهُ بذلك وابتلاهم؛ ليفزعوا إليه ويَستَعيذُوا به من شَرِّهم، ويَطلُبُوا [6] الأمَانَ مِنْ غائلتِهم، ولا يُنكَرُ [7] أن يكون حكم الخاصِّ [8] والنادر من المُصطفين [9] من عباده بخلاف ذلك، فقد قال تعالى: { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ } [الحجر: 42] وقال: { إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ } [الحجر: 40] ، فأخبر أنَّهم لا يُسَلَّطون على أوليائه، ولا يُوجدُون السَّبيل إليهم، وهذا المعنى كأنَّه هو علَّةُ رُؤْيَتهم إيَّانا، وعدمُ رُؤيَتِنَا إيَّاهم؛ والله أعلم [10] .

وقد روِّينا عن عمر بن الخطَّاب وأبي أيُّوب الأنصاريِّ وعن [11] غير واحدٍ من الصحابة رُؤيةَ الجِنِّ ومعالجتهم إيَّاهم [12] في [13] غير حديثٍ من طريق [14] الثقات من النَّقَلة والأثبات منهم [15] .

وفي الحديث [16] دليل على أنَّ أصحاب سُليمان كانوا يرون الجِنَّ وتَصرُّفهم له وبين يَديه [17] ، وذلك من دلائل نُبَوَّته [18] ، ولولا مُشاهدَتُهم إيَّاهم لم تكن تَقُوم له [19] الحُجَّة بمكانهم عليهم [20] .

[1] في (ر): (أن أرتبطه).
[2] في النسخ الفروع: (وإنما الجن).
[3] في (م): (تركه).
[4] في النسخ الفروع: (من الثقات وأهل).
[5] في (ر): (الصفات).
[6] في (ط): (ويطلبون).
[7] في (م): (ولا يمكن).
[8] في (أ): (الخواص).
[9] في النسخ الفروع: (حكم الخاصة المصطفين).
[10] (والله أعلم) لم تذكر في (ط).
[11] (عن): سقط من (ط).
[12] في (أ) و (م): (إياه).
[13] قوله: (في) سقط من الأصل، و المثبت من (ط).
[14] في (ط): (طرف) بالموحدة.
[15] في النسخ الفروع: (من طريق الأثبات والثقات من النقلة).
[16] في (ف): (وفيه).
[17] في النسخ الفروع: (يدي سليمان).
[18] (وذلك من دلائل نبوته) سقط من (ط).
[19] في (ط): (عليهم).
[20] في النسخ الفروع: (عليهم بمكانهم).





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

461# وقوله: (إِنَّ عِفْرِيتًا) إلى آخره.

قوله: (تَفَلَّتَ): أي: عرض عليَّ في غفلة وخديعة وسرعة.

فيه: أن يراهم بعض الآدميِّين، وربطُهم كان من خصوصيَّاته عليه الصلاة والسَّلام؛ كما خُصَّ برؤية الملائكة.

قوله: (فَرَدَّهُ الله [1] خَاسِئًا): أي: ذليلًا.

[1] لفظ الجلالة (الله): ليس في «اليونينيَّة».





461- وبالسند إلى المؤلف قال: ((حدثنا إسحاق بن إبراهيم)) هو أبو يعقوب الحنظلي المروزي، المعروف بابن راهويه، وهو من مشايخ الشَّافعي كما ذكره الرازي، وقال أحمد ابن حنبل: (إسحاق عندي إمام، وما عبر الجسر أفقه منه) ، ولد سنة إحدى وستين ومئة، وتوفي بنيسابور سنة ثمان أو سبع وثلاثين ومئتين، وإنما لقب براهويه؛ لأنَّه ولد في طريق مكة، ومعنى الطريق بالفارسية: (راه) ، ومعنى: (ويه) : وجد، فكأنَّه وجد في الطريق، ((قال: أخبرنا)) وللأصيلي: (حدثنا) ((رَوح)) ؛ بفتح الرَّاء آخره حاء مهملة: هو ابن عُبادة؛ بِضَمِّ العين المهملة، وتخفيف الموحَّدة، ابن العلاء البصري، المتوفى سنة خمس ومئتين ((ومحمَّد بن جعفر)) هو الهذلي البصري، المشهور بغُندر؛ بِضَمِّ الغين المعجمة؛ كلاهما ((عن شعبة)) هو ابن الحجاج الواسطي ثم البصري ((عن محمَّد بن زِيَاد)) ؛ بكسر الزاي، وتخفيف التحتية، هو القرشي الجمحي المدني التَّابعي الجليل، وقول العجلوني: (مولى آل عثمان بن مظعون) خطأ ظاهر؛ فاجتنبه، ((عن أبي هريرة)) هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي الصَّحابي الجليل رضي الله عنه، ((عن النَّبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم)) أنَّه ((قال: إن عِفريتًا)) ؛ بكسر العين المهملة: على وزن: (فِعليت) ، قاله ابن الحاجب، وفي «المحكم»: (رجل عفر وعفرية وعفارية وعفريت: بيِّن العفارة خبيث منكر) ، وقال الزجاج: (العفريت: النافذ في الأمر المبالغ فيه مع خبث ودهاء، وقد تعفرت) ، وفي «الجامع»: (والشَّيطان: عفريت وعفرية، وهم العفاريت والعفارية، قال تعالى: {قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الجِنِّ} [النمل: 39] ، وقرأ بعضهم: «عفرية من الجن») ، قال الجوهري: (إذا سكنت الياء؛ صيرت الهاء تاء، وإذا حركتها؛ فالتَّاء هاء في الوقف) ، كذا في «عمدة القاري»، ((من الجن)) احترازًا عن العفريت من غيرهم، قال ابن سيده: (الجن: نوع من العالم، والجمع: جنان، وهم الجِنَّة، والجني؛ منسوب إلى الجن أو الجنة، والجنة: طائفة الجن، والمجنة والجن، وأرض مجنة: كثيرة الجن، والجان: أبو الجن، وهم اسم جمع) انتهى، وفي «القاموس»: (والجان: اسم جمع للجن وحية أكحل العينين لا تؤذي، كثيرة في الدور، والجِن؛ بالكسر: الملائكة كالجِنة، ومن الشباب وغيره: أوله وحدثانه، ومن النبت: زهره ونوره، والجِني؛ بالكسر: نسبة إلى الجن أو الجنة) انتهى هذه عبارة «القاموس» الصَّحيحة، وقد نقل العجلوني عبارته بتصحيف ظاهر مُخلٍّ بالمعنى من عدم معرفته؛ فافهم.

ويطلق الشَّيطان على كل عاتٍ متمرد من الإنس والجن، والشَّيطان من الجن إذا أعياه المؤمن وعجز عن إغوائه؛ ذهب إلى متمرد من الإنس، فأغراه على المؤمن ليفتنه، وقال مالك بن دينار: (شياطين الإنس أشدُّ عليَّ من شياطين الجن؛ لأنَّي إذا تعوذت بالله من شياطين الجن؛ ذهبوا عني، وشياطين الإنس تجيئني فتجرني إلى المعاصي عيانًا) ، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ} [الأنعام: 112] .

قال إمام الشَّارحين: واعلم أنَّ الموجود الممكن الذي ليس بمتحيز ولا صفة للمتحيز هم الأرواح، وهي إما سفلية أو علوية؛ فالسفلية؛ إمَّا خيرة؛ وهم صالحوا الجن، أو شريرة؛ وهم مردة الشياطين، والعلوية؛ إما متعلقة بالأجسام؛ وهي الأرواح الفلكية، أو غير متعلقة بالأجسام؛ وهي الأرواح المطهرة المقدسة، وقال ابن دريد: الجن خلاف الإنس، يقال: جنه الليل وأجنه وجن عليه وغطاه في معنَّى واحد: إذا ستره، وكل شيء استتر عنك؛ فقد جن عنك، وبه سميت الجن، وقال ابن عقيل: إنَّما سمي الجن جنًّا؛ لاستجنانهم واستتارهم عن العيون، ومنه سمي الجنين جنينًا، انتهى.

ثم قال إمام الشَّارحين: ثم اعلم أنَّ الجن يتطورون في صور شتى، ويتشكلون في صورة الإنس، والبهائم، والحيات، والعقارب، والإبل، والبقر، والغنم، والخيل، والبغال، والحمير، وفي صور الطير.

وقال القاضي أبو يعلى: (ولا قدرة للشياطين ولا للجن ولا الملائكة على تغيير خلقهم والانتقال في الصور، إنَّما يجوز أن يعلِّمهم الله تعالى كلمات وضربًا من ضروب الأفعال إذا فعلهوتكلم به؛ نقله الله من صورة إلى صورة أخرى، وأمَّا أن يصوِّر نفسه؛ فذلك محال؛ لأنَّ انتقالهم من صورة إلى صورة [إنما يكون] بنقض [1] البنية وتفريق الأجزاء، وإذا انتقضت؛ بطلت الحياة، والقول في تشكيل الملائكة كذلك) انتهى.

((تَفلَّت)) ؛ بفتح المثناة الفوقية، وتشديد اللَّام؛ أي: تعرض فلتة؛ أي: بغتة، وفي «المحكم»: أفلت الشيء: أخذه بغتةً في سرعة، وكان ذلك فلتة؛ أي: فجأة، والجمع: فلتات، لا يجاوز بها جمع السَّلامة، والفلتة: الأمر يقع من غير إحكام، وفي «المنتهى»: تفلت علينا وإلينا، وفي «الصِّحاح»: أفلت الشيء تفلت وانفلت بمعنًى، وأفلته غيره، كذا في «عمدة القاري»، وقال القزاز: تفلت؛ أي: توثب ((عليَّ)) بتشديد الياء المفتوحة ((البارحةَ)) ؛ بالنصب على الظرفية لـ (تفلت) ، وهي أقرب ليلة مضت، وفي «المنتهى»: كل زائل بارح، ومنه سميت البارحة أدنى ليلة زالت عنك، تقول: لقيته البارحة والبارحة الأولى، ومنه ثلاث ليالٍ، وفي «المحكم»: البارحة: هي الليلة الحالية [2] ، ولا تحقر، وقال قاسم في «الدلائل»: يقال: بارحة الأولى: يضاف الاسم إلى الصِّفة، كما يقال: مسجد الجامع، ومنه الحديث: «كانت لي شاة فعدا [3] عليه الذئب بارحة الأولى»، كذا في شرح إمام الشَّارحين.

قلت: وظاهره أنَّها لا تطلق على الليلة البعيدة، بقي أنَّ ظاهر كلام «المحكم» أنَّها تطلق على الليلة الحالية، وهو خلاف المتبادر من كلامهم، وخلاف الاستعمال، إلا أن يقال: إنَّها الحالية بمعنى المتصلة بالليلة الحالية لكنَّه بعيد؛ فافهم.

((أو قال)) أي: النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم ((كلمة)) ؛ أي: جملة كما في قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا} [المؤمنون: 100] ، وقد قال هو جملة من كلمات ((نحوَها)) ؛ بالنصب صفة لـ (كلمة) ؛ أي: نحو قوله: (تفلت عليَّ البارحة) والمراد أنَّها تشبهها، كما في الرواية الآتية للمؤلف آخر (الصلاة) : «عرض لي فشد علي»، ووقع في رواية عبد الرزاق: «عرض لي في صورة هر»، ووقع في رواية مسلم: «جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي»، فضمير (نحوها) يرجع إلى قوله: (تفلت عليَّ البارحة) ، كما ذكرنا، وبه علم أنَّ قول العجلوني: (فضمير «نحوها» لجملة «تفلت علي البارحة») ليس على إطلاقه؛ لأنَّ الضمير في (نحوها) ليس عائدًا على الجملة، بل على قوله: (تفلت علي البارحة) ؛ فافهم، وأمَّا قول الكرماني: (فضمير «نحوها» يرجع إلى «البارحة») ؛ فغير ظاهر؛ لأنَّ صريح اللَّفظ يدل على أنَّه قال نحو قوله: (تفلت علي البارحة) ، ويدل عليه رواية البخاري ومسلم وعبد الرزاق كما علمتها آنفًا؛ فافهم، ((ليَقْطَع)) بفتح التحتية، والطاء المهملة، وسكون القاف ((عليَّ)) بتشديد التحتية المفتوحة ((الصلاة)) قال العجلوني: لم أقف على تعيين الصلاة، ولعلها نافلة الليل، انتهى، قلت: ويحتمل أنَّها نافلة النهار، ويحتمل أنَّها فريضة الليل أو النهار، ولا مانع منه؛ فليحفظ، ((فأمكنني)) بعدم الإدغام ((الله منه)) ؛ يعني: قوَّاني وعصمني الله منه، وقد جاء في تفسير ذلك في رواية النسائي حيث قال: «فأخذته، فصرعته، فخنقته حتى وجدت برد لسانه على يدي» انتهى، ((فأردت)) بالفاء، ولأبوي ذر والوقت، والأصيلي، وابن عساكر: (وأردت) ؛ بواو العطف ((أن)) بفتح الهمزة[/ص654/] ((أربِطه)) بكسر الموحَّدة الخفيفة وضمها ((إلى سارية)) أي: مع سارية ((من سوار المسجد () ؛ أي: النَّبوي، فاللَّام للعهد، والسارية: الأسطوانة؛ أي: من أسطوانة من أساطين المسجد النَّبوي، قال القليوبي: وجملتها الآن مئتان وست وتسعون أسطوانة، انتهى، وقد زاد في عمارته السلطان عبد المجيد العثماني زيادة لم أرها، ونسأل الحنان المنان أن يرزقنا زيارة النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم بالصحة والأمان، آمين، ((حتى تصبحوا)) ؛ أي: تدخلوا في الصباح، فهي تامة لا تحتاج إلى خبر ((وتنظروا إليه)) أي: إلى العفريت ((كلُّكم)) بالرفع تأكيد للضمير المرفوع.

قال إمام الشَّارحين: يحتمل أن يكون ربطه بعد تمام الصلاة، أو يربطه بوجه كان شغلًا يسيرًا، فلا تفسد به الصلاة، انتهى.

قال العجلوني: (والأرجح كون ربطه خارج الصلاة؛ لأنَّ ربطه بالسارية يحتاج إلى عمل كثير لا يسير كما قاله، على أنَّ في رواية النسائي السَّابقة أنَّها تدل على كثرة العمل؛ فتأمل) انتهى.

قلت: بل هما احتمالان، والأرجح أنَّه عليه السَّلام أراد ربطه وهو في الصلاة، يدل عليه صريح لفظ الحديث؛ حيث قال: «فأمكنني الله منه فأردت...» إلخ، فأتى بالفاء المفيدة للتعقيب؛ يعني: أنَّه وقت إمكانه منه أراد ربطه؛ لأجل ألا يفر منه، فيفوت المقصود وهو نظرهم إليه.

وقوله: (لأنَّ ربطه...) إلخ: ممنوع؛ لأنَّه يحتمل أنَّه عليه السَّلام كان قريبًا من السارية، أو أشار إليها لتقرب منه، وربطه لا يحتاج إلى عمل كثير؛ لأنَّ الكثير ما يستكثره الناظر، أو ما يفوَّض إلى رأي المصلي، والربط لا يكون كذلك، بل هو عمل يسير غير مفسد للصلاة، ورواية النسائي السَّابقة لا تدل على العمل الكثير؛ لأنَّه قال فيها: «فأخذته، فصرعته، فخنقته حتى وجدت برد لسانه»، فهي ظاهرة في أنَّها عمل يسير لا كثير، ويحتمل تعدد القصة، فكل رواية في قصة بانفرادها، وهو الأظهر، ويحتمل أنَّ على رواية النسائي يكون المعنى: فأخذته بيدي من رقبته حتى خنقته ووجدت برد لسانه، فهو عمل واحد يسير لا كثير كما زعمه؛ فليحفظ.

((فذكرت)) أي: تذكرت ((قول أخي)) أي: في النُّبوة أو الدِّين ((سليمان)) هو ابن داود عليهما السَّلام الذي قال الله تعالى في حقه: {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ العَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص: 30] ؛ أي: مطيع رجَّاع، وسئل سفيان عن عبدين ابتلي أحدهما فصبر وأنعم على الآخر فشكر، فقال: كلاهما سواء؛ لأنَّ الله تعالى قد أثنى على عبدين أحدهما صابروالآخر شاكر ثناءًا واحدًا، فقال: في وصف أيِّوب: {نِعْمَ العَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ}، وقال في وصف سليمان: {نِعْمَ العَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} انتهى، قلت: وعلى هذا لا فضل للغني الشاكر على الفقير الصابر، بل هما في الفضل سواء، وفيه خلاف؛ والجمهور على أنَّ الغني الشاكر أفضل من الفقير الصابر؛ لأنَّ نفعه عام لنفسه ولغيره فهو أولى بالفضل، وأمَّا الفقير الصابر؛ فنفعه قاصر على نفسه فقط؛ فليحفظ: (({رب اغفر لي})) ؛ أي: ذنبي، وهو من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين (({وهب لي})) [ص: 35] كذا لأبي ذر، ولغيره: (رب هب لي) وإسقاط ({رب اغفر لي}) سوى ابن عساكر، فإنَّه رواه بلفظ (هب لي) فقط كما في (الفرع) و (أصله) ، ووقع في رواية مسلم كرواية أبي ذر على نسق التلاوة.

قال ابن حجر: (والظَّاهر أنَّ غير رواية أبي ذر من تغيير بعض الرواة) انتهى.

قلت: وعليه فهو تصحيف من بعض الرواة، وليس كذلك؛ لأنَّ أكثر الرواة رووا: (ربِّ هب لي) ، ولا يمكن اجتماع الجمهور على تصحيف الرواية، وكل راوٍ روى على ما سمعه فهذه الجرأة مذمومة؛ ولهذا قال الكرماني: (لعله ذكره على قصد الاقتباس من القرآن، لا على قصد أنَّه قرآن) انتهى، قلت: يعني: أنَّ رواية أبي ذر على قصد أنَّه قرآن، ورواية غيره على قصد الاقتباس من القرآن، وهذا ظاهر لمن له أدنى ذوق في العلم، ولا تغتر بما زعمه ابن حجر؛ لأنَّه صادر من غير تأمل؛ فليحفظ.

(({مِلكًا})) بكسر الميم مفعول {هب}، وزعم العجلوني أنَّه بِضَمِّ الميم، قلت: وفيه نظر؛ لأنَّ القاعدة عند المحققين أنَّ المُلك إذا أضيف لله تعالى بِضَمِّ الميم؛ كقوله: {المُلْكُ اليَوْمَ [4] لِلَّهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ} [غافر: 16] ، وإذا أضيف إلى العبد بكسر الميم؛ كقولنا: الدار مِلك زيد؛ فليحفظ.

فإن قلت: كيف أقدم سليمان على طلب الدنيا مع ذمها من الله تعالى وبغضه فيها وحقارتها لديه؟

قلت: هو محمول على أداء الحقوق لله تعالى وسياسة ملكه، وترتيب منازل خلقه، وإقامة حدوده، وظهور عبادته، ونظم قانون الحكم النافذ على خلقه منه، وتحقيق الموعود في أنَّه يعلم مالا يعلم أحد [5] من خلقه حسب ما صرح بذلك لملائكته؛ حيث قال: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30] ، وحاشى سليمان عليه السَّلام أن يكون سؤاله طلبًا لنفس الدنيا؛ لأنَّه هو والأنبياء عليهم السَّلام أزهد خلق الله في الدنيا، وإنَّما كان سؤاله مملكتها لله تعالى؛ كما سأل نوح دمارها وهلاكها، وكانا محمودين مجابين إلى ذلك، فأجيب نوح فأهلك من عليها، وأعطي سليمان المملكة، وقد قيل: إنَّ ذلك كان بأمر من الله عز وجل على الصِّفة التي علم الله أنَّه لا يضبطه إلا هو وحده دون سائر عباده.

قال الحسن البصري: (ما من أحد إلا ولله عليه تبعة في نعمة غير سليمان فإنَّه قال: {هَذَا عَطَاؤُنَا..} الآية [ص: 39] ) ، قلت: وهذا يردُّ ما رُوي في الخبر أنَّ آخر الأنبياء دخولًا الجنة سليمان بن داود؛ لمكان ملكه في الدنيا، وفي بعض الأخبار: يدخل الجنة بعد الأنبياء بأربعين خريفًا ذكره صاحب «القوت»، قلت: وقد نص الحفاظ الثقات أنَّ هذا الحديث باطل لا أصل له؛ لأنَّه سبحانه إذا كان عطاؤه لا تبعة فيه؛ لأنَّه من طريق المنة، فكيف يكون آخر الأنبياء دخولًا الجنة وهو سبحانه يقول: {وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ} [ص: 40] ، ويدل عليه ما عند المؤلف في «الصَّحيح»: «لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته...»؛ الحديث، فجعل له من قبيل السؤال حاجة مقضية، فلهذا لم تكن عليه تبعة، والله تعالى أعلم.

(({لا ينبغي})) أي: لا يطلب (({لأحد من بعدي})) ؛ أي: من البشر أو أعم؛ أي: أن يسأله فكأنَّه عليه السَّلام سأل منع السؤال لأحد من بعده حتى لا يتعلق به أمل لأحد،[/ص655/] ولم يسأل منع الإجابة، وقيل: إنَّ سؤاله ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده؛ ليكون محله وكرامته من الله ظاهرًا في خلق السماوات والأرض؛ لأنَّ الأنبياء عليهم السَّلام لهم تنافس في المحل عنده، فكل يحب أن تكون له خصوصية يستدل بها على محله عنده، ولهذا لما أخذ النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم العفريت المذكور، وأراد ربطه ثم تذكر قول أخيه سليمان؛ تركه مع القدرة عليه؛ حرصًا على إجابة الله دعوة سليمان وأنَّه مما اختص به، فلو أعطي أحد بعده مثله؛ ذهبت هذه الخصوصية، فكأنَّه عليه السَّلام كره أن يزاحمه في تلك الخصوصية بعد أن علم أنَّه شيء هو الذي خص به من سحرة الشياطين، وأنَّه أجيب إلى ألا يكون لأحد بعده، والله أعلم؛ فليحفظ.

وقال القاضي عياض: (امتنع عليه السَّلام من ربطه؛ إمَّا لأنَّه لم يقدر عليه؛ لأنَّه قد رده الله خاسئًا، وإما لأنَّه لما ذكر دعوة سليمان؛ لم يتعاطَ ربطه؛ لظنه أنَّه لا يقدر عليه أو تواضعًا وتأدبًا) انتهى.

قلت: يرد هذا ما جاء في رواية النسائي بقوله: «فأخذته، فصرعته، فخنقته حتى وجدت برد لسانه على يدي»، وعند ابن أبي الدنيا: «فأخذت بحلقه، فوالذي بعثني بالحق؛ ما أرسلته حتى وجدت برد لسانه على يدي، ولولا دعوة أخي سليمان؛ لأصبح طريحًا في المسجد»؛ فافهم، وأجاب العلامة القاري: (إنَّما تركه إيماء لكونه معجزة مختصة بسليمان) ، قلت: وهو الظَّاهر؛ فتأمَّل.

قال القسطلاني: (وزاد في حاشية «الفرع» و«أصله» بعد قوله: «{بعدي}» مما ليس عليه رقم أحد من الرواة: «{إنَّك أنت الوهاب}») .

((قال روح)) هو ابن عبادة المذكور في سند الحديث دون رفيقه محمَّد بن جعفر، فهو موصول لا غير، كما قاله إمام الشَّارحين، وقد تردد الكرماني في كونه معلقًا أو موصولًا، قلت: ولا وجه لتردده، بل هو موصول قطعًا بدليل رواية البخاري في (أحاديث الأنبياء) عن محمَّد بن بشار عن محمَّد بن جعفر وحده، فزاد في آخره أيضًا: «فرددته خاسئًا»، وفي رواية مسلم: «فرده الله خاسئًا»، فعلى هذا دلَّ على أنَّ قوله: (قال روح) داخل تحت الإسناد، كما لا يخفى، ولعل الكرماني لم يطلع على ذلك؛ فافهم: ((فرده)) أي: رد النَّبيُّ الأعظم صلى الله عليه وسلم العفريتَ حال كونه ((خاسئًا)) ؛ أي: مطرودًا بعيدًا، وفي «الصِّحاح»: خسأت الكلب: طردته، وخسأ الكلب نفسه، يتعدى ولا يتعدى، ويكون الخاسئ بمعنى: الصاغر الذليل، وفي «المحكم»: (الخاسئ من الكلاب والخنازير والشياطين بالبعد: الذي لا يترك أن يدنو من الناس، وخسأ الكلب يخسأ خسئًا وخسوءًا، فخسأ وانخسأ، ويقال: أخسأُ إليك وأخسأْ عني) انتهى.

قلت: فعلى ما شرحنا يكون فاعل (رده) النَّبي الأعظم عليه السَّلام، ويؤيده رواية المؤلف في (الأنبياء) لكن عن محمَّد بن جعفر وحده: «فرددته خاسئًا»، ويحتمل أن يكون فاعل (رده) الله تعالى، ويؤيده رواية مسلم من طريق النضر عن شعبة بلفظ: «فرده الله خاسئًا»، قيل: وفي بعض النُّسخ هنا: (فرده الله خاسئًا) ؛ فافهم.

قال إمام الشَّارحين: (وجه مطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «الأسير» ظاهرة، وأمَّا قوله: «والغريم»؛ فبالقياس عليه؛ لأنَّ الغريم مثل الأسير في يد صاحب الدين، ففي الحديث: دليل على إباحة ربط الأسير والغريم في المسجد، وعلى هذا بوَّب البخاري، ومن هذا قال المهلب: إنَّ في الحديث جواز ربط من خشي هروبه بحقٍّ عليه أو دين والتوثق منه في المسجد وغيره) انتهى.

وقال الخطابي: (فيه دليل على أنَّ رؤية البشر الجنَّ غير مستحيلة، والجن أجسام لطيفة، والجسم وإن لطف؛ فدركه غير ممتنع أصلًا، وأمَّا قوله تعالى: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ} [الأعراف: 27] ؛ فإنَّ ذلك حكم الأعم الأغلب من أحوال بني آدم، امتحنهم الله بذلك وابتلاهم؛ ليفزعوا إليه، ويستعيذوا به من شرهم، ويطلبوا الأمان من غائلتهم، ولا ينكر أن يكون حكم الخاص والنادر من المصطفين من عباده بخلاف ذلك) انتهى، واعترضه الكرماني فقال: (لا حاجة إلى هذا التأويل إذ ليس في الآية ما ينفي رؤيتنا إياهم مطلقًا، إذ المفاد منها أنَّ رؤيته إيانا مقيدة بهذه الحيثية، فلا نراهم في زمان رؤيتهم لنا فقط، ويجوز رؤيتنا لهم في غير ذلك الوقت) انتهى، قلت: وقد تبعه البيضاوي؛ حيث قال: (ورؤيتهم إيانا من حيث لا نراهم في الجملة لا يقتضي امتناع رؤيتهم وتمثلهم لنا) انتهى، يعني: في بعض أحوالهم، وهو حال بقائهم على صورهم الأصلية؛ لأنَّ حديث الباب وغيره يدل على رؤيتهم، وهو جواب عنه؛ فافهم.

وقال الإمام جار الله الزمخشري في قوله تعالى: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ} فيه دليل بيِّن على أنَّ الجن لا يُرون، ولا يظهرون للإنس، وأنَّ إظهارهم أنفسهم ليس في استطاعتهم، وأنَّ زعْمَ من يدعي رؤيتهم زور ومخرقة) انتهى، واعترضه العجلوني فقال: (حديث الباب وغيره من الأحاديث يرده) انتهى، قلت: ما بلغ هذا رتبة الرد على مثل هذا الإمام؛ لأنَّ الآية صريحة فيما قاله، وأما الحديث وغيره؛ فليس فيه ردٌّ لما قاله؛ لأنَّ رؤية النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم العفريتَ خاص به دون غيره من أمته، كما أنَّ رؤيته الملائكةَ خاص به، يدل عليه أنَّه عليه السَّلام لما خرج في جنازة بعض أصحابه؛ مشى على رؤوس رجليه، فسئل عن ذلك، فقال: «لازدحام الملائكة»، فأصحابه لم يروا الملائكة وقتئذٍ، وكذلك الجن؛ فإن رؤيتهم كانت خاصة به عليه السَّلام دون غيره من الأُمَّة، ويدل على الخصوصية أنَّ أحدًا من أصحابه لم ير أحدًا منهم، إلا أنَّ إظهارهم أنفسهم ليس في استطاعتهم، وذلك لأنَّهم لا قدرة لهم على تغيير خلقهم والانتقال في الصور، وإنَّما يظهرون إذا فعلوا ضروبًا من الأفعال أو قرأوا كلمات علمهم الله إياها، إذا فعلوها أو تكلموا بها؛ نقلهم الله من صورة إلى صورة أخرى، ولا يمكن أن يصوروا أنفسهم؛ لأنَّ ذلك محال؛ لأنَّه يلزم منه نقض البُنية؛ وهو يستلزم تفريق الأجزاء؛ وهو يستلزم إبطال الحياة، فالصورة الحقيقية التي لهم لا ترى للأنس أصلًا، إنَّما يرى صورة أخرى كما ذكرنا، هذا معنى كلام الإمام جار الله، وقد خفي هذا على العجلوني حتى قال ما قال ولم يدر المقال؛ فافهم.

وفي «عمدة القاري»: (قال ابن بطال: ورؤيته عليه السَّلام العفريتَ هو مما خُصَّ به كما خصَّ برؤية الملائكة، وقد أخبر عليه السَّلام: أنَّ جبريل عليه السَّلام له ست مئة جناح، ورأى النَّبي عليه السَّلام الشَّيطان في هذه الليلة، وأقدره الله عليه لتجسمه؛ لأنَّ الأجسام ممكن القدرة عليها، ولكنَّه ألقى في روعه ما وهب سليمان عليه السَّلام، فلم ينفِّذ ما قوي عليه من حبسه؛ رغبة عما أراد سليمان الانفراد به وحرصًا على إجابة الله دعوته، وأمَّا غير النَّبي عليه السَّلام من الناس؛ فلا يُمكَّن منه، ولا يرى أحدٌ الشَّيطانَ على صورته غيره عليه السَّلام؛ لقوله تعالى: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ...}؛ الآية، لكن يراه سائر الناس إذا تشكل في غير شكله، كما تشكل الذي طعنه الأنصاري حين وجده في بيته في صورة حية فقتله، فمات الرجل به، وبيَّن النَّبي عليه السَّلام ذلك بقوله: «إنَّ بالمدينة جنًّا قد أسلموا، فإذا رأيتم من هذه الهوام شيئًا فآذنوه ثلاثًا، فإن بدا لكم؛ فاقتلوه»، رواه الترمذي والنسائي في «اليوم والليلة» من حديث أبي سعيد الخدري) انتهى، قلت: وهذا يؤيد ما قلناه آنفًا؛ فافهم.

وحديث الباب رواه مسلم، قال النَّووي في «شرحه»: فيه دليل على أنَّ الجن موجودون وأنَّهم قد يراهم بعض المؤمنين، وأمَّا قوله تعالى: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ...}؛ الآية؛ فمحمول على الغالب، فلو كانت رؤيتهم محالة لما قال النَّبي عليه السَّلام[/ص656/] ما قال من رؤيته إياهم، ومن أنَّه كان يربطه لتنظروا إليه ويلعبوا به ولدان أهل المدينة) انتهى.

قلت: قوله: (وأنَّهم قد يراهم بعض المؤمنين) : المراد بهم: النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم وسليمان دون أمة [6] نبينا عليه السَّلام، وكذلك قوله: (وأمَّا الآية...) إلخ: خاصٌّ بالنَّبي الأعظم وسليمان دون أمة نبينا، وقوله: (ومن أنه...) إلخ: هذا يدل على أنَّه عليه السَّلام أحب أن تنظر إليه أصحابه، لكن منعه من ذلك دعوة سليمان مع أنَّ الجن مستورون عن الإنس، ولا يمكن رؤية البشر الجن على الصِّفة الأصلية، بل إذا تصوروا بصورة أخرى يمكن، وقوله: (ويلعبوا به...) إلخ: هذه دعوى لا دليل عليها فهي مردودة؛ فافهم.

وقال القاضي عياض: (وقيل: إنَّ رؤيتهم على خلقهم وصورهم الأصلية ممتنعة؛ لظاهر قوله تعالى: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ...}؛ الآية، إلا للأنبياء ومن خرقت له العادة، وإنَّما يراهم بنو آدم في صور غير صورهم كما جاء في الآثار) انتهى.

واعترضه النَّووي فقال: هذه دعوى مجردة، فإن لم يصح لها مستند؛ فهي مردودة، انتهى.

قلت: واعتراضه مردود عليه، فإنَّ قوله: (إن رؤيتهم...) إلخ: دليلها صريح الآية ظاهرًا، وقوله: (إلا للأنبياء) دليله حديث الباب فإنَّ رؤية العفريت مما اختص به عليه السَّلام دون أحد من أصحابه وكذلك سليمان، وقوله: (ومن خرقت له العادة) ، هم الأبدال والنجباء؛ لما في الحديث أنَّه كل واحد منهم على قدم نبي من الأنبياء، وما كان معجزة لنبي؛ جاز أن يكون كرامة لولي، وفيه أحاديث يطول سردها، وقوله: (وإنما يراهم...) إلخ: دليلها الآثار التي ذكرها، فكيف قال النَّووي ما قال؟! فافهم.

وقد ذكر سيدي العارف الشيخ عبد الغني النابلسي أنَّه كان يجتمع بالقاضي شمهورش، ويقرأ عليه، ويدارسه، وهو كان قاضي الجن، وقيل: إنَّه صحابي؛ لأنَّه بلغ من العمر مدة طويلة، قيل: من جن نصيبين أو من غيرهم.

وقد اشتهر عند علماء الروحاني أنهم قالوا: إذا قرأ الإنسان كلمات وأسماء سريانية عددًا مخصوصًا بصفة مخصوصة؛ أنَّه يجتمع بالجن الخادم لهذه الكلمات، كما ذكر ذلك أحمد البوني في «شمس المعارف»، والله أعلم أن الظَّاهر أن الممتنع رؤيتهم على صورتهم الأصلية من غير طلب وقصد، أمَّا على صورة أخرى بطلب من عزيمة ونحوها؛ فغير ممتنع؛ فليحفظ.

وقد حدثني شيخي عن شيخه الشيخ محمَّد الكزبري: أنَّه كان عنده مرة الشيخ عبد القادر القباني فأخبره: أنَّ له شيخًا من الجن، فاستأذنه بالاجتماع به، فأذن له، فاستأذن الشيخ الجني، فأذن له لكن بشرط أن يكون الوقت ليلًا وأن يكون بغير نور، فاجتمعوا في مكان، وسمع صوته ولم ير شخصه، وأنَّ صوته رقيقٌ [7] ، هكذا قال، والله أعلم.

قال إمام الشَّارحين: (وفي الحديث دليل على أنَّ أصحاب سليمان عليه السَّلام كانوا يرون الجن، وهو من دلائل نبوته، ولولا مشاهدتهم إياهم؛ لم تكن تقوم الحجة له؛ لمكانته عليهم) انتهى، واعترضه العجلوني فزعم أنَّ في دلالته على ما ذكر خفاء، انتهى، قلت: وهو ممنوع؛ لأنَّ الحديث فيه أنَّه عليه السَّلام أحبَّ أن يربط العفريت، وتنظر إليه أصحابه ويشاهدوه، فتذكَّر قول سليمان؛ حيث إنَّه كانت أصحابه تشاهد الجن؛ فلم يفعل وترك ذلك؛ حرصًا على إجابة دعوة سليمان؛ فافهم، وفي «تفسير القرطبي»: (قال علي: بينا سليمان على شاطئ البحر، وهو يعبث بخاتمه؛ إذ سقط منه في البحر، وكان ملكه في خاتمه، قال جابر: قال عليه السَّلام: «كان نقش خاتم سليمان: لا إله إلا الله محمَّد رسول الله»، وحكى يحيى الشيباني عن ابن عبَّاس: أنَّ الذي أخذ خاتمه صخر من الشياطين، ثم إنَّه وجد الخاتم في عسقلان، قال علي رضي الله عنه: لما أخذ سليمان الخاتم؛ أقبلت إليه الشياطين، والجن، والإنس، والطير، والوحش، والريح، وهرب الشَّيطان، فاستشارهم حتى أرسل إليه، وأوثقه في جبل الدخان) انتهى، قلت: فهذا يدل على أنَّ أصحاب سليمان يشاهدون الجن والشياطين، ويدل عليه قوله تعالى: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ وَالإِنسِ وَالطَّيْرِ...}؛ الآية [النمل: 17] ، وبهذا كفاية، والله أعلم.

وقال إمام الشَّارحين: (وفي الحديث دليل على أنَّ الجن ليسوا باقين على عنصرهم النَّاري، ولأنَّه عليه السَّلام قال: «إنَّ عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهتي»، وقوله عليه السَّلام: «رأيت ليلة أسري بي عفريتًا من الجن يطلبني بشعلة من نار، كلما التفت إليه رأيته»، ولو كانوا باقين على عنصرهم النَّاري، وأنهم نار محرقة؛ لما احتاجوا إلى أن يأتي الشَّيطان أو العفريت منهم بشعلة من نار، ولكانت يد الشَّيطان أو العفريت أو شيء من أعضائه إذا مس ابن آدم أحرقه، كما يحرق الآدميَّ النَّارُ الحقيقية بمجرد اللمس، فدل هذا على أنَّ تلك النَّارية انغمرت [8] في سائر العناصر حتى صار البرد، ويؤيده قوله عليه السَّلام: «حتى وجدت برد لسانه على يدي»، وفي رواية: «برد لعابه») انتهى، قلت: وهذا كلام في غاية من التحقيق.

وقال البغوي: (وفي الجن مسلمون وكافرون، ويحيون ويموتون، وأمَّا الشياطين؛ فليس فيهم مسلمون، ويموتون إذا مات إبليس) ، وذكر وهب: أنَّ من الجن من يولد لهم، ويأكلون ويشربون بمنزلة الآدميين، ومن الجن من هم بمنزلة الريح لا يتوالدون ولا يأكلون ولا يشربون، من نار السموم: ريح حارة تدخل مسام الإنسان فتقتله، ويقال: السموم بالنهار، والحرور بالليل، وعن الكلبي: السموم: نار لا دخان لها، والصواعق تكون منها، وهي نار بين السَّماء وبين الحجاب، فإذا أحدث الله أمرًا خرقت الحجب فهوت إلى ما أمرت، فالهدة التي تسمع هي خرق [9] ذلك الحجاب، وقيل: نار السموم: لهب النَّار، وقيل: من نار السموم؛ أي: من نار جهنم.

وعن الضحاك عن ابن عبَّاس: (كان إبليس من حي من الملائكة يقال لهم: الجن، خُلقوا من نار السموم، وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار، وأما الملائكة؛ فخلقوا من النور) انتهى، قلت: وهذا يؤيد ما قاله إمام الشَّارحين؛ فليحفظ.

قلت: وما يزعمه الناس من أنَّ الجن تصرع بعض الإنس بكلمات يقرؤها المشايخ؛ فباطل، ولهذا قال الإمام الجبائي: الناس يقولون: المصروع إنَّما حصلت له تلك الحالة؛ لأنَّ الشَّيطان يمسه ويصرعه؛ وهو باطل؛ لأنَّ الشَّيطان ضعيف لا يقدر على صرع الناس، ويدل عليه وجوه:

أحدها: قوله تعالى حكاية عن الشَّيطان: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي} [إبراهيم: 22] ، وهذا صريح في أنَّه ليس للشيطان قدرة على الصرع والقتل والإيذاء.

وثانيها: أنَّ الشَّيطان ليس كثيف الجسم، وإلا لوجب أن نشاهده؛ إذ لو كان كثيفًا ويحضر ثم لا يرى؛ لجاز أن يكون بحضرتنا شموس، ورعود، وبروق، وجبال، ونحن لا نراها، وذلك جهالة؛ لأنَّه لو كان جسمًا كثيفًا؛ كيف يمكن أن يدخل الشَّيطان في باطن بدن الإنسان؟ ولو لم يكن جسمًا كثيفًا؛ لكان جسمًا لطيفًا كالهواء، ومثل ذلك يمتنع أن يكون فيه صلابة وقوة، فيمتنع أن يكون قادرًا على الصرع للإنسان وقتله.

ثالثها: لو كان الشَّيطان يقدر على أنْ يصرع ويقتل؛ لصحَّ أن يفعل مثل معجزات الأنبياء، وذلك يجر إلى الطعن في النُّبوة.

رابعها: أنَّ الشَّيطان لو قدر على ذلك فلمَ لا يصرع جميع المؤمنين؟ ولمَ لا يخبطهم مع شدة عداوته لأهل الإيمان؟ ولم لا ينصب أموالهم، ويفسد أحوالهم، ويزيل عقولهم؟ وكل هذا ظاهر الفساد.

وزعم قوم أنَّ الشَّيطان يقدر على ذلك لما روي: (أنَّ الشياطين في زمان سليمان كانوا يعملون له ما شاء من محاريب وتماثيل) ، ولقوله تعالى {يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ} [البقرة: 275] ، وهذا صريح في ذلك.

وأجيب عن الأول: بأنَّه تعالى كثَّف [10] أجسامهم في زمان سليمان، فلما صارت كثيفة؛ قدرت على الأعمال الشاقة، وهو من معجزاته.

وعن الثاني: أنَّ الشَّيطان يمسه بالوسوسة المؤذية التي يحدث عندها الصرع، وهو قول أيِّوب: {أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ} [ص: 41] ، وإنَّما يحدث الصرع عند تلك الوسوسة؛ لأنَّ الله خلقه عند ضعف الطبع وغلبة السوداء عليه، فلا جرم يخاف ويفزع عند تلك الوسوسة، ولهذا لا يوجد في الفضلاء.

وقد أفرد بيان الجن وأحكامها الإمام العلامة بدر الدين الشبلي الحنفي في كتاب سماه «آكام المرجان في أحكام الجان»، فعليك به؛ لأنَّه لم يُسبق بمثله، وقد أودع فيه من التحقيقات الرَّائقة والتدقيقات الفائقة بما لم يسمع بمثله، فلله دره ما أعلمه،وفيه من أحكامهم: ولا خلاف في أنَّهم مكلفون، مؤمنهم في الجنة وكافرهم في النَّار، واختلفوا في ثواب الطائعين؛ ففي «الفتاوى البزازية»[/ص657/] معزوًّا [11] لـ«الأجناس» عن الإمام الأعظم أنَّه قال: (ليس للجن ثواب) انتهى، وذلك؛ لأنَّه جاء في القرآن فيهم {يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [الصف: 11] والمغفرة لا تستلزم الإثابة؛ لأنَّه ستر؛ منه: المغفر للبيضة [12] ، والإثابة بالوعد فضل، فثوابهم النَّجاة من النَّار، وإليه ذهب جماعة، وبه قال اللَّيث وأبو الزناد، وقال الإمامان أبو يوسف ومحمَّد بن الحسن: (لهم ثواب كما عليهم عقاب) ، وبه قال مالك وابن أبي ليلى.

قال في «الفتاوى السراجية»: (ولا تجوز المناكحة بين بني آدم والجن وإنسان الماء؛ لاختلاف الجنس) انتهى، وتبعه في «منية المفتي»، و«الفيض»؛ لقول الله تعالى: {وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا} [النحل: 72] أي: من جنسكم، ونوعكم، وعلى خلقكم، كما قال تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ} [التوبة: 128] أي: من الآدميين، ولما رواه حرب الكرماني في «مسائله» عن الزهري قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نكاح الجن) وهو مرسل، لكنَّه حجة عند الجمهور لا سيما وقد اعتضد بأقوال العلماء؛ فروي المنع عن الحسن البصري، وقتادة، والحاكم،وابن [13] قتيبة، وإسحاق بن راهويه، وعقبة [بن] الأصم، وغيرهم، فإذا تقرر المنع من نكاح الأنسي الجنية، فالمنع من نكاح الجني الأنسية أولى.

وسئل مالك عن نكاح الجن، فقال: (ما أرى بذلك بأسًا في الدين، ولكن أكره إذا وجد امرأة حامل، قيل لها: من زوجك؟ قالت: من الجن، فيكثر الفساد في الإسلام) انتهى.

قال الإمام الجليل قاضيخان في «فتاواه»: (امرأة قالت: معي جني يأتيني في النَّوم مرارًا، وأجد منه في نفسي ما أجد لو جامعني زوجي، قال: لا غسل عليها) انتهى، وقيده المحقق الكمال بن الهمام بما إذا لم تُنزل، أمَّا إذا أَنزلت؛ وجب الغسل؛ لأنَّه احتلام.

ويصح الصلاة خلف الجني؛ لأنَّه مكلف بلا خلاف، وتنعقد الجماعة بهم؛ لما رواه أحمد في «مسنده» عن ابن مسعود في قصة الجن وفيه: (لما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلِّي؛ أدركه شخصان منهم فقالا: يا رسول الله؛ إنَّا نحب أن تؤمنا في صلاتنا، فقال: فصفهما خلفه، ثم صلى بنا، ثم انصرف) .

ورواية الجني مقبولة، وقال السيوطي: لا شك في جواز روايتهم عن الإنس ما سمعوه سواء علم الإنسي بهم أولا، وأمَّا رواية الإنسي عنهم؛ فالظَّاهر منعها؛ لعدم حصول الثِّقة بعدالتهم.

وذبيحة الجني لا تؤكل؛ لأنَّه عليه السَّلام نهى عن أكل ذبائح الجن كما في «الملتقط».

والجمهور على أنَّه لم يكن من الجن نبي، وذهب الضحاك وابن حزم على أنَّه كان منهم نبي، وتمامه في «آكام المرجان».

ولم يعرف العجلوني مذهب إمامه، فلم يتعرض لأحكامهم مع أنَّه لازم؛ تتميمًا للفائدة حتى لا تشتاق النفس إلى ذلك؛ فليحفظ والله أعلم.

[1] في الأصل: (ينقض)، ولعل المثبت هو الصواب.
[2] كذا في الأصل، وفي «المحكم»: (الخالية).
[3] في الأصل: (فغدا)، ولعل المثبت هو الصواب.
[4] {اليوم}: سقطت من الأصل.
[5] في الأصل: (أحدًا)، وليس بصحيح.
[6] في الأصل: (أمتي) ، ولعل المثبت هو الصواب.
[7] في الأصل: (رقيقًا) ، وليس بصحيح.
[8] في الأصل: (انغمزت)، وهو تصحيف.
[9] في الأصل: (حرق)، ولعل المثبت هو الصواب.
[10] في الأصل: (كشف)، ولعل المثبت هو الصواب.
[11] في الأصل: (معزيًّا)، ولعل المثبت هو الصواب.
[12] في الأصل: (المغفرة لأبيضة)، ولعل المثبت هو الصواب.
[13] في الأصل: (والحاكم بن)، ولعل المثبت هو الصواب.