المستند التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

457-. حدَّثنا [1] عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قالَ: حدَّثنا عُثْمانُ بْنُ عُمَرَ، قالَ: أخبَرَنا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ:

عن كَعْبٍ: أَنَّهُ تَقاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا كان لَهُ عَلَيْهِ فِي المَسْجِدِ، فارْتَفَعَتْ أَصْواتُهُما حَتَّىَ سَمِعَهُما [2] رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِما، حَتَّىَ كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ، فَنادَىَ: «يا كَعْبُ». قالَ: لَبَّيْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: «ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ هَذا». وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ: أَي الشَّطْرَ، قالَ: لَقَدْ [3] فَعَلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: «قُمْ فاقْضِهِ».

الأطراف



[1] في رواية ابن عساكر: «حدَّثني».
[2] هكذا في رواية أبي ذر والأصيلي و [عط] أيضاً (ص)، وهو موافق لما في السلطانية.
[3] في رواية ابن عساكر ورواية أبي ذر عن الحَمُّويي والمُستملي: «قد» (ن، و، ق)، وعزاها في (ب، ص) إلىَ رواية أبي ذر عن المُستملي ورواية ابن عساكر في نسخة.





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

457- ( سِجْفَ حُجْرَتِهِ ) بكسر السين، أي: سترتها، و حكى السَّفاقُسِي الفتح.

( أَي الشَّطْرَ )؛ يعني: ضع الشطر.


457# (كَشَفَ سَجْفَ حُجْرَتِهِ) قال السفاقسي: روي: بفتح السين وكسرها، ورويناه: بالكسر [1] ، وهو في اللغة: السِّتر. وقال الداودي: السجف: الباب.

(فَأَوْمَأ [2] ) أوله همزة [3] ، وكذا آخره.

(أَيِ: الشَّطْرَ) بالنصب؛ أي: ضَعِ الشطرَ، وهو تفسيرٌ للمقصود الذي أومأ إليه صلى الله عليه وسلم.

[1] في (ق): ((رويناه بكسرها)).
[2] في المتن: ((وأومأ)) .
[3] في (ق): ((أول بهمزة)).





457- قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّد): هذا هو (فيما يظهر عبد الله بن مُحَمَّد المسنديُّ، ومستندي في ذلك أنِّي رأيت تراجم المشايخ الأربعة الذين يقال لكلٍّ منهم: عبد الله بن مُحَمَّد [1] ؛ مشايخُ البخاريِّ، فرأيت عبد الغنيِّ الحافظَ ذكر في مشايخ المسنديِّ عثمانَ بن عمر بن فارس، والله أعلم) [2] .

قوله: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ): هو عثمان بن عمر بن فارس، العبديُّ البصريُّ، عن يونس بن يزيد، وابن جريج، وطائفة، وعنه: أحمد، والرَّماديُّ، والحارث بن أبي أسامة، وخلقٌ، وكان من الصالحين الثِّقات، مات في ربيع الأوَّل سنة (209 هـ ) ، أخرج له الأئمَّة السِّتَّة، له ترجمة في «الميزان».

قوله: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ): تقدَّم أنَّه يونس بن يزيد الأيليُّ، وتقدَّم بعض ترجمته فيما تقدَّم.

قوله: (عَنِ الزُّهْرِيِّ): تقدَّم أنَّه ابن شهاب مُحَمَّد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، الإمام الفَردُ.

قوله: (ابْنُ أَبِي حَدْرَدٍ) [3] : (ابن أبي حدرد) [4] : اسمه [5] عبد الله، كذا في «مسلم»، واسم (أبي حدرد) سلامة، وقيل: عبْد، وقيل: أسيد بن عمير بن أبي سلامة الأسلميُّ، كنيةُ عبدِ الله أبو مُحَمَّد، شهد الحديبية، وعُمِّر دهرًا طويلًا، تُوُفِّيَ سنة (71 هـ ) ، أخرج له أحمد في «المسند» رضي الله عنه.

قوله: (سِجْفَ حُجْرَتِهِ): قال الدِّمياطيُّ: (السِّجف؛ بفتح السِّين وكسرها: هو السِّتر، وقال الطَّبريُّ: الرَّقيق منه، فيكون في مُقدَّم البيت، ولا يُسمَّى سِجفًا إلَّا أن يكون مشقوق [6] الوسط؛ كالمصراعين، وقال الدَّاوديُّ: هو الباب، ولعلَّه أراد به أنَّه كان من مسح [7] ، وإلَّا؛ فلا يُسمَّى الباب سِجفًا) ، انتهى وما قاله هو لفظ ابن قرقول بحروفه.

قوله: (وَأَوْمَأَ): هو مهموز الآخر، وقد تقدَّم؛ ومعناه: أشار.

[1] زيد في (ب): (من) .
[2] ما بين قوسين بياض في (ج) .
[3] زيد في (ب): (اسم) .
[4] (ابن أبي حدرد): سقط من (ج) .
[5] (اسمه): سقط من (ب) .
[6] في : (ج) (مسقوف) ، وهو تصحيف.
[7] في (ب): (نسح) .





457- (تَقَاضَى): يتعدَّى إلى مفعولٍ واحدٍ؛ وهو (ابْنَ).

و (دَيْنًا): منصوبٌ بنَزْعِ الخافضِ؛ أي: بدَينٍ.

(فِي المَسْجِدِ): متعلِّقٌ بـ (تَقَاضَى).

(أَصْوَاتُهُمَا): هو كقولِه تعالى: {صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] ، ويجوزُ اعتبارُ الجمعِ في (صوتِهِما).

(الشَّطْرَ): بالنَّصبِ؛ لأنَّه تفسيرٌ لقولِه: (هَذَا) ؛ أي: حُطَّ عنه نصفَه.


457- وبه قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولابن عساكر: ((حدَّثني)) بالإفراد [1] (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) هو ابن عبد الله بن جعفرٍ، المُسنَديُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) بضمِّ العين، ابن فارسٍ، البصريُّ العبديُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ) الأنصاريِّ السَّلميِّ المدنيِّ (عَنْ) أبيه (كَعْبٍ) الشَّاعر، أحد الثَّلاثة الَّذين خُلِّفوا عن غزوة «تبوك» (أَنَّهُ تَقَاضَى) بوزن «تفاعل»؛ أي: أنَّ كعبًا طالب [2] (ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ) بمُهمَلاتٍ، مفتوح الأوَّل، ساكن الثَّاني، صحابيٌّ على الأصحِّ، واسمه عبد الله بن سلامة، كما ذكره المؤلِّف في إحدى رواياته، قال الجوهريُّ: ولم يأت من الأسماء «فعلعٌ»؛ بتكرير العين، غير «حدردٍ» [3] (دَيْنًا) نُصِبَ بنزع الخافض؛ أي: بدينٍ؛ لأنَّ «تقاضى» متعدٍّ لواحدٍ؛ وهو «ابنٌ» (كَانَ لَهُ عَلَيْهِ)؛ أي: كان لكعبٍ على ابن أبي حدردٍ، و [4] جملة «كان [5] له» في موضع نصبٍ، صفةٌ لـ: «دَيْنًا»، وللطَّبرانيِّ: إنَّ الدَّين كان أُوقيتين (فِي الْمَسْجِدِ) الشَّريف النَّبويِّ، متعلِّقٌ بـ: «تقاضى» (فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا) [6] من باب: «فقد صغت قلوبكما» [التَّحريم: 4] ؛ لعدم اللَّبس، أو الجمع؛ بالنَّظر لتنوُّع الصَّوت (حَتَّى سَمِعَهُمَا)، ولغير الأَصيليِّ [7] وأبي ذَرٍّ: ((سمعها)) (رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وشرَّف وكرَّم (وَهْوَ فِي بَيْتِهِ) جملةٌ حاليَّةٌ في موضع نصبٍ (فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا) عليه الصَّلاة والسَّلام، وللأعرج: «فمرَّ بهما»؛ أي: أنَّه لمَّا سمع صوتهما؛ خرج لأجلهما ومرَّ بهما، وبهذا التَّوفيق ينتفي التَّعارض (حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ) بكسر السِّين المُهمَلة وفتحها وإسكان الجيم؛ أي: ستر (حُجْرَتِهِ) أو «السِّجْف»: الباب، أو أحد طرفي السِّتر المُفرَج (فَنَادَى) عليه الصَّلاة والسَّلام: (يَا كَعْبُ، قَالَ) كعبٌ: (لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ) تثنية: اللَّبِّ؛ وهو الإقامة، أي: لَبًّا بعد لَبٍّ، ومعناه: أنا مقيمٌ على طاعتك إقامةً بعد إقامةٍ (فَقَالَ) عليه الصَّلاة والسَّلام له: (ضَعْ) عنه (مِنْ دَيْنِكَ هَذَا، وَأَوْمَأَ) بهمزةٍ في أوَّله وفي [8] آخره (إِلَيْهِ، أَيِ: الشَّطْرَ)؛ أي: ضع عنه النِّصف، كما فسَّره به في رواية الأعرج [خ¦2706] عند المؤلِّف، وهو تفسيرٌ بالمقصود الَّذي أومأ إليه صلَّى الله عليه وسلَّم، وفيه جواز الاعتماد على الإشارة، وأنَّها تقوم مقام النُّطق إذا فُهِمت؛ لدلالتها [9] عليه، (قَالَ) كعبٌ: والله، (لَقَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ) ما أمرت به، وخرج ذلك منه مخرج المُبالَغة في امتثال الأمر، ولذا [10] أكَّد باللَّام مع ما فيه من معنى القسم، ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر والمُستملي: ((قد فعلت)). (قَالَ) عليه الصَّلاة والسَّلام لابن أبي حَدْرَدٍ: (قُمْ فَاقْضِهِ) حقَّه على الفور، والأمر [/ج1ص448/] على جهة الوجوب، وفيه إشارةٌ إلى أنَّه لا تجتمع الوضيعة والتَّأجيل، فإن قلت: ما مُطابقَة الحديث للتَّرجمة؟ أُجيب: بأنَّ التَّقاضيَ ظاهرٌ، وأمَّا المُلازَمة؛ فمُستنبَطةٌ من مُلازَمة ابن أبي حَدْرَدٍ خصمه في وقت التَّقاضي، أو أنَّ المؤلِّف أشار بالمُلازَمة ههنا إلى ما رواه في «الصُّلح» [خ¦2706] بلفظ: إنَّه كان له على عبد الله بن أبي حَدْرَدٍ [11] الأسلميِّ [12] مالٌ، فلزمه، انتهى.

وبقيَّة مباحث الحديث تأتي _إن شاء الله تعالى_ في محالِّه، ورواة هذا الحديث السِّتَّة ما بين بخاريٍّ وبصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه رواية الابن عن الأب، والتَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في «الصُّلح» [خ¦2710] و«المُلازَمة» [خ¦2424] ، ومسلمٌ في «البيوع»، وأبو داود والنَّسائيُّ في «القضاء»، وابن ماجه في «الأحكام».

[1] «بالإفراد»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[2] في (ص): «طلب».
[3] قوله: «قال الجوهريُّ: ولم يأت من الأسماء «فعلعٌ»؛ بتكرير العين، غير «حدردٍ»»، سقط من (ص).
[4] «و»: سقط من (ص) و(م).
[5] «كان»: سقط من (ص) و(م).
[6] في هامش (ص): «قوله: «حتَّى ارتفعت أصواتهما»، كذا في بعض نسخ «متن القسطلانيِّ»، والَّذي في نسخ «البخاريِّ»؛ بالفاء، لا بـ: «حتَّى». انتهى. عجمي».
[7] في (د): «وللأَصيليِّ»، وليس بصحيحٍ.
[8] «في»: ليس في (ص).
[9] في غير (ص) و(م): «دلالتها».
[10] في (ص): «لذلك».
[11] في (س): «حدود»، وهو تحريفٌ.
[12] «الأسلميِّ»: مثبتٌ من (ب) و(س).





457- ( ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ ): اسمه: عبد الله، قال الجوهريُّ وغيره: ولم يأت في الأسماء على: فَعْلَع بتكرير العين غير حدرد، وهو بفتح المهملة والرَّاء بينهما دال مهملة ساكنة، وآخره مهملة أيضًا.

( دَيْنًا ): في الطَّبرانيِّ: «أنَّه كان أوقيتين».

( فَارْتَفَعَتْ ): في الصُّلح: «فلزمه، فتكلَّما حتَّى ارتفعت». [خ:2424]

( سِجْفَ ): بكسر المهملة وسكون الجيم آخره فاء: هو السِّتر، وقيل: أحد طرفي السِّتر المفرج.

( أَيِ الشَّطْرَ ): بالنَّصب؛ لأنَّه تفسير قوله: ( هذا ).

( لَقَدْ فَعَلْتُ ): مبالغة في امتثال الأمر.

( قُمْ فَاقْضِهِ ): فيه إشارة إلى أنَّه لا يجتمع الحطُّ والتَّأجيل. [/ج2ص530/]


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

457# (تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ [دَيْنًا...) إلى آخره: أشار الشَّارع بالصُّلح لكعب وعبد الله بن أبي حدرد [1] ] [2] ، فيه: دلالة [3] على إباحة رفع الصَّوت في المسجد ما لم يتفاحش؛ لعدم الإنكار، فإن تفاحش؛ كان ممنوعًا؛ لأنَّه عليه الصلاة والسَّلام نهى عن رفع الأصوات في المسجد، وهذا الأمر منه عليه الصلاة والسَّلام على جهة الإرشاد إلى الصُّلح، وهو صلح على الإقرار المتَّفق عليه، وفيه الشَّفاعة إلى صاحب الحقِّ، والإصلاح

@%ج1ص24%

بين الخصوم، وقبول الشَّفاعة في غير معصية، وفيه: أنَّ الحاكم إذا سمع قول الخصمين؛ أن يشير عليهما بالصُّلح.

[1] في هامش (ب): (قال الجوهريُّ: اسم لم يأت من الأسماء على فعلع بتكرير العين غير حدرد، وهو بفتح المهملة بعدها دال ساكنة، ثمَّ راء مفتوحة، ثمَّ دال مهملة أيضًا، أخرجه «شرح ابن حجر»)
[2] ما بين معقوفين سقط من (ب).
[3] في (ب): (دليل).





457- وبالسند إلى المؤلف قال: ((حدثنا)) بالجمع، ولابن عساكر: (حدثني) بالإفراد ((عبد الله بن محمَّد)) هو ابن عبد الله بن جعفر بن اليمان الجعفي البخاري، المعروف بالمسندي، المتوفى يوم الخميس لست ليال بقين من ذي القعدة سنة تسع وعشرين ومئتين ((قال: حدثنا عثمان بن عُمر)) ؛ بِضَمِّ العين المهملة: هو ابن فارس البصري العبدي ((قال: أخبرنا يونس)) هو ابن يزيد الأيلي، ((عن الزهري)) هو محمَّد بن مسلم ابن شهاب المدني، ((عن عبد الله بن كعب بن مالك)) هو الأنصاري السلمي المدني ((عن كعب)) ؛ أي: أبيه ابن مالك الأنصاري الشاعر، أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم حين تخلفوا عن غزوة تبوك، وأنزل فيهم: {وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا...} الآية [التوبة: 118] ، المتوفى بالمدينة سنة خمسين، وكان ابنه عبد الله قائده حين عمي رضي الله عنهم: ((أنه)) بفتح الهمزة؛ أي: كعبًا ((تقاضى)) ؛ بالضَّاد المعجمة؛ أي: طالب، وهو على وزن (تفاعل) ، وأصل هذا الباب لمشاركة أمرين فصاعدًا؛ نحو: تشاركا، قاله الشَّارح، وقوله: ((ابنَ أبي حدرد)) بنصب (الابن) مفعول لـ (تقاضى) ؛ لأنَّه متعد إلى مفعول واحد وهو الابن، قاله الكرماني، واعترضه إمام الشَّارحين فقال: إذا كان (تفاعل) من (فاعل) المتعدي إلى مفعول واحد كضارب؛ لم يتعد، وإن كان من المتعدي إلى مفعولين كجاذبته الثوب؛ يتعدى إلى واحد، انتهى، قلت: فقد أطلق الكرماني في محل التقييد، والمراد: الثاني، كما لا يخفى.

وقوله: ((دينًا)) : منصوب بنزع الخافض؛ أي: بدين؛ قاله الكرماني.

قال الشَّارح: إنَّما وُجِّه بهذا؛ لأنَّا قلنا أن (تفاعل) إذا كان من المتعدي إلى مفعولين؛ لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد، انتهى.

قلت: وعلى هذا فليس (دينًا) منصوب بـ (تقاضى) ؛ لأنَّ (تقاضى) مطاوع (قاضى) المتعدي إلى اثنينن فيتعدى لواحد، وقول «القاموس»: من تقاضاه الدين؛ بمعنى: أقبضه لا طالبه، كما ذكره المؤلف في باب (الصلح) .

وقول العجلوني: (ويجوز أن يكون بمعنى: سأله الدين، فيصح أن ينصب مفعولين) ؛ ممنوع؛ لأنَّ اللَّفظ يرده، فإن المقاضاة غير السؤال، كما لا يخفى.

واسم أبي حدرد: عبد الله بن سلامة، كما صرح به البخاري في إحدى رواياته، وهو صحابي على الأصح، شهد الحديبية وما بعدها، توفي سنة إحدى أو اثنتين وسبعين عن إحدى وثمانين سنة، وقال الذهبي: عبد الله بن سلامة بن عُمَيْر؛ هو عبد الله ابن أبي حدرد الأسلمي، أُمِّر على غير سرية، وحروف (حَدْرَد) كلها مهملات، والحاء والرَّاء مفتوحتان، والدَّال ساكنة، وقال الجوهري: حدرد: اسم رجل، ولم يأت من الأسماء على «فعلع»؛ بتكرار العين غيره، كذا في «عمدة القاري»، قلت: وهو في الأصل: القصير، ثم جعل عَلمًا؛ فافهم.

وقوله: ((كان له عليه)) : جملة محلها النصب صفة لقوله: (دينًا) ؛ أي: كان لكعب على ابن أبي حدرد، وكان الدين أوقيتين، كما أخرجه الطَّبراني من طريق الزهري عن كعب: أنَّه عليه السَّلام مر به وهو ملازم رجلًا في أوقيتين، فقال له عليه السَّلام: «هكذا»؛ أي: ضع الشطر، فقال الرجل: نعم يا رسول الله، فقال: «أد إليه ما بقي من حقه»، ((في المسجد)) ؛ أي: الشريف النَّبوي، والجار والمجرور متعلق بـ (تقاضى) ، قاله الشَّارح، قلت: فالألف واللَّام فيه للعهد.

وجوز العجلوني أن يكون الجار والمجرور حال من فاعله أو مفعوله أو منهما، انتهى.

قلت: الأول أظهر؛ لأنَّ ذلك صفة لازمة سيق به؛ لأجل مطابقته للتَّرجمة، أما الحال؛ فصفة غير لازمة، فكونه حالًا هنا غير ظاهر، والأظهر الأول كما لا يخفى؛ فافهم.

((فارتفعت)) ؛ أي: عَلَتْ عن الأصل ((أصواتهما)) بالجمع، وهو فيه من قبيل قوله تعالى: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] ، ويجوز اعتبار الجمع في صوتيهما باعتبار أنواع الصوت، قاله إمامنا الشَّارح ((حتى سمعهما)) ؛ أي: الرجلين باعتبار الأصوات[/ص645/]

أو باعتبار الصوتين نظرًا إلى أنَّه المراد، ويدل عليه أنَّه عند أبي ذر والأصيلي في روايتهما: (حتى سمعها) ؛ أي: الأصوات ((رسول الله صلى الله عليه وسلم)) ، وقوله: ((وهو)) أي: النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم ((في بيته)) جملة اسمية في محل نصب على الحال من رسول الله عليه السَّلام، ((فخرج)) أي: النَّبي الأعظم عليه السَّلام من بيته ((إليهما)) ؛ أي: إلى الرجلين؛ ليفصل بينهما، والفاء للتعقيب، وفي رواية الأعرج: (فمر بهما النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم) .

قال إمام الشَّارحين: (فإن قلت: كيف التوفيق بين الروايتين؛ لأنَّ الخروج غير المرور؟قلت: وفَّق قوم بينهما بأنَّه يحتمل أن يكون مرَّ بهما أولًا، ثم إنَّ كعبًا لما أشخص خصمه للمحاكمة فتخاصما، وارتفعت أصواتهما، فسمعها عليه السَّلام، وهو في بيته فخرج إليهما) .

واعترضه ابن حجر فزعم أن فيه بعدًا؛ لأنَّ في الطريقين أنَّه عليه السَّلام أشار إلى كعب بالوضيعة، وأمر غريمه بالقضاء، فلو كان أمره بذلك تقدم؛ لما احتاج إلى الإعادة، والأولى فيما يظهر لي أن يحمل المرور على أمر معنوي لا حسي.

وردَّه إمام الشَّارحين، فقال: (وقوله: «وفيه بعد» الذي استبعد هذا فقد أبعد؛ لأنَّ إعادة ذلك قد تكون للتأكيد؛ لأنَّ الوضيعة أمر مندوب، والتأكيد بها مطلوب.

وقوله: «والأولى...» إلخ؛ إن أراد بالأمر المعنوي: الخروج؛ ففيه إخراج اللَّفظ عن معناه الأصلي بلا ضرورة، والأولى أن يكون اللَّفظ على معناه الحقيقي، ويكون المعنى أنَّه عليه السَّلام لما سمع أصواتهما؛ خرج من البيت لأجلهما، ومر بهما، والأحاديث يُفسر بعضها بعضًا، ولا سيما في حديث واحد روي بوجوه مختلفة، وفي رواية الطَّبراني من حديث زمعة بن صالح، عن الزهري، عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه: (أنه عليه السَّلام مر به، وهو ملازم رجلًا [1] في أوقيتين، فقال له عليه السَّلام: «هكذا»؛ أي: ضع الشطر، فقال الرجل: نعم يا رسول الله، فقال: «أدِّ إليه ما بقي من حقه») انتهى.

قلت: وهذا هو الصَّواب، وما زعمه ابن حجر باطل ممنوع.

وقوله: (فيه بُعد) ؛ ممنوع؛ لأنَّه لا يلزم من ذكر الإشارة إلى كعب بالوضعية في الطريقين ألا يكون عليه السَّلام مر بهما، مع أنَّه قد ثبت في رواية الطَّبراني: (أنه عليه السَّلام مر بهما) كما ساقها إمام الشَّارحين، والعناد بعد ذلك مكابرة، وإعادته عليه السَّلام الأمر له بالوضيعة ظنًّا منه عليه السَّلام باحتمال عدم الوضع؛ لأنَّ الأمر فيه للندب، فأعاده؛ للتأكيد ولخوف الغفلة والنِّسيان.

وقوله: (والأولى...) إلخ؛ ممنوع؛ لأنَّه لم يبين ما معنى هذا الأمر المعنوي؟ وكيف يحمل عليه واللَّفظ في الأحاديث صريح في المعنى الحقيقي؟! فالحمل عليه متعين؛ لأنَّه لا يعدل عن المعنى الحقيقي إلا لضرورة، وههنا يتعين الحمل على الحقيقي، والحمل على المعنوي هنا مخالف لصريح لفظ الأحاديث، فلا يعول عليه مع أن معناه غير ظاهر؛ فافهم.

وزاد في الطنبور نغمة العجلوني فزعم معترضًا على إمام الشَّارحين فقال: (أقول: لا شك في استبعاده، واحتمال التأكيد خلاف الأصل، ومراده «والأولى...» إلى آخره؛ أي: من هذا الوجه المستبعد، وإن كان الأولى منهما بقاء اللَّفظ على حقيقته) انتهى.

قلت: وهذا كلام فاسد الاعتبار، بل الصَّواب أنَّه غير بعيد عن الأفهام، والمعنى الصَّحيح الموافق للأحاديث هو ما ذكره إمام الشَّارحين؛ لأنَّه لم يُخلَّ بمعنًى من المعاني ويلزم على ما ذكره الزاعم فوت بعض معاني الأحاديث بدون فائدة، وكلامه عليه السلام مصان ومنزه عن عدم الفائدة.

وقوله: (واحتمال التأكيد...) إلخ؛ ممنوع؛ لأنَّ التأكيد ههنا لازم؛ حيث إنَّ الأمر المذكور للندب لا للفرضية، فلو كان الأمر فرضًا؛ لا يلزم التأكيد، لكن لما كان الأمر فيه للندب؛ كان التأكيد فيه لازمًا، لاسيما أنَّه عليه السَّلام قد ظنَّ أنَّه نسي أو غفل بسبب المخاصمة، فأعاده؛ لأجل التأكيد والتذكير وغير ذلك مما يفيد إتيانه بالوضيعة.

وقوله: (ومراده...) إلخ؛ هذا تَنزُّلٌ منه، والمحققون قالوا: لا يجوز العدول عن المعنى الحقيقي إلا لضرورة، ولا ضرورة ههنا، فالحمل على المعنى الحقيقي ههنا متعين؛ لأنَّه الأصل في الكلام، والمعنى عليه في الروايات، وعلى ما زعمه الزاعم؛ يلزم منه الخلل في المعاني والألفاظ، وخلو الأحاديث عن المعنى، وهو غير جائز؛ فاجتنب ذلك ولا تكن من الغافلين، والله أعلم؛ فافهم.

((حتى كَشَفَ)) ؛ بفتحات؛ أي: رفع ((سِجْف)) ؛ بكسر السين المهملة وفتحها، بعدها جيم ساكنة وفاء، قاله إمام الشَّارحين، قلت: وظاهره أن الكسر والفتح سواء، وزعم ابن حجر أنَّه بكسر السين، وقد تفتح فجعل الفتح أقل من الكسر، وهو مخالف لما في «القاموس»؛ لأنَّه قال: السَّجفويكسر، وككِتَاب، وهو صريح في أن الكسر مساوي للفتح أو أقل من الفتح، وهو يَرد ما زعمه ابن حجر، ويدل لما قاله إمامنا الشَّارح؛ فافهم، ولا تكن من الغافلين، أي: ستر ((حُجرته)) ؛ بِضَمِّ الحاء المهملة: حظيرة الإبل، ومنه: حجرة الدار، تقول: احتجر حجرة؛ أي: اتخذها، والجمع: حُجَر -كغُرْفَة وغُرَف- وحُجُرات؛ بِضَمِّ الجيم، وهو غاية لقوله: (فارتفعت أصواتهما) ، ووجه جعله غاية أنَّه عليه السَّلام لما سمع صوتهما؛ إما أنَّه رفع صوته حتى أسمعهما أنَّه سيخرج إليهما؛ لأجل الفصل بينهما، وأنه علم بحالهما، وإما أنَّه قام من مجلسه ومشى حتى انتهى إلى باب حجرته حتى كشف سجفها، فقوله: (فخرج إليهما) يحتمل المعنيين المذكورين، فهذا وجه جعله غاية لقوله: (فخرج إليهما) .

وقد خفي هذا على العجلوني فزعم: (وانظر وجه جعله غاية لقوله: «فخرج إليهما» ولو قال: حين كشف؛ لكان أظهر، فكأنَّه أوَّل «فخرج إليهما» بـ«أراد»؛ فتأمل) انتهى.

قلت: أما قوله: (وانظر...) إلى آخره؛ قد علمت وجهه مما ذكرناه، وقوله: (ولو قال...) إلى آخره؛ ممنوع، ولا حاجة إليه مع ظهور وجهه؛ لأنَّه إذا أمكن العمل بالحقيقة؛ لا يصار إلى المجاز عند المحققين، وعدم التأويل أولى من التأويل، ولا ريب أن كلام الراوي أظهر وأولى؛ لأنَّه متضمن لمعانٍ قد خفيت على كثير؛ فافهم.

وقال إمام الشَّارحين: (قال ابن سيده: السجف: الستر، وقيل: هو الستران المقرونان بينهما فرجة، وكل باب ستر بسترين مقرونين؛ فكل شق منه سجف، والجمع: أسجاف وسجوف، وربما قالوا: السجاف والسجف والتسجيف: إرخاء السجف، زاد في «المخصص» و«الجامع»: وبيت مسجف، وفي «الصِّحاح»: أسجفت الستر؛ أي: أرسلته، وقال: [/ص646/] القاضي عياض: لا يسمى سجفًا إلا أن يكون مشقوق الوسط كالمصراعين، قلت: الذي قاله ابن سيده يرده) انتهى كلام إمامنا الشَّارح.

قلت: ووجه الرد أنَّه قال: السَّجف: الستر، وهو الأشمل بما قاله القاضي، وكذلك قول «الصِّحاح»: أسجفت الستر: أرسلته، فإنَّه أيضًا أشمل، وكذلك قول «القاموس»: السجف: الستر.

وزاد في الطنبور نغمة العجلوني معترضًا على الشَّارح بأن قول ابن سيده: (وقيل: هو الستران...) إلخ، وكذا وقع في قول «القاموس»؛ هو عين ما قاله القاضي عياض، والشيء إذا كان فيه خلاف؛ لا يرد أحد القولين بالآخر إلا إذا كان منه، انتهى.

قلت: وهذا كلام فاسد الاعتبار؛ لأنَّ قول ابن سيده: (وقيل) قول ضعيف عند اللغويين؛ لأنَّه صيغة تمريض يأتي بها المؤلفون؛ للإشارة لضعف قول قائله وشذوذه، فهو غير مُعْتد به؛ لأنَّ الذي عليه أئمة اللُّغة هو الأول، وهو ظاهر في الرَّد على القاضي عياض، وكذلك عبارة «القاموس»؛ لأنَّه قال: (السجف: الستر، سجوف وأسجاف) ، ثمَّ قال: (والسجف: الستران) ، وهو عين كلام ابن سيده، وعلى كلِّ حال فإنَّ القول الثاني شاذ أو ضعيف، والصَّحيح الأول، وهو ظاهر في الرد عليه، فكأنَّه لا خلاف؛ لضعف القول الثاني، فحينئذ صح القول بالرد؛ فافهم.

((فنادى)) أي: النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم: ((يا كعبُ)) بالبناء على الضم ((قال)) ؛ أي: كعب: ((لبيك يا رسول الله)) تثنية اللب؛ وهو الإقامة، وهو مفعول مطلق يجب حذف عامله، وهو من باب الثنائي [2] الذي للتأكيد والتكرار، ومعناه: لبًّا بعد لب؛ أي: أنا مقيم على إجابتك وطاعتك إقامة بعد إقامة، أفاده إمام الشَّارحين، ((فقال)) أي: النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم: ((ضعْ)) على وزن (فع) أمر من وضع يضع، والمراد به: الحط من الدين؛ أي: حط عن غريمك ((من دينك)) ، والأمر فيه للندب، قاله الشَّارحون، قلت: الأصل في الأمر الوجوب إلا أن يصرفه صارف عنه، وههنا جاء الدليل على الندب كما يفهم من كلامهم، ((هذا)) مفعول قوله: (ضع) ، وهو إشارة إلى الشطر الآتي ((وأومأ)) بهمز أوله وآخره؛ أي: أشار عليه السَّلام ((إليه)) أي: إلى كعب، وقوله: ((أي الشطرَ)) ؛ أي: النصف، تفسير من الراوي لقوله: (هذا) ، وجاء تفسير (الشطر) بالنصف في رواية الأعرج، كما سيأتي عند المؤلف، و (الشطر) : منصوب تفسير لقوله: (هذا) المنصوب، وضمير (إليه) راجع إلى كعب كما ذكرناه، ((قال) أي: كعب: والله ((لقد فعلت يا رسول الله) ؛ أي: ما أمرت به، وأخرجت منه الشطر، إنَّما أتى به ماضيًا مؤكدًا باللَّام والقسم المدلول عليه بها وبـ (قد) ؛ مبالغة في امتثال ما أمره به، ولأبي ذر وابن عساكر والمستملي: (قد فعلت) بإسقاط اللَّام و (يا رسول الله) ، ((قال)) أي: النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم لابن أبي حدرد: ((قم)) خطاب لابن أبي حدرد؛ ((فاقضه)) ؛ أي: حقه، وهو الشطر على الفور والأمر على جهة الوجوب، لأنَّ رَبَّ الدين لما أطاع بوضع ما أُمر به؛ تعيَّن على المديان أن يقوم بما بقي عليه؛ لئلا يجتمع على رَبِّ الدين وضيعة ومطل، قاله إمام الشَّارحين.

وفيه إشارة إلى أنَّه لا يجتمع الوضيعة والتأجيل؛ لأنَّ صاحب الدين يتضرر _كما ذكرناه_ إلا أن يرضى رَبَّ الدين بالتأجيل، فيكون جائزًا؛ لأنَّه قد رضي بماله مؤجلًا، فلا عذر له.

قال إمام الشَّارحين: (وجه مطابقة الحديث للتَّرجمة في التَّقاضي ظاهرة، وأما في الملازمة؛ فبوجهين؛ أحدهما: أن كعبًا لما طالب ابن أبي حدرد بديْنه في مسجده عليه السَّلام؛ لازمه إلى أن خرج النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم وفصل بينهما، والآخر: أنَّه أخرج هذا الحديث في عدة مواضع كما سنذكرها، فذكر في باب (الصلح) وفي باب (الملازمة) عن عبد الله بن كعب عن أبيه: (أنه كان له على عبد الله بن أبي حدرد مال فلزمه...) ؛ الحديث، فكأنه أشار بلفظ الملازمة هنا إلى الحديث المذكور، على أنَّ ما ذكره في عدة مواضع كلها حديث واحد، وله عادة في بعض المواضع يذكر التَّرجمة بهذه الطريقة، انتهى.

ثم قال: (وفي الحديث دلالة على إباحة رفع الصوت في المسجد ما لم يتفاحش؛ لعدم الإنكار منه عليه السَّلام، وقد أفرد له البخاري بابًا يأتي عن قريب.

فإن قلت: قد وَرَد في حديث واثلة عند ابن ماجه يرفعه: «جنبوا مساجدكم صبيانكم وخصوماتكم»، وحديث مكحول عند أبي نعيم الأصبهاني عن معاذ مثله، وحديث جبير بن مطعم، ولفظه: «ولا يرفع فيه الأصوات»، وكذا حديث ابن عمر عند [3] أحمد.

قلت: أجيب بأن هذه الأحاديث ضعيفة، فبقي الأمر على الإباحة من غير معارض، ولكن هذا الجواب لا يعجبني؛ لأنَّ الأحاديث الضعيفة تتعاضد وتتقوى إذا اختلفت طرقها ومخرجها، والأولى أن يقال: أحاديث المنع محمولة على ما إذا كان الصوت متفاحشًا، وحديث الإباحة محمول على ما إذا كان غير متفاحش، وقال مالك: «لا بأس أن يقضي الرجل في المسجد دينًا، وأمَّا التجارة والصرف؛ فلا أحبه») انتهى كلام إمامنا الشَّارح.

وزعم ابن بطال: وفيه إنكار رفع الصوت في المسجد بغير القراءة إلا أنَّه عليه السَّلام لم يُعنفهما على ذلك؛ إذ كان لا بد لهما منه، انتهى.

قلت: وفيه بُعد؛ لأنَّه ليس في الحديث الإنكار في رفع الصوت في المسجد، وإنما كان خروجه عليه السَّلام إليهما؛ لأجل الفصل بينهما، ولاحتمال وقوع مشاتمة بينهما توجب التعزير [4] فبادر عليه السَّلام للفصل بينهما، ولهذا قال المهلب: لو كان رفع الصوت في المسجد لا يجوز؛ لما تركهما النَّبي عليه السَّلام، ولبيَّن لهما ذلك، انتهى.

واعترضه ابن حجر فزعم بأنَّ لِمَن منع ذلك أن يقول: لعله تقدم نهيه عن ذلك، فاكتفى به واقتصر على الصلح المقتضي لترك المخاصمة الموجبة لرفع الصوت، انتهى.

قلت: واعتراضه مردود عليه؛ لأنَّه لو كان تقدم نهيه عن ذلك؛ لما كان يحصل بينهما مخاصمة ورفع صوت، ولكان عليه السَّلام يعيد النَّهي لهما على سبيل التأكيد والتذكير، واقتصاره على الصلح إنَّما كان لأجل تطييب خاطرهما، وحتى لا يحصل بينهما مشاتمة ومنافرة توجب التعزير، فاقتصاره على الصلح كان لأجل هذا لا لأجل ترك المخاصمة، فإن المخاصمة؛ لإظهار الحقوق غير مذمومة سواء كانت في المسجد أو غيره؛ فافهم.

وقال إمامنا الشَّارح: (وفي الحديث جواز الاعتماد على الإشارة؛ لقوله «هكذا»، وأنها بمنزلة الكلام إذا فهمت؛ لدلالتها عليه، فيصح على هذا يمين الأخرس، وشهادته، وأمانه، وعقوده؛ إذا فهم عنه ذلك.[/ص647/]

وفيه: إشارة الحاكم إلى الصلح على جهة الإرشاد، وههنا وقع الصلح على الإقرار المتفق عليه؛ لأنَّ نزاعهما لم يكن في الدَّين، وإنَّما كان في التقاضي، وأمّّا الصلح على الإنكار؛ فأجازه الإمام الأعظم وكذا مالك بن أنس، وهو قول الحسن وغيره، ومنعه محمَّد بن إدريس، وبه قال ابن أبي ليلى.

وفيه: الملازمة في الاقتضاء، وفيه: الشفاعة إلى صاحب الحق والإصلاح بين الخصوم وحُسن التوسط بينهم، وفيه: قبول الشفاعة في غير معصية، وفيه: إسبال الستور عند الحجرة) انتهى.

وقال ابن بطال: (وفيه: المخاصمة في المسجد في الحقوق والمطالبة، وفيه: الحض على الوضع عن المعسر والقضاء بالصلح إذا رآه صلاحًا، والحكم عليه بالصلح إذا كان فيه صلاح له؛ لقوله: «قم فاقضه») انتهى.

[1] في الأصل: (رجل) ، وليس بصحيح.
[2] في الأصل: (الثنا)، ولعل المثبت هو الصواب.
[3] زيد في الأصل: (أبي)، وليس بصحيح.
[4] في الأصل: (التعذير) ، وهو تحريف، وكذا في الموضع اللاحق.