المستند التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

(63) بابُ [1] التَّعاوُنِ فِي بِناءِ المَسْجِدِ [2]

{ مَا كَانَ [3] لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ [4] اللهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ . إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ [5] } [التوبة: 17-18] .

[1] لفظة: «باب» ليست في رواية الأصيلي.
[2] في رواية أبي ذر عن الحَمُّويي والمُستملي: «المساجد» بالجمع.
[3] في رواية أبي ذر والكُشْمِيْهَنِيِّ: «وقول الله عَزَّ وَجلَّ: { مَا كَانَ... }»، وفي رواية ابن عساكر و [عط] : «قوله تعالىَ: { مَا كَانَ... }».
[4] في رواية أبي ذر والأصيلي زيادة: «الآيةَ إلىَ قوله: { مِنَ الْمُهْتَدِينَ }» بدل إتمامها، كتبت بالحمرة، إلا أن لفظة: «الآية» ليست في رواية الأصيلي، وفي رواية ابن عساكر: «إلىَ قوله: { فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ }» بدل إتمامها.
[5] من قوله: { شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ.. } إلىَ قوله: {.. مِنَ الْمُهْتَدِينَ } ليس في نسخة.





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


(63) [بَابُ التَّعَاوُنِ فِي بِنَاءِ المَسْجِدِ]




63- (باب التَّعَاوُنِ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ) بالإفراد، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّوييِّ والمُستملي: ((المساجد))؛ بالجمع ({مَا كَانَ}) كذا في رواية أبي ذرٍّ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ [1] : ((وقول الله عزَّ وجلَّ: {ما كان}))، ولابن عساكر: ((قوله تعالى: {ما كان})) ({لِلْمُشْرِكِينَ})؛ أي: ما صحَّ لهم [/ج1ص441/] ({أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ}) قال البيضاويُّ: أي: شيئًا من المساجد فضلًا عن المسجد الحرام، وقِيلَ: هو المراد، وإنَّما جُمِع؛ لأنَّه قبلة المساجد وأمُّها وإمامها، فعامره كعامر الجميع، ويدلُّ عليه قراءة ابن كثيرٍ وأبي عمرٍو ويعقوب بالتَّوحيد [2] ({شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ}) بإظهار الشِّرك، وتكذيب الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم؛ أي: ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متنافيين: عمارةُ بيت الله وعبادةُ غيره، رُوِي: أنَّه لمَّا أُسِر العبَّاس يوم بدرٍ، وعيَّره المسلمون بالشِّرك وقطيعة الرَّحم، وأغلظ له عليٌّ رضي الله عنه في القول، فقال: تذكرون مساوئنا وتكتمون محاسننا، إنَّا لَنعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقي الحجيج، ونفكُّ العاني، فنزلت: ({أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ}) الَّتي [3] يفتخرون بها؛ لأنَّ الكفر يُذهِب ثوابَها ({وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ})؛ لأجله ({إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ})؛ أي: إنَّما تستقيم عمارتها لهؤلاء الجامعين للكمالات العلميَّة والعمليَّة، ومن عمارتها تزيينُها بالفرش وتنويرها بالسُّرج، وإدامة العبادة والذِّكر ودروس العلم فيها، وصيانتها ممَّا لم تُبْنَ [4] له؛ كحديث الدُّنيا، وفي حديث أنس بن مالكٍ رضي الله تعالى عنه في مُسنَد عبد بن حُمَيْدٍ مرفوعًا: «إنَّ عمَّار المساجد هم أهل الله»، ورُوِي أنَّ الله تعالى يقول: «إنَّ بيوتي في الأرض [5] المساجد، وإنَّ زوَّاري فيها عمُّارُها، فطوبى لعبدٍ تطهَّر في بيته ثمَّ زارني في بيتي، فحقٌّ على المَزُور أن يكرم زائرَه»، ({وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللهَ}) في أبواب الدِّين ({فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ}) [التَّوبة: 17 ـ 18] ، قِيلَ: الإتيانُ بلفظ: «عسى» إشارةٌ إلى ردع الكفَّار، وتوبيخهم بالقطع في [6] زعمهم أنَّهم مهتدون، فإنَّ هؤلاء مع هذه الكمالات اهتداؤهم دائرٌ بين «عسى» و«لعلَّ»، فما ظنُّك بمَنْ هو أضلُّ من البهائم، وإشارةٌ أيضًا إلى منع المؤمنين من الاغترار والاتِّكال على الأعمال، انتهى. وقد ذكر هاتين الآيتين هنا [7] في «الفرع» و«أصله» [8] ، لكنَّه رُقِم على قوله: {شاهدين} علامة السُّقوط إلى آخرها [9] ، ولفظ رواية أبي ذَرٍّ: (({أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ})) الآية، ولفظ [10] الأَصيليِّ: (({مساجد الله}... إلى قوله: {من المهتدين})).

[1] في (م): «عن الكُشْمِيهَنِي»، وكذا في «اليونينيَّة».
[2] زيد في (م): «عند الحراب فيه أو أعمُّ».
[3] في (د): «الَّذين»، وليس بصحيحٍ.
[4] في (م): «يسن»، وهو تحريفٌ.
[5] في غير (د): «أرضي».
[6] في (م): «عن».
[7] «هنا»: ليس في (م).
[8] «وأصله»: مثبتٌ من (م).
[9] في (م): «آخرهما».
[10] زيد في (ب): «رواية».






لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

(63) (باب التَّعَاوُنِ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ):


هذا ((باب)) حكم ((التعاون)) ؛ أي: تعاون الناس بعضهم بعضًا ((في بناء المسجد)) ؛ بالإفراد، والألف واللام فيه للجنس، وهي رواية الأكثرين، وفي رواية أبي ذر عن المستملي والحموي: (في بناء المساجد) ؛ بالجمع.

و (التعاوُن) ؛ بضمِّ الواو: مصدر تعاون القوم؛ تساعدوا، وتقدير الحكم في الترجمة أولى من تقدير الجواز؛ كما فعله العجلوني؛ لأنَّ الحكم أعم والثاني أخص، ومراد المؤلف: العموم كما هي عادته في جميع التراجم، وأشار المؤلف بهذه الترجمة إلى أنَّ التعاون في فعل الخير بين الناس مطلوب مرغوب فيه؛ لقوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2] ؛ فتعاون الناس بعضهم بعضًا مندوب كبناء المساجد، وتعمير السُّبُلات وغير ذلك، فمن زاد في معاونته؛ زاد أجره، وهو شامل للمعاونة بالمال أو البدن، أما الصلاة والصوم؛ فليس فيهما معاونة؛ لأنَّهما عبادة قاصرة على صاحبها، فلا يجوز التعاون فيها؛ كما لا يخفى؛ فافهم.[/ص622/]

((وقول الله عزَّ وجلَّ)) كذا في رواية الكشميهني على ما قاله القسطلاني، لكن قال إمام الشَّارحين: (إنها رواية الأكثرين) ، وزاد فيه: (إلى قوله: {المهتدين}) ، وتبعه ابن حجر في «الفتح» و«العمدة»، وقال إمام الشَّارحين أيضًا: (وفي رواية أبي ذر: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ} إلى قوله: {المُهْتَدِينَ} [التوبة: 17،18] ، ولم يقع في روايته لفظ: «وقول الله عز وجل») انتهى، وفي رواية ابن عساكر: (قوله تعالى) ، كذا ذكرها القسطلاني بدون عطف، وفي رواية بالعطف، والله تعالى أعلم: (({مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ})) ؛ أي: بالله؛ أي: ما ينبغي لهم وما استقام لهم (({أَن يَعْمُرُوا مَسْجِدَ اللهِ})) ؛ بالإفراد في رواية الأكثرين، وهي قراءة يعقوب، وأبي عمرو، وابن كثير، وأراد به: المسجد الحرام، يدل عليه قوله تعالى: {وَعِمَارَةَ المَسْجِدِ الحَرَامِ} [التوبة: 19] ، وقوله تعالى: {فَلاَ يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ} [التوبة: 28] ، وفي رواية الأصيلي وأبي ذر: ({مساجد}) ؛ بالجمع على ما في القسطلاني، وقد اشتبه عليه العجلوني عبارته؛ فزعم أن رواية أبي ذر: ({مسجد}) ؛ بالإفراد وليس كذلك، وهذه الرواية هي قراءة الآخرين، والمراد بقراءة الجمع: المسجد الحرام أيضًا، ولهذا قال الحسن البصري: (إنما قال: {مساجد}؛ لأنَّه قبلة المساجد كلها) ، وقال القزاز: (إنما ذهبت العرب بالواحد إلى الجميع، وبالجميع إلى الواحد، ألا ترى أن الرجل يركب البرذون، فيقول: أخذت في ركوب البراذين، ويقال: فلان كثير الدرهم والدينار، ويريد: الدراهم والدنانير) ، وقال صاحب «الكشاف»: (والمراد بـ«المسجد»؛ بالإفراد: المسجد الحرام، يدل عليه أن سبب نزول الآية: أنَّ المهاجرين والأنصار أقبلوا على أسارى بدر، فعيَّروهم بالشرك، وطفق علي بن أبي طالب يوبِّخ العبَّاس بقتال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وقطيعة الرحم، وأغلظ عليه في القول، فقال العبَّاس: تذكرون مساوئنا وتكتمون محاسننا، فقالوا: أوَلكم محاسن؟ فقالوا: نعم، ونحن أفضل منكم جدًّا، إنَّا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة، ونسقي الحجيج، ونفك العاني؛ فنزلت) ، ولا يرد على هذا قراءة: (المساجد) ؛ بالجمع التي هي قراءة الأكثرين؛ لأنَّهم جوزوا أنَّ المراد بها: المسجد الحرام، وإنَّما جمع؛ لأنَّه قبلة المساجد كلها وإمامها، فعامره كعامر سائر المساجد، أو لأنَّ كل بقعة منه مسجد، أو أنَّ المراد به الجنس؛ أي: جنس المساجد، فإذا لم يصلحوا أن يعمروا جنسها؛ دخل تحت ذلك ألَّا يعمروا المسجد الحرام الذي هو صدر الجنس ومقدمته، وهو آكد؛ لأنَّ طريقه طريق الكناية؛ كما لو قلت: فلان لا يقرأ كتب الله؛ أنفى لقراءة القرآن من تصريحك بذلك، انتهى.

وزعم ابن حجر أنَّ المؤلف ذكر هذه الآية لمصيره إلى ترجيح أحد الاحتمالين من الآية؛ لأنَّ قوله: {مساجد الله}: يحتمل أن يراد بها: موضع السجود، وأن يراد بها: المساجد، وعلى الثاني يحتمل أن يراد بعمارتها: بنيانها، وأن يراد بها: الإقامة فيها لذكر الله تعالى.

وردَّه إمام الشَّارحين فقال: (ما قاله هذا القائل لا يناسب معنى هذه الآية أصلًا، وإنَّما يناسب معنى قوله تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ...} الآية [التوبة: 18] ، على أن أحدًا من المفسِّرين لم يذكر هذا الوجه الذي ذكره هذا القائل، وإنما هذا تصرُّف منه بالرأي في القرآن؛ فلا يجوز ذلك، ويجب الإعراض عنه، قال المفسرون: معنى هذه الآية؛ ما ينبغي للمشركين بالله أن يعمروا مساجد الله التي بنيت على اسمه وحده [لا شريك له، ومن قرأ {مسجد الله} أراد به: المسجد الحرام أشرف المساجد في الأرض] [1] الذي [2] بني من أول يوم على عبادة الله وحده لا شريك له، وأسَّسه خليل الرحمن عليه السَّلام، ثم ساق عبارة الزمخشري...) إلى آخر كلامه رضي الله عنه.

واعترضه العجلوني؛ فقال: (دعواه عدم مناسبة ما قاله ابن حجر لمعنى هذه الآية وحصره المناسبة لمعنى الثانية؛ غير ظاهر، وكذا دعواه أن ما قاله لم يذكره أحد من المفسرين؛ لأنَّه قد ذكر هذا المعنى البغوي في «تفسيره» وعبارته: «أي: ما ينبغي للمشركين أن يعمروا مساجد الله، أوجب على المسلمين منعهم من ذلك؛ لأنَّ المساجد إنَّما تعمر لعبادة الله تعالى وحده، فمن كان كافرًا بالله؛ فليس من شأنه أن يعمرها؛ فذهب جماعة إلى أنَّ المراد منه: العمارة المعروفة من بناء المسجد ومرمته عند الخراب؛ فيمنع منه الكافر حتى لو أوصى به لا يمتثل، وحمل بعضهم العمارة ههنا على دخول المسجد والقعود فيه» انتهى، فانظر إلى قوله: «فذهب جماعة...» إلخ؛ تجده دافعًا لاعتراضه، وما نقله عن الزمخشري لا ينافي ما ذكره ابن حجر، على أنَّ الكرماني وغيره قال في كتاب الله أو فهم أعطيه رجل مسلم، وفيه إرشاد إلى أن للعالم الفَهِم أن يستخرج من القرآن بفهمه ما لم يكن منقولًا عن المفسرين بشرط موافقته للأصول الشرعية، انتهت؛ فأعجب من قوله وتشنيعه) انتهى.

قلت: وما ذكره العجلوني فاسد الاعتبار؛ لأنَّ قوله (دعواه عدم مناسبة ما قاله...) إلى آخره،؛ ممنوع؛ فقد ذكر ذلك القاضي البيضاوي، وعبارة البيضاوي: ({إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ...} الآية؛ أي: إنَّما يستقيم عمارتها لهؤلاء الجامعين للكمالات العلمية والعملية، ومن عمارتها تزيينها بالفرش، وتنويرها بالسرج، وإدامة العبادة والذكر ودرس العلم فيها، وصيانتها عما لم تُبنَ له: كحديث الدنيا، وعن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم: قال الله تعالى: «إن بيوتي في أرضي المساجد، وإن زوَّاري فيها عُمَّارها؛ فطوبى لعبد تطهَّر في بيته ثم زارني في بيتي؛ فحقعلى المَزُور أن يكرم زائره») انتهى، فهذا دليل ظاهر على أن ما ذكره مناسب لمعنى الآية الثانية؛ كما قاله إمام الشَّارحين، لكن فيه أن ما زعمه ابن حجر تلفيق وخلط؛ لأنَّ بعضه يوافق معنى ما ذكره البيضاوي، وبعضه لا يوافق أصلًا؛ بل ولا يوافق أحدًا، فهو خبط في الكلام؛ فكأنَّه قال ولا يدري ما يقول؛ فافهم.

وقوله: (وكذا دعواه أن ما قاله لم يذكره أحد...) إلى آخره؛ ممنوع أيضًا؛ فإن عبارة البغوي لا تدل على ما قاله؛ لأنَّه لم يقل: إنَّ المراد من الآية: أن يراد بها موضع السجود، فهو قول بالرأي بعينه، وكذا لم يقل البغوي: وأن يراد بها المساجد.

وقوله: (فانظر إلى قوله: فذهب جماعة...) إلى آخره؛ ممنوع أيضًا؛ لأنَّه وإن كان ظاهره أنَّه موافق لما قاله ابن حجر، لكنه في الحقيقة مخالف له ومباين؛ لأنَّ عبارة البغوي مبنية على مرمة المساجد؛ لأنَّه قال: (من مرمته عند الخراب) ، وما زعمه ابن حجر أنَّه يراد بعمارتها: بنيانها؛ لأنَّ منطوق الآية ومفهومها أنه يجب على المسلمين منعهم من بناء المساجد؛ كما قاله البغوي وغيره؛ فلا شك أن ما قاله ابن حجر تصرُّف من عنده وهو القول بالرأي[/ص623/] بعينه، وإنَّما اقتصرنا على عبارة البغوي؛ لأنَّ العجلوني جعلها سندًا ومستندًا له، والحال أن ابن حجر قد تصرَّف في عبارة البغوي، وخبط وخلط، ونسبها لنفسه، وليس في ذلك دفع لما قاله إمام الشَّارحين، بل الصواب هو ما قاله إمام الشَّارحين.

وقول العجلوني: (وما نقله عن الزمخشري لا ينافي ما قاله ابن حجر) ؛ ممنوع، فإن المنافاة بينهما ظاهرة لمن كان عنده شيء من العلم، كما علمت من عبارته، وما قاله إمام الشَّارحين من معنى الآية هو ما قاله الإمام مفتي الثقلين العلامة أبو السعود ونجم الدين النسفي والبيضاوي وغيرهم، وهو خلاف ما زعمه ابن حجر؛ لأنَّ قوله: (وأن يراد بها الإقامة فيها لذكر الله) : هذا توجيه معنًى بالرأي بعينه أيضًا؛ فإن الكافر المشرك لا يوحِّد الله، ولا يصلي في مسجد، ولم يقل أحد من المفسرين ذلك، وعلى كلٍّ فما ذكره العجلوني لا ينهض دليلًا لصحة كلام ابن حجر؛ فليحفظ.

وما نقله عن الكرماني... إلى آخره؛ ممنوع؛ لأنَّ ما ذكره خاص بالمجتهد المطلق كإمامنا الإمام الأعظم رئيس المجتهدين ومن جرى مجراه، وابن حجر لم يبلغ رتبة الاجتهاد، بل ولا رتبة المؤلفين المتقنين، وإنما هو من المؤلفين الغير المتقنين، على أنَّ ما ذكره مقيَّد بأن يكون موافقًا للأصول الشرعية، وما ذكره ليس كذلك، بل هو قولٌ بالرأي بعينه؛ لأنَّه لم يذكره أحد من المفسِّرين؛ فيجب الإعراض عنه.

وقوله: (فأعجب من قوله وتشنيعه) ، لا عجب ولا تشنيع، بل ما ذكره إمام الشَّارحين هو الصواب الموافق لقول العلماء الراسخين، وليس له في ذلك حظ نفس ولا هوًى، وإنما هو من جملة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى لا يخل ذلك بمعنى القرآن العظيم، وأعجب من قول العجلوني حيث درج على هذا الكلام الذي يرده أهل العلم العظام.

(({شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ})) الظرفان متعلقان بـ{شاهدين} وهو حال من فاعل {يعمروا}؛ أي: ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متنافيين؛ عمارة بيت الله وكفرهم بالله بعبادة غيره، وقال الحسن: (لم يقولوا: نحن كفار، ولكن كلامهم بالكفر شاهد عليهم بالكفر) ، وقال الضحاك، عن ابن عبَّاس: (شهادتهم على أنفسهم بالكفر سجودهم للأصنام، وذلك لأنَّ كفار قريش كانوا ينصبون أصنامهم على البيت الحرام عند القواعد، وكانوا يطوفون بالبيت عراة، وكلما طافوا شوطًا؛ سجدوا لأصنامهم ولم يزدادوا بذلك من الله إلا بعدًا) ، وقال السُّدي: (شهادتهم على أنفسهم بالكفر: هو أنَّ النصراني يُسأل من أنت؟ فيقول: نصراني، واليهودي يقول: يهودي، والمشرك يقول: مشرك) ، وقال النسفي: (هو قولهم: لبيك لا شريك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك؛ أي: ليس لهم أن يحجوها وهم قائلون ذلك في الحج) .

(({أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ})) ؛ أي: بطل ثوابها لشركهم، والمراد بالأعمال: ما ذكروه من محاسنهم، كذا قاله نجم الدين النسفي، وقال جار الله الزمخشري: هي العمارة والحجابة، وفك العاني، والسقاية ونحوها، انتهى، قلت: وهي بمعنى ما تقدم.

واعترضه العجلوني فزعم أنَّ الأولى العموم؛ لأنَّ أعمال الكفار كلها مردودة لقوله تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا} [الفرقان: 23] ، انتهى.

قلت: العموم موجود في كلام الزمخشري؛ لأنَّه بيَّن أعمالهم التي يفتخرون بها، وعمم بقوله: وغيرها، وما ذكره من الآية فيه نظر؛ لأنَّ الآية مخصوصة بالدار الآخرة، فلا يجازون عليها في الآخرة وإنما المجازاة تكون في الدنيا، فإن الكفار إذا عملوا خيرًا؛ يجازون عليه في الدنيا بكثرة الأموال والأولاد، أو دفع الضرر والشدة وغير ذلك، فإذا وصلوا للدار الآخرة؛ لم يجدوا من أعمالهم شيئًا؛ فافهم.

(({وَفِي النَّارِ})) ؛ أي: الجهنمية؛ أي: لا في غيرها (({هُمْ خَالِدُونَ})) ؛ أي: لكفرهم لا غيرهم من المسلمين؛ فافهم، وإن عُذِّب منهم من يعذب، فإنَّهم إلى الجنة صائرون، ومهما طالت مدتهم لا بد من دخولهم الجنة، وقول المتصوفة: (إن الكفار يعتادون عذاب النار فلم يحصل لهم بعد ذلك ألم العذاب) مردود بنصوص القرآن؛ لأنَّ الله وصف العذاب بكونه مؤلمًا، وإذا كان كما زعمه؛ يلزم في ذلك ألَّا يكونوا معذبين، وهو خلاف إخبار الله عنهم، وهو لا يخلف الميعاد.

(({إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ})) في قراءة {مسجد الله} بالإفراد كما في «الكشاف» (({مَنْ آمَنَ بِاللهِ})) وحده، والإيمان بالنبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، وإنما لم يذكره؛ لأنَّه إذا جرى ذكر الله تعالى؛ يكون ذكره عليه السَّلام مقارنًا لذكره تعالى، كما في كلمة الشهادة، والأذان، والإقامة وغيرها، فلما كانا مزدوجين صارا كأنهما شيء واحد غير منفك أحدهما عن الآخر، فكان الإيمان به عليه السَّلام مندرجًا تحت ذكر الإيمان بالله تعالى، ويحتمل أنه لم يذكره لدلالة قوله: {وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ}؛ لأنَّهما ذكرتا بلام العهد والمعهود من الصلاة والزكاة عند المسلمين ليس إلا الأعمال التي أتى بها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وإتيان تلك الأعمال يستلزم الإيمان به عليه السَّلام؛ فافهم، (({وَالْيَوْمِ الآخِرِ})) {من} الموصولة أو النكرة الموصوفة فاعل {يعمر} المقدم عليه المفعول؛ اعتناءً بالمساجد، (({وَأَقَامَ الصَّلاةَ})) ؛ أي: أداها وحافظ عليها في أوقاتها، وهو معطوف على قوله: {آمن} (({وَآتَى الزَّكَاةَ})) ؛ أي: أداها لأربابها، والمعنى: إنَّما يستحق القيام بعمارة المساجد من كان متصفًا بهذه الأوصاف المذكورة (({وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللهَ})) ؛ أي: لم يخف في الدين غير الله، ولم يترك أمر الله لخشية غيره، قاله البغوي،وقال صاحب «الكشاف»: (فإن قلت: المؤمن يخشى المحاذير ولا يتمالك ألَّا يخشاها، قلت: هي الخشية والتقوى في أبواب الدين، وألَّا يختار على رضا الله رضا غيره لتوقع مخوف، وإذا اعترضه حق الله وحق نفسه؛ قدم حق الله على حق نفسه، وقيل: كانوا يخشون الأصنام ويرجونها، فأريد نفي تلك الخشية عنهم، وهذه الآية مستأنفة استئنافًا بيانيًّا كالمؤكدة[/ص624/] بمضمون السابقة؛ ومعناه: إنَّما يستقيم عمارة المساجد لهؤلاء الجامعين للكمالات العلمية والعملية، ومن عمارتها: تزيينها بالفرش، وتنويرها بالسرج والمصابيح، ورَمِّ [3] ما وَهَى منها وإصلاحه، وقمِّها، وتنظيفها، وتعظيمها، واعتيادها للعبادة والذكر، ومنه: درس العلم؛ بل هو أجلُّه وأعظمه، وصيانتها مما لم تبنَ له من أحاديث الدنيا، فضلًا عن فضول الحديث) انتهى.

قلت: وهذا إشارة إلى قوله تعالى: {أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ} [التوبة: 13] ، وقوله: {فَلاَ تَخَافُوَهُمْ وَخَافُونِ} [آل عمران: 175] فإن الخوف من المضار النفسانية أمر جبلِّي لا محذور فيه، وإنما المحذور ترجيح حق نفسه على حق الله تعالى، وأن يجعل فوات حظ نفسه كعذاب الله تعالى.

(({فَعَسَى أُوْلَئَكَ أَن يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ})) [التوبة: 18] جمع؛ مراعاة لمعنى {من} بعد الإفراد لمراعاة لفظها، قال البيضاوي: (ذكره بصيغة التوقع؛ قطعًا لأطماع المشركين في الاهتداء والانتفاع بأعمالهم، وتوبيخًا لهم بالقطع بأنَّهم مهتدون، فإن هؤلاء مع كمالهم إذا كان اهتداؤهم دائرًا بين «عسى» و«لعل»، فما ظنك بأضدادهم؟! ومنعًا للمؤمنين أن يغتروا بأحوالهم ويتكلوا على أعمالهم) انتهى، وقال الإمام نجم الدين النسفي: («عسى» من الله إطماع، وإطماع الكريم إيجاب؛ أي: المستكملون هذه الأوصاف والخصال ثابتون على الهداية خارجون عن الضلالة) ، وروى أبو سعيد الخدري عن النبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: «إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد؛ فاشهدوا له بالإيمان، قال تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ}...» الآية [التوبة: 18] ، وقال القشيري: (عمارة المساجد التي هي مواقف العبودية لا تتأتى إلا بتخريب أوطان البشرية، فالعابد يعمِّر المسجد بتخريب أوطان شهوته، والزاهد يعمِّره بتخريب أوطان مُنْيَته، والعارف يعمِّره بتخريب أوطان عِلاقَته، والموحِّد يعمِّره بتخريب أوطان ملاحظته، ولكلٍّ منهم صنف مخصوص، وكذلك رتبتهم في الإيمان مختلفة، فإيمان من حيث البرهان، وإيمان من حيث البيان، وإيمان من حيث العيان، وشتَّان ما هم) انتهى.

قال إمام الشَّارحين: (ثمَّ إنَّ البخاري ذكر هذه الآية من جملة الترجمة، وحديث الباب لا يطابقها، ولو ذكر قوله تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ} الآية؛ لكان أجدر وأقرب للمطابقة، ولكن يمكن أن يوجه ذلك وإن كان فيه بعض تعسُّف؛ وهو أن يقال: إنَّه أشار به إلى أنَّ التعاون في بناء المساجد المعتبر الذي فيه الأجر إنَّما يكون للمؤمنين، ولم يكن ذلك للكافرين وإن كانوا بنوا مساجد ليتعبدوا فيها بعبادتهم الباطلة، ألا ترى أنَّ العبَّاس لما أُسِر [4] يوم بدر وعيَّره علي بن أبي طالب بكفره وأغلظ له؛ ادَّعى أنَّهم كانوا يعمرون المسجد الحرام، فبيَّن ذلك الله تعالى أنَّه غير مقبول منهم؛ لكفرهم؛ حيث أنزل على نبيه: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ} الآية [التوبة: 17] ، ثم أنزل في حق المسلمين الذين يتعاونون في بناء المساجد قوله تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ}...؛ الآية، والمعنى: إنِّما العمارة المعتدة بها: عمارة من آمن بالله، فجعل عمارة غيرهم كلا عمارة؛ حيث ذكرها بكلمة الحصر، وروى عبد بن حميد في «مسنده» عن أنس قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إنَّ عمَّار المسجد هم أهل الله» ورواه أبو بكر البزَّار، ولا شكَّ أنَّ أهل الله هم المؤمنون) انتهى.

واعترضه العجلوني فزاد في الطنبور نغمة، فزعم أنَّ الآيتين [5] مذكورتان في رواية أبي ذر التي ذكرها، وهما دالتان على فضيلة تعمير المساجد ومدح العامرين بها، انتهى.

قلت: وهذا كلام فاسد الاعتبار، وليس لقائله مسٌّ بفهم المعاني، فإنَّ كون الآيتان مذكورتين [6] في رواية أبي ذر لا ينافي أنَّ الآية الأولى من جملة الترجمة، وأنَّها لا تطابق حديث الباب، فكم ذكر المؤلف آية أو حديثًا في باب مترجم وهو لا يطابق الترجمة؟! لكن يجب على المؤلف أن يصدِّر بآية: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ}؛ لأنَّ مراد المؤلف: الاستدلال على ما ترجم له، وهذه الآية صريحة في الدلالة على ذلك، وأن الآية الأخرى لا يُستدلُّ بها؛ لأنَّ العمارة المقبولة إنَّما هي من المؤمنين، وأمَّا الكفار؛ فلا يُعتدُّ بفعلهم، كيف يجعل فعل الكفار دليلًا على حكم من أحكام الله مع أنَّه تعالى قد ذمَّ فعلهم ذلك بقوله: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ} الآية [التوبة: 17] ؟!، فهذا ذمٌّ وعدم رضًا بهذا الفعل منهم فالآية الأولى تطابق الترجمة، وأمَّا الثاني؛ فإنَّها قريبة من التطابق لما ذكره إمام الشَّارحين من الوجه المذكور، على أنَّ الحديث المروي عن أنس صريح في أنَّ الذي يمدح في عمارة المسجد إنَّما هو المؤمن لا الكافر، فكيف يقول: (وهما دالَّتان...) إلخ؟ فمن أين جاءت الدلالة المذكورة؟ ومن أين جاء المدح للعامرين؟ نعم؛ مدح الله المؤمنين في الآية الثانية، وذمَّ ومنع المشركين في الآية الأولى، وما هذا إلا قول أضعف من [بيت] العنكبوت، فلا تغتر بكلام العجلوني، فإنَّه مشهور بالتعصب على إمام الشَّارحين، ولم يصل إلى مرتبة علمه في العالمين؛ فافهم.

وروى البغوي «بسنده» إلى أبي هريرة أنَّ النبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «من غدا إلى المسجد وراح؛ أعدَّ الله له منزلة من الجنة كلَّما غدا وراح»، وروى أيضًا بسنده إلى عثمان بن عفان أنَّه أراد بناء المسجد، فكره الناس ذلك وأحبُّوا أن يدعه، فقال عثمان: سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: «من بنى لله مسجدًا؛ بنى الله له قصرًا كهيئته في الجنة»، وفي لفظ له من طريق آخر: «بنى الله له بيتًا في الجنة»، وقال صاحب «الكشاف»: وعن النبي الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم: «يأتي في آخر الزمان أناس من أمتي يأتون المساجد، يقعدون فيها حِلَقًا ذكرهم الدنيا وحب الدنيا، لا تجالسوهم، فليس لله فيهم حاجة»، وعنه عليه السَّلام: «الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش»، وقال عليه السَّلام: «من أَلِفَ المساجد؛ أَلِفَه الله»، وعن أنس بن مالك: «من أَسْرَج في مسجد سراجًا؛ لم تزل الملائكة وحملة العرش تستغفر له ما دام في ذلك

[/ص625/] المسجد ضوءه» انتهى.

[1] ما بين معقوفين سقط من الأصل، وهو مثبت من «عمدة القاري».
[2] في الأصل: (التي)، ولعل المثبت هو الصواب.
[3] في الأصل: (وذم) ، وهو تحريف.
[4] في الأصل: (أسرى) .
[5] في الأصل: (الآيتان)، وليس بصحيح.
[6] في الأصل: (مذكورتان)، وليس بصحيح.