المستند التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

456-. حدَّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قالَ: حدَّثنا سُفْيانُ، عن يَحْيَىَ، عن عَمْرَةَ:

عن عائِشَةَ، قالتْ: أَتَتْها بَرِيرَةُ تَسْأَلُها فِي كِتابَتِها، فقالتْ: إِنْ شِئتِ أَعْطَيْتُ أَهْلَكِ وَيَكُونُ الوَلاءُ لِي. وَقالَ أَهْلُها: إِنْ شِئتِ أَعْطَيْتِها ما بَقِيَ _وَقالَ سُفْيانُ مَرَّةً: إِنْ شِئتِ أَعْتَقْتِها_ وَيَكُونُ الوَلاءُ لَنا. فَلَمَّا جاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَّرَتْهُ ذَلِكَ [1] ، فقالَ النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [2] : «ابْتاعِيها فَأَعْتِقِيها، فَإِنَّ الوَلاءَ [3] لِمَنْ أَعْتَقَ». ثُمَّ قامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على المِنْبَرِ _وَقالَ سُفْيانُ مَرَّةً:

فَصَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على المِنْبَرِ_ فقالَ: «ما بالُ أَقْوامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَ [4] فِي كِتابِ اللَّهِ؟! مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتابِ اللَّهِ فَلَيْسَ لَهُ، وَإِنِ اشْتَرَطَ مِائةَ مَرَّةٍ».

رَواهُ [5] مالِكٌ، عن يَحْيَىَ، عن عَمْرَةَ: أَنَّ بَرِيرَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ: صَعِدَ المِنْبَرَ.

قالَ عَلِيٌّ: قالَ يَحْيَىَ [6] وَعَبْدُ الوَهَّابِ، عن يَحْيَىَ: عن عَمْرَةَ [7] .

وَقالَ جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ: عن يَحْيَىَ، قالَ: سَمِعْتُ عَمْرَةَ، قالتْ: سَمِعْتُ عائِشَةَ.

الأطراف



[1] لفظة: «ذلك» ليست في رواية [عط] .
[2] قوله: «النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» ليس في رواية أبي ذر.
[3] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر و [عط] ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «فَإِنَّما الوَلاءُ».
[4] في رواية الأصيلي: «ليست».
[5] في رواية أبي ذر والأصيلي ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «ورواه»، قارن بما في الإرشاد.
[6] في رواية ابن عساكر: «قال أبو عبد الله: قال يحيىَ».
[7] في رواية الأصيلي زيادة: «نحوَه».





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

456- ( فَلَمَّا جَاءَ ذَكرَتْهُ ذَلِكَ ) صوابه: ذكرت له [1] .

( فَقَالَ: ابْتَاعِيهَا فَأَعْتِقِيهَا ) الأولى بهمزة وصل، والثانية بهمزة قطع. [/ج1ص163/]

[1] قال ابن حجر رحمه الله: في روايتنا: «ذَكَّرتهُ» بتشديد الكاف، فيحمل على أنَّه كان عنده منه طرف.





456# (أتَتْهَا بَرِيرَةُ) عَلَمٌ ممنوعٌ من الصرف، منقولٌ من بريرة، واحدة البرير، وهو ثمر الأراك، وليس من البِرِّ حتى يُقال: إنه يقتضي [1] التزكيةُ، ومع ذلك أقرَّ اسمها، ولم يُغيره كما غيَّر اسم بَرَّةَ [2] .

(فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ذَكَّرَتْهُ ذَلِكَ) الزركشي: صوابه ذَكَرْتُ له ذلك.

قلت: هذا من جنس ما تقدم، وهو الهجوم على تخطئة الرواية الصحيحة بالخيال، وكأنه فهم أن الضمير المنصوبَ عائدٌ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وذلك مفعولُ ((ذكرت)) [3] ، فاحتاج إلى تقدير الحرف؛ ضرورة أن ((ذَكَر)) إنما يتعدى بنفسه

@%ج1ص202%

إلى واحدٍ، وليس الأمرُ كما ظنَّه، بل الضمير المنصوبُ عائدٌ إلى الأمرِ [4] المتقدِّم، وذلك بدلٌ منه، والمفعولُ الذي يتعدَّى إليه هذا الفعل بحرف الجرِّ حُذف مع الحرف الجارِّ له؛ لدَلالة ما تقدم عليه، فآل الأمرُ إلى أنها قالت: فلمَّا جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكرتُ ذلك الأمرَ له، وليتَ شِعري ما المانعُ من حمل هذه الرواية الصَّحيحة على هذا [5] الوجه الشائع، ولا غبارَ عليه؟!!

(فَقَالَ: ابْتَاعِيهَا فَأَعْتِقِيهَا [6] ) الفعلُ الأول بهمزةِ وصلٍ، والثاني بهمزة قطعٍ.

[1] في (ق): ((بنقيض)).
[2] في (ق): ((مرة)).
[3] ((ذكرت)): ليست في (د).
[4] قوله: ((كما ظنه بل الضمير عائد إلى الأمر)): ليست في (ق).
[5] ((هذا)): ليست في (ج).
[6] في (ق): ((ابتاعيها فإذا أعتقها)).





456- قوله: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ): تقدَّم أنَّ هذا هو ابن عيينة، العَلَم المشهور.

قوله: (عَنْ يَحْيَى): (يحيى) هذا هو: ابن سعيد بن قيس بن عمرو الأنصاريُّ، أبو سعيد، قاضي السَّفَّاح، عن أنس وابن المسيّب، وعنه: مالك والقطَّان، حافظ، إمام، فقيه، حجَّة، مات سنة (143 هـ ) ، أخرج له الجماعة، وقد ذكرت له ترجمة، ولكن طال العهد بها؛ ولهذا أعدتُها هنا.

قوله: (عَنْ عَمْرَةَ): هي بنت عبد الرَّحمن بن سعد بن زُرارة من فقهاء التَّابعين، وقد تقدَّم أنَّ الفقهاء من التابعيَّات: حفصة بنت سيرين، وعمرة هذه، وأمُّ الدَّرداء الصُّغرى هُجَيمة أو جُهَيمة بنت حُييٍّ الأوصابيَّة، روت عمرة عن عائشة، وكانت في حَجرها، وعن جماعة، وعنها: ابنها أبو الرَّجال، وولداه، والزُّهريُّ، وغيرُهم، ماتت سنة (116 هـ ) ، أخرج لها الجماعة، وقد تقدَّمت ترجمتها، ولكن طال العهد بها.

قوله: (أَتَتْهَا بَرِيرَةُ): هي بفتح المُوَحَّدة (فَعِيلَة) ، من الموالي، قيل: إنَّها قبطيَّة، وإنَّها ابنة صفوان، وقال الذَّهبيُّ: (إنَّها حبشيَّة، سمع عبد الملك بن مروان منها كما في ترجمته، وهذا يدلُّ على تأخُّرها) ، قال شيخنا المؤلِّف: (لأمِّها صحبة) .

[قوله: (وَقَالَ أَهْلُهَا): سيأتي الخلاف في أهلها [1] ، والله أعلم] [2] .

قوله: (أَعْطَيْتِهَا): هو بكسر المُثنَّاة فوق.

قوله: (قَالَ [3] سُفْيَانُ مرَّةً): تقدَّم أعلاه أنَّه ابن عيينة، وهو سفيان المذكور في السند.

قوله: (ذَكَّرَتْهُ ذَلِكَ): هو بتشديد الكاف، والتَّاء ساكنة؛ تاء التأنيث.

قوله: (وَقَالَ سُفْيَانُ): هو ابن عيينة المذكور في السَّند، كما تقدَّم أعلاه.

قوله: (فَصَعِدَ [4] ): هو بكسر العين [5] الماضي، وفتحِها في المضارع، عكس (عمَد يعمِد) مع أنِّي رأيت في (عَمِد) في [6] حاشية أنَّ فيها الكسرَ في الماضي، والفتحَ في المضارع، وعزاه إلى بعض كتب اللُّغة لا تحضرني، (وقد استحضرته الآن، فإنَّه عزاه للَّبْلِيِّ في «شرح الفصيح») [7] .

قوله: (وَرَوَاهُ مَالِكٌ [8] ...) إلى آخره؛ يعني: أنَّه رواه مالك مُرسَلًا، فلم يذكر عائشة، وتكون عمرةُ ذكرتْ قصَّةً لم تُدركها [9] ، فهي مُرسَلةٌ.

قوله: (قَالَ عَلِيٌّ): يعني: ابن عبد الله بن جعفر بن نَجِيْح، وهو ابن المدينيِّ شيخه المذكور أوَّلًا.

وقوله: (قَالَ [10] يَحْيَى): يعني: ابن سعيد القطَّان الحافظ، (عَنْ يَحْيَى) ؛ يعني: ابن سعيد الأنصاريَّ.

وقوله: (وَعَبْدُ الْوَهَّابِ): هو مرفوع معطوف على (يحيى) ، وهو ابن عبد المجيد بن الصَّلت بن عبيد الله بن الحكم بن أبي العاصي، الثَّقفيُّ، أبو مُحَمَّد، الحافظُ، أحد الأشراف بالبصرة، عن أيُّوب، ويونس، وحميد، وعنه: أحمد، وإسحاق، وابن عرفة، وثَّقه ابن معين، وقال: (اختلط بأخرة) ، مات سنة (194 هـ ) ، أخرج له الجماعة، له ترجمة في «الميزان»، وقال فيها: (أفرده ابن أبي حاتم عن عبد الوهَّاب الثَّقفيِّ، وهو هو) .

[قوله] : (عَنْ عَمْرَةَ نَحْوَهُ [11] ): يعني: أنَّ يحيى بن سعيد الأنصاريَّ اختُلِف عليه فيه، فرواه عنه أوَّلًا سفيان بن عيينة؛ مُسنَدًا مُتَّصِلًا، ورواه عنه يحيى القطَّان ومالك وعبد الوهَّاب مُرْسَلًا.

وقوله: (وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ..) إلى آخره؛ معناه [12] : أنَّ سفيان - يعني: ابن عيينة - وجعفر بن عون روياه عن الأنصاريِّ مُسنَدًا مُتَّصِلًا [13] ، [وتعليق جعفر بن عون أخرجه النَّسائيُّ في (الفرائض) عن أحمد بن سليمان، وموسى بن عبد الرحمن، ومُحَمَّد بن إسماعيل -وهو ابن عُليَّة-؛ ثلاثتهم عن جعفر بن سليمان به.

قوله: (رَوَاهُ مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى): أخرجه النَّسائيُّ في (الفرائض) عن الحارث بن سليمان، عن ابن القاسم، عن مالك به] [14] .

والحاصل من هذا كلِّه: أن مالكًا والقطَّان [15] وعبد الوهَّاب روَوه عن يحيى الأنصاريِّ مُرسَلًا، فاثنان -وهما سفيان وجعفر بن عون [16] - روياه عن يحيى الأنصاريِّ مُسنَدًا مُتَّصلًا، وثلاثة: وهم مالك، ويحيى القطَّان، وعبد الوهَّاب روَوه عن يحيى بن سعيد الأنصاريِّ مُرسَلًا، والله أعلم.

ويجيء فيه الخلافُ فيما إذا رُوِي الحديث مَوصولًا، ومُرسَلًا، أو مَرفوعًا، ومَوقوفًا، وفي المسألة أربعةُ أقوال؛ أصحُّها: أنَّ الحكم لمَن وصل، والثَّاني: أنَّ الحكم لمَن أَرسَل، الثَّالث: الحكم للأكثر، الرَّابع: الحكم للأحفظ، فإن [17] أردت زيادةً؛ فانظرِ الكتب المُطوَّلة في علوم الحديث.

[1] زيد في (ب): (هذا) .
[2] ما بين معقوفين سقط من (ج) .
[3] كذا في النُّسخ، وفي «اليونينيَّة» و (ق): (وَقَالَ) .
[4] في (ج): (فصعدت) ، وليس بصحيح.
[5] زيد في (ب): (في) .
[6] في: سقط من (ب) .
[7] ما بين قوسين سقط من (ج) .
[8] قوله: (ورواه مالك...) جاء في «اليونينيَّة» بعد قوله: (قال علي... سمعت عائشة) ، واستُدرِك في هامش (ق) بخط مغاير كما في «اليونينيَّة» مع علامة (ابن عساكر) .
[9] في (ب): (يدركها) .
[10] في (ج): (وقال) .
[11] كذا في النُّسخ، وهي رواية الأصيليِّ، و (نحوه): ليس في «اليونينيَّة»، وعليها في (ق) علامة زيادة وعلامة راويها.
[12] في (ب): (ومعناه) .
[13] في (ب): (روياه مسندًا متصلًا عن الأنصاري) .
[14] ما بين معقوفين سقط من (ج) .
[15] في (ب): (أن القطَّان ومالكًا) .
[16] (وهما سفيان وجعفر بن عون): سقط من (ب) .
[17] في (ب): (وإن) .





456- (أَعْطَيْتُ): مفعولُه الثَّاني محذوفٌ؛ أي: ثَمَنَكِ.

(مَرَّةً): منصوبةٌ إمَّا على المصدرِ، أو على الظَّرفِ.


456- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن جعفرٍ، السَّعديُّ مولاهم، المدينيُّ [1] البصريُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ [2] (عَنْ يَحْيَى) بن سعيدٍ، الأنصاريِّ، وفي «مُسنَد الحميديِّ» عن سفيان: حدَّثنا يحيى (عَنْ عَمْرَةَ) بفتح العين وسكون الميم، بنت عبد الرَّحمن بن سعد بن زرارة، الأنصاريَّة (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (قَالَتْ)؛ أي: عائشة: (أَتَتْهَا بَرِيرَةُ) بعدم الصَّرف؛ لأنَّه منقولٌ [3] من بريرة، واحدة: البَرِير؛ وهو ثمر [4] الأراك، وهي بنت صفوان فيما نُقِلَ عن النَّوويِّ في «التَّهذيب»، قال الجلال البُلقينيُّ: لم يقُلْه غيره، وفيه نظرٌ، وفيه التفاتٌ؛ إذِ الأصل أن تقول: أتتني أو القائلة ذلك عمرة، وحينئذ فلا التفات (تَسْأَلُهَا) [5] ؛ أي: [/ج1ص446/] حال كونها تستعين بها (فِي كِتَابَتِهَا) عبَّر بـ: «في» دون «عن»؛ لأنَّ السُّؤال للاستعطاء لا للاستخبار (فَقَالَتْ) عائشة لها: (إِنْ شِئْتِ أَعْطَيْتُ أَهْلَكِ)؛ أي: مواليك بقيَّة ما عليك، فحُذِف مفعول «أعطيت» الثَّاني؛ لدلالة الكلام عليه (وَيَكُونُ الْوَلَاءُ) بفتح الواو، عليك (لِي) دونهم (وَقَالَ أَهْلُهَا) مواليها لعائشة رضي الله عنها: (إِنْ شِئْتِ أَعْطَيْتِهَا)؛ أي: بريرة (مَا بَقِيَ) عليها من النُّجوم، وموضع هذه الجملة [6] النَّصب، مفعولٌ ثانٍ لـ: «أعطيتها»، ومفعوله الأوَّل الضَّمير المنصوب في «أعطيتها».

(وَقَالَ سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (مَرَّةً) ومفهومه: تحديثه به على وجهين، وهو موصولٌ بالسَّند السَّابق: (إِنْ شِئْتِ أَعْتَقْتِهَا) هي [7] بدل «أعطيتها» (وَيَكُونُ الْوَلَاءُ) عليها (لَنَا) وكان المتأخِّر على بريرة من الكتابة خمس أواقٍ، نُجِّمت عليها في خمس سنين، كما سيأتي _إن شاء الله تعالى_ في «الكتابة» [خ¦2560] (فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَّرَتْهُ ذَلِكَ) بتشديد كاف «ذكَّرتْه» وسكون تائها [8] ، كما في «الفرع» و«أصله»، أو بضمِّها مع سكون الرَّاء بلفظ المتكلِّم [9] ، فعلى الأوَّل: يكون من كلام الرَّاوي بمعنى ما وقع منها، وعلى الثَّاني: يكون من كلام عائشة رضي الله عنها، وقال الزَّركشيُّ: صوابه: «ذكرت [10] ذلك [11] له»، انتهى. وهو الَّذي وقع في رواية مالكٍ وغيره، وعلَّله: بأنَّ التَّذكير يستدعي سبق علمٍ بذلك، قال الحافظ ابن حجرٍ: ولا يتَّجه تخطئة الرِّواية، لاحتمال السَّبق أوَّلًا على وجه الإجمال، انتهى. وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّه لم يبيِّن أحدٌ ههنا [12] راوي التَّشديد ولا راوي التَّخفيف، واللَّفظ يحتمل أربعة أوجهٍ «ذكَّرته»؛ بالتَّشديد والضَّمير المنصوب، و«ذكَّرت» [13] ؛ بالتَّشديد من غير ضميرٍ، و«ذَكَرَتْ» على صيغة المُؤنَّثة الواحدة؛ بالتَّخفيف بدون الضَّمير، و«ذَكَرَتْه»؛ بالتَّخفيف والضَّمير؛ لأنَّ «ذكرت» _بالتَّخفيف_ يتعدَّى؛ يُقال: ذكرت الشَّيء بعد النِّسيان، وذكَّرته بلساني وبقلبي، وتذكرته وأذكرته غيري وذكرته بمعنى، انتهى. وقال الدَّمامينيُّ متعقِّبًا لكلام الزَّركشيِّ [14] : وكأنَّه فهم أنَّ الضَّمير المنصوب عائدٌ إلى النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وذلك: مفعولٌ، فاحتاج إلى تقدير الحرف ضرورة أنَّ «ذكر» إنَّما يتعدَّى بنفسه، وليس الأمر كما ظنَّه، بل الضَّمير المنصوب عائدٌ إلى الأمر المتقدِّم، و«ذلك»: بدلٌ منه، والمفعول الَّذي يتعدَّى إليه هذا الفعل بحرف الجرِّ حُذِف مع الحرف الجارِّ له؛ لدلالة ما تقدَّم عليه، فآل الأمر إلى أنَّها قالت: فلمَّا جاء رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ذكرت ذلك الأمر له، وليت شعري ما المانع من حمل هذه الرِّواية الصَّحيحة على الوجه السَّائغ [15] ، ولا غبار عليه؟! (فَقَالَ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم) لعائشة رضي الله عنها: (ابْتَاعِيهَا) ولغير أبي ذَرٍّ: ((فقال: ابتاعيها)) (فَأَعْتِقِيهَا) بهمزة القطع في الثَّاني، والوصل في الأوَّل (فَإِنَّ الْوَلَاءَ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: ((فإنَّما الولاء)) (لِمَنْ أَعْتَقَ. ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ) النَّبويِّ [16] .

(وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: فَصَعِدَ) بدل: «ثمَّ قام» [17] (رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: مَا بَالُ)؛ أي: ما شأن (أَقْوَامٍ) كنَّى به [18] عن الفاعل؛ إذ من خُلُقِه العظيم صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه [19] لا يواجه أحدًا بما يكرهه [20] (يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَ)؛ أي: الاشتراط، أو [21] التَّذكير باعتبار جنس الشَّرط، وللأَصيليِّ: ((ليست))؛ أي: الشُّروط (فِي كِتَابِ اللهِ) عزَّ وجلَّ؛ أي: في حكمه، سواءٌ ذُكِرَ [22] في القرآن أم في السُّنَّة، أوِ المُراد بـ: «الكتاب»: المكتوب [23] ؛ وهو: اللَّوح المحفوظ (مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ؛ فَلَيْسَ) ذلك الشَّرط (لَهُ)؛ أي: لا يستحقُّه (وَإِنِ اشْتَرَطَ مِئَةَ مَرَّةٍ)؛ للمُبالَغة لا لقصد [24] التَّعيين، ولا يُستَدلُّ به على أنَّ ما ليس في القرآن باطلٌ؛ لأنَّ قوله: «إنَّما الولاء لمن أعتق» ليس في كتاب الله، بل من لفظ الرَّسول، إلَّا أن يُقال: لمَّا قال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر: 7] ؛ كان ما قاله عليه الصَّلاة والسَّلام كالمذكور في كتاب الله تعالى.

وبقيَّة مباحث هذا الحديث تأتي _إن شاء الله تعالى_، ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين مدنيٍّ وكوفيٍّ ومدينيٍّ، وفيه تابعيٌّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، وفيه التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في «الزَّكاة» [خ¦1493] ، و«العتق» [خ¦2536] ، و«البيوع» [خ¦2156] ، و«الهبة» [خ¦2578] ، و«الفرائض» [خ¦6751] ، و«الطَّلاق» [خ¦5279] ، و«الشُّروط» [خ¦2717] ، و»الأطعمة [خ¦5430] ، و«كفَّارة الأيمان» [خ¦6717] ، ومسلمٌ مُختصَرًا ومُطوَّلًا وأبو داود في «العتق»، والتِّرمذيُّ في «الوصايا»، والنَّسائيُّ في «البيوع» و«العتق» و«الفرائض» و«الشُّروط»، وابن [/ج1ص447/] ماجه في «العتق».

(قَالَ عَلِيٌّ) هو ابن المدينيِّ: (قَالَ يَحْيَى) بن سعيدٍ القطَّان (وَعَبْدُ الْوَهَّابِ) بن عبد المجيد الثَّقفيُّ، ولابن عساكر: ((قال أبو عبد الله))، يعني: البخاريَّ: ((قال يحيى وعبد الوهَّاب))؛ أي: فيما وصله الإسماعيليُّ من طريق محمَّد بن بشَّارٍ عنهما (عَنْ يَحْيَى) بن سعيدٍ الأنصاريِّ (عَنْ عَمْرَةَ) المذكورة. زاد الأَصيليُّ: ((نحوه))، يعني: نحو [25] رواية مالكٍ من صورة الإرسال وعدم ذكر المنبر وعائشة.

(وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ) بفتح العين المُهمَلة وسكون الواو وبالنُّون، ممَّا وصله النَّسائيُّ و [26] الإسماعيليُّ: (عَنْ يَحْيَى) بن سعيدٍ، الأنصاريِّ رضي الله عنه (قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها) أفادت هذه الطَّريق التَّصريح بسماع كلٍّ من يحيى وعمرة، فأُمِنَ من [27] الإرسال؛ بخلاف السَّابق، فإنَّه بالعنعنة مع إسقاط عائشة، وإنَّما أفرد المؤلِّف رواية سفيان؛ لمُطابَقتها للتَّرجمة [28] بذكر «المنبر» فيها، ويؤيِّده: أنَّ التَّعليق عن مالكٍ متأخِّرٌ في رواية كريمة [29] عن [30] طريق جعفر بن عونٍ، قاله في «الفتح».

(رَوَاهُ) كذا في «الفرع» تأخير: ((رواه مالكٌ)) عن قوله: ((قال عليٌّ: قال يحيى))، وفي غيره: تقديمه [31] ، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر: ((ورواه))؛ أي: حديث الباب [32] (مَالِكٌ) الإمام [33] ، فيما [34] وصله المؤلِّف في كتاب [35] «المكاتب» [خ¦2564] (عَنْ يَحْيَى) بن سعيدٍ (عَنْ عَمْرَةَ) بنت عبد الرَّحمن المذكورة (أَنَّ بَرِيرَةَ) فذكره، لكنَّه لم يسنده إلى عائشة رضي الله عنها (وَلَمْ يَذْكُرْ) فيه قوله: (صَعِدَ [36] الْمِنْبَرَ)، وفي روايةٍ: ((على المنبر))، فصورة سياقه الإرسال.

[1] في (ب) و(س): «المدنيُّ».
[2] في (د): «غيينة»، وهو تحريفٌ.
[3] في هامش (ص): «قوله: «لأنَّه منقول... إلى آخره»، في كون ذلك علَّةً لعدم الصَّرف نظرٌ ظاهرٌ لا يخفى على أحدٍ، بل لا وجه له، فإنَّ «بريرة» فيه العلميَّة والتَّأنيث اللَّفظيُّ، حتَّى لو جُعِلَ علمًا لمُذكَّرٍ؛ لَمُنِعَ الصَّرف حتمًا؛ كطلحة. انتهى. عجمي».
[4] في (د): «تمر»، وهو تصحيفٌ.
[5] زيد في (م): «في كتابتها».
[6] في هامش (ص): «قوله: «وموضع هذه الجملة... إلى آخره»؛ يعني: جملة «ما بقي» من الموصول، وهو «ما» وصلته وهو «بقي»، وهذا ما جرى عليه بعض المعربين، والتَّحقيق كما في «المغني»: أنَّ الموضع للموصول فقط، وجملة الصِّلة لا محلَّ لها. انتهى. عجمي».
[7] في (م): «أعتقيها هي». وفي (د) و(م): «هو».
[8] في هامش (ص): «قوله: «وسكون تائها... إلى آخره: بلفظ التَّكلُّم»، كذا في نسخٍ، وفيه تقديمٌ وتأخيرٌ، وصوابه أن يُقال: «وسكون تائها، كما في «الفرع»، أو بضمِّها بلفظ التَّكلُّم مع سكون الرَّاء»، ولا يصحُّ التَّفريع إلَّا على ما ذكرنا؛ فليُتأمَّل. انتهى. عجمي».
[9] «بلفظ المتكلِّم»: جاء في غير (س) قبلُ عند قوله: «وسكون تائها»، ولعلَّ المثبت هو الصَّواب.
[10] في (د) و(ص): «ذكرته».
[11] «ذلك»: سقط من (ب) و(د).
[12] في (د): «هنا منها».
[13] في (د) و(م): «ذَكَّر».
[14] في (ص): «للزَّركشيِّ».
[15] في (د): «الشَّائع».
[16] «النَّبويِّ»: سقط من (د)، وفي (م): «المدنيِّ».
[17] «بدل ثمَّ قام»: سقط من (د).
[18] «به»: سقط من (د).
[19] في غير (د) و(م): «أن».
[20] في (د) و(م): «يكره».
[21] في (م): «إذ».
[22] في (م): «ذكره».
[23] في (م): «المكنون».
[24] في (د): «بقصد».
[25] «نحو»: سقط من (د).
[26] «النَّسائيُّ و»: سقط من (د).
[27] «من»: مثبتٌ من (د) و(س).
[28] في (م): «التَّرجمة».
[29] في هامش (ص): «قوله: «عن طريق»: متعلِّق بقوله: «متأخِّرٌ». انتهى. عجمي».
[30] في (د): «من».
[31] قوله: «كذا في «الفرع» تأخير: «رواه مالكٌ»... وفي غيره: تقديمه»، سقط من (م).
[32] في (د): «أي: هذا الحديث».
[33] «الإمام»: سقط من (د).
[34] في (د) و(م): «ممَّا».
[35] في غير (د) و(م): «باب».
[36] في (س): «فصعد».





456- ( قَالَتْ أَتَتْهَا ): فيه التفات إن كان فاعل ( قالت ) عائشة رضي الله عنها، وإن كان عمرة فلا.

( تَسْأَلُهَا ): ضمَّنه معنى تستعينها، فعداه بـ ( في ).

( ذَكَّرَتْهُ ذَلِكَ ): كذا وقع هنا بتشديد الكاف، فقيل: الصَّواب ما وقع في رواية مالك: «ذكرت [ذلك] [1] له»؛ لأنَّ التَّذكير يستدعي سبق علم بذلك.

( لَيْسَ ): ذكَّره باعتبار جنس الشَّرط.

( فِي كِتَابِ اللَّهِ ): أي: حكم الله، وليس المراد القرآن؛ لأنَّ «الولاء لمن أعتق» ليس في القرآن. [/ج2ص528/]

(مِائَةَ شَرْطٍ ): هو للمبالغة، فلا مفهوم له.

[1] ما بين معقوفين زيادة من [ف] .





118/456# قال أبو عبد الله: حدَّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ [1] ، قالَ: حدَّثنا سُفْيانُ، عن يَحْيَىَ، عن عَمْرَةَ:

عن عائشة، قالتْ: أَتَتْها بَرِيرَةُ تَسْأَلُها فِي كِتابَتِها، فقالتْ: إِنْ شِئتِ أَعْطَيْتُ أَهْلَكِ وَيَكُونُ الوَلاءُ لِي. وَقالَ أَهْلُها: إِنْ شِئتِ أَعْطَيْتِها ما بَقِيَ _وَقالَ سُفْيانُ مَرَّةً: إِنْ شِئتِ أَعْتَقْتِها_ وَيَكُونُ الوَلاءُ لَنا [2] . فَلَمَّا جاءَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ذَكَرَتْ ذَلِكَ [3] ، فقالَ: «ابْتَعِيها [4] فَأَعْتِقِيها، فَإِنَّما الوَلاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ». ثُمَّ قامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم على المِنْبَرِ، فقالَ: «ما بالُ أَقْوامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطاً لَيْسَ [5] فِي كِتابِ اللهِ؟! مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطاً لَيْسَ فِي [6] كِتابِ اللهِ فَلَيْسَ لَهُ، وَإِنِ اشْتَرَطَ مِائـةَ شرط».

قلت: في هذا الحديث [7] دليلٌ على جواز بيع المُكاتَب، رَضِي به أو لم يَرضَ، عَجَز عن أَداء نُجومه أو لم يعجز، أدَّى بعضَ نجومه أو لم يكن أدَّى شيئاً منها [8] ، وذلك إذا كان البَيْعُ على سبيل الوَفاء من المُبتاع بما شُرط له من العِتق عند الأداء، ولا خلاف أنَّه ليس لصاحبه الذي كاتَبَه وهو مَاضٍ في كتابته، مُؤَدٍّ لنُجومه في أوقاتها أن يبيعه على أن يُبطِلَ كتابَتَه.

وفيه دليل على جواز بيع الرَّقَبَة بشَرط العِتق؛ لأنَّ القَومَ قد تنازعوا الوَلاءَ، ولا يكون الولاءُ إلَّا بعد العِتق، فدَلَّ على [9] أنَّ العِتق كان مَشروطاً في البيع [10] .

وفي قوله: (إنَّما [11] الولاءُ لمن أَعتق) دَليلٌ على أنْ لا وَلاءَ لغير المُعتِق.

وقوله: (من اشترط شرطاً ليس [12] في كتابِ الله فليس له) فمعناه: أنَّ

@%ص120%

كُلَّ شرطٍ ليس على ما جاء الكتاب [13] ومعناه بجوازه [14] فهو باطل، ولم يُرِد أنَّ ما لم ينص [15] عليه من الشروط في الكتاب باطل، فإنَّ قوله: (الولاءُ لمن أَعْتَقَ)، ليس [16] منصوصاً عليه في كتاب الله، إنَّما هو قولُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد أَوجَبَ اللهُ طاعتَه في كتابه، فجاز إضافةُ ذلك إلى الكتاب.

وفيه دليل على أنَّه ليس كُلُّ شرط يُشترط في بيع كان قادِحاً في أصله، ومفسِداً له [17] ، وأنَّ معنى النَّهي عن بَيْعٍ وشرطٍ مُنصَرِفٌ إلى بعض البيُوع، وإلى نوع من أنواع الشروط دُون بعض، وسَيَقعُ تفصيلُ ذلك وبيانه في غير هذا الموضع من هذا الكتاب إن شَاءَ الله [18] .

[1] في (ط): (علي بن عبد).
[2] في (أ): (لها).
[3] في (أ): (ذكرت له ذلك) وفي (ر) و (ف) و (م): (ذكرته ذلك).
[4] في (أ) و (ف) و (م): (ابتاعيها).
[5] في (أ): (ليست).
[6] في (ط): (من).
[7] في النسخ الفروع: (فيه).
[8] في النسخ الفروع: (أو لم يؤد منها شيئاً).
[9] في (ر): (فقال) مكان (فدل على).
[10] في النسخ الفروع: (في العقد).
[11] (إنما) سقط من (ط).
[12] في النسخ الفروع: (كل شرط ليس).
[13] في (ف): (في الكتاب).
[14] في (ف): (فجوازه).
[15] في (ط): (أن ما نص).
[16] قوله: (ليس) سقط من الأصل و (ط)، والمثبت من الفروع.
[17] في النسخ الفروع: (ليس كل شرط في بيع فهو مفسد له ولا قادح).
[18] (إن شاء الله) سقطت من (ط).





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

456# قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (مَا بَالُ أَقْوَامٍ؟): فيه استعمال الأدب، وحسن المعاشرة، وجميل الموعظة، [والتَّشاور على المصلحة بغير حضور صاحب الشَّرط] [1] .

قوله: (مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ؛ فَهُو رَدٌّ عَلَيْهِ [2] ).

مطابقة الحديث: أنَّ المساجد إنَّما اتُّخِذَت للذِّكر والتِّلاوة والصَّلاة، وما كان فيها من البيع والشِّراء وسائر أمور الدنيا إنَّما هو للتَّعليم والتَّنبيه على الاحتراز من مواقعة الحرام، وقال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «إذا رأيتم الرَّجل يبيع ويشتري في المسجد؛ فقولوا [3] : لا أربح الله تجارتَك [4] ، وإذا رأيتم الرَّجل ينشد فيه الضَّالَّة [5] ؛ فقولوا: لا ردَّ الله عليك».

[1] ما بين معقوفين سقط من (ب).
[2] في «اليونينيَّة»: (فليس له).
[3] في (ب): (قولوا).
[4] في (أ): (تجارك).
[5] في (أ): (الضلالة).





456- وبالسند إلى المؤلف قال: ((حدثنا علي بن عبد الله)) ، هو المديني ابن جعفر السعدي مولاهم، المدني البصري ((قال: حدثنا سفيان)) هو ابن عيينة ((عن يحيى)) هو ابن سعيد الأنصاري، وفي «مسند الحميدي»: (عن سفيان: حدثنا يحيى) ((عن عَمْرة)) ؛ بفتح العين المهملة، وسكون الميم: هي بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية، المدنية الموثقة، المتوفاة قبل المئة، ويقال: بعدها، كذا في «التقريب»، قلت: وقد كان ابن المديني يفخم أمرها، وهي إحدى الثقات العلماء، المتوفاة سنة ثمان وتسعين على الأصح، كما قاله الكرماني، ((عن عائشة)) هي الصديقة بنت الصديق الأكبر رضي الله عنهما ((قالت)) أي: عائشة: ((أتتها بريرة)) ، فاعل (قالت) : يحتمل أن يكون عمرة، ويحتمل أن يكون عائشة، فإن كان عمرة؛ فلا التفات، وإن كان عائشة؛ ففيه التفات من الحاضر إلى الغائب.

و (بَرِيْرَة) ؛ بفتح الموحَّدة، وكسر الرَّاء الأولى، وفتح الثانية، بينهما تحتية ساكنة، وزعم القرطبي: أن وزنها: «فعيلة»، من البر، ويحتمل أن يكون بمعنى: مفعولة؛ أي: مبرورة؛ كـ (أكيلة السبع) ؛ أي: مأكولة، ويحتمل أن تكون بمعنى: فاعلة؛ كرحيمة؛ بمعنى: راحمة، وهي بنت صفوان، كانت لقوم من الأنصار، أو مولاة لأبي أحمد بن جحش، وقيل: مولاة لبعض بني هلال، وكانت قبطية، وزعم الكرماني: أنها مولاة لعائشة كانت لعتبة بن أبي لهب.

قلت: ذكرها الذهبي في «الصَّحابيات» وقال: يقال: إن عبد الملك بن مروان سمع منها، وفي «معجم الطَّبراني» من حديث عبد الملك بن مروان قال: (كنت أجالس بريرة بالمدينة، فكانت تقول لي: يا عبد الملك؛ إني أرى فيك خصالًا، وإنك لخليق أن تلي هذا الأمر، فإن وليته؛ فاحذر الدنيا، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنَّ الرجل يدفع عن باب الجنة بعد أن ينظر إليها بملء محجمة من دم يريقه من مسلم بغير حق») انتهى، وعبد الملك اختلف في مولده، فقال خليفة بن خياط: سنة ثلاث، وقال أبو حسان الزيادي: سنة خمس، وقال محمَّد بن سعد: سنة ست وعشرين، وولاه معاوية رضي الله عنه ديوان الخراج [1] ، وعمره ست عشرة سنة، فعلى هذا؛ تكون بريرة موجودة بعد سنة أربعين.

وقد اختلف في اسم زوج بريرة، ففي الصَّحيح: أنَّه مُغِيْث؛ بِضَمِّ الميم، وكسر الغين المعجمة، وسكون التحتية، آخره مثلثة، وعند الصريفيني عن العسكري: معتِب؛ بعين مهملة، وكسر المثناة الفوقية، آخره موحَّدة، وعند أبي موسى الأصبهاني: أنَّه مقسم؛ بميم، ثم قاف، ثم سين مهملة، آخره ميم، كذا قرره إمام الشَّارحين في «عمدة القاري».

وقال القسطلاني: (بريرة: بعدم الصرف؛ لأنَّه منقول من بريرة؛ واحدة البرير؛ وهو ثمر الأراك، وهي بنت صفوان فيما نقل عن النَّووي في «التهذيب»، قال البلقيني: لم يقله غيره، وفيه نظر) انتهى.

((تسألها)) ؛ أي: تستعطي بريرة عائشة ((في كتابتها)) ؛ أي: في شأنها، والجملة محلها نصب على الحال من (بريرة) ، والأصل في السؤال أن يعدَّى بـ (عن) ؛ كما في قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ} [الأنفال: 1] ، ولكن لما كان سؤالها بمعنى: الاستعطاء؛ بمعنى: تستعطيها في أمر كتابتها؛ عُدِّي بكلمة الظرف، ويجوز أن يكون معنى (تسأل) : تستعين بالتضمين، على أنَّ في رواية جاءت

[/ص639/] هكذا.

والكتابة: لغة: مصدر كتب، من الكَتْب؛ وهو الجمع، ومنه: كتبت القربة إذا خرزتها، وسمي هذا العَقْد كتابة ومكاتبة؛ لأنَّ فيه ضم حرية اليد إلى حرية الرقبة، أو لأنَّ فيه جمعًا بين نجمين فصاعدًا، أو لأنَّ كلًا منهما يكتب الوثيقة، وفي الشرع: تحرير المملوك يدًا في الحال، ورقبة في المآل؛ لأنَّ المكاتب لا يتحرر رقبة إلا إذا أدى المال، وهو بدل الكتابة، وأما في الحال؛ فهو حر من جهة اليد فقط، حتى يكون أحق بكسبه، ويجب على المولى الضمان بالجناية عليه أو على ماله، ولهذا قيل: (المكاتب طار عن ذل العبودية، ولم ينزل في ساحة الحرية، فصار كالنعامة إن استطيرت؛ تباعدت، وإن استحملت؛ تطايرت) ، كذا قرره إمام الشَّارحين في «عمدة القاري».

((فقالت)) ؛ أي: عائشة مخاطبة لبريرة: ((إن شئتِ)) ؛ بكسر التَّاء؛ لأنَّه خطاب المؤنث؛ ((أعطيتُ)) بلفظ المتكلم ((أهلَكِ)) بكسر الكاف؛ أي: مواليك، وهو منصوب على أنَّه مفعول أول لـ (أعطيت) ، ومفعوله الثاني محذوف وهو ثمنك؛ لدلالة الكلام عليه، كذا قاله إمامنا الشَّارح، ((ويكون الوَلاء)) ؛ بفتح الواو، هو في عرف الفقهاء: تناصر يوجب الإرث والعقل؛ لأنَّ الولاء لغة: النصرة والمحبة، إلا أنَّه اختص في الشرع بولاء العتق والموالاة، واشتقاقه من (الولي) وهو القربوحصول الثاني بعد الأول من غير فصل، انتهى، ((لي)) أي: لا لأهلك، ((وقال أهلها)) أي: موالي بريرة لعائشة رضي الله عنهما: ((إن شئتِ)) بكسر التَّاء؛ ((أعطيتِها)) ؛ بكسر التَّاء أيضًا؛ أي: بريرة، وهو مقول القول ((ما)) أي: الذي ((بقي)) من مال الكتابة في ذمة بريرة.

قال إمام الشَّارحين: (ومحل هذه الجملة النصب؛ لأنَّها وقعت مفعولًا ثانيًا لقوله: «أعطيتها»، ومفعوله الأول الضمير المنصوب في «أعطيتها») انتهى.

واعترضه العجلوني بأن محل (ما) الموصولة النصب، لا الجملة على الصَّحيح، انتهى.

قلت: واعتراضه مردود عليه؛ لأنَّ دأب المؤلفين التسامح في مثل هذا في عباراتهم، ومعلوم أن محل الموصول النصب؛ فافهم، وقد يقال أيضًا: إن جمهور النحاة جوزوا أن يكون محل الجملة بتمامها النصب، وقال بعضهم: وهو الأصح، وعلى هذا فالاعتراض غير وارد من أصله؛ فافهم.

قال إمام الشَّارحين: (فإن قلت: كم كان مال الكتابة على بريرة؟

قلت: ذكر في باب «الكتابة» من حديث يونس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: «إن بريرة دخلت عليها تستعينها في كتابتها، وعليها خمس أواق نُجمت عليها في خمس سنين...»؛ الحديث.

فإن قلت: ذكر في باب «سؤال الناس»: كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية، فأعينيني، فقال: «خذيها فأعتقيها، واشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق»، فبين الروايتين تعارض.

قلت: هذا الحديث أصح؛ لاتصاله ولانقطاع ذاك، ولأن راوي هذا عن أمه، وهو أعرف بحديث أمه وخالته.

وقيل: يحتمل أن تكون هذه الخمسة الأواق التي قد استحقت عليها بالنجوم من جملة التسعة، أو أنها أعطت نجومًا وفَضُلَ عليها خمسة.

قلت: هذا يرده ما رواه البخاري في «الشروط في البيع»: «ولم تكن قضت من كتابتها شيئًا».

والأواق: جمع أُوقيَّة؛ بِضَمِّ الهمزة، وتشديد التحتية، والجمع يشدد ويخفف، مثل أثفية وأثافي وأثافٍ، وربما يجيء في الحديث: «وقية» [2] ، وليست بالعالية، وهمزتها زائدة، وكانت الأوقية قديمًا عبارة عن أربعين درهمًا، ثم إنها تختلف باختلاف اصطلاح البلاد) ، انتهى كلام إمام الشَّارحين.

واعترضه العجلوني فزعم أن قوله: (هذا الحديث أصح؛ لاتصاله ولانقطاع ذاك) : كلٌّ منهما متصل، كما يعلم من الوقوف عليه، وعبارته غير محررة، وقوله: (بحديث أمه وخالته) ؛ أين الأم والخالة؟ وقوله: (يرده ما رواه...) إلخ؛ لا ينافيه؛ لاحتمال أنها جاءت مرتين، انتهى.

قلت: واعتراضه مردود عليه، فإن البخاري ذكر في باب (المكاتب ونجومه) تعليقًا عن اللَّيث: حدثني يونس، عن ابن شهاب: قال عروة: قالت عائشة: (إن بريرة دخلت عليها تستعينها في كتابتها، وعليها خمسة أواق، نُجمت عليها في خمس سنين...) ؛ الحديث، ولا ريب أنَّه منقطع، وأن عروة ابن أخت عائشة، فهي خالته، كما لا يخفى، وفي بعضها: عن أسماء؛ وهي أخت عائشة وأم هشام وعروة؛ لأنَّ المؤلف قد ذكر هذا الحديث في أربعة عشر [3] موضعًا، وقوله: (لا ينافيه...) إلخ؛ ممنوع؛ فإن المنافاة بينهما ظاهرة كما لا يخفى؛ فافهم.

والأوقية في ديارنا الشامية: سبعة وستين درهمًا، وكذلك في حلب، إلا أنها في سنة تسع وسبعين صارت في حلب فقط ثمانين درهمًا، وفي المدينة: عشرين درهمًا، والله تعالى أعلم.

((وقال سفيان)) هو ابن عيينة، أحد الرواة المذكورين في الحديث ((مرة)) أي: أخرى، فهو موصول غير معلق، وأشار بذلك إلى أن سفيان حدَّث به على وجهين، فمرة قال: (إن شئتِ؛ أعطيتِها ما بقي) ، ومرة قال: ((إن شئتِ)) بكسر التَّاء ((أعتقتِها)) ؛ أي: بدل (أعطيتِها) ، والمثناة الفوقية فيهما مكسورة بلا تحتية بعدها على الأفصح، ((ويكون الوَلاء)) بفتح الواو ((لنا)) أي: عليها، ((فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم)) ؛ أي: لحجرة عائشة رضي الله عنها؛ ((ذكَّرتْهُ)) بتشديد الكاف، وسكون التَّاء بعدها هاء؛ أي: النَّبيَّ الأعظم صلى الله عليه وسلم ((ذلك)) ؛ أي: الشرط المذكور.

وقال إمام الشَّارحين: («ذكرته» يحتمل أربعة وجوه؛ الأول: «ذكَّرته»: بالتشديد، وبالضمير المنصوب، الثاني: «ذكَّرت»: بالتشديد بدون الضمير، والثالث: «ذَكَرت»: على صيغة الماضي للمؤنث الواحدة بالتخفيف بدون الضمير، والرابع: «ذَكَرته»: بالتخفيف والضمير؛ لأنَّ «ذَكَر» بالتخفيف يتعدى؛ يقال: ذَكَرت الشيء بعد النِّسيان، وذَكَرته بلساني وبقلبي، وتذكرته وأذكرته غيري وذكرته بمعنًى) انتهى.

قلت: ولم يبين الرواية ههنا، لكن الذي يظهر من كلامه وكذا من كلام صاحب «التنقيح»: أن الرواية ههنا: بتشديد الكاف، وبهاء الغيبة للمنصوب، وهو المفهوم من كلام القسطلاني؛ حيث قال: بتشديد الكاف، وسكون تائها [4] ؛ كما في (الفرع) و (أصله) ، وقال الكرماني: («ذَكَرتُه»؛ بلفظ التكلم، والمتكلم به عائشة، والراوي نقل لفظها بعينه،[/ص640/]

وبالغيبة؛ كأن عائشة جردت من نفسها شخصًا، فحكت عنه، فالأول: حكاية الراوي عن لفظ عائشة، والثاني: حكاية عائشة عن نفسها) انتهى، قلت: ولم يبين وجه الرواية.

وقال القسطلاني: («ذَكَّرَتْه»؛ بتشديد الكاف، وسكون التَّاء، كما في «الفرع» و«أصله»، فيكون من كلام الراوي بمعنى ما وقع من عائشة، أو بِضَمِّها مع سكون الرَّاءبلفظ التكلم [5] ، ويكون من كلام عائشة) انتهى.

وزعم ابن حجر: («ذكَّرته ذلك»: كذا وقع هنا بتشديد الكاف، فقيل: الصَّواب ما وقع في رواية مالك وغيره بلفظ: ذكرت؛ لأنَّ التذكير يستدعي سبق علم بذلك، ولا يتجه تخطئة هذه الرواية؛ لاحتمال السبق على وجه الإجمال، انتهى.

وردَّه إمام الشَّارحين، فقال: (لم يبين أحد ههنا راوي التشديد، ولا راوي التخفيف، واللَّفظ يحتمل أربعة أوجه...) إلى آخر [6] ما قدمناه عنه قريبًا، انتهى.

واعترضه العجلوني فزعم أن راوي التشديد هنا الجميع، وراوي التخفيف مالك وغيره، وما ذكره من الوجوه، لا داعي إليها، بل لا يصح بعضها، انتهى.

قلت: وهذا كلام فاسد الاعتبار؛ لأنَّه لم يعلم الرواية في لفظ (ذكرته) ، فمن أين يزعم أن راوي التشديد هنا الجميع؟ لأنَّه لم ينص أحد من الشراح على أنَّ الرواية عند الجميع بالتشديد، غير أن القسطلاني قال: بتشديد الكاف في (الفرع) و (أصله) ، وهو لا يدل على أنَّه عند الجميع، وكون راوي التخفيف مالك وغيره؛ كلام من لم يمس شيئًا من المعاني؛ لأنَّه لا يخفى أن رواية مالك وغيره ليست في «الصَّحيح» هنا، بل في غير «الصَّحيح»، فلا داعي لذكرها هنا؛ فافهم، وما زعمه من أنَّه (لا داعي لذكره الوجوه) ؛ ممنوع؛ لأنَّه لما كانت [7] الرواية هنا غير معلومة صريحًا؛ احتاج إلى بيان احتمالات اللَّفظ، وهو أكبر داعٍ لذكرها؛ وكون لا يصح بعضها؛ ممنوع أيضًا، بل هي جميعًا صحيحة، ولم يبين وجه عدم صحة بعضها، ولو كان لها وجه صحيح؛ لذكره، وما هذا إلا من كثرة تعصبه، وشدته في كلامه.

وحاصله: أن الأوجه الأربعة صحيحة المعنى سواء كانت الرواية بالتشديد أو بالتخفيف، على أنَّ أمام الشَّارحين قد ذكر وجه كل وجه منها، وهو يدل على صحتها عند أهل المعاني والعرفان، لا عند أهل الغفلة والنِّسيان؛ فافهم.

وأشار ابن حجر بقوله: (فقيل: الصَّواب ما وقع في رواية مالك بالتخفيف) إلى ما قاله الزركشي من أن الصَّواب: (ذكرت له ذلك) انتهى.

واعترضه الدماميني فقال: وكأنَّه فهم أن الضمير المنصوب عائد إلى النَّبي عليه السَّلام و (ذلك) مفعول، فاحتاج إلى تقدير الحرف ضرورةَ أنَّ (ذكر) إنَّما يتعدى بنفسه، وليس الأمر كما ظنه، بل الضمير المنصوب عائد إلى الأمر المتقدم، و (ذلك) بدل منه، والمفعول الذي يتعدى إليه هذا الفعل بحرف الجر حذف مع الحرف الجار له؛ لدلالة ما تقدم عليه، فآل الأمر إلى أنَّها قالت: فلمَّا جاء رسول الله عليه السَّلام ذكرت ذلك الأمر له، وليت شعري! ما المانع من حمل هذه الرواية الصَّحيحة على الوجه السائغ، ولا غبار عليه؟! انتهى.

واعترضه العجلوني فزعم أنَّه لا يتأتَّى هذا إلا مع التخفيف، مع أن فيه كثرة حذف، وقوله: (ليت شعري...) إلخ، فيه أنَّ الرواية بالتخفيف، على هذا المنوال لم نر أحدًا أثبتها هنا في هذا الموضع، نعم؛ هي رواية مالك المعلقة، ولو جعل (ذكر) المشدد بمعنى المخفف، وأعرب اسم الإشارة بدلًا من الضمير الراجع إلى الأمر؛ لكان وجهًا، انتهى.

قلت: وهذا كلام غير صحيح؛ لأنَّ قوله: (لا يتأتَّى هذا...) إلخ؛ ممنوع، فما المانع من إجرائه في رواية التشديد؟

وقوله: (مع أن فيه كثرة حذف) ؛ ممنوع أيضًا؛ لأنَّه ليس فيه كثرة حذف، ألا ترى إلى قوله: (فآل الأمر...) إلخ، فأين كثرة الحذف؟ فافهم.

وقوله: (فيه أنَّ الرواية...) إلخ؛ ممنوع، بل الرواية على هذا المنوال بالتشديد أيضًا، فكما يجوز توجيه التشديد بذلك، كذلك يجوز توجيه التخفيف.

وقوله: (لم نر أحدًا أثبتها...) إلخ؛ ممنوع، فإن إمام الشَّارحين ورئيس المحققين قد أثبتها في الأوجه الأربعة التي ذكرها في «شرحه»، مع أنَّها ثابتة في رواية مالك وغيره، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، والمُثْبِت مقدَّم على النافي.

وقوله: (ولو جعل «ذكر»...) إلخ؛ هذا التوجيه هو عين ما ذكره الدماميني، فكيف يعترض عليه ويذكر مثله، وينسبه لنفسه، ويعتمد عليه؟! وما هو إلا تناقض وعدم معرفة بمعاني الكلام.

وحاصله: أنَّ ما زعمه العجلوني بعيد عن النَّظر، وتعصب وعناد؛ فاجتنبه، والله أعلم.

((فقال)) وقوله ((النَّبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم)) ثابت عند أبي ذر ساقط عند غيره؛ أي: قال لعائشة: ((ابتاعيها)) أي: اشتري بريرة، ((فأعتقيها)) بهمزة القطع في الثاني، والوصل في الأول، ((فإنَّ الوَلاء)) ؛ بفتح الواو مع المد؛ أي: الإرث، ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر: (فإنما الولاء) ((لمن أعتق)) ، وهذا مما لا خلاف فيه عند العلماء، واختلفوا فيمن أعتق على أنلا ولاء له؛ وهو المسمى بالسائبة؛ ومذهب الجمهور: أن الشرط باطل، والولاء لمن أعتق، وعند أحمد: أنَّه لم يكن له الولاء عليه، فلو أخذ من ميراثه شيئًا؛ رده في مثله، وقال مالك، ومكحول، وأبو العالية، والزهري، وعمر بن عبد العزيز: يُجعل ولاؤه لجماعة المسلمين؛ كما فعله بعض الصَّحابة، كذا في «عمدة القاري».

((ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر)) ؛ أي: خطيبًا يوم الجمعة، ولهذا أتى بـ (ثم) التي للتراخي حتى يكون الحكم عامًّا، وكان عليه السَّلام من عادته أنَّه إذا لم يعجبه أمر من أصحابه؛ قام على المنبر خطيبًا، وذكره مبهمًا؛ تطييبًا لخاطرهم، فمن كان فعل شيئًا منه؛ انتهى عنه ورجع.

((وقال سفيان)) هو ابن عيينة أحد الرواة المذكورين في الحديث ((مرة: فصعِد)) بكسر العين المهملة، وقد تفتح بِقلَّة؛ أي: بدل (قام) ((رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر)) ؛ أي: خطيبًا، وأراد أنَّه روي بوجهين مرة قال: (ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر) ، ومرة قال: (فصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر) ؛ يعني: أنَّه روي عنه اللَّفظان في مرتين، وذكر في باب (الشراء والبيع[/ص641/]

مع النَّساء) : قال لي النَّبي صلى الله عليه وسلم: «اشتري وأعتقي، فإنما الولاء لمن أعتق، ثم قام من العشيِّ، فأثنى على الله بما هو أهله...»؛ الحديث ((فقال)) أي: النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم في خطبته: ((ما بال أقوام)) ؛ أي: ما حالهم وشأنهم، وفي باب (الشراء والبيع مع النَّساء) : «ما بال أناس»، وإنَّما لم يصرح عليه السَّلام بالقائل؛ لأنَّه من خلقه العظيم؛ لأنَّه لا يواجه شخصًا معينًا بمكروه، ولا يذكره بين الناس بشيء لا يوافق الشرع، بل يأتي بلفظ مبهم، فصاحب الأمر يفهم ذلك ويرتدع عنه، ((يشترطون شروطًا)) جمع شرط؛ أي: في عقودهم وبيعهم وشرائهم ((ليس)) التذكير باعتبار جنس الشرط، أو باعتبار المذكور، كذا قاله إمام الشَّارحين، وقال الكرماني: (التذكير باعتبار الاشتراط) ، قال إمام الشَّارحين: وفيه نظر لا يخفى، انتهى، قلت: وهو كذلك لأنَّ الاشتراط قول غير مذكور، فلا يصح عليه المعنى؛ فافهم، وفي رواية الأصيلي: (ليست) بالتأنيث؛ أي: الشروط ((في كتاب الله)) عز وجل ولا في سنة رسوله، فأجاب عليه السَّلام عن ذلك بقوله: ((من اشترط)) أي: من الناس ((شرطًا)) في بيعه أو شرائه ((ليس)) أي: الشرط ((في كتاب الله)) ولا في سنة رسوله عليه السَّلام؛ ((فليس)) أي: ذلك الشرط ((له)) أي: لا يستحقه ((وإن)) وصلية ((اشترط)) في عقده ((مئة مرة)) ، وعند المؤلف في باب (الشراء والبيع مع النَّساء) : «وإن اشترط مئة شرط، وشرط الله أحق وأوثق»، وكذا في رواية ابن ماجه، وذكر (المئة) للمبالغة في الكثرة، لا أنَّ [8] هذا العدد بعينه هو المراد، قاله إمام الشَّارحين.

وزعم ابن حجر أنَّ لفظ (المئة) للمبالغة، فلا مفهوم له، وردَّه في «عمدة القاري» فقال: (لم يدر هذا القائل أنَّ مفهوم اللَّفظ في اللُّغة هو معناه، وعلى قوله؛ يكون هذا اللَّفظ مهملًا، وليس كذلك، وإن كان قال ذلك على رأي الأصوليين؛ حيث فَرَّقوا بين مفهوم اللَّفظ ومنطوقه، فهذا الموضع ليس محله) انتهى.

وقال الشيخ تقي الدين: (يحتمل أن يريد بـ«كتاب الله»: حكم الله، ويراد بذلك: نفي كونها في كتاب الله بواسطة أو بغير واسطة، فإنَّ الشريعة كلها في كتاب الله إما بغير واسطة كالمنصوصات في القرآن من الأحكام، وإما بواسطة قوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} [الحشر: 7] ، و{أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [النور: 54] انتهى.

وقال الخطابي: (ليس المراد: أنَّ ما لم ينص عليه في كتاب الله باطل، فإن لفظ «الولاء لمن أعتق» _أي: مثلًا_ من قوله عليه السَّلام، لكنَّ الأمر بطاعته في كتاب الله، فجاز إضافته إلى الكتاب) ، واعتُرض بأن ذلك لو جاز؛ لجازت إضافة ما اقتضاه كلامه عليه السَّلام إليه،ورُدَّ بأنَّ الإضافة إنَّما هي بطريق العموم، وهذا بناء على أنَّ المراد بكتاب الله تعالى: القرآن، نظير قول ابن مسعود لأم يعقوب في الواشمة: (مالي لا ألعن من لعن رسولُ الله عليه السَّلام، وهو في كتاب الله بقوله: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ}) .

وأجاب إمام الشَّارحين: بأنه يحتمل أن يكون المراد بكتاب الله: حكم اللهسواء ذكر في القرآن أو السنة، أو المراد من الكتاب: المكتوب، يعني: المكتوب في اللوح المحفوظ، انتهى.

قلت: وهذا الجواب هو الصَّواب، ولهذا اقتصر عليه القسطلاني وغيره من الشراح؛ فافهم.

قال إمامنا الشَّارح: (ومطابقة الحديث للتَّرجمة تُعلم من قوله عليه السَّلام: «ما بال أقوام يشترطون...» إلى آخره؛ لأنَّه عليه السَّلام ذكر هذا عقيب قضية مشتملة على بيع وشراء، وعتق وولاء؛ لأنَّه عليه السَّلام لمَّا قال: «ابتاعيها فأعتقيها، فإنَّ الولاء لمن أعتق» قبل صعوده المنبر؛ دلَّ على حكم هذه الأشياء، ثم لمَّا قال على المنبر: «ما بال أقوام...» إلى آخره؛ أشار به إلى القضية التي وقعت، فكأنَّ إشارته به إليها كوقوعها على المنبر في المسجد، وهذا هو الوجه، لا ما ذكره أكثر الشراح بما تنفر عنه الطباع وتمج عنه الأسماع، وسيعلم ذلك من يقف عليه) انتهى، قلت: وأشار بهذا إلى ما زعمه ابن حجر العسقلاني، فإنَّه قد قام وقعد، وخلط وخبط، وقال ولا يدري ما يقول، من فهمه السقيم وذهنه الفاتر العميم؛ فافهم ذلك.

وفي الحديث أحكام ذكرها إمامنا الشَّارح:

الأول: فيه دليل على جواز الكتابة، فإنْ كاتب رجلٌ عبده أو أمته على ما شرط عليه، وقَبِلَ العبد ذلك؛ صار مكاتبًا، ويدل عليه أيضًا قوله تعالى: {فَكَاتِبُوَهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} [النور: 33] ، ودلالة هذا على مشروعية العقد لا تخفى على عارفٍ بلسان العرب سواء كان الأمر للوجوب أو لغيره، وهذا ليس أمر إيجاب بإجماع بين الفقهاء، سوى ما ذهب إليه داود الظَّاهري ومن تبعه، وروي نحوه عن عمرو بن دينار، وعطاء، وأحمد في رواية، والشَّافعي في رواية.

فإن قلت: ظاهر الأمر للوجوب، كما ذهب إليه هؤلاء.

قلت: هذا في الأمر المطلق المجرد عن القرائن، وأما ههنا؛ فالأمر مقيد بقوله: {إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا}، وهو قرينة صارفة عن الوجوب، فيكون الأمر للندب.

وذهب بعض أصحابنا إلى أنَّه أمر إباحة، وفيه نظر؛ لأنَّ الحمل على الإباحة إلغاء الشرط؛ لأنَّه مباح بدونه بالاتفاق، وكلامه تعالى منزَّه عن ذلك.

والمراد بالخير المذكور: ألا يضر المسلمين بعد العتق، فإن يضرهم؛ فالأفضل ألَّا يكاتبه وإن كان يصح، وعن ابن عبَّاس وابن عمر وعطاء: الخير: الكسب خاصة، وعن الثَّوري والحسن: أنه الأمانة والدِّين خاصة، وقيل: هو الوفاء والصلاح، وإذا فقد الأمانة والكسب؛ لا يكره عندنا، وبه قال مالك والشَّافعي، وقال أحمد وإسحاق وابن القطان من الشَّافعية: يكره.

ولا يعتق المكاتب إلا بأداء الكلِّ عند الجمهور؛ لما رواه أبو داود وغيره من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «المكاتب عبد ما بقي من كتابته درهم»، وروى الشَّافعي في «مسنده»: أخبرنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: أن زيد بن ثابت قالفي المكاتب: (هو عبد ما بقي عليه درهم) ، واختاره لمذهبه، وهو مذهب أئمتنا الأعلام، وفيه اختلاف الصَّحابة، ومذهب ابن عبَّاس: أنَّه يعتق كما أخذ الصحيفة من مولاه؛ يعني: يعتق بنفس العقد، وهو غريم المولى بما عليه من بدل الكتابة، ومذهب ابن مسعود: أنَّه يعتق إذا أدى قيمة نفسه، ومذهب زيد: ما ذكرناه وإنما اختاره الأربعة؛ لأنَّه مؤيد بالحديث المذكور، انتهى.

قلت: بقي على الشَّافعي أنَّ ما رواه لا ينهض دليلًا لمذهبه؛ لأنَّ في سنده ابن أبي نجيح؛ وهو ضعيف، ولأنَّه موقوف؛ وهو لا يحتج به؛ فافهم.

الثاني من الأحكام: جواز تزويج الأمة المزوجة؛ لأنَّ بريرة كانت مزوجة، وقد ذكرنا اسمه والاختلاف فيه.

فإن قلت: كان زوجها حرًّا أو عبدًا؟قلت: في رواية البخاري عن ابن عبَّاس قال: (رأيته عبدًا-يعني: زوج بريرة- كأنَّي أنظر إليه يتبعها في سكك المدينة يبكي عليها، ودموعه تسيل على لحيته، فقال النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم لعمه العبَّاس: «ألا تعجب من حب [9] مغيث بريرة، ومن بغض بريرة مغيثًا؟!» فقال عليه السَّلام: «لو راجعْتِه»، قالت: يا رسول الله؛ تأمرني، قال: «إنما أنا شافع»، قالت: فلا حاجة لي فيه) .

فإن قلت: ذكر في (الفرائض) : (قال الحَكَم: كان زوجها حرًّا) ، قلت: وقول الحكم مرسل، وذكر في (ميراث السائبة) : قال الأسود: (وكان زوجها حرًّا) ، قال: وقول الأسود منقطع، وقول ابن عبَّاس أصح، وفي «مسلم» أيضًا عن عبد الرحمن: (وكان زوجها عبدًا) .

الثالث من الأحكام: فيه دليل على تنجم الكتابة؛ لقولها: (كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية) .

وقال الشيخ تقي الدين: وليس فيه تعرض للكتابة [10] الحالَّة فنتكلم عليه،[/ص642/] قلت: يجوز عند أصحابنا الأعلام أن يشترط المال حالًّا ومنجَّمًا؛ لظاهر قوله تعالى: {فَكَاتِبُوَهُمْ} من غير شرط التنجيم والتأجيل، فلا يزاد على النصِّ بالرأي، وبه قال مالك، وفي «الجواهر» قال أبو بكر: ظاهر قول مالك: أنَّ التنجيم والتأجيل شرط فيه، ثم قال: وعلماؤنا النظار يقولون: إنَّ الكتابة الحالَّة جائزة، ويسمونها قطاعة، وهو القياس، وقال الشَّافعي: لا تجوز الكتابة حالًّا، ولابد من نجمين، وبه قال أحمد في رواية، وأخرى عنه؛ كما ذهب إليه أئمتنا الأعلام، وهو الصَّواب.

الرابع من الأحكام: اشتراط الولاء للبائع، هل يفسد العقد؟ فيه خلاف، وظاهر الحديث يدل على أنَّه لا يفسده؛ لما قال في الحديث المذكور: «واشترطي لهم الولاء»، ولا يأذن النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم في عقد باطل، وقال الشيخ تقي الدين: إذا قلنا: إنَّه صحيح: فهل يصح الشرط؟ فيه خلاف عند الشَّافعي، والقول ببطلانه موافق للحديث، وهو مذهب الإمام الأعظم رئيس المجتهدين.

فإن قلت: كيف يأذن النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم في البيع على شرط فاسد؟ وكيف يأذن في البيع حتى يقع على هذا الشرط ويُقدم البائع عليه، ثم يبطل اشتراطه؟

قلت: أجيب عنه بأجوبة:

الأول: ما قاله الإمام الحافظ أبو جعفر الطَّحاوي: وهو أنَّه لم يوجد اشتراط الولاء في حديث عائشة إلا من رواية مالك عن هشام، فأما من سواه، وهو اللَّيث بن سعد وعمرو بن الحارث؛ فإنَّهما رويا عن هشام أن [11] السؤال لولاء بريرة إنَّما كان من عائشة لأهلها بأداء مكاتبتها إليهم، فقال صلى الله عليه وسلم: «لا يمنعك ذلك عنها، ابتاعي وأعتقي، فإنما الولاء لمن أعتق»، وهذا خلاف ما رواه مالك عن هشام: «خذيها واشرطي، فإنَّما الولاء لمن أعتق»، مع أنَّه يحتمل أن يكون معنى (اشرطي) : أظهري؛ لأنَّ الاشتراط في كلام العرب: الإظهار، ومنه قول أوس بن حجر:

~فأشرط فيها نفسه وهو مُعصم .........

أي: أظهر نفسه، أي: أظهري الولاء الذي يوجبه إعتاقك أنَّه لمن يكون العتاق منه دون من سواه.

الثاني: أن معنى (اشترطي لهم) ؛ أي: عليهم، كقوله تعالى: {إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [الإسراء: 7] ، قيل: فيه نظر؛ لأنَّ سياق الحديث وكثيرًا من ألفاظه ينفيه، ورُدَّ بأنَّ القرينة الحالية تدل على هذا مع أن مجيء اللَّام بمعنى (على) كثير في القرآن، والحديث، والأشعار، كما لا يخفى.

الثالث: أنَّه على الوعيد الذي ظاهره الأمر وباطنه النَّهي، كما في قوله تعالى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} [فصلت: 40] ، وقوله: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم} [الإسراء: 64] ، ألا ترى أنَّه عليه السَّلام صعد المنبر وخطب، وقال: (ما بال أقوام...) إلى آخره.

الرابع: أنَّه عليه السَّلام قد كان أخبرهم بأنَّ الولاء لمن أعتق، ثم أقدموا على اشتراط ما يخالف هذا الحكم الذي علموه، فوَرَد هذا اللَّفظ على سبيل الزجر، والتوبيخ، والتنكير؛ لمخالفتهم الحكم الشرعي.

الخامس: أنَّ إبطال هذا الشرط عقوبة ونكال؛ لمعاندتهم في الأمر الشرعي فصار هذا من باب العقوبة بالمال؛ كحرمان القاتل من الميراث، وكان عليه السَّلام بيَّن لهم حكم الولاء، وأن هذا الشرط لا يحل، فلما لحُّوا وعاندوا؛ أبطل شرطهم.

السَّادس: أنَّ هذا خاص بهذه القضية، لا عام في سائر الصور، ويكون سبب التخصيص بإبطال هذا الشرط: المبالغة في زجرهم عن هذا الاشتراط المخالف للشرع، كما أن فسخ الحج إلى العمرة كان خاصًّا بتلك الواقعة؛ مبالغة في إزالة ما كانوا عليه من منع العمرة في أشهر الحج.

وقال القاضي عياض: (المشكل في هذا الحديث: ما وقع في طريق هشام ههنا، وهو قوله عليه السَّلام: «اشتريها وأعتقيها، واشترطي لهم الولاء»، فكيف أمرها عليه السَّلام بهذا وفيه عقد بيع على شرط؛ وهو لا يجوز وتغرير [12] بالبائعين إذا شرط لهم ما لا يصح؟ ولما صعب الانفصال عن هذا على بعض الناس؛ أنكر هذا الحديث أصلًا، وحكي ذلك عن يحيى بن أكتم، وقد وقع في كثير من الروايات سقوط هذه اللَّفظة، وهذا الذي شجع يحيى على إنكارها) انتهى.

الخامس من الأحكام: ما زعمه الخطابي أنَّ فيه دليلًا على جواز بيع المكاتب رضي به أو لم يرض، عجز عن أداء نجومه أو لم يعجز، أدى بعض النجوم أم لا، وقال الشيخ تقي الدين: اختلفوا في بيع المكاتب على ثلاثة مذاهب: المنع، والجواز، والفرق بين أن يُشتَرى للعتق؛ فيجوز، أو للاستخدام؛ فلا يجوز، أما من أجاز بيعه؛ فاستدل بهذا الحديث، فإنَّه ثبت أنَّ بريرة كانت مكاتبة، وهو قول عطاء، والنخعي، وأحمد، ومالك في رواية، وقال أبو حنيفة والشَّافعي ومالك في رواية: لا يجوز بيعه، وهو قول ابن مسعود وربيعة، واعترضه إمام الشَّارحين فقال: مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة وأصحابه: أنَّه لا يجوز بيع المكاتب ما دام مكاتبًا حتى يعجز، ولا يجوز بيع كتابته [13] بحال، وهو قول الشَّافعي بمصر، وكان بالعراق يقول: يجوز بيعه، وقال النَّووي: (قال بعض العلماء يجوز بيعه للعتق لا للاستخدام) انتهى.

السَّادس من الأحكام: ما زعمه الخطابي: فيه جواز بيع الرقبة بشرط العتق؛ لأنَّ القوم قد تنازعوا الولاء، ولا يكون الولاء إلا بعد العتق، فدل على أنَّ العتق كان مشروطًا في البيع.

واعترضه إمامنا الشَّارح فقال: إذا اشترط البائع على المبتاع إيقاع معنًى من معاني البر، فإن اشترط عليه من ذلك ما يتعجل، كالعتق المعجل؛ فذلك جائز عند الشَّافعي، وغير جائز عند الإمام الأعظم أبي حنيفة رضي الله عنه.

فإن امتنع البائع من إنفاذ العتق؛ فقال أشهب: يجبر على العتق، وقال ابن كنانة: لو رضي البائع بذلك لم يكن له ذلك ويعتق عليه، وقال ابن القاسم: إن كان اشتراه على إيجاب العتق؛ فهو حر، وإن اشتراه من غير إيجاب عتق؛ لم يجبر على عتقه، والإيجاب: أن يقول: [إن] اشتريته منك؛ فهو حر، وإن لم يقل ذلك وإنما اشترط أن يستأنف عتقه [14] بعد كمال ملكه؛ فليس بإيجاب، وقال الشَّافعي: (البيع فاسد، ويمضي العتق اتباعًا للسنة) ، وروي عنه: (البيع جائز والشرط باطل) ، وروى المزني عنه: (لا يجوز تصرف المشتري بحال في البيع الفاسد) ، وهو قول الإمام الأعظم وأصحابه رضي الله عنهم، واستحسن الإمام الأعظم والإمام محمَّد بن الحسن أن يجيز له العتق، ويجعل عليه الثمن، وإن مات قبل أن يعتقه؛ كانت عليه القيمة، وقال الإمام أبو يوسف: (العتق جائز وعليه القيمة) .

والحجة القوية للإمام الأعظم في هذا الباب وأمثاله: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم: (نهى عن بيع وسلف، وعن شرطين في بيعة) ، وعنه أيضًا: «لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع»، أخرجه الأربعة والطَّحاوي بأسانيد صحاح، وفسروا قوله عليه السَّلام: (وعن شرطين في بيع) ؛ بأن البيع في نفسه شرط، فإذا شرط فيه شرط آخر؛ فقد[/ص643/] صار شرطين.

وقول الخطابي: (فدل على أنَّ العتق كان مشروطًا في البيع) ؛ لا دليل له فيه ظاهرًا، والحكم به على جواز البيع بالشرط غير صحيح؛ لأنَّه مخالف لظاهر الحديث الصَّحيح؛ فليحفظ.

السَّابع من الأحكام: ما زعمه الخطابي أيضًا: فيه أنَّه ليس كل شرط يشترط في بيع كان قادحًا في أصله ومفسدًا له، وأن معنى ما وَرَد من النَّهي عن بيع وشرط منصرف إلى بعض البيوع وإلى نوع من الشروط، وقال القاضي عياض: (الشروط المقارنة للبيع ثلاثة أقسام؛ أحدها: أن يكون من مقتضى العقد؛ كالتسليم وجواز التصرف في البيع، وهذا لا خلاف في جواز اشتراطه؛ لأنَّه يقضى به وإن لم يشترط، والثاني: ألا يكون من مقتضاه، لكنها من مصلحته؛ كالحيل، والرهن، واشتراط الخيار، فهذا أيضًا يجوز اشتراطه؛ لأنَّه من مصلحته فأشبه ما كان من مقتضاه، الثالث: أن تكون خارجة عن ذلك مما لا يجوز اشتراطه في العقود، بل يمنع من مقتضى العقد، أو يوقع فيه غررًا [15] أو غير ذلك من الوجوه الممنوعة، وهذا موضع اضطراب العلماء) انتهى.

قال إمام الشَّارحين: وعند أصحابنا الأعلام البيع بالشرط على ثلاثة أوجه:

الأول: البيع والشرط كلاهما جائزان، وهو على ثلاثة أنواع؛ أحدها: أنَّ كل شرط يقتضيه العقد ويلائمه؛ فلا يفسده؛ بأن اشترى أمة بشرط أن تخدمه أو يغشاها، أو دابة بشرط أن يركبها، ونحو ذلك، النوع الثاني: كل شرط لا يقتضيه العقد، ولكنه يلائمه بأن شرط أن يرهنه بالثمن رهنًا وسماه، أو يعطيه كفيلًا وسماه، والكفيل حاضر، فقبله، وكذلك الحوالة؛ جاز ذلك استحسانًا، خلافًا للإمام زفر رحمه الله تعالى، النوع الثالث: كل شرط لا يقتضيه العقد ولا يلائمه، ولكن وَرَد الشرع بجوازه؛ كالخيار والأجل، أو لم يرد الشرع به ولكنه متعارف متعامل بين الناس به؛ بأن اشترى نعلًا على أنْ يحذوه البائع أو قلنسوة بشرط أن يبطنها؛ جاز ذلك استحسانًا، خلافًا للإمام زفر رضي الله عنه.

الوجه الثاني: البيع والشرط [16] كلاهما فاسدان، وهو كل شرط لا يقتضيه العقد ولا يلائمه وفيه منفعة لأحدهما أو للمعقود عليه؛ بأن اشترى حنطة على أنْ يطحنها البائع، أو عبدًا على ألا يبيعه، وكذا على ألا يعتقه، خلافًا للشافعي فيه، فإن أعتقه ضَمِنَ الثمن استحسانًا عند الإمام الأعظم، وعند الإمامين أبي يوسف ومحمَّد بن الحسن: عليه قيمته.

الوجه الثالث: البيع جائز والشرط باطل، وهو على ثلاثة أنواع؛ الأول: كل شرط لا يقتضيه العقد وليس فيه منفعة، بل فيه مضرة؛ بأن باع ثوبًا أو دابة بشرط ألا يبيعه ولا يهبه، أو طعامًا بشرط ألا يأكل منه ولا يبيعه [17] ؛ جاز البيع وبطل الشرط، الثاني: كل شرط لا يقتضيه العقد، وليس فيه منفعة ولا مضرة لأحد؛ بأن باع طعامًا بشرط أن يأكله؛ جاز البيع وبطل الشرط، الثالث: كل شرط يوجب منفعة لغير المتعاقدين والمبيع؛ نحو: البيع بشرط أن يقرض أجنبيًّا؛ لا يفسد البيع، انتهى.

الثامن من الأحكام: ما زعمه الخطابي: فيه دليل على أنَّه لا ولاء لمن أسلم على يديه ولا لمن حالف إنسانًا على المناصرة، وقال الشيخ تقي الدين: فيه حصر الولاء للمعتق فيقتضي ذلك أن لا ولاء بالحلف والموالاة، وبإسلام الرجل على يدي الرجل، ولا بالتقاطه للقيط، وكل هذه الصور فيها خلاف بين الفقهاء، ومذهب الشَّافعي: لا ولاء في شيء منها؛ للحديث، انتهى.

قال إمام الشَّارحين: الولاء عند أصحابنا الأعلام نوعان؛ أحدهما: ولاء العتاقة، والآخر: ولاء الموالاة، وقد كانت العرب تتناصر بأشياء؛ بالقرابة، والصداقة، والحلف، والمؤاخاة، والعصبة، وولاء العتاقة، وولاء الموالاة، وقد قرر النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم تناصرهم بالولاء بنوعيه؛ وهما: العتاقة وولاء الموالاة، وقال عليه السَّلام: «إنَّ مولى القوم منهم وحليفهم منهم»، رواه أربعة من الصَّحابةرضي الله عنهم، فالإمام أحمد ابن حنبل في «مسنده» من حديث إسماعيل بن عبيد بن رفاعة بن رافع الزرقي، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مولى القوم منهم، وابن أختهم منهم، وحليفهم منهم»، والبزار في «سننه» من حديث أبي هريرة عن النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم قال: «حليف القوم منهم، وابن أختهم منهم»، والدارمي في «مسنده» من حديث عمرو بن عوف: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ابن أخت القوم منهم، وحليف القوم منهم»، والطَّبراني في «معجمه» من حديث عتبة بن غزوان عن النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم؛ نحوه، والمراد بالحليف: مولى الموالاة [18] ؛ لأنَّهم كانوا يؤكدون الموالاة [19] بالحلف، انتهى.

قلت: وهذه الأحاديث صحيحة الأسانيد، وهي حجة على الشَّافعي وغيره ممن [20] منع ذلك؛ فافهم.

التاسع من الأحكام: ما قاله إمامنا الشَّارح: فيه أنَّه يستحب للإمام عند وقوع بدعة أن يخطب الناس، ويبين لهم حكم ذلك وينكر عليهم، كما فعل النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم.

العاشر من الأحكام: فيه أنَّه يستحب للإمام أن يحسن العشرة مع رعيته، ألا ترى أنَّه عليه السَّلام لما خطب الناس؛ لم يواجه صاحب الشرط بعينه؛ لأنَّ المقصود يحصل له ولغيره بدون فضيحة وشهرة عليه.

الحادي عشر: فيه المبالغة في إزالة المنكر والتغليظ في تقبيحه.

الثاني عشر: فيه جواز كتابة الأمَة دون زوجها.

الثالث عشر: فيه أنَّ زوج [21] الأمة ليس له منعها من السعي في كتابتها.

وقال أبو عمرو: لو استدل من هذا المعنى بأن الزوجة ليس عليها خدمة زوجها؛ كان حسنًا، انتهى، قلت: ليس هذا بحسن أصلًا، فإن الحسن ما استحسنه الشَّارع، وقد فرض الخدمة داخل الدار على الزوجة، وخارج الدار على الزوج، وهو حكمة بالغة من الشَّارع وحس عظيم؛ فافهم.

الرابع عشر: فيه دليل على أنَّ العبد زوج الأمة ليس له منعها من الكتابة التي تؤول إلى عتقها، وفراقها له، كما أنَّ لسيد الأمة عتق أمته تحت العبد وإن أدى ذلك إلى إبطال نكاحه، وكذلك له أن يبيعها من زوجها الحر وإن كان في ذلك بطلان عقده.

الخامس عشر: فيه دليل على أنَّ بيع الأمة ذات الزوج ليس بطلاق لها؛ لأنَّ العلماء قد اجتمعوا -ولم يُختلف في تلك الأحاديث أيضًا-: أن بريرة كانت حين اشترتها عائشة ذات زوج، وإنما اختلفوا في زوجها هل كان حرًّا أو عبدًا؟ وقد أجمع علماء المسلمين على أنَّ الأمة إذا أُعتقَتْ وزوجها عبد أنَّها تُخير، واختلفوا إن كان زوجها حرًّا هل تخير أم لا؟

السَّادس عشر: فيه دليل على جواز أخذ السيد نجوم المكاتب من مسألة الناس؛ لترك النَّبي الأعظم صلى الله عليه وسلم زجرها عن مسألة عائشة؛ لأنَّها كانت تستعينها في أداء نجمها، وهذا يرد قول من كره كتابة المكاتب الذي يسأل الناس، وقال: يطعمني أوساخ الناس.

السَّابع عشر: فيه دليل على جواز نكاح العبد الحرة؛ لأنَّها إذا خيرت فاختارته؛ بقيت معه وهو عبد وهي حرة.[/ص644/]

الثامن عشر: قالوا: فيه دليل على ثبوت الولاء في سائر وجوه [22] العتق؛ كالكتابة والتَّعليق بالصِّفة وغيرها.

التاسع عشر: فيه دليل على قبول خبر العبد والأمة؛ لأنَّ بريرة أخبرت أنَّها مكاتبة، فأجابتها عائشة بما أجابت، انتهى.

((قال علي)) هو ابن عبد الله المديني شيخ البخاري: ((قال يحيى)) هو ابن سعيد القطان ((وعبد الوهاب)) هو ابن عبد المجيد الثقفي وهو معطوف على يحيى، وفي رواية ابن عساكر: (قال أبو عبد الله _يعني: البخاري_ قال: يحيى وعبد الوهاب) ، وعليها فيكون معلقًا، وقد وصله الإسماعيلي من طريق محمَّد بن بشار عنهما، ((عن يحيى)) هو ابن سعيد الأنصاري، ((عن عمرة)) ؛ أي: المذكورة في السند السَّابق زاد الأصيلي: (نحوه) ؛ يعني: نحو رواية مالك من صورة الإرسال، وعدم ذكر (المنبر) و (عائشة) ، (وقال جعفر بن عَون)) بالنُّون آخره قبلها واو ساكنة، وعين مفتوحة مهملة، مما وصله النسائي والإسماعيلي، ((عن يحيى)) هو ابن سعيد الأنصاري ((قال: سمعت عمرة قالت: سمعت عائشة)) ، ففي هذا الطريق التصريح بسماع كل من يحيى وعمرة، فأُمِنَ بذلك الإرسال بخلاف السَّابق، فإنَّه بالعنعنة مع إسقاط عائشة، وإنما أفرد المؤلف رواية سفيان؛ لمطابقتها للتَّرجمة بذكر المنبر فيها، ويؤيده أنَّ التَّعليق عن مالك متأخر في رواية كريمة عن طريق جعفر بن عون؛ فافهم، وتمامه في «عمدة القاري».

((رواه)) ولأبي ذر، والأصيلي: (ورواه) بالواو؛ أي: حديث الباب، وهذه رواية (الفرع) وفي رواية تقديمه عن قوله: (قال علي) ((مالك)) : هو ابن أنس الأصبحي، فيما وصله المؤلف في باب المكاتب، ((عن يحيى)) هو ابن سعيد، ((عن عمرة)) هي بنت عبد الرحمن المذكورة: ((أن بريرة)) ؛ يعني: فذكر الحديث، لكنه لم يسنده إلى عائشة، ((ولم يذكر)) مالك فيه قوله: ((فصعد المنبر)) ، وفي رواية: (ولم يذكر صعد على المنبر) ، فصورة سياقه الإرسال، وقد وصله النسائي والإسماعيلي من رواية جعفر بن عون، وفيه عن عائشة قالت: (أتتني بريرة...) ؛ فذكر الحديث، وليس فيه ذكر المنبر أيضًا، والله تعالى أعلم.

[1] في الأصل: (الجراح)، وهو تصحيف.
[2] في الأصل: (بقية)، ولعل المثبت هو الصواب.
[3] في الأصل: (أربع عشرة) ، ولا يصح.
[4] زيد في الأصل: (بلفظ المتكلم)، ولعل الصواب حذفها.
[5] (بلفظ المتكلم): جاء في الأصل بعد قوله: (بتشديد الكاف وسكون التاء)، ولعل الصواب إثباتها هنا.
[6] في الأصل: (آخره) ، ولعل المثبت هو الصواب.
[7] في الأصل: (كان)، ولعله تحريف.
[8] في الأصل: (الكثرة، لأن)، ولعل المثبت هو الصواب.
[9] في الأصل: (محب)، ولعل المثبت هو الصواب.
[10] في الأصل: (لكتابة) ، ولعل المثبت هو الصواب.
[11] في الأصل: (عن)، ولعل المثبت هو الصواب.
[12] في الأصل: (وتقدير)، وهو تحريف.
[13] في الأصل: (كتابية)، ولعل المثبت هو الصواب.
[14] في الأصل: (عنه)، ولعل المثبت هو الصواب.
[15] في الأصل: (غرورًا)، وليس بصحيح.
[16] في الأصل: (والشراء) ، ولعل المثبت هو الصواب.
[17] في الأصل: (يبيع) ، ولعل المثبت هو الصواب.
[18] في الأصل: (المولاة)، ولعل المثبت هو الصواب.
[19] في الأصل: (المولاة)، ولعل المثبت هو الصواب.
[20] في الأصل: (مما) ، ولعل المثبت هو الصواب.
[21] في الأصل: (الزوج) .
[22] في الأصل: (الوجوه) .