المستند الإرشاد الناظر التلقيح التنقيح التوشيح الزراري

40-. حدَّثنا عَمْرُو بنُ خالِدٍ، قالَ: حدَّثنا زُهَيْرٌ، قالَ: حدَّثنا أَبُو إِسْحاقَ:

عَنِ البَراءِ [1] : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان أَوَّلَ ما قَدِمَ المَدِينَةَ نَزَلَ عَلَىَ أَجْدادِهِ _أَوْ قالَ: أَخْوالِهِ_ مِنَ الأَنْصارِ، وَأَنَّهُ صَلَّىَ قِبَلَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ [2] أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وكان يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ البَيْتِ، وَأَنَّهُ أَوَّلُ [3] صَلاةٍ صَلَّاها صَلاةُ العَصْرِ [4] ، وَصَلَّىَ مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّىَ مَعَهُ، فَمَرَّ عَلَىَ أَهْلِ مَسْجِدٍ وَهُمْ راكِعُونَ، فقالَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ [5] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَلَ مَكَّةَ. فَدارُوا كَما هُمْ قِبَلَ البَيْتِ، وَكانَتِ اليَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ إِذْ كان يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ المقْدِسِ وَأَهْلُ الكِتابِ، فَلَمَّا وَلَّىَ وَجْهَهُ قِبَلَ البَيْتِ أَنْكَرُوا ذَلِكَ.

قالَ زُهَيْرٌ: حدَّثنا أَبُو إِسْحاقَ عن البَراءِ فِي حَدِيثِهِ هَذا [6] : أَنَّهُ ماتَ عَلَى القِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ رِجالٌ وَقُتِلُوا، فَلَمْ نَدْرِ ما نَقُولُ فِيهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تعالىَ [7] : { وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ } [البقرة: 143] .

الأطراف



[1] في رواية الأصيلي زيادة: «بن عازب».
[2] في رواية ابن عساكر و [عط] زيادة: «شهرًا».
[3] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت و [عط] : «وأنه صَلَّىَ أولَ». كتبت بالحمرة، وهي مثبتة في متن (ب، ص).
[4] في رواية أبي ذر و [عط] : «وأنَّه أَوَّلَ صَلاةٍ صَلَّاها العَصْرُ».
[5] في رواية ابن عساكر: «النَّبيِّ».
[6] في رواية الأصيلي: «أبو إسحاق في حديثه عن البراء في حديثه هذا».
[7] في رواية الأصيلي وابن عساكر: «عزَّ وَجَلَّ».





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

40- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ)؛ بفتح العين، ابن فروخٍ الحنظليُّ الحرَّانيُّ [1] ، نزيل مصر، المُتوفَّى سنة تسعٍ وعشرين ومئتين، وليس هو ((عُمرَ)) بالضَّمِّ والفتح، وإن وقع في رواية القابسيِّ عن عبدوسٍ عن أبي زيدٍ المروزيِّ، وفي رواية أبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنيِّ؛ فقد قالوا: إنَّه تصحيفٌ، (قَالَ)؛ أي: عمرٌو: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ)؛ بضمِّ أوَّله وفتح ثانيه، ابن معاويةَ بن حُدَيجٍ؛ بضمِّ الحاء وفتح الدَّال المُهمَلَتين، آخره جيمٌ، الجعفيُّ [2] الكوفيُّ، المُتوفَّى سنة اثنتين أو ثلاثٍ وسبعين ومئةٍ، (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله بن عليٍّ [3] الهَمْدانيُّ السَّبيعيُّ، الكوفيُّ التَّابعيُّ الجليل، المُتوفَّى سنة ستٍّ، أو سبعٍ، أو ثمان، أو تسعٍ وعشرين ومئةٍ، وقول أحمد: إنَّ سماع زهيرٍ منه بعد أن بدا تغيَّره، أُجِيب عنه: بأنَّ إسرائيل بن يونس حفيدُه، وغيره تابعه عليه عند المؤلِّف [خ¦399] ، (عَنِ الْبَرَاءِ)؛ بتخفيف الرَّاء والمدِّ على الأشهر، أبي عمرٍو أو أبي عامرٍ، أو أبي الطَّفيل، وللأَصيليِّ في روايةٍ: ((عن البراء بن عازب)) بن الحارث الأنصاريِّ الأوسيِّ، المُتوفَّى بالكوفة سنة اثنتين وسبعين، وله في «البخاريِّ» ثمانيةٌ وثلاثون حديثًا، وما يُخَاف من تدليس أبي إسحاق، فهو مأمونٌ؛ حيث ساقه المؤلِّف في «التَّفسير» [خ¦4486] من طريق الثَّوريِّ بلفظ عن أبي إسحاق: سمعت البَرَاء رضي الله عنه: (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ)؛ بكسر الدَّال، ونصب «أوَّلَ» على الظَّرفيَّة، لا خبر «كان» كما وَهِمَ [4] الزَّركشيُّ، فإنَّ خبرَ «كان» قولُهُ: «نزل»؛ أي: في أوَّل قدومه (الْمَدِينَةَ)؛ طيبة في هجرته من مكَّة (نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ، أَوْ قَالَ)؛ أي: أبو إسحاقَ: (أَخْوَالِهِ مِنَ الأَنْصَارِ)، وكلاهما صحيحٌ، وهو على سبيل المجاز؛ لأنَّ أقاربه من الأنصار من جهة الأمومة؛ لأنَّ أُمَّ جدِّه عبد المطَّلب منهم، (وَأَنَّهُ) عليه الصلاة والسلام (صَلَّى قِبَلَ) بكسر القاف وفتح المُوحَّدة (بَيْتِ الْمَقْدِسِ)؛ مصدرٌ ميميٌّ كالمَرْجِع؛ أي: حال كونه مُتوجِّهًا إليه (سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا)؛ على الشَّكِّ في رواية زُهيرٍ هنا، وللمؤلِّف عن إسرائيل [خ¦399] ، وللتِّرمذيِّ أيضًا وكذا لمسلمٍ من رواية أبي الأحوص الجزمُ بالأوَّل، فيكون أخذ من شهر القدوم [/ج1ص125/] وشهر التَّحويل شهرًا، وألغى الأيَّام الزَّائدة، وللبزَّار والطَّبرانيِّ عن عمرو بن عوفٍ الجزم بالثَّاني كغيرهما، فيكون عدَّ الشهرين معًا، ومن شكَّ؛ تردَّد في ذلك؛ وذلك أنَّ القدوم كان في شهر ربيع الأوَّل بلا خلافٍ، وكان التَّحويل في نصف رجب من السَّنة الثَّانية على الصَّحيح، وبه جزم الجمهور، ورواه الحاكم بسندٍ صحيحٍ عن ابن عبَّاسٍ، وقال ابن حبَّان: سبعة عشر شهرًا وثلاثة أيَّامٍ، وهو مبنيٌّ على أن القدوم كان في ثاني عشر ربيع الأوَّل، وقال ابن حبيبٍ: كان التَّحويل في نصف شعبان، وهو الذي ذكره النَّوويُّ في «الرَّوضة»، وأقرَّه مع كونه رجَّح في «شرح مسلم» رواية ستَّة عشر شهرًا؛ لكونها مجزومًا بها عند «مسلمٍ»، ولا يستقيم أن يكون ذلك في شعبان، إلَّا إن ألغى شهرا القدوم والتَّحويل، وسقط لغير ابن عساكر قوله: ((شهرًا)) الأوَّل، (وَكَانَ) عليه الصلاة والسلام (يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ)؛ أي: كون قبلته جهة (الْبَيْتِ) الحرام؛ (وَأَنَّهُ) _بفتح الهمزة_ عطفًا على «أنَّ» الأولى كالثَّانية، (صَلَّى أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا) متوجِّهًا إلى الكعبة (صَلَاةَ الْعَصْرِ)؛ بنصب «أوَّلَ» مفعول «صلَّى»، و«صلاةَ العصر» بدلٌ منه، وأعربه ابن مالكٍ بالرَّفع، وسقط لغير الأربعة لفظة: ((صلَّى))، ولابن سعدٍ: حُوِّلَت القبلة في صلاة الظُّهر أو العصر، (وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ)؛ وهو عبَّاد بن بشر بن قيظيٍّ، أو عبَّاد بن نَهْيكٍ، (فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ) من بني حارثة، ويعرف الآن بمسجد القبلتين، (وَهُمْ رَاكِعُونَ) حقيقةً، أو من باب: إطلاق الجزء وإرادة الكلِّ، (فَقَالَ: أَشْهَدُ)؛ أي: أحلف (بِاللهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ)، ولابن عساكرَ: ((مع النَّبيِّ)) (صلى الله عليه وسلم قِبَلَ مَكَّةَ)؛ أي: حال كونه متوجِّهًا إليها، و«اللَّام» للتَّأكيد، و«قد» للتَّحقيق، وجملة «أشهد» اعتراضٌ بين القول ومقوله، (فَدَارُوا)؛ أي: سمعوا كلامه فداروا (كَمَا هُمْ) عليه (قِبَلَ الْبَيْتِ) الحرام، ولم يقطعوا الصَّلاة، بل أتمُّوها إلى جهة الكعبة، فصلَّوا صلاةً واحدةً إلى جهتين بدليلين شرعيِّين. قال في «المصابيح»: والظَّاهر: أنَّ الكاف في «كما هم» بمعنى: على، و«ما»: كافَّةٌ، و«هم»: مبتدأٌ حُذِفَ خبرُه؛ أي: عليه أو كائنون، وقد يُقَال: إنَّ «ما» موصولةٌ، و«هم»: مبتدأٌ حُذِفَ خبره؛ أي: عليه، لكن يلزم حذف العائد المجرور مع تخلُّف شرطه، وفيه: جواز النَّسخ بخبر الواحد، وإليه ميلُ المحقِّقين، (وَكَانَتِ الْيَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ)؛ أي: النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، و«هم» [5] : منصوبٌ على المفعوليَّة؛ (إِذْ كَانَ) عليه الصلاة والسلام (يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ)؛ أي: حال كونه متوجِّهًا إليه، (وَأَهْلُ الْكِتَابِ) _بالرَّفع_ عطفًا على «اليهود»، وهو من عطف العامِّ على الخاصِّ، أو المُرَاد به النَّصارى فقط، وإعجابهم ذلك ليس لكونه قبلتهم، بل بطريق التَّبعيَّة لهم، (فَلَمَّا وَلَّى) صلى الله عليه وسلم (وَجْهَهُ) الشَّريفَ (قِبَلَ الْبَيْتِ) الحرام؛ (أَنْكَرُوا ذَلِكَ)، فنزل [6] : {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ} [البقرة: 142] كما صرَّح به المصنِّف في روايةٍ من طريق إسرائيل [خ¦399] ، (قَالَ زُهَيْرٌ)؛ يعني: ابن معاويةَ: (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ)؛ يعني: السَّبيعيُّ، (عَنِ الْبَرَاءِ) بن عازبٍ (فِي حَدِيثِهِ هَذَا)، وللأَصيليِّ: ((أبو إسحاق في حديثه عن البَرَاء)) (أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْقِبْلَةِ) المنسوخة (قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ)؛ أي: قبل التَّحويل إلى الكعبة (رِجَالٌ) عشرةٌ؛ منهم: عبد الله بن شهابٍ الزُّهريُّ القرشيُّ مات بمكَّة، والبَرَاء بن معرورٍ الأنصاريُّ بالمدينة، (وَقُتِلُوا)؛ بضمِّ أوَّله وكسر ثانيه، وفائدة ذكر القتل: بيان كيفيَّة موتهم؛ إشعارًا بشرفهم، واستبعادًا لضياع طاعتهم، أو أنَّ «الواو» بمعنى: أو، فيكون شكًّا، لكنَّ القتلَ فيه نظرٌ؛ فإنَّ تحويل القبلة كان قبل نزول القتال، على أنَّ هذه اللَّفظة لا توجد في غير رواية زهير بن معاوية، إنَّما الموجود في باقي الرِّوايات ذكر الموت فقط، (فَلَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى)، وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر: ((عزَّ وجلَّ)): ({وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}) [البقرة: 143] بالقبلة المنسوخة، أو صلاتكم إليها، وقول الكرمانيِّ في قول زهيرٍ هذا: «إنَّه يحتمل أن يكون المؤلِّف ذكره معلَّقًا» تعقَّبه الحافظ ابن حجرٍ: بأنَّ المؤلِّف ساقه في «التَّفسير» [خ¦4486] موصولًا مع [7] جملة الحديث، وقد تعقَّبه العينيُّ: بأنَّ صورتَه صورةُ تعليقٍ، وأنَّه لا يلزم من سَوْقِه في «التَّفسير» جملةً واحدةً أن يكون هذا موصولًا غير معلَّقٍ، انتهى.

واختُلِف في صلاته عليه الصلاة والسلام إلى بيت المقدس [/ج1ص126/] وهو بمكَّة، فقال قومٌ: لم يَزَلْ يستقبل الكعبة بمكَّة، فلمَّا قدم المدينة؛ استقبل بيت المقدس، ثمَّ نُسِخَ، وقال البيضاويُّ في تفسير قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا القِبْلَةَ التِّي كُنْتَ عَلَيْهَا} [البقرة: 143] ؛ أي: الجهة التي كنت عليها؛ وهي الكعبة، فإنَّه _ عليه الصلاة والسلام _ كان يصلِّي إليها بمكَّة، ثمَّ لمَّا هاجر؛ أُمِرَ بالصَّلاة إلى الصَّخرة تألُّفًا لليهود، وقال قومٌ: كان لبيت المقدس، فروى ابن ماجه حديث: «صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس ثمانيةَ عَشَرَ شهرًا، وصُرِفَتِ القبلةُ إلى الكعبة بعد دخول المدينة بشهرين»، وظاهره: أنَّه كان يصلِّي بمكَّةَ إلى بيت المقدس مَحضًا، وعن ابن عبَّاسٍ: كانت قبلتُه بمكَّةَ بيتَ المقدس، إلَّا أنَّه كان يجعل الكعبة بينه وبينه، قال البيضاويُّ: فالمخبر به على الأوَّلَ الجعل النَّاسخ، وعلى الثاني المنسوخ؛ والمعنى: أنَّ أصل أمرك أن تستقبل الكعبة، وما جعلنا قبلتك بيت المقدس، ا ه.

وفي هذا [8] الحديث جواز نسخ الأحكام؛ خلافًا لليهود، وبخبر الواحد، وإليه مال القاضي أبو بكرٍ وغيره من المحقِّقين، وجواز الاجتهاد في القبلة، وبيان شرفه عليه الصلاة والسلام، وكرامته على ربِّه لإعطائه له ما أحبَّ، والرَّدُّ على المرجئة في إنكارهم تسميةَ أعمالِ الدِّين إيمانًا، ورواة الحديث السَّابق أئمَّةٌ أَجِلَّاءُ أربعةٌ، وفيه التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦399] ، و«التَّفسير» [خ¦4486] ، وفي «خبر الواحد» [خ¦7252] ، والنَّسائيُّ، والتِّرمذيُّ، وابن ماجه.

[1] في (س): (الحزَّانيُّ)، وهو تصحيفٌ.
[2] في (س): «الجعدي»، وهو خطأٌ.
[3] (ابن عليٍّ): سقط من (س).
[4] في (م): «ووهم».
[5] في (م): «وهو».
[6] في (م): «فنزلت».
[7] في (م): «من».
[8] «هنا»: سقط من (م).





40- (أَوَّلَ): بالنَّصبِ؛ أي: في أوَّل زمانِ قُدُومِه عندَ الهجرةِ، و (مَا) مصدريَّةٌ.

وقال البِرْماويُّ: (نصبٌ على الظَّرفيَّةِ، وَوَهِمَ الزَّركشيُّ فقال: خبرُ «كَانَ») [1] .

(وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا صَلَاةَ الْعَصْرِ): (وَأَنَّهُ): بفتح الهمزةِ معطوفٌ على (أَنَّهُ) الَّتي قبلها، و (أَوَّلَ): هو مفعولُ (صَلَّى)، و (صَلَاةَ الْعَصْرِ): هو بالنَّصبِ أيضًا بدلًا منه، وفي الكلامِ تقديرٌ؛ أي: أوَّل صلاةٍ صلَّاها [وهو] متوجِّهٌ الكعبةَ، ولوضوحِه لم يذْكُرْه.

وقال ابنُ الملقِّن: («صَلَاةَ العَصْرِ» هو بَدَلٌ من قوله: «أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا») انتهى.

وفي أصلنا المصري: (صَلَاةُ) بالرَّفْعِ على أنَّه اسمُ (كان)، والخبرُ (أوَّل) مقدَّمٌ، كذا أعرَبَهُ والدي.

وقال الزَّركشيُّ: («صَلَاةُ» بالرَّفع عنِ ابن مالكٍ) انتهى. [/ص18/]

(كَمَا هُمْ): (مَا) موصولةٌ، و (هُمْ) مبتدأٌ، وخبرُه محذوفٌ؛ وهو «عليه»؛ أي: داروا مُشبهين الحال الَّذي كان متقدِّمًا على حال دورانهم، أو داروا على الحال الَّذي هم [2] كانوا عليه، ومثلُ هذه الكاف تُسمَّى كافَ المقاربةِ؛ أي: دورانهم مقارِبٌ لحالِهم.

(قَدْ أَعْجَبَهُمْ): فاعلُ (أعجبَ) هو رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم.

و (إِذْ كَانَ): بدلُ الاشتمال، أو (إِذْ كَانَ) فاعلٌ [3] ؛ إذ هو ههنا للزَّمان المطلق؛ أي: أعجبَهم زمانُ كان يصلِّي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم نحوَ بيتِ المقدسِ؛ لأنَّه كان قبلتَهم، فإعجابُهم لموافقته قِبلةَ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم.

(وَأَهْلُ الْكِتَابِ): عطفٌ على (الْيَهُودُ)، فإمَّا أنْ يُرادَ به العمومُ، فهو عامٌّ عُطِفَ على خاصٍّ؛ أي: جميع أهل الكتاب، أو المرادُ به: النَّصارى فقط، فهو خاصٌّ عُطِفَ على خاصٍّ، وعَجِبُوا متابعةً؛ لأنَّها لم تكنْ قِبلَتَهم، بلْ إعجابُهم كانَ بالتَّبعيَّةِ لليهود، ويَحتمل أنْ تكونَ (الواو) بمعنى: (مع)، لكنْ تكونُ القراءةُ بالنَّصبِ واجبةً حينئذٍ، ومعناه: كانَ يُصلِّي نحو بيت المقدس مع أهل الكتاب، وهو مثلُ: (جئتُ وزيدًا)، وهذا هو الأظهرُ لو صحَّتْ روايةُ النَّصبِ.

وقال والدي رحمه الله: («وَأَهْلُ الْكِتَابِ» مرفوعٌ معطوفٌ على «الْيَهُودُ»).

وقال ابن الملقِّن: (ولعلَّه المراد بهم: النَّصارى؛ فإنَّ اليهودَ أيضًا أهلُ كتابٍ).

قال والدي: (وفيه نَظَرٌ؛ لأنَّ النَّصارى يُصَلُّونَ إلى المشرِقِ، ولعلَّ المرادَ بـ«أهل الكتاب» هم اليهودُ، وجازَ العطفُ؛ لاختلافِ اللَّفظِ، ويَحتمل أنَّه أرادَ النَّصارى، ويكونُ إعجابُهم لكونِ المسلمينَ خالفوا اليهودَ في القبلة) انتهى.

ويَحتمل أنْ يكونَ فيه حذفٌ تقديرُه: وأهلُ الكتابِ لم يعجبْهُم ذلك.

والضَّميرُ في قوله: (أَنْكَرُوا) [4] عائدٌ إلى (الْيَهُود) لا إلى (أَهْل الْكِتَاب)، ويكون المراد بـ (أَهْل الْكِتَاب): النَّصارى.

[1] «اللامع الصبيح» (1/241)، وكذا وهَّمه الدماميني في «مصابيح الجامع» (1/133)، وانظر «التنقيح» (1/40)، وقوله: (وقال البرماوي: نصب...) تقدم في (ب) على قوله: (وما مصدرية)، وهو خطأ في معرفة مكان اللحق في (أ).
[2] هم: سقطت من (ب).
[3] في النسختين: (فاعلًا)، والمثبت من المصادر.
[4] في النسختين: (وأنكروا) بواو العطف، وليست في الحديث.





40- قوله: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ): هذا هو الصوابُ، وهو بفتح العين، وبالواو في آخره، وقد ذكر أبو عليٍّ الغسانيُّ في كتابه «تقييد المهمل» أنَّه كان في نسخة أبي زيد المروزيِّ: عُمر بن خالد؛ يعني: بضمِّ العين من غير واوٍ، كذا نقله عنه أبو الحسن القابِسيُّ وأبو الفرج الطيطليُّ [1] ، وهو وهم.

واعلم أنَّ الأوهام التي ذكرها أبو عليٍّ الغسَّانيُّ التي وقعت في «البخاريِّ» لا أذكر أنا منها إلَّا يسيرًا، فمَن أراد الاستيعاب؛ فلينظر «تقييد المهمل» له، وقد تقدَّم ذلك في الدِّيباجة.

قوله: (حَدَّثَنَا [2] أَبُو إِسْحَاقَ): هذا هو السَّبِيعيُّ -بفتح السين وكسر الموحدة- نسبةً إلى السَّبِيع جدِّ القبيلة، قال الجوهريُّ: (والسَّبِيعُ أيضًا بطنٌ مِن هَمْدان، رَهْط أبي إسحاق السَّبِيعيِّ) انتهى.

واسمه عمرو بن عبد الله الهَمْدانيُّ؛ بإسكان الميم، وبالدَّال المهملة، وهو أحدُ الأعلام، له نحو ثلاثُ مئةِ شيخٍ، وهو يُشبه الزُّهريَّ في الكثرة، وقد غزا مرَّاتٍ، وكان صوَّامًا قوَّامًا، توفِّي سنة ستٍّ، وقيل: سبعٍ، وقيل: ثمانٍ، وقيل: تسع وعشرين ومئة، وله خمسٌ وتسعون سنة، أخرج له الجماعة [3] .

فائدة هي تنبيه [4] : أبو إسحاق هذا اختلط، وقد ذكره ابن الصَّلاح في «علومه»، وأنكره صاحب «الميزان»، فقال: (شاخ ونسي ولم يختلط) ، وقد سمع منه سُفيان وقد تغيَّر قليلًا، والرَّاوي عنه هنا [5] زهير بن معاوية، قال صالح بن أحمد ابن حنبل، عن أبيه: (في حديثه عن أبي إسحاق ليْنٌ، سمع منه بأَخَرَة) ، وقال أبو زُرعة: (ثقةٌ، إلَّا أنَّه سمع من أبي إسحاق بعد الاختلاط) ، [/ج1ص28/] وقال التِّرمذيُّ: (زهير في أبي إسحاق ليس بذاك؛ لأنَّ سماعه منه بأَخَرَة) انتهى.

وروايتُه عنه في «الصحيحين»، قال أبو عمرو بن الصلاح: (واعلم أنَّ ما كان مِن هذا القبيل مُحتجًّا [6] بروايته في «الصَّحيحين» أو أحدِهِما؛ فإنَّا نعرفُ على الجملةِ أنَّ ذلك ممَّا تميَّزَ، وكان مأخوذًا عنه قبل الاختلاط) انتهى.

تنبيه: قد ذكرتُ جماعةً مِنَ المختلطين أو مَن قد رُمي به في مؤلَّفٍ مفردٍ، لعلَّك ألَّا تجدَهم مجموعين في غيره؛ فانظره إن أردته.

قوله: (أَجْدَادِهِ -أَوْ [قَالَ] : أَخْوَالِهِ- مِنَ الْأَنْصَارِ): هذا [7] شكٌّ مِنَ الرَّاوي، وهم أخوال وأجداد، مجازًا؛ لأنَّ هاشمًا جدُّ والدِ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، تزوَّجَ منهم سَلمى بنت عمرو بن زيد بن لَبيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عديِّ بن النَّجَّار، فولدتْ له عبدَ المطَّلب، والمذكور في السِّير: أنَّ أوَّل ما نَزَلَ عليه الصَّلاة والسَّلام على كلثوم بن الهِدْم بن امرئ القيس، وقيل: على سعد بن خيثمة، والأوَّل أكثرُ، قاله في «الاستيعاب»، ثمَّ على أبي أيُّوب خالد بن زيد الأنصاريِّ، وليسوا ولا واحدٌ منهم مِن أخواله ولا أجداده، وإنَّما أخوالُه وأجدادُه في بني عديِّ بن النَّجَّار، وقد مرَّ بهم، واعترضه سَلِيط بن قيس، وأبو سَلِيط أُسَيرة بن أبي خارجة في رجالٍ مِن بني عديٍّ فلم ينزل، ونزل على بني مالك أخي عديٍّ، فلعلَّ ذلك وقعَ تجوُّزًا كعادةِ العربِ في النِّسبةِ إلى الأخ، أو لقُرب ما بين داريهما، والله أعلم.

قوله: (قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ [8] ): أمَّا (قِبَلَ) ؛ فبكسرِ القاف، وفتحِ الموحَّدة، وأمَّا (المَقْدِس) ؛ فيُقال فيه: المَقْدِس والمُقَدَّس؛ الأُولى: بفتح الميم، وبإسكان القاف، وكسر الدَّال، والثانية: بضمِّ الميم، وفتح القاف، وفتح الدَّال المشدَّدة؛ لغتان مشهورتان.

قوله: (سِتَّةَ عَشَرَ أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا [9] ): كذا بالشَّكِّ في هذا «الصَّحيح»، وفي روايةٍ في «مسلم» وغيرِه عنِ البراء الجزم بـ (سِتَّةَ عَشَرَ) ، فتعيَّنَ اعتمادُها، وفي «أبي داود»: (ثمانيةَ عَشَرَ شهرًا) ، وجاء: (بضعةَ عَشَرَ شهرًا) [10] ، وحَكى المُحِبُّ الطَّبريُّ: (ثلاثةَ عَشَرَ شهرًا) ، وفي روايةٍ أُخرى: (سنتين) ، وأغربُ منها: (تسعة أشهر) ، وفي روايةٍ: (عشرة) ، وذكرهما أبو الفتح اليَعمريُّ في «سيرته».

وقال ابن حِبَّان: (صلَّى المسلمون إلى بيت المقدس سبعة عشر شهرًا وثلاثة أيَّام سواء) ، وقرَّر ذلك بالتاريخ، فحصل أقوالٌ في المُدَّة؛ وهي: (سنتان) ، (ثمانية عشر شهرًا) ، (بضعة عشر شهرًا) ، (سبعة عشر شهرًا [11] وثلاثة أيام) ، (سبعة عشر شهرًا) ، (ستَّة عشر شهرًا) ، (ثلاثة عشر شهرًا) ، (عشرة أشهر) ، (تسعة أشهر) ، (شهران) ، وهو ما وقع في «ابن ماجه»، ولفظ ابن ماجه في «السُّنن»: (صلَّينا مع رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نحو بيت المقدس ثمانيةَ عَشَرَ شهرًا، وصُرفتِ القبلةُ إلى الكعبة بعد دخوله المدينة بشهرين) .

واعلم أنِّي حاولت الجمع بين هذه الرِّوايات كلِّها؛ فرأيتُ فيها عُسرًا، وبعضُها لا يجتمع مع بعض، وقد اختُلف في الشَّهر الذي حُوِّلت فيه على ثلاثة أقوال: نصف شعبان يوم الثلاثاء في الظهر، ثانيها: في رجب في نصفه في صلاة الظهر يوم الاثنين، وقيل: كان ذلك في جُمادى، وقيَّده بعضُهم بالآخرة.

واختُلف في اليوم الذي حُوِّلت فيه؛ فقيل: الاثنين، وقيل: الثَّلاثاء.

واختُلف في المسجد الذي حُوِّلت فيه؛ فقيل: مسجده عليه الصَّلاة والسَّلام، وقيل: مسجد بني سَلِمَة حين زار أُمَّ بِشر بن البراء.

فإن قيل: في أيِّ ركعةٍ؟ فالجواب: في الثَّالثة، فإن قيل: في أيِّ ركنٍ؟ فالجواب: أنَّه [12] في ركوعها.

واختُلف في أيِّ صلاة [13] ؛ فقيل: الظُّهر، وقيل: العصر [14] ، وفي خبرٍ ساقه ابنُ سعدٍ: (فمرَّ رجلٌ بقومٍ مِن بني سَلِمة، وهم ركوعٌ في صلاة الفجر -وكذا هو في «البخاريِّ» في (التفسير) - فنادى: ألا إنَّ القبلةَ قد حُوِّلت) .

وكذلك حديثٌ آخرُ ساقه ابنُ سعدٍ عن عُمارةَ بنِ أوسٍ الأنصاريِّ قال: (صلَّينا إحدى صلاتي العشيِّ [15] -والعشيُّ: قال الجوهريُّ: والعشيَّة: مِن صلاة المغرب إلى العَتَمَة- فقام رجلٌ على بابِ المسجد ونحن في الصَّلاة، فنادى: إنَّ الصلاة قد وُجِّهت نحوَ الكعبة) ، ولا يُعارِضُ هذان ما تقدَّم؛ لأنَّ بُلُوغَ التحويلِ غيرُ التحويل.

وقد رُوِّينا عنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قال: (كان الناسُ يُصلُّون الصبحَ، فانحرفوا وهم ركوعٌ) ، فهذا قد يُعَدُّ قولًا، وقد يُحملُ على مكانٍ بلغهم فيه التحويلُ، فإنْ حُمل على الأوَّل -وهو أن يكون ذلك اتَّفق له عليه الصَّلاة والسَّلام- كان قولًا في المسألة، فيبقى فيها ثلاثةُ أقوالٍ: الظُّهرُ، العصرُ، الصُّبحُ، وإنْ [16] حُمل على الثاني؛ فليس قولًا.

وقال القُرطبيُّ في «تفسيره» في (البقرة) ما لفظُه: (وقيل: إنَّ الآية نزلت في غير صلاةٍ، وهو الأكثرُ، وكان أوَّل صلاة إلى الكعبة العصر، فالله أعلم) انتهى.

تنبيه: اعلم أنَّ صلاتَه عليه الصَّلاة والسَّلام قبلَ مَقْدَمِه المدينة كانت إلى بيت المقدس من حين الفرض إلى أنْ قدم المدينة، ثمَّ بها إلى وقت التَّحويل، وقال آخرون: إنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام صلَّى أوَّل ما صلى إلى الكعبة، ثمَّ إنَّه صُرف إلى بيت المقدس، وقال الزُّهريُّ: زعم ناسٌ -والله أعلم- أنَّه كان يسجدُ نحوَ بيت المقدس ويجعلُ وراءَ ظهرِه الكعبةَ وهو بمكَّة، وزعمَ ناسٌ أنَّه لَمْ يَزَلْ يستقبلُ الكعبةَ حتى خرج منها، فلمَّا قَدِمَ المدينةَ [17] ؛ استقبل بيت المقدس.

قال ابنُ عبد البَرِّ: وأحسنُ من ذلك قولُ مَن قال: إنَّه عليه السلام كان يُصلِّي بمكَّة مستقبِلَ القبلتين، يجعلُ الكعبة بينه وبين بيت المقدس، وقد ذكر أبو الفتح في «سيرته» مستندَ هذه الأقوال [18] ، ولكن إنَّما كان عليه الصَّلاة والسَّلام يستقبل الكعبة وبيت المقدس في إقامته بمكَّة، ولم يتبيَّن للناس توجُّهُه إلى بيت المقدس حتَّى خرج من مكَّة، والحاصلُ قولان:

أحدُهما: أنَّه كان يستقبلُ بيت المقدس أوَّلًا، ثمَّ صُرِف.

الثاني: أنَّه استقبلَ الكعبةَ، ثمَّ بيتَ المقدس، ثمَّ الكعبةَ، والله أعلم.

وقد أطلتُ الكلامَ في ذلك، ولكن لا تجِدُه كذلك مجموعًا إلَّا في هذا التَّعليق، وإنَّما هو مُفرَّقٌ في كلامهم، والله أعلم.

قوله: (وَأَنَّهُ صَلَّى [19] ): بفتح الهمزة، معطوف على (أنَّه) التي قبلَها.

قوله: (صَلَاةُ الْعَصْرِ): هو [20] برفعِ (الصلاة) ، كذا في أصلنا، وعليه (صح) [21] ، وطرأ عليها النَّصبُ، فالرَّفعُ على أنَّ [22] (صَلَاةُ الْعَصْرِ) اسمُ (كان) ، والخبرُ (أوَّلَ) مقدَّمٌ، ورأيتُ في نسخةٍ صحيحةٍ (صلاةَ) بالنَّصب بالقلم ليس غير، وإعرابُ النَّصبِ ظاهرٌ على أنَّه بدلٌ مِنَ الضَّميرِ في (صَلَّاهَا) ، ويُعرَب أيضًا بغير ذلك، وعن بعضِهم: (صَلَاةُ العَصْرِ) بالرَّفع، وقد تقدَّم إعرابُه، وقال شيخُنا الشَّارح: إنَّها بدلٌ مِن (صلاةٍ صَلَّاها) ؛ يعني: فتكونُ بالجرِّ، والله أعلم.

قوله: (فَخَرَجَ رَجُلٌ): هذا الرجلُ قال شيخُنا الشَّارح: (هو عَبَّاد بن نَهِيك بن إساف الخطميُّ، وقيل: عَبَّاد بن بشر الأشهليُّ، وسيأتي ما فيه، وقيل: عَبَّاد بن وهب) انتهى.

ولا أعلم أنا أحدًا في الصَّحابة يُقال له: عبَّاد بن وهب، إلَّا أن يكونَ نُسِبَ إلى جدِّه، أو جدٍّ له أعلى، أو إلى خلافِ الظاهر، وقد ذكر ابنُ بشكوال حديث ابن عمر: (بينما الناسُ بقُباء في صلاة الصبح؛ إذ جاءهم رجلٌ...) ؛ الحديث، هو عبَّاد بن بشر الأشهليُّ، ذكره الفاكهيُّ [23] في «أخبار مكَّة»، انتهى، وسيأتي ما فيه، وقيل: عبَّاد بن نهيك الخطميُّ، ذكره [/ج1ص29/] ابن عبد البَرِّ، انتهى.

وقد ذكر القول الأوَّل ابنُ طاهرٍ في «مبهماته».

وذكر ابن شيخنا البلقينيِّ الأقوالَ الثلاثة التي ذكرتُها عن شيخنا الشَّارح، ثمَّ قال: (وعبَّاد بن بشر هذا غيرُ رفيقِ أُسيد بن الحُضير في المصباحين [24] ) انتهى.

والذي قاله صحيحٌ، صاحبُ هذه القصَّة عبَّاد بن بشر بن قيظيٍّ من بني حارثة، كان يَؤُمُّ قومَه في عهده عليه الصَّلاة والسَّلام، له حديثٌ في الاستدارة إلى الكعبة، والمذكور مع أُسَيد بن حُضَير: عبَّادُ بنُ بِشر بن وَقْش بن زُغْبة بن زَعُوراء الأشهليُّ، مِن كبار الصحابة، له حديثٌ واحدٌ في «معجم الطبرانيِّ»، والله أعلم.

قوله: (فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ...) إلى آخره: قال شيخُنا الشَّارح: (هؤلاء ليسوا أهلَ قُباء، بل أهل مسجدٍ بالمدينة، وهو مسجدُ بني سلِمة، ويُعرَف بمسجدِ القِبلتين، ومرَّ عليهم المارُّ في صلاة العصر) انتهى، وهذا على القول بأنَّها حُوِّلتْ في مسجده، قال شيخُنا: (وأمَّا أهلُ قُباء؛ فأتاهمُ الآتي في صلاة الصُّبح) ، كما هو مصرَّحٌ به في «البخاريِّ» و«مسلم» في موضعه من حديث ابن عمر.

قوله: (وَأَهْلُ الْكِتَابِ): هو مرفوعٌ معطوفٌ على (الْيَهُودُ) ، قال شيخُنا الشَّارح: (ولعلَّ المرادَ بهم: النَّصارى، فإنَّ اليهودَ أيضًا أهلُ كتابٍ، والله أعلم) انتهى [25] ، وفيه نظرٌ؛ لأنَّ النَّصارى يصلُّون إلى الشَّرق، فكيف يُعجبُهم أن يصلَّى إلى غير قِبلتِهِم؟! والله أعلم.

ولعلَّ المراد بـ (أهل الكتاب): اليهودُ [26] ، وجاز العطفُ؛ لاختلاف اللفظ، والله أعلم [27] .

ويَحتمل أنَّه أرادَ النصارى، ويكونُ إعجابُهُم؛ لكونِ المسلمينَ خالفوا اليهودَ في القبلة، والله أعلم [28] .

قوله: (وَقُتِلُوا): هذا فيه نظرٌ، وإيضاحُه: أنَّ القبلةَ كان تحويلُها قبلَ بدرٍ على الصَّحيح كما [29] تقدَّم، ولم يُقتل أحدٌ قبلَ بدرٍ في القتال، وقد قُتلتْ سُميَّةُ أُمُّ عمَّارٍ، وقُتِلَ الحارثُ بن أبي هالة في غيرِ قِتالٍ، كما سيأتي في كلامي في (الجهاد) ، وكذا قُتل ياسر [30] والدُ عمَّارٍ [31] ، وإنَّما مات قبلَ تحويلِها البراءُ بنُ معرورٍ في صفر قبل مَقْدَمِه عليه الصَّلاة والسَّلام المدينةَ، وأبو أُمامة أسعدُ بن زُرارةَ ومسجدُه عليه السَّلام يبنى بعد الهجرة بسِتَّةِ أشهرٍ، وكلثوم بن الهِدْم تُوفِّي أيضًا قبل وقعة بدرٍ، قاله الواقديُّ، فالذي [32] في «الصَّحيح» فيه نظرٌ، وإنَّما يجيءُ على القول بأنَّ التحويلَ لم يُشرَّع إلَّا بعد [33] سنتين مِنَ المَقْدَمِ، والمشهورُ ما في «الصَّحيح»، ولا تفريعَ على هذا.

واعلم أنَّ بدرًا في سبع عشرة، أو تسع عشرة، وقيل غير ذلك كما سيأتي، في رمضان في السَّنة الثانية، والله أعلم.

[قوله: (قَالَ [34] زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ): فذكره موقوفًا وإن كان الذي قبله موقوفًا؛ لأنَّه وافق زهيرًا عليه في روايته عن أبي إسحاق -وهو السَّبيعيُّ- غيرُه، وهذا تعليق مجزوم به، فهو صحيح على شرطه إلى زهير، والظاهرُ: أنَّه لم يوافقه في روايته عن أبي إسحاق غيرُه من الثِّقات فيما وقفت عليه من أصحاب الكتب السِّتَّة، فكأنَّه انفرد عنه به، وإنَّما علَّقه؛ لأنَّ أبا إسحاق ذُكر عنه أنَّه اختلط بأَخَرَة، وإن كان الذهبيُّ لم يُسلِّمِ اختلاطَه، بل قال: (إنَّه كبر ونسي، ولم يختلط) .

وقد رَوى عن أبي إسحاق: إسرائيلُ بنُ يونسَ، وزكريَّا بنُ أبي زائدةَ، وزهيرٌ المذكور، وغيرُهم، قال صالح بن أحمد ابن حنبل عن أبيه: (في حديث زهيرٍ عن أبي إسحاق لِيْنٌ، سمع منه بأَخَرَة) ، وقال أبو زُرعة: (إلَّا أنَّ زُهيرًا سمع مِن أبي إسحاقَ بعد الاختلاط) ، وقال أبو حاتم: (زهيرٌ أحبُّ إليَّ مِن إسرائيلَ في كلِّ شيءٍ إلَّا في أبي إسحاقَ) ، وقال أيضًا: (زهيرٌ مُتقِنٌ، صاحبُ سُنَّةٍ، تأخَّرَ سماعُه من أبي إسحاق) ، وقال التِّرمذيُّ: (زهيرٌ في أبي إسحاقَ ليس بذاك، سماعه عنه بأَخَرَة) انتهى.

وروايتُه في «البخاريِّ» و«مسلم»، وقد روى البخاريُّ هذا التَّعليق الثاني في (الصَّلاة) كما تقدَّم، ورواه في (التفسير) عن أبي نُعيمٍ عن زهيرٍ؛ كلُّه موقوفًا على البراء بالزِّيادة المذكورة التي علَّقها في (الصلاة) عن زهيرٍ، فكأنَّ البخاريَّ رحمه الله تغيَّر اجتهادُه، فذكرها تعليقًا عن زهيرٍ في (الصَّلاة) ، وموصولةً في (التَّفسير) ؛ هل أخذها زهيرٌ عن أبي إسحاق في اختلاطه أو قبلَه؟ ويَحتمل فيه أنَّه إنَّما علَّقها في (الصَّلاة) ، كما قيل في زهير من الأخذ عن أبي إسحاق بعدَ اختلاطه، أو أنَّه لم يصحَّ عندَه أنَّه أخذ عنه بعدَ الاختلاط، والله أعلم.

والحديثُ المُشارُ إليه أخرجه بغير الزيادة التِّرمذيُّ، وكذا النَّسائيُّ في (الصَّلاة) ، وأخرجه النَّسائيُّ أيضًا في (التفسير) ، لكن لم يكن عندي «النَّسائيُّ الكبير»، فما أدري هل أخرجها بها أم لا؟ وأخرجه أيضًا ابنُ ماجه في (الصَّلاة) عنِ البراء من حديث أبي إسحاق عنه، لكن رواه عن إبي إسحاق أبو بكر بن عيَّاش، ولفظ البراء: (صلَّينا مع رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نحو بيت المقدس ثمانيةَ عَشَرَ شهرًا، وصُرِفتِ القبلةُ إلى الكعبة بعد دخولِه المدينة بشهرين...) إلى أن قال فيه: (فقال رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «يا جبريلُ؛ كيف حالنا في صلاتنا إلى بيت المقدس؟»، فأنزل الله تعالى: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143] ) انتهى] [35] .

[1] في (ج): (الطليطلي) .
[2] (حدثنا): ليس في (ب) .
[3] انظر «تهذيب الكمال» (22/102) .
[4] (هي تنبيه): ليس في (ب) .
[5] في (ب): (هنا عنه) .
[6] في (ب): (محتمًا) .
[7] في (ب): (وهذا) .
[8] في هامش (ق): (كذا وقع في الأصول؛ أي: إلى البيت) .
[9] (شهرًا): ليس في (ب) .
[10] قوله: (وجاء: بضعة عشر شهرًا): سقط من (ب) .
[11] (سبعة عشر شهرًا): ليس في (ب) .
[12] (أنه): ليس في (ب) .
[13] في (ب): (الصلاة) .
[14] (وقيل: العصر): ليس في (ب) .
[15] في (ب): (العشا) .
[16] في (ج): (فإن) .
[17] زيد في (ب): (القبلة؛ أي) .
[18] في (ج): (مستند هذا القول) ، وصوَّب المثبت في (أ) .
[19] (صلى): ليس في (ب) .
[20] (هو): ليس في (ب) .
[21] (وعليه صح): ليس في (ب) .
[22] (على أنَّ): ليس في (ب) .
[23] في (ب): (الهادي) .
[24] وقصتهما في إضاءة عصواهما مشهورة، أخرجها (*) .
[25] «التوضيح» (3/97) .
[26] في (أ): (هم اليهود) .
[27] قوله: (وفيه نظر...): سقط من (ب) .
[28] قوله: (ويحتمل أنه أراد...): سقط من (ب) و (ج) .
[29] في (ب): (لما) .
[30] (ياسر): ليس في (ب) .
[31] قوله: (وكذا قُتل ياسر...): سقط من (ج) .
[32] (فالذي): ليس في (ب) .
[33] زيد في (ب): (بعد) .
[34] في (أ): (وقال) ، والمثبت موافق لما في «اليونينيَّة» و (ق) .
[35] ما بين معقوفين ليس في (ب) و (ج) ، وألحق في (أ) في ورقة مفردة، وموضعُه هنا، وزيد بعده: (وقال كاتبُه أبو ذَرٍّ ابنُ المؤلِّف: قال شيخُنا ابنُ حجرٍ في «الفتح»: هذا ليس بتعليقٍ، ووهم مَن قال: إنَّه تعليقٌ) .





40- ( ينَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ أَوْ قَالَ أَخْوَالِهِ ) هو شك من الراوي وكلاهما صحيح؛ لأن هاشمًا جد أبي رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوَّج من الأنصار.

( وَأَنَّهُ صَلَّى قِبَلَ ) بكسر القاف وفتح الموحدة.

( بَيْتِ الْمَقْدِسِ ) بفتح الميم وإسكان القاف، ويقال: بضم الميم وفتح القاف وتشديد الدال، أي: المطهَّر.

( سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا ) وفي «صحيح مسلم» الجزم بالأول.

( وَأَنَّهُ أَوَّلَ صَلاَةٍ صَلاَّهَا صَلاَةَ الْعَصْرِ ) بنصب ( أول ) بتقدير فعل، أي: صلَّى، وقد ثبت كذلك في بعض الروايات، و ( صلاة العصر ) بالرفع عن ابن مالك، والضمير في قوله: ( فصلاها ) للقبلة، أي: صلَّى إليها.

( فَخَرَجَ رَجُلٌ ) هو عبَّاد بن بَشير، أو ابن نُهَيْك.

( وَكَانَتِ الْيَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ إِذْ كَانَ يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَهْلُ الْكِتَابِ ) ( أهل ) مرفوع عطفًا على اليهود، ولعل المراد بهم النصارى، فإنَّ اليهود أهلُ كتاب.


40- ( عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ ) بفتح العين: الحرَّانيُّ، ففي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهنيِّ بضمِّ العين، وهو تصحيف، نبَّه عليه أبو عليٍّ الغسَّانيُّ وغيره، وليس في شيوخ البخاريِّ ولا رجاله ولا رجال أحد من الكتب السِّتَّة مَنْ اسمه: عمر بن خالد.

( كَانَ أوَّل ) بالنَّصب

( مَا ) مصدريَّة.

( عَلَى أَجْدَادِهِ، أَوْ قَالَ أَخْوَالِهِ ) الشَّكِّ من أبي إسحاق، وإطلاق ذلك مجاز؛ لأنَّ الأنصار أقاربه من جهة الأمومة، لأنَّ أمَّ جدِّه عبد المطلب: سلمى بنت عمرو، أحد بني عديِّ بن النَّجار، وقد نزل على أخوتهم بني مالك بن النَّجار.

( قِبَلَ ) بكسر القاف وفتح الموحَّدة، أي: إلى جهة.

( سِتَّةَ عَشَرَ أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ ) كذا بالشَّكِّ، وفي روايةٍ عند مسلم والنَّسائيِّ وأبي عوانة وأحمد: «ستَّة عشر» بلا شكٍّ، وفي أخرى عند البزَّار والطَّبرانيِّ: «سبعة عشر» بلا شكٍّ.

قال ابن حجر: والجمع أنَّ مَنْ جزم بستَّة عشر لفَّقَ من شهر [/ج1ص194/] القدوم وشهر التَّحويل شهرًا، وألقى الأيام الزَّائدة، ومن جزم بسبعة عشر عدَّهما معًا، ومن شكَّ تردَّدَ في ذلك، وذلك أنَّ القدوم كان في ربيع الأوَّل بلا خلاف، وكان التَّحويل في نصف رجب من السَّنة الثَّانية على الصَّحيح، وبه جزم الجمهور، ورواه الحاكم بسند صحيح عن ابن عبَّاس.

وقال ابن حبَّان: سبعة عشر وثلاثة أيَّام، وذلك بناء على أنَّ القدوم كان في ثاني عشر ربيع الأوَّل. وفي رواية عند ابن ماجه: «ثمانية عشر [شهرًا] [1] »، وراويها أبو بكر بن عيَّاش سيِّء الحفظ، وخرَّجها بعضهم على قول محمَّد بن حبيب أنَّ التَّحويل كان في نصف شعبان.

وبقي روايات شاذَّة ضعيفة: «ثلاثة عشر شهرًا»، و«تسعة أشهر»، و«شهران»، و«سنتان».

( وَأَنَّهُ أوَّل صَلاَةٍ صَلاَّهَا صَلاَة الْعَصْرِ )، قال في «التَّنقيح»: بنصب ( أوَّل ) بتقدير فِعْلٍ، أي: صلَّى، وقد ثبتَ ذلك في بعض الرِّوايات.

و ( صَلَاةُ العَصْرِ ) بالرَّفع عند ابن مالك، والضَّمير في قوله: ( صلاها للقِبْلة )، أي: صلَّى إليها.

قلت: الصَّواب رفع ( أوَّل ) مبتدأ، و ( صلاة العصر ) خبره، والجملة خبر إنَّ، والضَّمير للصَّلاة، وفي الكلام تقدير؛ أي: أوَّل صلاة صلاها متوجِّهًا إلى الكعبة، وفي رواية: «وأنَّه صلَّى أوَّل صلاة صلَّاها صلاة العصر»، فـ ( أوَّل ) بالنَّصب مفعول، وجملة ( صلَّاها ) صفة صلاة، و ( صلاة العصر ) بالنَّصب بدل.

( فَخَرَجَ رَجُلٌ ) هو عبَّاد بن بِشْر، وقيل عبَّاد بن نَهِيكٍ.

( عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ ) هم بنو حارثة.

( كَمَا هُمْ ) الكاف للمبادرة، و ( ما ) موصولة.

( وَأَهْلُ الْكِتَابِ ): بالرَّفع عطفًا على اليهود، من عطف العام على الخاصِّ، وقيل: المراد النَّصارى، وفيه نظر؛ لأنَّهم لا يصلُّون لبيت المقدس، فكيف تعجبهم؟ [/ج1ص195/]

( قَالَ زُهَيْرٌ ) يعني بالإسناد المذكور فليس تعليقًا.

( مَاتَ عَلَى القِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ رِجَالٌ ) هم عشرة؛ بمكَّة: عبد الله بن شهاب، والمطَّلب بن أزهر الزُّهريَّان، والسَّكران بن عمرو العامريُّ، وبأرض الحبشة: حَطَّاب _ بالمهملة _ ابن الحارث الجُمَحيُّ، وعمرو بن أميَّة الأسديُّ، وعبد الله بن الحارث السَّهميُّ، وعروة بن عبد العزَّى، وعديُّ بن نضلة العَدَويَّان، وبالمدينة: البراء بن مَعْرُور بمهملات، وأسعد بن زُرَارة الأنصاريَّان، وحادي عشر مختلف في إسلامه: إياس بن معاذ الأشهليُّ.

( وَقُتِلُوا ): قال ابن حجر: لم أرَ ذكر القتل إلَّا في رواية زهير هذه، وباقي الرِّوايات إنَّما فيها ذكر الموت فقط، ولم أجد في شيء من الأخبار أنَّ أحدًا من المسلمين قُتِلَ قبل تحويل القِبْلة، لكن لا يلزم من عدم الورودِ عدمُ الوقوع. [/ج1ص196/]

[1] ما بين معقوفين زيادة من [ف] .





40- وبه قال: ((حدثنا عمرو بن خالد)) ؛ بفتح العين: ابن فروخ الحنظلي الحراني، المتوفى سنة تسع وعشرين ومئتين ((قال: حدثنا زُهَير)) ؛ بضم أوله وفتح ثانيه مصغرًا: ابن معاوية بن حُديج بضم الحاء المهملة، وفتح الدال المهملة، آخره جيم، الجُعفي الكوفي، المتوفى سنة اثنتين وسبعين ومئة ((قال: حدثنا أبو إسحاق)) عمرو بن عبد الله الهمداني الكوفي التابعي، المتوفى سنة ست وعشرين ومئة، ((عن البرَاء)) ؛ بتخفيف الراء والمد على المشهور، وفي رواية: (عن البراء بن عازب) بن الحارث الأنصاري الأوسي، المتوفى بالكوفة سنة اثنتين وسبعين: ((أن النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم كان أولَ ما قدِم)) ؛ بكسر الدال ونصب (أول) على الظرفية، لا خبر (كان) ، كما وهم الزركشي؛ فإنَّ خبر (كان) قوله: (نزل) في أول قدومه ((المدينة)) ؛ أي: مدينة النبي الأعظم عليه السلام، فـ (أل) للعهد، وتسمى طيبة؛ أي: في هجرته من مكة ((نزل على أجداده أو قال)) ؛ أي: أبو إسحاق ((أخواله من الأنصار)) : (مِن) للبيان، وهذا شكٌّ من أبي إسحاق.

والمراد بالأجداد: هم من جهة الأمومية، وإطلاق الجد والخال هنا مجاز؛ لأنَّ هاشمًا جدَّ أب النبي الأعظم عليه السلام زوِّج من الأنصار، ونزوله عليه السلام كان في بيت جدِّي الصحابي الجليل أبي أيوب خالد بن زيد رضي الله عنه، وأقام عنده سبعة أشهر، وبعث وهو عنده، وهذه فضيلة عظيمة؛ حيث اختار النبي النزول في بيت جدي رضي الله عنه.

((وأنه)) ؛ بفتح الهمزة؛ أي: النبي الأعظم عليه السلام ((صلَّى قِبَل)) ؛ بكسر القاف وفتح الموحدة، والجملة رفع خبر (أنَّ) ((بيت المقدس)) مصدر ميمي كـ (المرجع) ، منصوب على الحال؛ أي: حال كونه متوجهًا إليه ((ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا)) على الشك في رواية زهير هنا، وجزم مسلم بالأولى، فيتعيَّن اعتمادها؛ وهي الصحيحة، قبل بدر بشهرين، وجزم القاضي ومالك بن أنس بصحة الثانية، والجمع بينهما: أنَّ من جزم بالأولى؛ أخذ من شهر القدوم وشهر التحويل شهرًا، والمعنى: الأيام الزائدة فيه، ومن جزم بالثانية؛ عدَّهما معًا، ومن شكَّ؛ تردد في ذلك وكان القدوم في شهر ربيع الأول بلا خلاف، وكان التحويل في نصف رجب في السنة الثانية على الصحيح، وبه جزم الجمهور، وسقط في روايةٍ قوله: (شهرًا) الأول.

((وكان)) النبي الأعظم عليه السلام ((يعجبه)) خبر (كان) ((أن تكون قبلتُه قِبَل)) ؛ بكسر القاف وفتح الموحدة؛ أي: كون قبلته جهةَ ((البيت)) الحرام؛ أي: كان يحب ذلك فـ (أن تكون) في محل رفع فاعل (يعجبه) ، و (أنْ) مصدرية، والتقدير كما علمته، ((وأنَّه)) ؛ بفتح الهمزة؛ أي: النبي الأعظم عليه السلام، عطفًا على (أنه) السابقة ((صلى أول صلاة صلاها)) ؛ متوجِّهًا إلى الكعبة، وجملة (صلى) من الفعل والفاعل محلُّها رفع خبر (أنَّ) ، وبنصب (أولَ) مفعول (صلى) ((صلاة العصر)) بدل منه، وأعربه ابن مالك: بالرفع، وسقط لفظ (صلى) في رواية.

وجاء في «الترمذي»، و«النسائي»، و«الشيخين» في (الصلاة) : عن ابن عمر قال: (بينا الناس في صلاة الصبح) ، وفي «مسلم» عن أنس: (أنها الصبح) ، والجمع بين الروايتين: أنَّ التي صلاها مع النبي العصر، مر على قوم من الأنصار في تلك الصلاة؛ وهي العصر، فهذا رواية البراء، وأما رواية ابن عمر وأنس: أنَّها الصبح؛ فهي صلاة أهل قباء ثاني يوم، ومال بعض المتأخِّرين إلى ترجيح رواية الصبح؛ لأنَّها جاءت عن صحابيَّين، لكن الصواب أنَّها العصر؛ كما أوضحه في «عمدة القاري».

((وصلى معه)) ؛ أي: مع النبي الأعظم عليه السلام ((قومٌ)) مرفوع فاعل؛ وهو موضوع للرجال دون النساء، ولا واحد له من لفظه، وقد تدخلن النساءُ فيه على سبيل التبَع، ((فخرج رجل ممن صلى معه)) ؛ وهو عبَّاد بن بشر بن قيظي، أو عباد بن نَهِيك-بفتح النون وكسر الهاء- ابن أساف الخطمي، أو عباد بن وهب؛ وهي أقوالٌ ثلاثةٌ، أصحها أوسطها، ((فمر على أهل مسجد)) من بني سلمة، ويعرف الآن بمسجد القبلتين في صلاة العصر ((وهم راكعون)) يَحتمل أن يراد حقيقة الركوع، وأن يراد به الصلاة؛ من إطلاق الجزء وإرادة الكل، قلت: والظاهر الأول، ((فقال)) لهم: ((أشهد)) أي: أحلف ((بالله؛ لقد صليت مع رسول الله)) وفي رواية: (مع النبي) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم قِبَل مكة)) ؛ أي: حال كونه متوجِّهًا إليها، واللام: للتأكيد، و (قد) للتحقيق، وجملة (أشهد) اعتراض بين القول ومقوله، ((فداروا)) ؛ أي: سمعوا كلامه فداروا، فالفاء فصيحة ((كما هم)) عليه ((قِبَل البيت)) الحرام، ولم يقطعوا الصلاة؛ بل أتموها إلى جهة الكعبة، فصلوا صلاة واحدة إلى جهتين.

وهذه الكاف تحتمل وجهين؛ الأول: أن تكون للاستعلاء؛ كما في نحو: كن كما أنت، والتقدير هنا: فداروا على ما هم عليه، وفي إعرابه أوجه؛ الأول: أن تكون (ما) موصولة، و (هم) مبتدأ، وخبره محذوف؛ وهو (عليه) ، الثاني: أن تكون (ما) زائدة ملغاة، والكاف زائدة، و (هم) ضمير مرفوع أنيب عن المجرور؛ كما [في] قولك: ما أنا كأنت، والمعنى: فداروا في الحال مماثلين لأنفسهم في الماضي، الثالث: أن تكون (ما) كافة، و (هم) مبتدأ، وحذف خبره؛ وهو (عليه) أو (كائنون) ، الرابع: أن تكون (ما) كافة أيضًا، و (هم) فاعل، والأصل: كما كانوا، ثم حذفت (كان) ؛ فانفصل الضمير، الوجه الثاني: أن تكون الكاف كاف المبادرة، والمعنى: فداروا مبادرين في حالهم التي هم عليها، والوجه الأول هو الأحسن، أفاده في «عمدة القاري»؛ وهو في غاية التحقيق،

وفيه دليل على جواز نسخ السنة بالكتاب؛ أي: القرآن، وبه قال إمامنا الإمام الأعظم وأصحابه والجمهور، وللشافعي فيه قولان، وكذا أحمد، وأجازه مالك.

وفيه دليل على جواز الاجتهاد بالقبلة؛ وهو مذهب الإمام الأعظم، وجواز الاجتهاد بحضرة الرسول، وفيه خلاف.

وفيه دليل على أنَّ من صلَّى بالاجتهاد إلى غير القبلة ثم تبين له الخطأ بعدما فرغ؛ لا يلزمه الإعادة؛ لأنَّه فعل ما عليه؛ لأنَّ أهل قباء فعلوا ما وجب عليهم عند ظنِّهم بقاء الأمر؛ فلم يؤمروا بالإعادة؛ وهو مذهب الإمام الأعظم.

وفيه جواز الصلاة الواحدة إلى جهتين؛ بل إلى أربع جهات، كمن صلى إلى جهة باجتهاد ثم تبدل اجتهاده إلى أخرى؛ يستدير... وهكذا حتى لو صلى أربع ركعات كل ركعة إلى جهة؛ فإنه جائز؛ وهو مذهب الإمام الأعظم، وبه قال الشافعي.

((وكانت اليهود قد أعجبهم)) أي: النبي الأعظم عليه السلام و (هم) منصوب على المفعولية؛ ((إذ كان)) عليه السلام ((يصلي قِبَل بيت المقدس)) ؛ أي: حال كونه متوجِّهًا إليه، و (إذ) ظرف بمعنى: حين) ، والمعنى: أعجب اليهود حين كان يصلي عليه السلام قِبَل بيت المقدس، و (إذ) إنَّما تقع بدلًا عن المفعول؛ كما في قوله: {إذ انتبذت} [مريم: 16] ، وهنا المفعول هو الضمير المنصوب؛ فلا يصح أن يكون بدلًا منه؛ لفساد المعنى، والضمير المستتر في (أَعجب) ؛ ضمير الفاعل؛ فافهم، والإضافة في (بيت المقدس) ؛ من إضافة الموصوف إلى صفته كـ (صلاة الأولى) ، والمشهور فيه الإضافة، وقد جاء على الصفة: (البيت المقدس) ، قال أبو علي: تقديره: بيت مكان الطهارة، ((وأهلُ الكتاب)) بالرفع عطفًا على اليهود؛ وهو من عطف العام على الخاص، وقال ركن الدين الكرماني: أو المراد بهم النصارى فقط، خاص عطف على خاص، قال ابن حجر: وفيه نظر؛ لأنَّ النصارى لا يصلُّون لبيت المقدس، فكيف يعجبهم؟ واعترضه الشيخ الإمام بدر الدين العيني: بأن الكرماني لما قال: المراد به: النصارى فقط؛ قال: وجعلوا تابعة؛ لأنَّهم لم يكن قبلتهم، بل إعجابهم كان بالتبعية لليهود، على أن نفس الحديث يشهد بإعجاب النصارى أيضًا؛ لأنَّ قوله: (وأهل الكتاب) إذا كان عطفًا على (اليهود) ؛ يكونون داخلين فيما وصف به اليهود، فالنصارى من جملة أهل الكتاب، فهم أيضًا داخلون فيه، والأظهر أن يكون (وأهلَ الكتاب) ؛ بالنصب على أن الواو فيه بمعنى (مع) ؛ أي: كان يصلي قِبَل بيت المقدس مع أهل الكتاب، وهذا وجه صحيح، ولكن يحتاج إلى تصحيح الرواية بالنصب، وفي هذا الوجه أيضًا يدخل فيه النصارى؛ لأنَّهم من أهل الكتاب، انتهى؛ وهو في غاية التحقيق؛ فليحفظ.

((فلما ولَّى)) عليه السلام ((وجهَه قِبَل البيت)) ؛ أي: أقبل عليه السلام وجهَه نحو الكعبة؛ ((أنكروا ذلك)) ؛ أي: أنكر أهل الكتاب توجيهه إليها، فعند ذلك نزلت: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ}... الآية [البقرة: 142] ؛ كما صرح به المؤلف في رواية من طريق إسرائيل.

((قال زهير)) بالتصغير؛ يعني: ابن معاوية: ((حدثنا أبو إسحاق)) يعني: الهمداني السبيعي، ((عن البراء)) بن عازب ((في حديثه هذا)) وفي رواية: (أبو إسحاق في حديثه عن البراء) : ((أنه مات على القبلة)) أي: المنسوخة ((قبل أن تحوَّل)) أي: قبل التحويل إلى الكعبة ((رجالٌ)) عشرة؛ منهم: عبد الله بن شهاب الزهري القرشي مات بمكة، والبراء بن معرور الأنصاري بالمدينة ((وقُتِلوا)) ؛ بضم أوله وكسر ثانيه.

وفائدة ذِكر القتل: بيان كيفية موتهم؛ إشعارًا بشرفهم، واستبعادًا لضياع طاعتهم، أو أن الواو بمعنى (أو) ؛ فيكون شكًّا؛ لكن القتل فيه نظر؛ فإن تحويل القبلة كان قبل نزول القتال، على أنَّ هذه اللفظة لا توجد في غير رواية زهير بن معاوية، وإنما يوجد في باقي الروايات ذكر الموت فقط، أفاده القسطلاني، قلت: احتمال الشك بعيد، ومراده أنه مات رجال وسبب موتهم كان القتل.[/ص24/] وقوله: إن التحويل كان قبل نزول القتال؛ لا ينافي ذكر القتال؛ لأنَّ القتال كان في جميع الأمم الماضية، وليس المعنى أنهم قُتلوا قصاصًا؛ بل في وقعة من الوقعات، وجُلُّ سؤال زهير عن هذا؛ فتأمل.

((فلم ندر ما نقول فيهم؛ فأنزل الله تعالى)) وفي رواية: (عز وجل) : (({وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143] )) بالقبلة المنسوخة أو صلاتكم إليها، وقال الكرماني: يَحتمل أن يكون المؤلف ذكر قول زهير معلقًا، واعترضه ابن حجر بأن المؤلف ساقه في (التفسير) موصولًا مع جملة الحديث، وردَّه الشيخ الإمام بدر الدين العيني بأنَّ صورته صورة تعليق، وأنَّه لا يلزم من سوقه في (التفسير) جملة واحدة أن يكون هذا موصولًا غير معلق، انتهى؛ فليحفظ.

وفي الحديث دليل على صحة نسخ الأحكام؛ وهو مجمع عليه، خلافًا لليهود، ووجوب الصلاة إلى القبلة، والإجماع على أنَّها الكعبة، وعلى شرف النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم وكرامتِه على ربه؛ حيث يعطي له ما يحبه من غير سؤال.