المستند التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

431-. حدَّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عن مالِكٍ، عن زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عن عَطاءِ بْنِ يَسارٍ:

عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قالَ: انْخَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَصَلَّىَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قالَ: «أُرِيتُ النَّارَ، فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا كالْيَوْمِ قَطُّ أَفْظَعَ».

الأطراف



الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

431- ( فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا كَالْيَوْمِ قَطُّ أَفْظَعَ ) بالنصب، سيأتي توجيهه في الكسوف، وقال السَّفاقُسِي: لا حُجةَ فيه على ما بوَّب؛ لأنَّه لم يفعل ذلك مختارًا، وإنَّما عرض ذلك عليه بغير اختياره لمعنى أراده الله تعالى تنبيهًا لعباده.


431# (فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا كَالْيَوْمِ قَطُّ أَفْظَعَ) بفاء وظاء معجمة، وسيأتي الكلام عليه في الكسوف.

وقال السفاقسي [1] : لا حجة فيه على ما بوَّب له، لأنه عليه السلام لم يفعل ذلك مختارًا، وإنما عرض عليه ذلك بغير اختيار لمعنى أراده الله [2] تعالى تنبيهًا لعباده.

[1] في (د): ((القابسي)).
[2] في (ق): ((اختياره بمعنى أراد بالله)).





431- قوله: (عن عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ): هو بالمثنَّاة تحت، تقدَّم مرارًا، وهذا ظاهر جدًّا.

قوله: (انْخَسَفَتِ الشَّمْسُ): تقدَّم أنَّه يقال: خسف القمر، وخسفت الشَّمس، وكسف، وانكسف [1] ، وانخسف، وانخسفت، وانكسف، وانكسفت، وخسفًا، وكُسفًا؛ كلُّها لغاتٌ صحيحة، وثبتت كلُّها في «البخاريِّ» و«مسلم» من لفظ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وقال الأزهريُّ: قال أبو زيد: يقال: خسفت الشَّمس، وكسفت، وخسفت؛ بمعنًى واحد، وقد عقد البخاريُّ لذلك بابًا يأتي، والله أعلم.

[تنبيه: انكسفت الشَّمس في رمضان سنة ستٍّ كما سيأتي في بابه، وسيأتي ما فيه] [2] .

قوله: (أَفْظَعَ): هو بالفاء، والظَّاء المعجمة، ثُمَّ عين مهملة؛ أي: أشدَّ وأهيب، و (أفظع) هنا: أشدَّ فظاعة؛ أي: أفظع ممَّا سواه من المناظر الفظيعة، فحُذِف اختصارًا؛ لدلالة الكلام عليه.

[1] في (ج): (وكسفت، وانكسفت) .
[2] ما بين معقوفين سقط من (ج) .





431- (كَالْيَوْمِ): صفةٌ لمصدرٍ محذوفٍ؛ أي: رؤيةً مثلَ رؤيةِ اليومِ، أو (المنظرُ) بمعنى: الزَّمانُ؛ أي: زمانًا للنَّظرِ فظيعًا مثلَ اليومِ، وسيأتي بأطولَ مِنْ هذا في (الكسوف) [خ¦1052] .


431- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) إمام دار الهجرة (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) مولى عمر بن الخطَّاب (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) بالمُثنَّاة التَّحتيَّة والمُهمَلة المخفَّفة، القاضي [1] المدنيِّ الهلاليِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (قَالَ: انْخَسَفَتِ الشَّمْسُ)؛ أي: انكسفت؛ أي: تغيَّر لونها، أو ذهب ضوءُها (فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) صلاة الكسوف (ثُمَّ قَالَ: أُرِيتُ) بضمِّ الهمزة وكسر الرَّاء؛ أي: أبصرت (النَّارَ) في الصَّلاة رؤية عينٍ (فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا كَالْيَوْمِ)؛ أي: رؤيةً مثل رؤية اليوم (قَطُّ) بضمِّ الطَّاء (أَفْظَعَ) منه، بفاءٍ وظاءٍ مُعجمَةٍ، ونصب «العين» صفةً لـ: «منظرٍ»، أو صلة «أفعل» التَّفضيل محذوفةٌ؛ أي: منه؛ كـ: «الله أكبر»؛ أي: من كلِّ شيءٍ، أو بمعنى: فظيعٍ؛ كـ: «أكبر»؛ بمعنى: كبيرٍ، والفظيع: الشَّنيع الشَّديد المجاوز المقدار، قال السَّفاقسيُّ: ولا حجَّة في الحديث على ما بُوِّب له؛ لأنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام لم يفعل ذلك مختارًا، وإنَّما [/ج1ص433/] عرض عليه ذلك؛ لمعنًى أراده الله تعالى؛ تنبيهًا لعباده. انتهى. وأُجيب: بأنَّ الاختيار وعدمه في ذلك سواءٌ منه؛ لأنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام لا يقرُّ على باطلٍ، فدلَّ على أنَّ مثله جائزٌ، قاله الحافظ ابن حجرٍ، وتعقَّبه العينيُّ فقال: لا نسلم التَّسوية، فإنَّ الكراهة تتأكَّد عند الاختيار، وأمَّا عند عدمه؛ فلا كراهة؛ لعدم العلَّة الموجبة للكراهة؛ وهي التَّشبُّه [2] بعبدة النار.

ورواة هذا الحديث كلُّهم مدنيُّون. نعم؛ عبد الله بن مسلمة سكن البصرة، وفيه التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في «الكسوف» [3] [خ¦1052] و«الإيمان» [خ¦29] و«النِّكاح» [خ¦5197] و«بدء الخلق» [خ¦3202] ، ومسلمٌ [4] وأبو داود والنَّسائيُّ في «الصَّلاة».

[1] في (د): «القاصِّ».
[2] في (ص) و(م): «التَّشبيه».
[3] في غير (ب) و(س): «الخسوف»، وهو تحريفٌ.
[4] «ومسلمٌ»: ليس في (م).





لا تتوفر معاينة

115/431# قال أبو عبد الله: حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عن مالِكٍ، عن زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عن عَطاءِ بْنِ يَسارٍ:

عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قالَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَصَلَّىَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، ثُمَّ قالَ: «أُرِيْتُ النَّارَ [1] ، فَلَمْ أَرَ مَنْظَراً كالْيَوْمِ قَطُّ أَفْظَعَ [2] ».

قوله: (أفظع) يحتمل وجهين من الكلام:

أحدُهما: أن يكون أفظع بمعنى: الفَظيع؛ كأنَّه قال: لم أرَ منظراً فَظيعاً قَطُّ كاليوم. وهذا كقولهم: اللهُ أكبرُ؛ بمعنى: كبير [3] .

والوجه الآخر: أن يُضمَرَ [4] فيه حَرف، كأنَّه قال: لم أرَ [5] أفظع منه؛ وهذا [6] كلام العرب.

روِّينا عن طلحة أنَّه قال لمَّا أصابته الرَّمِيةُ يوم الجمل قال: إنَّا لله [7] ، لم أرَ كاليوم مَصرَعَ شيخٍ أضْيَعَ [8] .

[1] في الأصل و (ط): (الناس) والمثبت من الفروع والصحيح.
[2] في (م): (أفضع) وهكذا في المواضع الآتية بعدها.
[3] في النسخ الفروع: (أكبر بمعنى كبير)، إلَّا في (ر): (أكثر بمعنى كثير).
[4] في (ط): (تضمر) بتاء بالمضارعة.
[5] في (م): (لم أره).
[6] في (ط) والفروع: (وهو).
[7] في (م): (أي لله).
[8] في (أ): (أفظع)، وانظر: الطبقات لابن سعد (3/223).





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

431# قوله: (أفظع): أي: فظيعًا، الشَّديد الشَّنيع الهائل.


431- وبالسند إلى المؤلف قال: ((حدثنا عبد الله بن مَسْلَمَة)) ؛ بفتحات: هو القعنبي البصري، ((عن مالك)) : هو ابن أنس الأصبحي المدني، ((عن زيد بن أسلم)) ؛ بصيغة الفعل الماضي: هو المدني، مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، ((عن عطاء بن يَسَار)) ؛ بفتح التحتية، وتخفيف المهملة، هو المدني القاص الهلالي مولى أم المؤمنين ميمونة رضي الله عنها، ((عن عبد الله بن عبَّاس)) حبر هذه الأمة، وترجمان القرآن رضي الله عنهماأنَّه ((قال: انخسفت الشمس)) ؛ أي: انكسفت.

روى جماعة أنَّ الكسوف يكون في الشمس والقمر، وروى جماعة فيهما، بالخاء المعجمة، وروى جماعة في الشمس: بالكاف، وفي القمر: بالخاء، وهو الكثير في اللغة، وهو اختيار الفراء، يقال: كسفت الشمس وكسفها الله وانكسفت، وخسف القمر وخسفه الله وانخسف.

قال الأزهري: (خسف القمر، وكسفت الشمس؛ إذا ذهب ضوءها) .

وقال أبو عبيدة: (خسف القمر؛ ذهب ضوءه، وقيل: الكسوف: أن يكسف ببعضهما، والخسوف: أن يخسف بكلِّهما قال تعالى: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ} [القصص: 81] ، وقال: الكسوف في الوجه: الصفرة والتغير) .

وقال ابن حبيب في «شرح الموطأ»: (الكسوف: تغير اللون، والخسوف: انخسافهما، وكذلك تقول لعين الأعور إذا انخسفت وغارت في جفن العين، وذهب نورها، وضياؤها) .

وفي «شرح الفصيح»: (كسفت الشمس: اسودت في رأي العين من ستر القمر إياها عن الأبصار، وبعضهم يقول: كسفت مبنيًّا لما لم يسم فاعله، وانكسفت) .

وعن أبي حاتم: (الكسوف: ذهاب ضوء بعض الشمس؛ لخفاء بعض جرمها) وتمامه في «عمدة القاري».

قلت: وسبب الكسوف وكذا الخسوف؛ حيلولة الأرض بينهما؛ لأنَّ الأرض والسماء كلاهما كروية، فالشمس والقمر يدوران في قنطرة البروج، فإذا وصل القمر أو الشمس إلى المنطقة؛ تحول الأرض بينهما؛ فيحصل ذلك وتمامه في محله؛ فافهم.

((فصلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم)) أي: صلاة الكسوف، وهي سنَّة عند الإمام الأعظم والجمهور، وقيل: واجبة، وهي ركعتان؛ كهيئة النفل من غير أذان ولا إقامة، بركوع واحد، بإمام الجمعة، بدون جهر بالقراءة ولا خطبة، وهذا بيان الأقل، فإن صلى أربعًا، أو أكثر كل شفع بتسليمة أو كل شفعين؛ فهو مخير، لكن الأفضل الأربع كما في «البحر»، وسيأتي في بابه تمامه إن شاء الله ((قال)) أي: النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم بعد فراغه من صلاته ((أُرِيت)) بضمِّ الهمزة، وكسر الراء، مبني للمفعول؛ أي: أبصرت، وحذفت الهمزة بعد الراء؛ لأجل التخفيف؛ أي: أراني الله تعالى رؤية عين ((النار)) بالنصب: مفعول ثان لـ (رأى) ، بمعنى: أبصر؛ لتعديته له بالهمزة؛ أي أبصرتها بعيني في الصلاة، كما وقع له ليلة المعراج أنه رآها ببصره الشريف، أعاذنا الله منها، والظاهر: أنه رأى صورتها، وصفتها، لا حقيقتها؛ فافهم.

((فلم أر مَنظَرًا)) أي: موضع نظر، وهو بفتح الميم وفتح [1] الظاء المشالة، فإن ماضيه: (نظر) كـ (ضرب) و (سمع) ، كما في «القاموس»، وأما نظر بمعنى: فكَّر؛ فهو كـ (نصر) ، كما فيه أيضًا ((كاليوم)) الكاف للتشبيه، بمعنى: مثل، وهو صفة للمنظر بمعنى: الزمان، فاليوم صفة له، ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف؛ أي: رؤية مثل رؤية اليوم، والأول أظهر؛ فافهم.

((قَطٌّ)) : هي ظرف لاستغراق زمان مضى؛ فتختص بالنفي مشتقة من قطنطه؛ أي: قطعته؛ فمعنى (مافعلته قَطُّ) ؛ أي: ما فعلته فيما مضى من عمري، وهي بفتح القاف، وتشديد الطاء المهملة المضمومة في أفصح اللغات، وقد تكسر على أصل التقاء الساكنين، وقد تتبع قافه طاءه في الضم، وقد تخفف طاؤه مع ضمِّها[/ص591/] وإسكانها، وبنيت؛ لتضمُّنها معنى: مذ وإلى؛ إذ المعنى: مذ أن خلقت إلى الآن، وإنَّما بنيت على حركة؛ لئلَّا يلتقي ساكنان، وعلى الضَّمَّة تشبيهًا بالغايات، كذا في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.

((أفظعَ)) ؛ بالنصب، صفة لقوله: منظرًا، وفيه حذف تقديره: فلم أرَ منظرًا أفظع، مثل منظر اليوم، وأفْظَع: بالفاء الساكنة، قبلها همزة، وبالظاء المشالة، آخره عين مهملة؛ أفعل تفضيل، وصلته محذوفة؛ أي: منه، نحو قوله تعالى: {وَأَعَزُّ نَفَرًا} [الكهف: 34] أو أفظع؛ بمعنى: فظيع، مثل أكبر بمعنى: كبير، والفظيع: الشنيع؛ الشديد المجاوز المقدار، يقال: فظُع الأمر_ بالضمِّ_ فظاعة فهو فظيع؛ أي: شديد شنيع جاوز المقدار، وكذلك: أفظع الأمر فهو منفظع، وأُفظِعَ الأمر _على ما لم يسمَّ فاعله_؛ أي: نزل به أمر عظيم، فإن قلت: أفظع _أفعل_ ولا يستعمل إلا بـ (من) ، قلت: أفظع هنا بمعنى: فظيع؛ فلا يحتاج إلى (من) أو يكون على بابه، وحذف منه كما في: (الله أكبر) ؛ أي: أكبر من كل شيء، كذا قرره إمام الشَّارحين بزيادة.

ومطابقة هذا الحديث للترجمة من حيث إنَّه عليه السَّلام شاهد النار وهو في صلاته، وفيه كلام: قال ابن بطال: (الصلاة جائزة إلى كل شيء، إذا لم يقصد الصلاة إليه، بل قصد بها الله تعالى والسجود لوجهه خالصًا، ولا يضره استقبال شيء من المعبودات وغيرها، كما لم يضرَّه عليه السَّلام ما رآه في قبلته) انتهى.

قلت: لم يتعرض لكون ذلك مكروهًا أم لا، كما أنَّ المؤلف أجمل ترجمته، ولم يبيِّن أنَّه يكره ذلك أو لا يكره، لكنَّ إيراده الحديثين المذكورين في الباب يدلُّ: على احتمال عدم الكراهة؛ لأنَّه عليه السَّلام لا يصلي صلاة مكروهة، وقد يقال عليه: إن صلاته عليه السَّلام لا توصف بالكراهة؛ لكونه هو المشرع، ولهذا قال إمام الشَّارحين: لا يتم الاستدلال بهذا للمؤلف من وجوه:

الأول: ما ذكره القاضي السروجي في «شرح الهداية» فقال: (لا دلالة في هذا الحديث على عدم الكراهة؛ لأنَّه عليه السَّلام قال: «أُريت النار» ولا يلزم أن تكون أمامه متوجهًا إليها، بل يجوز أن تكون عن يمينه أو يساره أو غير ذلك) .

الوجه الثاني: ما ذكره هو أيضًا فقال: (ويحتمل أن يكون ذلك وقع له قبل شروعه في الصلاة) انتهى.

الوجه الثالث: ما ذكره الإسماعيلي بقوله: (ليس ما أراه الله تعالى نبيَّه عليه السَّلام من النار حين أطلعه عليها بمنزلة نار يتوجه المرء إليها وهي معبودة لقوم، ولا حكم ما أُري ليخبرهم كحكم من وضع الشيء بين يديه أو رآه قائمًا موضوعًا، فجعله أمام مصلاه وقبلته) .

الوجه الرابع: ما ذكره السفاقسي: (ليس في الحديث ما بوب عليه؛ لأنَّه لم يفعله مختارًا، وإنَّما عرض ذلك؛ لمعنى أراده الله تعالى، ورؤيته عليه السَّلام للنار رؤية عين، كشف الله عنها فأراه إياها، وكذلك الجنة، كما كشف له عن المسجد الأقصى) انتهى.

وقد انتهت الجهالة لابن حجر، فأجاب عن ذلك حيث قال: (كأنَّ البخاري كوشف بهذا الاعتراض فعجَّل بالجواب عنه حيث صدر الباب بالمعلَّق عن أنس، ففيه: «عرضت علي النار وأنا أصلي»، وثنَّى بحديث ابن عبَّاس وفيه ما يقتضي أنه رآها أمامه؛ حيث قالوا له بعد انصرافه: يا رسول الله؛ رأيناك تناولت شيئًا في مقامك، ثم رأيناك تكعكعت؛ أي: تأخَّرت إلى خلف، فأجابهم: بأنَّ ذلك بسبب كونه رأى النار، ولا فرق بين القريب والبعيد من المصلي؛ لما في حديث أنس المعلَّق هنا، والموصول في «التوحيد» من قوله: «لقد عرضت علي الجنة والنار آنفًا في عرض هذا الحائط» انتهى.

وردَّه إمام الشَّارحين فقال: (هذا كلام تمجُّه الأسماع، وتستمجه الطباع، وانظر إلى هذا الأمر الغريب العجيب؛ شخص يكاشف اعتراض شخص يأتي بعده بمدة مقدار خمس مئة سنة، أو أكثر، ويجيب عنه بتصدير هذا الباب الذي فيه حديث أنس معلقًا، وحديث ابن عبَّاس موصولًا، ومع هذا لا يتم الجواب بما ذكره، ولا يتم الاستدلال به للبخاري، وبيان ذلك: أنَّ قوله: «وأنا أصلي» في حديث أنس، يحتمل أن يكون المعنى: وأنا أريد الصلاة، ولا مانع من هذا التقدير، وأما تناوله الشيء وتأخره إلى خَلْف في حديث ابن عبَّاس؛ لا يستلزم أن يكون ذلك بسبب رؤيته النار أمامه، ولا يستحيل أن يكون ذلك بسبب رؤيته إياها من يمينه أو شماله أو غير ذلك.

وقوله وفي [2] جوابه: (أنَّ ذلك بسبب كونه رأى النار) ؛ مسلَّم أن ذلك كان بسبب كونه أُري النار، ولكن لا نسلِّم أنَّه كان بسبب كون رؤيته النار أمامه، ولئن سلمنا؛ فنقول: لنا جوابان آخران غير الأربعة المذكورة:

أحدهما: أنَّه عليه السَّلام أريها في جهنم، وبينه وبينها ما لا يحصى من بعد المسافة، فعدم كراهة صلاته عليه السَّلام كان لذلك.

والآخر: يجوز أن يكون ذلك منه عليه السَّلام، رؤية علم روحي باطلاعه وتعريفه من أمورها تفصيلًا ما لم يعرفه قبل ذلك) انتهى كلامه رضي الله عنه

واعترضه العجلوني، فزاد في الطنبور نغمة حيث قال: (وقوله: «انظر إلى هذا الأمر الغريب...» إلى آخره، لعلَّه نظير الفنقلة من المؤلفين، وقوله: «يحتمل أن يكون المعنى...» إلى آخره، انظر ارتكابه خلاف الظاهر، لا سيما في الأول من غير سبب، وقوله: «ولئن سلمنا...» إلى آخره كأنَّه غفل عما للمؤلف في «التوحيد»، وفيه: «لقد عُرضت عليَّ الجنة والنار أنفًا في عرض هذا الحائط»، فتأمل منصفًا، ولا تكن في الأمور متعسِّفًا) انتهى.

قلت: لقد تعسَّف العجلوني فيما قاله، ولم يُنصِف، فهو مثل: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 44]

~لا تنه عن خلق وتأتي مثله ............

فقوله: (لعله نظير الفنقلة من المؤلفين) ؛ كلام بارد، وكيف ينسب مثل هذا الكلام إلى المؤلفين؟! فإن الفنقلة: الإتيان باللفظ على غير صيغته الأولى بدون تغيير المعنى، وهذا [/ص592/]

ليس كذلك؛ بل هو أمر غريب عجيب، فإنَّ الاطِّلاع على المغيبات لا يكون إلا لله تعالى أو نبيه الأعظم، حيث أطلعه تعالى على ما سيقع في أمته، وقد نصَّ العلماء أن من ادَّعى علم الغيب يكفر، قال تعالى: {قُل لايَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الغَيْبَ إِلاَّ اللهُ} [النمل: 65] ، فابن حجر قد أثبت للبخاري الاطلاع على الغيب، فهو مردود.

وقوله: (انظر ارتكابه خلاف الظاهر...) إلى آخره؛ ممنوع؛ فإنَّ هذا صريح لفظ الحديث، وله نظائر في كلام الله تعالى ورسوله الأعظم، قال تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} [المائدة: 6] أي: أردتم القيام لها، وفيه أحاديث، وكلها تدلُّ على هذا التقدير، وهو ليس بخلاف الظاهر، بل المعنى عليه؛ لأنَّه عليه السلام قال: «عرضت عليَّ النار»، ومعلوم أنَّ العارض له إياها جبريل، والعرض إنَّما يكون قبل الصلاة، فكأنَّ قوله: «وأنا أصلي» أي: وأنا أريد الصلاة، على أنه لو كان رآها في نفس صلاته؛ لكان يقول: رأيت النار، فتصريحه بالعرض قرينة دالة على أنَّه لم يكن في الصلاة حينئذ؛ فافهم.

وقوله: (كأنه غفل عما في «التوحيد»...) إلى آخره؛ ممنوع؛ فإن إمام الشَّارحين لم يغفل عنه، بل هو حفظه قبل أن يصير العجلوني منيًا في ظهر أبيه، ولكنه أعرض عنه؛ لأنَّ معناه لا يدلُّ لما نحن فيه؛ فإنَّ قوله عليه السَّلام: «عرضت عليَّ الجنة، والنار أنفًا في عرض هذا الحائط» معناه، مُثِّلت، وصُوِّرت، ورقِّمت صورتها في عرض هذا الحائط، لأنَّ من المعلوم أن وجود الجنة والنار في حائط ما مستحيل، فالمراد لازم ذلك، وهو التمثيل والصورة، وعلى هذا؛ فلا دلالة فيه، وكذلك يجوز أن يكون المعنى في حديث ابن عبَّاس (أريت النار) أي: صفتها وصورتها، لا هي حقيقةً، بل مجازًا؛ فافهم.

وقول ابن حجر: (ولا فرق بين القريب من المصلي والبعيد...) إلى آخره: كلام فاسد؛ فإن الفرق بينهما ظاهر لمن له أدنى تأمل، فإنَّ النار في تحت الأرض السابعة السفلى، فكونه رآها أمامه بعيد عن النظر؛ لأنَّ الظاهر يردُّه، بل إنه رآها تحت قدميه، ويدل عليه أنه تأخَّر عن مكانه، وعلى كلٍّ؛ فالرؤية حقيقة مستحيلة، بل إنه رأى صورتها وصفتها، كما علمت، والله أعلم.

وقال ابن التين: (لا حجة في الحديث على الترجمة، لأنَّه عليه السَّلام لم يفعل ذلك اختيارًا، وإنمَّا عرض عليه ذلك للمعنى الذي أراه الله تعالى من تنبيهه للعباد) .

واعترضه ابن حجر فقال: (وتُعقب بأن الاختيار وعدمه في ذلك سواء منه) .

وردَّه إمام الشَّارحين فقال: (لا نُسلِّم التسوية؛ فإن الكراهة تتأكد عند الاختيار، وأما عند عدمه، فلا كراهة؛ لعدم العلة الموجبة للكراهة؛ وهي التشبُّه بعبدة النار)

واعترضه العجلوني، بأنَّه أخذه من قول ابن حجر، وهو لا يرد؛ لأنَّ مناط التسوية في الحقيقة هو التعليل بقوله؛ لأنَّه عليه السَّلام لا يقرُّ على باطل، وقد حذفه غفلة.

قلت: لم يأخذه إمام الشَّارحين من قول ابن حجر، ولم يغفل عنه، ولم يحذفه، وإنمَّا أعرض عنه؛ لمخالفته الظاهر، فإنَّ هذا الجواب لم يقله ابن حجر، وإنما قاله غيره، فنسبه لنفسه، وعلى كلٍّ؛ فهو وارد عليه، فإن قوله (لأن مناط التسوية...) إلى آخره؛ ممنوع؛ فإنَّه عليه السَّلام قد عُرضت عليه، وهو كاره لها بدليل: أنه عليه السَّلام قد تأخر عنها حين رؤيتها، فلو كان غير كاره لها؛ لما تأخر عنها، وبهذا كانت الكراهة متأكدة عند الاختيار، ولا كراهة عند عدمه، وما ذكره من علَّة التسوية؛ من أنه لا يقر على باطل إنَّما هو فيما يفعله بنفسه، فإن كان باطلًا؛ لا يقرُّ عليه، وإن كان حقًّا؛ أقرَّ عليه، وههنا ليس كذلك، فإنَّه عليه السَّلام لم يعرض هو بنفسه النار على نفسه، بل قد عرضت له، وهو كاره من رؤيتها على أنَّ هذا في حقه عليه السَّلام، أمَّا غيره؛ فلو فعل المعاصي كلها؛ أقرَّ عليه، لأنَّه لا وحي بعده عليه السَّلام، فتحصل بذلك عدم التسوية المذكورة؛ فافهم، وكم للعجلوني من تعصُّب بارد، وكثرة كلام فاسد، والله تعالى يحفظنا من التعصب والعناد، والله ولي السداد.

هذا وقال إمام الشَّارحين: (وفي الحديث: مشروعية صلاة الكسوف، وهي سنة عند الجمهور، وفيه: أنَّ النار مخلوقة اليوم؛ إذ لا قائل بالفرق، خلافًا لمن أنكر ذلك من المعتزلة، وفيه: من معجزاته عليه السَّلام رؤيته النار رأي [3] عين حيث كشف الله عنه الحجب؛ فرآها معاينة، كما كشف له عن المسجد الأقصى، وفيه: ما بوَّب له البخاري من عدم كراهة الصلاة إذا كان بين يدي المصلي نار ولم يقصد به إلا وجه الله تعالى) انتهى، والله أعلم.

[1] في الأصل: (بكسر)، ولعل المثبت هو الصواب.
[2] تكرر في الأصل: (وفي).
[3] في الأصل: (أي) ، وليس بصحيح.