المستند التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

428-. حدَّثنا مُسَدَّدٌ، قالَ: حدَّثنا عَبْدُ الوارِثِ، عن أَبِي التَّيَّاحِ:

عن أَنَسٍ [1] ، قالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المَدِينَةَ، فَنَزَلَ أَعْلَىَ [2] المَدِينَةِ فِي حَيٍّ يُقالُ لَهُمْ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَأَقامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ [3] لَيْلَةً، ثُمَّ أَرْسَلَ إلىَ بَنِي النَّجَّارِ، فَجاؤُوا مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ [4] ، كَأَنِّي [5] أَنْظُرُ إلى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علىَ راحِلَتِهِ، وَأَبُو بَكْرٍ رِدْفُهُ [6] ، وَمَلَأُ بَنِي النَّجَّارِ حَوْلَهُ، حَتَّىَ أَلْقَىَ بِفِناءِ أَبِي أَيُّوبَ، [/ج1ص93/] وَكانَ يُحِبُّ أَنْ يُصَلِّيَ حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ، وَيُصَلِّي فِي مَرابِضِ الغَنَمِ، وَأَنَّهُ أَمَرَ بِبِناءِ المَسْجِدِ، فَأَرْسَلَ إلىَ مَلَإٍ مِنْ [7] بَنِي النَّجَّارِ، فقالَ: «يا بَنِي النَّجَّارِ، ثامِنُونِي بِحائِطِكُمْ هَذا». قالُوا: لا واللَّهِ، لا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إلى اللَّهِ. فقالَ [8] أَنَسٌ: فَكانَ فِيهِ ما أَقُولُ لَكُمْ: قُبُورُ المُشْرِكِينَ، وَفِيهِ خَرِبٌ [9] ، وَفِيهِ نَخْلٌ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقُبُورِ المُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ، ثُمَّ بِالخَرِبِ فَسُوِّيَتْ، وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ، فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ المَسْجِدِ، وَجَعَلُوا عِضادَتَيْهِ الحِجارَةَ، وَجَعَلُوا يَنْقُلُونَ الصَّخْرَةَ [10] ، وَهُمْ يَرْتَجِزُونَ، والنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُمْ، وهو يَقُولُ:

«~ اللَّهُمَّ لا خَيْرَ إلَّا خَيْرُ الآخِرَهْ فاغْفِرْ لِلأَنْصارِ [11] والْمُهاجِرَهْ».

الأطراف



[1] في رواية الأصيلي زيادة: «بن مالك».
[2] في رواية الأصيلي: «في أعلىَ».
[3] هكذا في رواية ابن عساكر أيضًا، وفي رواية السَّمعاني عن أبي الوقت ورواية أبي ذر والحَمُّويي والمُستملي وحاشية رواية ابن عساكر: «أربعًا وعشرين».
[4] في رواية أبي ذر وابن عساكر: «مُتَقَلِّدِينَ السيوفَ».
[5] في رواية أبي ذر: «فكأني».
[6] صحَّح عليها في اليونينيَّة في موضعين: أولها وآخرها.
[7] في رواية السَّمعاني عن أبي الوقت ورواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر و [عط] : «ملإ بني النجار».
[8] في رواية ابن عساكر و [عط] : «قال».
[9] ضبطت في متن (و): «خِرَبٌ» بكسر الخاء وفتح الراء، وعزاها في (ب، ص) إلى رواية أبي ذر.
[10] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر: «الصخرَ». كتبت بالحمرة.
[11] في رواية المُستملي: «الأنصارَ». على تضمين اغفر معنى: استر. انظر الإرشاد.





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

428- ( فَأَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيهِمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ ليلة ) ولبعض رواة البخاري: «أربعًا وعشرين» [1] .

( فَجَاؤُوا مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ ) نصب على الحال وحذفت النون للإضافة، فالسيوف مجرور بالإضافة، ويروى: «متقلِّدين» بإثبات النون، فالسيوف منصوب به، ويحتمل تقلُّدهم بالسيوف لخوف اليهود وليروهم ما أعدوا لنصرته [2] .

( بِفِنَاءِ أَبِي أَيُّوبَ ) بفاء مكسورة ممدودة.

( وَأَنَّهُ أَمَرَ ) على البناء للفاعل والمفعول.

( ثَامِنُونِي ) اذكروا لي ثمنه وبيعوني بالثمن.

( وَفِيهِ خَرِبٌ ) بخاء معجمة مفتوحة، وراء مهملة مكسورة جمع خربة، كـ: نبقة ونبق، وروي بكسر الخاء وفتح الراء جمع خرِبة كـ: نقمة [/ج1ص156/] ونقم. [ويمكن أن يكون جمع خربة بكسر الخاء وسكون الراء على التخفيف كنعمة ونعم] [3] ، وقال الخطابي: لعلَّ الصواب «خُرَب» جمع خربة بضم الخاء المعجمة فيهما، وهو الخروق في الأرض، ومن رواه بالحاء المهملة والثاء المثلثة أراد الموضع المحروث للزرع.

قال: وأحسن منه لو ساعدت الرواية: «حدب» بالحاء والدال المهملتين جمع حَدَبة لقوله: ( فَسُوِّيَتْ ) وإنَّما يسوى المكان المحدودب. فأما الخربة بالخاء المعجمة والراء فتبنى وتعمر.

وهذا فيه تكُلف لا حاجة إليه مع صحة الرواية، والمعنى بفتح الخاء المعجمة [4] وكسر الراء، ومعنى التسوية فيه أن يكون فيها بناء هُدم فتسوَّى الأرض بإزالته.

[1] قال ابن حجر رحمه الله: هي رواية أبي ذر عن المستملي والحموي.
[2] قال ابن حجر رحمه الله: بل لأعمَّ من ذلك؛ فلم يكن جميع الأوس والخزرج وحلفاؤهم أسلموا.
[3] ما بين معقوفين زيادة من [ق] .
[4] في [ب] : والمعنى مع الحاء المهملة...





428# (فَأَقَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فيهِمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً) ولبعض رواة البخاريِّ: <أربعًا وعشرين>.

(فَجَاؤُوا مُتَقَلِّدِي [1] السُّيُوفِ) بحذف النون للإضافة، والسيوفِ [2] بالجر، وبإثباتها، فلا إضافة، والسيوفَ: بالنصب.

(بِفِنَاءِ أَبِي أَيُّوبَ) بكسر الفاء وهو ممدود.

(وَأَنَّهُ أَمَرَ) بالبناء للفاعل وللمفعول [3] .

(ثَامِنُوني بِحَائِطِكُمْ) أي: اذكروا لي ثمنه، وبايعوني فيه.

(وَفِيهِ خَرِبٌ) بفتح الخاء المعجمة وكسر الراء: اسم جنس جمعي، واحده خَرِبَةٌ؛ ككَلِم وكَلِمَة.

ويروى: بكسر الخاء وفتح الراء، جمعُ خِرْبَة؛ كِقرْبَة وقِرَب.

قال [4] الليث: وهي لغة بني تميم، وقد يجوز أن يكون المفرد مخففًا من المكسور الراء، ثم جُمع رعاية لصورته بعد التخفيف؛ كجمع ما لا تخفيف [5] فيه.

واستحسن الخطابيُّ أن يكون [6] : حَدَبًا _ بحاء ودال [7] مهملتين _ واحدُهُ [8] حدبةٌ، لو ساعدت الرواية عليه؛ لقوله: ((فسُوِّيت [9] ))، وإنما يسوى [10] المكان المُحدَوْدب، وأما الخَرْب _ بالخاء المعجمة والراء _ فتبنى وتعمَّر.

هذا كلامه، وليس بشيءٍ؛ لأن كونها خَربًا لا يمنع تسويتها؛ لاحتمال

@%ج1ص197%

أن يكون فيها بناء متهدمٌ [11] ، ونَقْض [12] مجتمعٌ مَنع من اصطحاب [13] أجزاء الأرض واستوائها، فسُوِّيت الأرض بإزالة ما كان في تلك الخرب، لا مانع من هذا أصلًا، ولا تُدفع الرواية الصَّحيحة بما [14] قاله.

[1] في (د): ((متقلدين)).
[2] في (ق): ((وبالسيوف)).
[3] في (ق): ((لبناء الفاعل والمفعول)).
[4] في (د): ((وقال)).
[5] في (ق): ((لجمع ما لا يخفف)).
[6] ((أن يكون)): ليست في (ق).
[7] ((ودال)): ليست في (ج).
[8] في (ج): ((واحدها)).
[9] في (ق): ((فسويته)).
[10] في (ق) و(ج): ((يستوي)).
[11] في (د) و(ج) و(ق): ((منهدم)).
[12] في (ق): ((وبعض)).
[13] في (ق): ((استصحاب)).
[14] في (ق): ((بمثل ما)).





428- قوله: (عَبْدُ الوَارِثِ): هذا هو ابن سعيد بن ذكوان التَّيميُّ مولاهم، التَّنوريُّ، تقدَّم بعض ترجمته.

قوله: (عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ): هو بفتح المثنَّاة فوق، ثُمَّ مثنَّاة تحت مشدَّدة، وفي آخره حاء مُهْمَلة، يزيد بن حميد الضُّبعيُّ، أَحَد الأعلام، تقدَّم بعض ترجمته.

قوله: (قَدِمَ [النَّبِيُّ] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ): اعلم أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام قدم المدينة لاثنتي عشرةَ ليلة مضت من ربيع الأوَّل يوم الاثنين، كما في «الصَّحيح»، وقِيلَ: يوم الجمعة، وقال بعضهم: قدمها يوم الاثنين لثمانٍ خلون منه، وادُّعِي فيه التَّواتر، وقِيلَ: الاثنين سابع ربيع المذكور، وقِيلَ: قدمها لليلتين خلتا منه، وقِيلَ: يوم الاثنين هلال ربيع الأوَّل، فالحاصل: خمسة أقوال، غرَّة [1] ربيع الأوَّل لليلتين خلتا منه، وقِيلَ: سابعه، وقِيلَ: ثامنه، وقِيلَ: ثاني عشره، وتقدَّم أنَّ يوم القدوم اختُلِف فيه، فالصَّحيح الاثنين، وقِيلَ: الجمعة حين اشتدَّ الضُّحاء، وهو قريب من الزَّوال، وقِيلَ: قدمها ليلًا، قاله ابن الرَّقِّيِّ، وهو غريب، كذا عزوه لابن البرقيِّ أنَّه قدمها ليلًا، ولا حاجة إلى عزوه لابن البرقيِّ، هذا في «صحيح مسلم» في أواخره قبيل [2] (كتاب التَّفسير) ، وهو غير محفوظ عند أهل السِّير.

قوله: (فَأَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمْ أَرْبَعًا وَعِشْرِين لَيْلَةً [3] ): كذا في الأصل، وعليها علامة راويها، وفي الهامش: (أربع عشرة) ، وعليها (صح) ، وكما وقع في الأصل؛ وقع في أصل مصريٍّ، وفي صحَّة الأولى نظر، وكما وقع في الهامش وعليه (صح) ؛ وقع في «مُسْلِم» وغيره، قال ابن إسحاق: (وأقام رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في بني عَمرو بن عوف يوم الاثنين، ويوم الثُّلاثاء، ويوم الأربعاء، ويوم الخميس، وأسَّس مسجدهم، ثُمَّ أخرجه الله من بين أظهرهم يوم الجمعة، وبنو عَمرو بن عوف يزعمون أنَّه مكث فيهم أكثر من ذلك) انتهى، والمشهور عند أرباب المغازي ما ذكره ابن إسحاق، قاله ابن سيِّد النَّاس في «سيرته»، [انتهى، وصحَّح غيره ذلك [4] أيضًا، وقال في ما في «البخاريِّ» و«مسلم»: وقيل: أقام فيهم أربع عشرة، انتهى] [5]

ولا يستقيم قولهم: إنَّه أقام فيهم أربع عشرة مع القول بأنَّه جاء يوم الجمعة وادي رانونة [6] ، وجمع فيه يوم خروجه من عندهم، والله أعلم، إلَّا على قول مَن يقول: قدم قباء يوم الجمعة، وقال مغلطاي في «سيرته الصُّغرى»: (فأقام بضع عشرة ليلة، ويقال خمسًا، ويقال: أربعًا، ويقال: ثلاثًا، فيما ذكره الدُّولابيُّ، ويقال: اثنتين وعشرين ليلة) .

[قوله: (ثُمَّ أَرْسَلَ [7] إلى بَنِي النَّجَّارِ): هذا بعد انفصاله من قباء، وسيأتي: (فأرسل إلى الأنصار) في «مسند عَبْد بن حميد» من حديث أنس: (حتى جاء رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وصاحبه أبو بكرٍ الصِّدِّيق، فَكَمَنا في بعض خراب المدينة، ثُمَّ بعثا رجلًا من أهل البادية؛ ليؤذن به الأنصار، فاستقبلهما زهاء خمس مئة من الأنصار حتَّى انتهوا إليهما، فقالت الأنصار: انطلقا آمنين مطاعين...) ؛ الحديث، وسأذكره أيضًا في أحاديث (الهجرة) إن شاء الله تَعَالَى] [8] .

قوله: (مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ): هو بجرِّ (السُّيوف) [9] بالإضافة، وحذفت النُّون من (متقلِّدين) لها، ويجوز من حيث العربيَّة على قلَّة (السُّيوفَ) ؛ بالنَّصب، كما قُرِئ شاذًّا: {وَالمُقِيمِي الصَّلاةَ} [النساء: 162] ؛ بالنَّصب، والمتواترة بالجرِّ.

قوله: (على رَاحِلَتِهِ): هي القصواء، وهي بفتح القاف والمدِّ، كذا قاله غير واحد، وفي هذا «الصَّحيح» في (غزوة الرَّجيع): أنَّها الجدعاء، وسيأتي الكلام في النُّوق الثَّلاث: الجدعاء، والعضباء، والقصواء، هل هنَّ ثلاث أو اثنتان أو واحدة إنْ شاء الله تعالى.

قوله: (وَأَبُو بَكْرٍ رِدْفُهُ): تقدَّم أرداف النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في (كتاب العلم) ؛ فانظره إنْ أردته.

قوله: (بِفِنَاءِ أَبِي أَيُّوبَ): الفِناء؛ بكسر الفاء، وبالمدِّ: المتِّسع أمام الدُّور.

قوله: (وَيُصَلِّي في مَرَابِضِ الغَنَمِ): تقدَّم ما المرابض والأعطان؛ فانظره.

قوله: (وَإِنَّهُ أَمَرَ بِبِنَاءِ المَسْجِدِ): (إِنَّهُ): بكسر الهمزة، ويجوز فتحُها. [/ج1ص169/]

قوله: (أَمَرَ بِبِنَاءِ المَسْجِدِ [10] ): (أَمَرَ): مبنيٌّ للفاعل وللمفعول [11] ، كذا قيَّده النَّوويُّ.

قوله: (ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ): أي: قدِّروا ثمنه؛ لأشتريه منكم، وبايعوني فيه، والحائط: البستان المحوط، وقد تقدَّم.

قوله: (لَا، وَالله لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلاَّ إِلَى اللهِ): هذا نصٌّ في أنَّهم لم يأخذوا ثمنه، ورُوِي: أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم اشتراه من اليتيمين بعشرة دنانير، وأمر أبا بكر أنْ يعطيهما ذلك، وفي «طبقات ابن سعد»: أنَّه اشتراه من بني عفراء بذلك، ونقل ابن سيِّد النَّاس في «سيرته الكبرى» عنِ البلاذريِّ: (وكان أسعد بن زراة يُجمِّع ثمن ثلثه في مسجد له، وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يصلِّي فيه، ثُمَّ إنَّه سأل أسعد بن زرارة أنْ يبيعه أرضًا متَّصلة بذلك المسجد، كانت في يده ليتيمين في حجره، يقال لهما: سَهل وسُهيل؛ ابنا رافع...) إلى أن قال: (فعرض عليه _ يعني: أسعد بن زرارة- أنْ يأخذها ويغرم عنه لليتيمين ثمنها، فأبى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ذلك، وابتاعها منه بعشرة دنانير، أدَّاها من مال أبي بكر) انتهى، وهذا الكلام والجمع بينه وبين غيره ليس هذا موضعه، [وفي «صحيح البخاريِّ» من رواية أبي ذرٍّ، عنِ الكشميهنيِّ، عنِ الفربريِّ، عنِ البخاريِّ: (فَأَبَى رَسُولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُمَا- يعني: من الغلامين، وفي «صحيحه» أيضًا: أنَّهما سَهل وسُهيل- هِبَةً حتَّى ابْتَاعَهُ مِنْهُمَا)] [12] .

قوله: (وَفِيهِ خَرِبٌ): قال ابن قُرقُول: (خَرِبٌ) ؛ بكسر الرَّاء، وفتح الخاء؛ يعني: المعجمة، و (خِرَب) ؛ بكسر الخاء، وفتح الرَّاء [13] ، كذا [14] ضبطناه، وكلاهما صحيح، وتميم تقول: خِربة؛ بكسر الخاء [15] ، قال الخطَّابيُّ: لعلَّه (خُرَب): جمع خُرْبَة؛ وهي الخروق في الأرض، إلَّا أنَّهم يقولونها في كلِّ ثقبة مستديرة، قال: أو لعلَّها (خُرَف): جمع خِرَفة، وخِرَفة: جمع خُرُف، قال: وأبين من ذلك أنْ تكون حَدَبًا: جمع حدبة؛ وهي ما نتأ من الأرض، وإنَّما يُسَوَّى [16] المكان المحدوب [17] ، قال القاضي: لا أدري ما قال، وكما قطع النَّخل الذي فيه كذلك؛ سوَّى بقايا الخرب وهدم أطلال الجدرات كما فعل في القبور، والرِّواية الصَّحيحة اللَّفظ والمعنى غنيَّة عن تكليف التَّغيير، وقال ابن الأثير بعد أن ذكره: وقد روي بالحاء المهملة، والثَّاء المثلَّثة؛ يريد به: الموضع المحروث للزراعة، انتهى.

قوله: (عِضَادَتَيْهِ): (العِضادة) ؛ بكسر العين المهملة: جانب الباب.

[1] في (ب) و (ج): (عشرة) .
[2] في (ج): (قبل) .
[3] في (ق) عند الحديث «3932«: (فأقام فيهم أربع عشرة ليلة) ، وفي هامشها: (والمشهور عند أرباب المغازي ما ذكره ابن إسحاق: أنَّه أقام في بني عمرو بن عوف يوم الاثنين، ويوم الثلاثاء، ويوم الأربعاء، ويوم الخميس، أخرجه الله من بين أظهرهم يوم الجمعة، فأدركت رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الجمعة في بني سالم بن عوف، فصلَّى في المسجد الذي في بطن الوادي، فكانت أوَّل جمعة صلَّاها بالمدينة) .
[4] في (ج): (وصحح ذلك غيره) .
[5] ما بين معقوفين سقط من (ب) .
[6] في (ب): (دانونة) ، وفي (ج): (زانونة) .
[7] في النسخ: (فأرسل) ، والمثبت موافق لما في «اليونينية» و (ق) .
[8] ما بين معقوفين سقط من (ج) .
[9] (هو بجر السيوف): ليس في (ج) .
[10] (المسجد): ليس في (ب) .
[11] في (ب): (مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله وللفاعل) .
[12] ما بين معقوفين سقط من (ج) .
[13] في (ج): (بفتح الراء، وكسر الخاء) .
[14] في (ب): (فما) ، وفي (ج): (يعني: المعجمة) .
[15] (بكسر الخاء): سقطت من (ب) .
[16] في (ج): (يستوي) .
[17] كذا في النسخ ، وفي «المطالع»: (المحدودب) (*) .





428- (مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ): بجرِّ (السُّيُوفِ)، وحذفتِ النُّونُ من (مُتَقَلِّدِي) ؛ للإضافة، ويجوزُ مِنْ حيثُ العربيَّةُ على قِلَّةٍ النَّصبُ، وقُرِئَ: {وَالمُقِيمِي الصَّلَاةَ} [الحج: 35] ، وتقدَّمَ، وفي بعضِها: (مُتَقَلِّدِينَ)، وهو نصبٌ على الحالِ.

(يُصَلِّي): بالرَّفعِ، وهو عطفٌ على (يُحِبُّ)، لا على (يُصَلِّيَ).

(وَإِنَّهُ): بكسرِ الهمزةِ، ويجوزُ فتحُها.

(قُبُورُ المُشْرِكِيْنَ): بالرَّفعِ بَدَلٌ أو بيانٌ لـ (مَا أَقُولُ).


428- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهَدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ) بن سعيدٍ التَّميميُّ (عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة وتشديد التَّحتيَّة، آخره مُهمَلة، يزيد بن حُمَيْدٍ الضَّبعيِّ (عَنْ أَنَسٍ) وللأَصيليِّ: ((أنس بن مالكٍ)) (قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ فَنَزَلَ أَعْلَى) وللأَصيليِّ: ((في أعلى)) (الْمَدِينَةِ فِي حَيٍّ) بتشديد الياء؛ قبيلةٌ (يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ) بفتح العين فيهما (فَأَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً) ولأبوي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر في نسخةٍ: ((أربعًا وعشرين))، وصوَّب الحافظ ابن حجرٍ الأولى، قال: وكذا رواه أبو داود عن مُسدَّدٍ شيخ المؤلِّف فيه [1] ، (ثُمَّ [/ج1ص431/] أَرْسَلَ) عليه الصَّلاة والسَّلام (إِلَى بَنِي النَّجَّارِ) أخواله عليه الصَّلاة والسَّلام (فَجَاءُوا) حال كونهم (مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ) بالجرِّ وحذف نون «متقلِّدين» للإضافة، كذا في رواية كريمة، وفي روايةٍ: ((متقلِّدين))؛ بإثبات النُّون، فلا إضافة، و«السُّيوف» نُصب بـ: «متقلِّدين»؛ أي: جعلوا نجاد [2] السَّيف على المنكب؛ خوفًا من اليهود، ولِيُروه ما أعدُّوه لنصرته عليه الصَّلاة والسَّلام (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَاحِلَتِهِ)؛ أي: ناقته القصواء، (وَأَبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق (رِدْفُهُ) بكسر الرَّاء وسكون الدَّال المهملة [3] ، جملةٌ اسميَّةٌ حاليَّةٌ؛ أي: راكبٌ خلفه، ولعلَّه عليه الصَّلاة والسَّلام أراد تشريف أبي بكرٍ بذلك وتنويهًا بقدره، وإِلَّا؛ فقد كان له رضي الله عنه ناقةٌ (وَمَلأُ بَنِي النَّجَّارِ)؛ أي: أشرافهم أو جماعتهم يمشون (حَوْلَهُ) عليه الصَّلاة والسَّلام أدبًا، والجملة حاليَّةٌ (حَتَّى أَلْقَى)؛ أي: طرح رحله (بِفِنَاءِ) بكسر الفاء والمدِّ؛ أي: بناحيةٍ متَّسعةٍ أمام دار (أَبِي أَيُّوبَ) خالد بن زيدٍ الأنصاريِّ (وَكَانَ) رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم (يُحِبُّ أَنْ يُصَلِّيَ حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ، وَيُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ) جمع: مربضٍ؛ أي: مأواها (وَإِنَّهُ) بكسر الهمزة، وفي «فرع اليونينيَّة»: بفتحها؛ أي: النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم (أَمَرَ) بفتح الهمزة (بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ) بكسر الجيم، وقد تُفتَح (فَأَرْسَلَ إِلَى مَلإٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ) وللأربعة: ((إلى ملأ بني النَّجَّار))؛ بإسقاط: ((من)) (فَقَالَ: يَا بَنِي النَّجَّارِ، ثَامِنُونِي) بالمُثلَّثة؛ أي: ساوموني (بِحَائِطِكُمْ)؛ أي: ببستانكم (هَذَا، قَالُوا: لَا وَاللهِ، لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللهِ) عزَّ وجلَّ؛ أي: «من الله»، كما وقع عند الإسماعيليِّ (فَقَالَ) ولابن عساكر: ((قال)) (أَنَسٌ) رضي الله عنه: (فَكَانَ فِيهِ)؛ أي: في الحائط (مَا أَقُولُ لَكُمْ، قُبُورُ الْمُشْرِكِينَ) بالرَّفع، بدلٌ، أو بيانٌ لقوله: ما أقول لكم (وَفِيهِ خَرِبٌ) بفتح الخاء المعجمة وكسر الرَّاء، اسم جمع واحده خِرْبَةٌ؛ كَكَلِمٍ وكِلْمةٍ، ولأبي ذَرٍّ: ((خِرَب))؛ بكسر الخاء وفتح الرَّاء، جمع: خِرَبَةٍ؛ كعِنَبٍ وعِنَبةٍ (وَفِيهِ نَخْلٌ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ) وبالعظام فغُيِّبت [4] (ثُمَّ بِالْخَرِبِ) بفتح الخاء وكسر الرَّاء (فَسُوِّيَتْ) بإزالة ما كان في تلك الخِرَب (وَ) أمر (بِالنَّخْلِ فَقُطِعَ، فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ الْمَسْجِدِ)؛ أي: في جهتها (وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ الْحِجَارَةَ) تثنية عِضادةٍ؛ بكسر العين، قال صاحب «العين»: أعضاد كلِّ شيءٍ: ما يشدُّه من حواليه، وعِضادتا الباب: ما كان عليهما يُغلَق الباب؛ إذا أُصفِق (وَجَعَلُوا يَنْقُلُونَ الصَّخْرَ، وَهُمْ يَرْتَجِزُونَ)؛ أي: يتعاطون الرَّجز؛ تنشيطًا لنفوسهم؛ ليسهل عليهم العمل (وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يرتجز (مَعَهُمْ) جملةٌ حاليَّةٌ؛ كقوله [5] : (وَهُوَ) عليه الصَّلاة والسَّلام (يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الآخِرَهْ، فَاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ) الأوس والخزرج الَّذين نصروه على أعدائه (وَالْمُهَاجِرَهْ) الَّذين هاجروا من مكَّة إلى المدينة؛ محبَّةً فيه عليه الصَّلاة والسَّلام؛ بسكون الهاء الأخيرة من المُهاجِرَهْ في «اليونينيَّة» [6] وطلبًا للأجْر، وللمُستملي: ((فاغفر الأنصار)) على تضمين «اغفر» معنى: «استر»، واستُشكِل قوله عليه الصَّلاة والسَّلام هذا مع قوله تعالى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ} [يس: 69] ، وأُجيب: بأنَّ الممتنع عليه صلَّى الله عليه وسلَّم إنشاء الشِّعر لا إنشاده، على أنَّ الخليل ما عدَّ المشطور من الرَّجز [7] شعرًا، هذا وقد قِيلَ: إنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام قالهما بالتَّاء متحرِّكةً، فخرج عن وزن الشِّعر.

ورواة هذا الحديث كلُّهم بصريُّون، وفيه التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف في «الصَّلاة» [خ¦429] و«الوصايا» [خ¦2771] و«الهجرة» [خ¦3911] و«الحجِّ» [خ¦1769] و«البيوع» [خ¦1769] ، ومسلمٌ في «الصَّلاة»، وكذا أبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجه، وتأتي بقيَّة مباحثه _إن شاء الله تعالى_.

[1] «فيه»: ليس في (د).
[2] في (م): «اتِّخاذ».
[3] «المهملة»: مثبتٌ من (ص) و(م).
[4] في (م): «فنُبِشت».
[5] في (ص): «لقولها».
[6] قوله: «بسكون الهاء الأخيرة من المُهاجِرَهْ في «اليونينيَّة»»، مثبتٌ من (م).
[7] «من الرَّجز»: ليس في (م).





428- ( مُتَقَلِّدِين السُّيُوف ): نصب على الحال، ولكريمة: «متقلِّدي» بالإضافة.

( أَلْقَى ) أي: رحله. [/ج2ص509/]

( الفِنَاءِ ): بكسر أوَّله: النَّاحية المتَّسعة أمام الدَّار.

( أَمَرَ ): بالبناء للفاعل.

( ثَامِنُونِي ): بالمثلَّثة، أي: اذكروا لي ثمنه لأذكر لكم الثَّمن الذي أختاره.

( لاَ نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلاَّ إِلَى اللَّهِ ): قال ابن حجر: تقديره لا نطلب الثَّمن، لكن الأمر فيه إلى الله، أو ( إلى ) بمعنى: من، وكذا للإسماعيليِّ: «لا نطلب ثمنه إلاَّ من الله».

( وَفِيهِ خَرِبٌ ): قال ابن الجوزيِّ: المعروف فيه فتح الخاء المعجمة وكسر الرَّاء بعدها موحَّدة، جمع: خربة، وحكى الخطَّابيُّ فيه أيضًا كسر أوَّله وفتح ثانيه، جمع خِربَة كعنب وعِنبة، وللكُشْمِيهنيِّ: بفتح المهملة وسكون الرَّاء ومثلَّثة.

( فَاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ ): للمُسْتملي والحَمُّويي: «فاغفر الأنصار» بحذف اللَّام، ووجِّه بأنَّه ضُمِّنَ اغفر معنى: استر.


114/428# قال أبو عبد الله: حدَّثنا مُسَدَّدٌ: حدَّثنا عَبْدُ الوارِثِ، عن أَبِي التَّـــيَّاحِ:

عن أَنَسٍ، أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لمَّا [1] أَمَرَ بِبِناءِ المَسْجِدِ، أَرْسَلَ إلىَ مَلَإ بَنِي النَّجَّارِ، فقالَ: «يا بَنِي النَّجَّارِ، ثامِنُونِي بِحايطِكُمْ». قالَ أَنَسٌ: وَكانَ فِيهِ قُبُورُ المُشْرِكِينَ، وخِرَبٌ، وَفِيهِ نَخْلٌ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِقُبُورِ المُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ، ثُمَّ بِالخِرَب فَسُوِّيَتْ.

قلتُ: مَلأُ القومِ: رجالهم والرُّوؤساء

@%ص117%

منهم.

وقوله: (ثامنوني) أي: بيعونيه [2] بالثَّمن.

وفي ذلك دليل على [3] أنَّ رَبَّ السِّلعة أولى بالسَّوم.

وقوله: (وَخِرَبٌ) هكذا حدَّثناهُ الخَيَّامُ؛ بكسر الخاء وفتح الراء.

والخِرَبُ: جمع الخَراب [4] ، قال الليث: لغة تميم خَرِبٌ، والواحدة خَرِبة، وسائر الناس يقولون: خَرِبٌ جمع خَرِبَة. [5] كما قيل: كَلِمَة وكَلِم [6] ؛ إلَّا أنَّ قَولَه: «فأمَرَ بالخَرب فَسُويِّتْ» يدلُّ على أنَّ الصواب فيه: إمَّا خُرَبٌ _مضمومة الخاء_ جمع خُربة، وهي الخُروق التي في تلك الأرض، إلَّا أنَّهم يَخُصُّون بهذا الاسم [7] كُلَّ ثُقبةٍ مُستديرة في جِلد كانت أو في أرض أو في جدار.

وإمَّا أن تكون الرواية [8] : الجُرْف، جمع الجِرَفة، وهي جمع الجُرُف [9] ، كما قيل: خُرج وخِرَجَة، وتُرسُ وتِرَسة.

وأبين منهما [10] في الصواب _إن ساعدته [11] الرواية_ أن يكون: وفيه حَدَبٌ؛ جمع الحَدَبة، وهو الذي يليق بقوله [12] : «فَسُوِّيت»، وإنَّما يُسوَّى المكان المُحدَودِب، أو موضع من الأرض فيه خُروقٌ [13] وهُزُومٌ [14] ونحوها، فأماَّ الخَرِبُ فإنمَّا تُعَمَّر وتبنى [15] ، دون أن تُصلَح وتُسوَّى.

وفي الحديث دليلٌ على جواز نَبش قُبور المشركين إذا دَعَت الحاجةُ إلى ذلك.

[1] (لما) سقطت من (ط).
[2] في النسخ الفروع: (بيعوني).
[3] (على) سقطت من (ط).
[4] في (ط): (جمع أخراب).
[5] قوله: (وسائر الناس يقولون: خَرِبٌ جمع خَرِبَة) سقط من الأصل، والمثبت من (ط)
[6] في النسخ الفروع: (كلم جمع كلمة).
[7] في النسخ الفروع: (إلا أنهم يقولونها في).
[8] في (ر): (ولعلَّ الرواية).
[9] جاءت في (ط) و (م): (الخرف) بالخاء لا الجيم.
[10] في (أ): (منها).
[11] في النسخ الفروع: (إن ساعدت).
[12] في الأصل (لقوله) والمثبت من (ط).
[13] في (ر): (حروف).
[14] (الهزوم): جمع الهَزمة وهو المتطامِنِ الأرض، (التاج_ هزم_)
[15] في الأصل: (وتسوّ) والمثبت من (ط) وفي الفروع: (فأما الخرب فتبنى وتعمر).





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

428# قوله: (فَنَزَلَ أَعْلَى الْمَدِينَةِ فِي حَيٍّ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ): علو المدينة: ما كان من جهة نجدٍ، وهم أهل قباء، فنزل على كلثوم [1] بن الهدم بن امرئ القيس، وكان شيخًا كبيرًا، أسلم قبل وصوله عليه الصَّلاة والسَّلام المدينة.

قوله: (ثَامِنُونِي): أي: قدِّروا ثمنه لأشتريه منكم، فيه: أنَّ ربَّ السِّلعة أولى بالسَّوم.

و(الحَائِط): البستان المحوَّط، وكان مِربدًا للتَّمر؛ وهو الموضع الذي يُجعَل فيه التمر لينشف، فاشتراه بعشر دنانير؛ لأنَّه كان ليتيمين سهل وسُهيل ابنا نافع بن عمرو من بني النَّجَّار، كانا في حِجر أسعد بن زرارة.

قوله: (فَأَمَرَ [النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] بِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ، [ثُمَّ بِالْخَرِبِ فَسُوِّيَتْ] ، وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ): فيه: جواز قطع الأشجار المثمرة للحاجة والمصلحة، إمَّا لاستعمال خشبها، أو ليغرس موضعها غيرها، أو لخوف سقوطها على شيء، أو لاتِّخاذ موضعها مسجدًا.

[1] في (أ): (كتوم).





428- وبالسند إلى المؤلف قال: ((حدثنا مسدد)) ؛ هو ابن مسرهد البصري ((قال: حدثنا عبد الوارث)) ؛ هو ابن سعيد التميمي البصري، ((عن أبي التَيَّاح)) ؛ بفتح الفوقية، وتشديد التحتية، آخره حاء مهملة، هو يزيد بن حميد، الضبعي، البصري، ((عن أنس)) زاد الأصيلي: (ابن مالك) ، هو الأنصاري أنَّه ((قال: قدِم)) بكسر الدال المهملة ((النبيُّ)) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم المدينة)) ، قال الحاكم: (تواترت الأخبار بوروده عليه والسلام قباء يوم الاثنين لثمان خلون من ربيع الأول) ، وقال محمد بن موسى الخوارزمي: (وكان ذلك اليوم الخميس الرابع من تيرماه، ومن شهور الروم العاشر[/ص577/] من أيلول سنة سبعمئة وثلاث وثلاثين لذي القرنين) .

وقال الخوارزمي: (من حين ولد إلى حين أسري به أحد وخمسون سنة، وسبعة أشهر وثمانية وعشرين يومًا، ومنه إلى اليوم الذي هاجر سنة وشهران ويوم، فذلك ثلاث وخمسون سنة، وكان ذلك يوم الخميس) .

وقال ابن سعد في «الطبقات»: (إنَّه عليه السَّلام خرج من الغار ليلة الاثنين لأربع ليال خلون من شهر ربيع الأول، فأقام يوم الثلاثاء بقديد، وقدم على بني عمرو بن عوف لليلتين خلتا من ربيع الأول، ويقال: لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، فنزل على كلثوم بن هدم، وهو السبت عندنا) .

وذكر البرقي: (أنَّه عليه السَّلام قدم المدينة ليلًا) ، وعن جابر: (لما قدم المدينة نحر جزورًا) ، كذا في «عمدة القاري».

((فنزل أعلى)) وللأصيلي: (في أعلى) ((المدينة)) ، وفي رواية أبي داود: (فنزل في عُلوِّ المدينة) ؛ بالضم، وهي العالية ((في حيٍّ)) ؛ بتشديد التحتية، وهي القبيلة، وجمعها أحياء، كذا قاله إمام الشَّارحين، ((يقال لهم: بنو عَمرو بن عَوف)) ؛ بفتح العين المهملة فيهما، وبالفاء في الأخير، ((فأقام النبيُّ)) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم فيهم)) أي: في بني عمرو ((أربع عشرة ليلة)) ، هذه رواية الأكثرين، وكذا في رواية أبي داود عن شيخه مسدد، وفي رواية أبي ذر وأبي الوقت ونسبها إمام الشَّارحين للمستملي والحمُّوي: (أربعًا وعشرين ليلة) ، وعن الزهري: (أقام فيهم بضع عشرة ليلة) ، وعن عويمر بن ساعدة: لبث فيهم ثماني عشرة ليلة، ثم خرج، كذا قاله إمام الشَّارحين، ((ثم أرسل)) أي: النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، وهو في بني عمرو ((إلى بني النجَّار)) ؛ بتشديد الجيم، أبو قبيلة من الأنصار، وبنو النجار هم: بنو تيم اللات بن ثعلبة بن عمرو بن الجموح، والنجار: قبيل كثير من الأنصار منه بطون، وعمائر، وأفخاذ، وقفائل، وتيم اللات: هو النجار، سمي بذلك؛ لأنَّه اختتن بقدُّوم، وقيل: بل ضرب رجلًا بقدُّوم، فجرحه، ذكره الكلبي وأبو عبيدة، وإنما طلب بني النجار؛ لأنَّهم كانوا أخواله عليه السَّلام؛ لأنَّ هاشمًا جده تزوج سلمى بنت عمرو بن زيد من بني عدي بن النجار بالمدينة، فولدت له عبد المطلب، كذا قاله إمام الشَّارحين.

قلت: ولأجل هذا خصَّهم عليه السَّلام بالإرسال عن غيرهم، ((فجاؤوا متقلدي السيوف)) ؛ بالجِّر وحذف نون (متقلِّدين) ، وإضافة (المتقلدين) إلى (السيوف) ، هكذا في رواية كريمة، وفي رواية الأكثرين: (متقلدين السيوفَ) ؛ بنصب السيوف وثبوت النون؛ لعدم الإضافة، وعلى كل حالٍ هو منصوب على الحال من الضمير الذي في (فجاؤوا) ، والتقلُّد: جَعْلُ نِجاد السيف على المنكب؛ كذا في «عمدة القاري».

قلت: والمعنى: جاؤوا جاعلين سيوفهم على مناكبهم؛ خوفًا من اليهود، وليروه عليه السَّلام ما أعدُّوه؛ لنصرتهم من شجاعتهم وقوتهم، قال أنس بن مالك: ((كأني أنظر إلي النبيِّ)) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم على راحلته)) ؛ أي: ناقته التي تسمى: القصواء، فإنَّ الرَّاحلة: المركب من الإبل، ذكرًا كان أو أنثى، قاله إمامنا الشَّارح.

قلت: وفي بعض النسخ: (وكأني) ؛ بالواو، وفي بعضها: (فكأني) ؛ بالفاء، والمعنى: وكأني الآن، فالتشبيه باعتبارين، و (كأنَّ) ؛ للتحقيق؛ كقوله: كأن الأرض ليس بها هلال ((وأبو بكر)) ؛ أي: الصديق الأكبر، عبد الله بن أبي قحافة عثمان رضي الله عنهما ((ردفه)) ؛ الجملة اسمية محلها نصب على الحال من (النبي) ، أو من فاعل (أنظر) ؛ أي: راكب خلفه، فإنَّ الرِّدْف _بكسر الراء وسكون الدال المهملتين_: المرتدف، وهو الذي يركب خلف الراكب، وأردفته أنا: إذا أركبته معك، وذاك الموضع الذي يركبه: رِدَاف، وكل شيء يتبع سببًا؛ فهو ردفه، وكان لأبي بكر ناقة، فلعلَّه تركها في بني عمرو بن عوف؛ لمرض أو غيره، ويجوز أن يكون ردَّها إلى مكة؛ ليحمل عليها أهله، وثَمَّ وجه آخر حسن: وهو أنَّ ناقته كانت معه، ولكنَّه ما ركبها؛ لشرف الإرداف خلفه، فإنَّه تابعه، والخليفة بعده، كذا قاله إمام الشَّارحين.

((ومَلَأ)) ؛ بفتحتين آخره همزة من غير مد ((بني النجار حوله)) عليه السَّلام؛ إكرامًا له، وأدبًا معه، وافتخارًا به، والملأ: أشراف القوم ورؤساؤهم، سمُّوا بذلك؛ لأنَّهم ملأى [1] بالرأي والغنى، والملأ: الجماعة، والجمع: أملاء، قال ابن سيده: (وليس الملأ من بني «رهط» وإن كانا اسمين؛ لأنَّ «رهطًا» لا واحد له من لفظه، والملأ: رجل مالئ جليل ملأ العين بجهرته، فهو كالعرب والرَّوَح [2] ، وحكى ملأته على الأمر: املأه، ومالأته كذلك؛ أي: شاورته، وما كان هذا الأمر عن ملأ منَّا؛ أي: عن تشاور واجتماع) ، كذا في «عمدة القاري»، والجملة اسمية حالية أيضًا، ((حتى ألقى)) أي: حتى طرح النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم رحله، فهو مبني للفاعل، ويحتمل للمفعول، كذا زعمه العجلوني.

قلت: وهذا الاحتمال بأنَّه مبني للمفعول غير ظاهر؛ لأنَّ أنسًا أخبر عنه عليه السَّلام بأنَّه ألقى رحله، فيتعين أن يكون مبنيًّا للفاعل، والمفعول محذوف، وهو الرحل، يقال: ألقيت الشيء: إذا طرحته.

((بفِناء)) بكسر الفاء مع المد: سعة أمام الدار، والجمع: أفنية، وفي «المجمل»: (فناء الدار: ما امتد من جوانبها) ، وفي «المحكم»: (وتبدل الموحدة من الفاء) .

((أبي أيوب)) أي دار أبي أيوب، واسمه: خالد بن زيد الأنصاري، جعل جبار بن صخر يَنخَسُها برجله، فقال أبو أيوب: يا جبار؛ أَعَنْ منزلي تنخسها؟ أما والذي بعثه بالحق لولا الإسلام؛ لضربتك بالسيف.

قال إمام الشَّارحين: (جبار بن صخر بن أمية بن خنساء السلمي، ويقال: جابر بن صخر الأنصاري، شهد العقبة وبدرًا، وهو صحابي كبير، روى محمد بن إسحاق: عن أبي سعد الخطمي، سمع جابرًا بن عبد الله قال: صليت خلف رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنا وجابر بن صخر، فإمامنا خلفه، والصحيح: أنَّ اسمه جبار بن صخر، وذكر محمد بن إسحاق في كتاب «المبتدأ وقصص الأنبياء عليهم السلام»: «أن تُبَّعًا؛ وهو ابن حسان، لمَّا قدم مكة قبل مولده عليه السَّلام بألف عام، وخرج منها إلى يثرب، وكان معه أربع مئة رجل من الحكماء؛ فاجتمعوا وتعاقدوا على ألا يخرجوا منها، فسألهم تُبَّع عن سر ذلك، فقالوا: إنَّا نجد في كتبنا أنَّ نبينا اسمه محمد، هذه دار مهاجره، فنحن نقيم بها لعل أن نلقاه، فأراد تُبَّع الإقامة معهم، ثمَّ بنى لكل واحد من أولئك دارًا، واشترى له جارية، وزوجها منه، وأعطاهم مالًا جزيلًا، وكتب كتابًا فيه إسلامه، وقوله:

~شهدت على أحمد أنَّه رسول من الله بارئ النسم

في أبيات، وختمه بالذهب، ودفعه إلى كبيرهم، وسأله أن يدفعه إلى محمد عليه السَّلام إن أدركه، وإلا؛ من أدركه من ولده، وبنى للنبي عليه السَّلام دارًا ينزلها إذا قدم المدينة، فتداور الدار المُلَّاك إلى أن صارت إلى [/ص578/] أبي أيوب رضي الله عنه، وهو من ولد ذلك العالم الذي دفع إليه الكتاب، قال: وأهل المدينة من ولد أولئك العلماء الأربع مئة، ويزعم بعضهم: أنَّهم كانوا الأوس والخزرج، ولمَّا خرج عليه السَّلام؛ أرسلوا إليه كتاب تُبَّع مع رجل يسمى أبا ليلى، فلما رآه عليه السَّلام؛ قال: «أنت أبو ليلى، ومعك كتاب تُبَّع الأول»، فبقي أبو ليلى متفكرًا، ولم يعرف النبيَّ عليه السَّلام، فقال: من أنت؟ فإني لم أرَ في وجهك أثر السحر، وتوهم أنَّه ساحر، فقال: «أنا محمد، هات الكتاب»، فلما قرأه؛ قال: «مرحبًا بتبع الأخ الصالح» ثلاث مرات»، وفي «سير ابن إسحاق»: «أنَّ اسمه تبان أسعد أبو كرب، وهو الذي كسا البيت الحرام»، وفي «مغايص الجوهر في أنساب حمير»: «كان يدين بالزبور»، وفي «معجم الطبراني» مرفوعًا: «لا تسبوا تبَّعًا»، وقال الثعلبي بإسناده إلى سهل بن سعد رضي الله عنه: أنَّه قال: سمعت النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: «لا تسبوا تبعًا؛ فإنَّه كان قد أسلم»، وأخرجه أحمد في «مسنده»: «وتُبَّع _بضمِّ المثناة الفوقية، وفتح الموحدة المشددة، آخره عين مهملة_ لقب لكلِّ من ملَك اليمن؛ مثل كسرى لقب لكل من ملَك الفرس، وقيصر لكل من ملَك الروم»، وقال عكرمة: «إنَّما سُمي تُبَّعًا؛ لكثرة أتباعه، وكان يعبد النار، فأسلم، قال: وهذا تبع الأوسط، وأقام مَلِكًا ثلاثًا وثلاثين سنة، وقيل: ثمانين سنة»، وقال ابن سيرين: «هو أول من كسا البيت وملك الدنيا والأقاليم بأسرها»، وحكى ابن عساكر عن سعيد بن عبد العزيز أنَّه قال: «كان إذا عرض الخيل؛ قاموا صفًّا من دمشق إلى صنعاء»، وهذا بعيد إن أراد به صنعاء اليمن؛ لأنَّ بينها وبين دمشق أكثر من شهرين، والظاهر: أنَّه أراد بها صنعاء دمشق، وهي قرية على باب دمشق من ناحية باب الفراديس، واتصلت حيطانها بالعقيبة، وهي محلة عظيمة بظاهر دمشق، وذكر ابن عساكر في كتابه: «أنَّ تُبَّعًا هذا لمَّا قدم مكة، وكسا الكعبة، وخرج إلى يثرب؛ كان في مئة ألف وثلاثين ألفًا من الفرسان، ومئة ألف وثلاثة عشر ألفًا من الرجالة»، وذكر أيضًا: «أنَّ تُبَّعًا لمَّا خرج من يثرب؛ مات في بلاد الهند»، وذكر السهيلي: «أنَّ دار أبي أيوب هذه صارت بعده إلى أفلح مولى أبي أيوب، فاشتراها منه بعد ما خربت المغيرةُ بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بألف دينار بعد حيلة احتالها عليه المغيرة، فأصلحه المغيرة، وتصدق بها على أهل بيت فقراء بالمدينة») انتهى.

((وكان)) أي النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم ((يحب أن يصلي حيث أدركته الصلاة)) فلا يخص مكانًا بصلاته، بل يصلي في أي مكان حضرت الصلاة فيه؛ لأنَّه عليه السَّلام قد جعلت له الأرض كلُّها مسجدًا وطهورًا، فهو من خصائصه دون سائر الأنبياء عليهم السلام، ولأنَّ في ذلك تكثير الشهود للمصلي؛ لأنَّ الأرض تشهد بالصلاة لمن صلى عليها، ففيه: أنَّ المسلم يكره له أن يخصَّ موضعًا للصلاة فيه دون غيره؛ لأنَّ في اختصاصه بموضع مخصوص رياءً وسمعة وغير ذلك؛ فافهم، وهذا أكبر ردٍّ على من اعتاد في زماننا اختيار مكان مخصوص للصلاة وراء الإمام من الشافعية، ويزعم أنَّ الصلاة في الصف الأول خلف الإمام أفضل، فقد حفظ شيئًا وغاب عنه أشياء، فإنَّ الصف الأول من المشرق إلى المغرب، وكله خلف الإمام، ولكنَّه هو يقصد مكانًا مخصوصًا خلف الإمام حتى يقال: إنَّه رجل صالح متعبد، بل هو طالح مخالف للسنة؛ لأنَّ في ذلك رياء وسمعة، وهو مكروه؛ فافهم.

((ويصلي في مرابض الغنم)) جمع مِربِض؛ بكسر الموحدة والميم، بينهما راء مهملة ساكنة، آخره معجمة، والمراد: مأواها، وهو عطف على قوله: (وكان يحب) من عطف الخاص على العام؛ يعني: أنَّه كان يحب أن يصلي حيث أدركته الصلاة ولو كان في مرابض الغنم، وعلى هذا؛ فليس يحب الصلاة في مرابض الغنم إلا إذا أدركته الصلاة فيها، وقد يقال: هو عطف على (أن يصلي) والمعنى: وكان يحب أن يصلي في مرابض الغنم، وسبب محبته؛ لأنَّه قد أدركته الصلاة فيها، فالمحبة ليست للمكان، بل لإقامة الصلاة في وقتها؛ محافظة عليها في أول الوقت، وهذا هو الظاهر، فعلى الأول: فقوله: (ويصلي) مرفوع، وعلى الثاني: منصوب عطفًا على (أن يصلي) ، وهو الأظهر؛ فافهم.

((وإنَّه)) ؛ بكسر الهمزة؛ لأنَّه كلام مستقل بذاته؛ وفي «الفرع»: بفتح الهمزة، والجملة مستأنفة أو حال؛ أي: أنَّ النبيَّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم ((أَمر)) ؛ بفتح الهمزة؛ مبنيًا للفاعل، وفي رواية: بضمِّها؛ مبنيًّا للمجهول، وعلى هذا؛ يكون الضمير في (إنه) للشأن، قاله إمامنا الشَّارح.

((ببناء المسجَِد)) ؛ بكسر الجيم وفتحها؛ وهو الموضع الذي يسجد فيه، وفي «الصحاح»: (المسجَد؛ بفتح الجيم: موضع السجود، وبكسرها: البيت الذي يصلى فيه، ومن العرب من يفتح في كلا الوجهين، وعن الفراء: «سمعت المسجِّد؛ بالكسر والفتح، والفتح جائز وإن لم نسمعه»، وقال الزجاج: «كل موضع يتعبد فيه مسجد») انتهى.

((فأرسل)) عليه السَّلام ((إلى ملأ)) أي: جماعة ((من بني النجار)) وللأربعة: (إلى ملأ بني النجار) بإسقاط كلمة (من) الجارة؛ هم أشرافهم، ((فقال)) عليه السَّلام لهم: ((يا بني النجار)) خطاب لبعضهم، وأطلق عليهم باعتبار الشرف والرئاسة؛ ((ثامنوني)) ؛ بالمثلثة بعدها ألف، فميم، فنون، بينهما واو، من ثامنت الرجل في البيع أثامنه: إذا قاولته في ثمنه وساومته على بيعه وشرائه، كذا قاله إمام الشَّارحين في «شرحه على سنن أبي داود»، وزعم ابن حجر أنَّ معناه: (اذكروا لي ثمنه) .

قلت: وفيه نظر؛ لأنَّه ليس دالًّا على المقصود؛ لأنَّ ذكر الثمن لا يدل على البيع، فقد يطلب الرجل ثمن متاعه وليس مقصوده بيعه.

وزعم الكرماني أنَّ معناه: بيعونيه بالثمن.

قلت: وفيه نظر أيضًا؛ لأنَّ المساومة ليس معناها طلب البيع، بل المقاولة على الثمن.

وقال صاحب «التوضيح»: (معناه: قدِّروا لي ثمنه؛ لأشتريه منكم، وبايعوني فيه) .

قلت: وفيه نظر؛ لأنَّ ذكر قدر الثمن ليس يفيد المقصود، بل قد يذكر قدر الثمن ولا يراد البيع، وهذا معنى ما زعمه ابن حجر، فكأنَّه أخذه من كلام صاحب «التوضيح»، ونسبه لنفسه، وإمامنا الشَّارح قد سرد كلام هؤلاء الثلاثة، وقال: (كل ذلك ليس تفسيرًا لموضوع[/ص579/]

هذه المادة، والتفسير هو الذي ذكرته) انتهى.

قلت: والمعنى: أنِّي أريد الشراء منكم، فقولوا لي عن ثمنه حتى أشتريه منكم.

((بحائطكم)) أي: بستانكم؛ لأنَّ الحائط ههنا: البستان، يدل عليه قوله: (وفيه نخل) ، وفي لفظ: (كان مربدًا) ؛ وهو الموضع الذي يجعل فيه الثمر؛ لينشف.

قلت: والمعنى واحد.

((هذا)) وكان موضع مسجده الشريف النبوي، ((قالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله)) عزَّ وجلَّ؛ أي: من الله؛ كما في رواية الإسماعيلي، وقد جاء في كلام العرب: أنَّ (إلى) بمعنى (من) ؛ للابتداء كقوله:

~.... ... .. فلا يروي إليَّ ابن أحمرا

أي: مني، وزعم العجلوني (أنَّه يكون قد تمَّ الكلام عند ثمنه، و (إلا) بمعنى (لكن) ؛ أي: لكن الأمر فيه إلى الله) .

قلت: وهذا تعسف وبعد عن الظاهر؛ لأنَّ قولهم: (والله لا نطلب ثمنه) يرد ما قاله، فكيف يقول: (قد تم الكلام عند ثمنه) ؟ فإنَّهم لم يذكروا له ثمنه، ولم يتمَّ الكلام، وكون (إلا) بمعنى (لكن) غير ظاهر؛ لأنَّها لا تأتي بمعناها، على أنَّ الكلام لا يحتاج إلى استعارتها لمعناها؛ فافهم.

وزعم الكرماني أنَّا لا نطلب ثمنه المصرف في سبيل الله، وأطلق الثمن عليه؛ للمشاكلة.

ورده إمام الشَّارحين فقال: (هذا تعسف مع تطويل المعنى، بل المعنى: لا نطلب الثمن إلا من الله، كما في رواية الإسماعيلي، ويجوز أن يكون «إلى» ههنا على معناها؛ لانتهاء الغاية، ويكون التقدير: ننهي طلب الثمن إلى الله، كما في قولهم: أحمد إليك الله، والمعنى: أنهي حمده إليك، والمعنى: لا نطلب منك الثمن، بل نتبرع به، ونطلب الثمن؛ أي: الأجر من الله تعالى، وهذا هو المشهور في «الصحيحين») ، قال: (وذكر محمد بن سعد في «الطبقات» عن الواقدي: «أنه عليه السَّلام اشتراه منهم بعشرة دنانير دفعها أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ويقال: كان ذلك مربدًا ليتيمين، فدعاهما عليه السَّلام، فساومهما؛ ليتخذه مسجده، فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى حتى ابتاعه منهما بعشرة دنانير، وأمر أبا بكر أن يعطيهما ذلك»، وفي «المغازي» لأبي معشر: «فاشتراه أبو أيوب منهما، وأعطاهما الثمن، وبناه مسجدًا، واليتيمان هما: سهل وسهيل ابنا رافع بن عمرو بن أبي عمرو من بني النجار، كانا في حجر أسعد بن زرارة، وقيل: معاذ بن عفراء، وقال معاذ: يا رسول الله؛ أنا أرضيهما، فاتخذه مسجدًا، وقال: إنَّ بني النجار جعلوا حائطهم وقفًا، فأجازه النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم») ، كذا قرره إمام الشَّارحين.

قال ابن بطال: (واستدل بهذا على صحة وقف المشاع، وقال: وقف المشاع جائز عند مالك، وهو قول أبي يوسف والشافعي خلافًا لمحمد بن الحسن) انتهى.

قلت: وقف المشاع الذي لا تمكن قسمته؛ كالحمام والبئر جائز عند الإمامين أبي يوسف ومحمد بن الحسن، واختلفا في الممكن قسمته، فأجازه الإمام أبو يوسف، وبه أخذ أئمة بلخ، وأبطله الإمام محمد، فلو وقف أحد الشريكين حصته من أرض؛ جاز، كما في «الإسعاف»، فما زعمه ابن بطال فيه نظر؛ لأنَّ ما ذكره ليس على إطلاقه، ومع هذا قال إمام الشَّارحين: (والصحيح: أنَّ بني النجار لم يوقفوا شيئًا، بل باعوه بالثمن، ووقفه النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، وجعله مسجدًا، فليس هو وقف مشاع) انتهى.

((فقال)) ولابن عساكر: (قال) ((أنس)) هو ابن مالك الأنصاري: ((فكان فيه)) أي: الحائط المذكور ((ما أقول لكم)) ، وكلمة (ما) موصولة؛ بمعنى: الذي، والعائد محذوف تقديره: أقوله لكم، ويجوز أن تكون نكرة موصوفة ((قبور المشركين)) ؛ بالرفع بدل أو بيان لقوله: (ما أقول لكم) ، كذا اقتصر عليه إمام الشَّارحين، وتبعه الشراح.

قلت: ويجوز أن يكون مرفوعًا على أنَّه خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هو قبور، ويجوز أن يكون مبتدأ، والخبر محذوف تقديره: قبور المشركين فيه، وزعم العجلوني أنَّه يجوز نصبه بـ (أعني) .

قلت: الرواية بالرفع، فلا يجوز التجاوز عنها، أمَّا من حيث العربية؛ فيجوز النصب في مثل هذا التركيب، أما هنا؛ فلا يجوز.

((وفيه خرب)) ؛ بفتح الخاء المعجمة، وكسر الراء المهملة، بعدها موحدة، جمع خربة، كما يقال: كلم وكلمة، وهذا هو الرواية المعروفة، قاله أبو الفرج ابن الجوزي، وقال أبو سليمان: (حدثناه: بكسر الخاء المعجمة، وفتح الراء المهملة، جمع خربة؛ كـ (عنب وعنبة) ؛ وهو ما يخرب من البناء في لغة بني تميم، وهما لغتان صحيحتان مرويتان) ، قاله إمام الشَّارحين.

قلت: الأولى رواية الأكثرين ههنا، وكذا ضبطه في «سنن أبي داود»، ويجوز أن يكون اسم جمع، والثانية رواية أبي ذر، وزعم الخطابي: (لعل صوابه: خُرب _بضمِّ الخاء المعجمة_ جمع خربة؛ وهي الخروق في الأرض، إلا أنَّهم يقولونها في كل ثقبة مستديرة في أرض أو جدار) ، قال: (ولعل الرواية جرْف _بالجيم_ جمع جِرِفَة، وهي جمع جُرُف، كما يقال: حرج وحرجة، وترس ترسة، وأبين من ذلك إن ساعدته الرواية أن يكون حَدَبًا جمع حَدَبَة _بالمهملة_ وهو الذي يليق بقوله: (فسويت) ، وإنَّما يسوى المكان المحدودب أو موضع من الأرض فيه خروق وهدوم، فأمَّا الخرب؛ فإنَّها تعمر ولا تسوى.

قلت: وهذا غير ظاهر، فإنَّ الخرب هو ما يخرب من البناء، كما مر، ولا ريب أنَّ الخرب تبنى وتعمر وتسوى حتى تصير مستوية؛ كالأرض الملسة، ولهذا اعترضه صاحب «المصابيح»، فقال: (وما ذكره ليس بشيء؛ لأنَّ خربًا لا يمنع تسويتها؛ لاحتمال أن يكون فيها بناء تهدم، ونقض منع من اصطحاب الأرض واستقرائها، ولا يدفع الرواية الصحيحة بما قاله) انتهى.

واعترضه أيضًا القاضي عياض قال: (لا حاجة إلى هذا التكليف، فإنَّ الذي ثبت في الرواية صحيح المعنى، كما أمر بقطع النخل؛ لتسوية الأرض؛ أمر بالخرب، فرفعت رسومها، وسويت مواضعها؛ لتصير جميع الأرض مبسوطة مستوية للمصلين، وكذلك فعل بالقبور، وفي «مصنف ابن أبي شيبة» بسند صحيح: (فأمر بالحرث، فحرث) ، وهو الذي [/ص580/] زعمه ابن الأثيرأنَّه روي بالحاء المهملة والثاء المثلثة، يريد: الموضع المحروث للزراعة، انتهى.

قال إمام الشَّارحين: (وفي رواية الكشميهني: «حَرْث»؛ بفتح الحاء المهملة، وسكون الراء بعدها مثلثة، ولكن قيل: إنه وهم) انتهى.

قلت: الذي قال: (إنَّه وهم) ابن حجر، وهو من انتهاء الجهالة إليه، وعدم تعرفه في المعاني، فإنَّ هذه الرواية هي رواية حماد بن سلمة عن أبي التياح، وكذلك هي في رواية ابن أبي شيبة، كما سبق قريبًا، والمعنى عليه صحيح؛ لأنَّ الحرث؛ بالمهملة والمثلثة: الموضع المحروث للزراعة، كما قاله ابن الأثير، فيكون المراد: أنَّه أمر بتسوية موضع الحرث وبسطها متسوية للمصلين، وقال ابن الأثير: (قد روي بالحاء المهملة والمثلثة) كما مر، وعلى هذا؛ فلا وهم في هذه الرواية، إنَّما الواهم ابن حجر، وقد علل كلامه بأنَّ رواية البخاري عن عبد الوارث عن أبي التياح لا من رواية حماد عنه.

قلت: وهذا تعسف وبُعْدٌ عن الظاهر، فإنَّه لا يلزم من رواية المؤلف عن عبد الوارث أنَّه تكون رواية حماد عنه وهمًا [3] ؛ لأنَّ الشيخ واحد وهو أبو التياح، فروى عنه حماد: أنَّه بالمهملة والمثلثة، وروى عنه عبد الوارث: بالمعجمة والموحدة، وهذا لا مانع منه، فيحتمل أنَّ عبد الوارث روى عنه هكذا وهكذا، فأخذ الكشميهني بالمهملة والمثلثة، وهذا ليس فيه وهم، وقد نقل عبارته العجلوني، ولم يعترضه؛ لأنَّه يتعصب له دائمًا أبدًا، وإمامنا الشَّارح لم يعترضه من أدبه وحفظه وعلمه بأنَّ الرواية ثابتة، فلا حاجة إلى ردِّ ما يقال فيها؛ فافهم.

((وفيه نخل)) أي: في الحائط المذكور، وزعم العجلوني أي: في الخرب.

قلت: وهو تعسف بعيد؛ لأنَّ الخرب لا يزرع عليها نخل ولا غيره، فهي محتاجة للتعمير والبسط، فكيف قال هذا القائل هذا الكلام الذي هو صادر عن غير تأمُّل؟

((فأمر النبيُّ)) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم بقبور المشركين)) متعلق بـ (أمر) ؛ يعني: التي في الحائط، ((فنبشت)) ؛ أي: حفرت وغُيِّبت عظامها، وزعم العجلوني أي: أخرجت العظام ورميت في غير موضع.

قلت: هذا بإطلاقه ممنوع، فإن كان مراده أنَّ العظام أخرجت ودفنت في موضع آخر؛ فمسلم أنَّه جائز، وإن كان مراده إخراجها ورميها غير مدفونة؛ فغير جائز، والظاهر: أنَّ هذا مراده؛ لأنَّ قوله: (ورُميت) معناه: أُلقيت غير مدفونة، وهذا غير جائز؛ لأنَّ أجزاء الآدمي ولو كافرًا محترمةٌ، قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء: 70] ، وإكرامه: دفنه تحت الأرض، كما لا يخفى، ((ثم)) أمر عليه السَّلام ((بالخِرَب) ؛ بكسر المعجمة وفتح المهملة، أو بفتح المعجمة وكسر المهملة، ((فسُوِّيت)) ؛ يعني: ألقي عليها التراب وغيره حتى بسطت، وسُطِّحت، وصارت سهلة، وليس معناه: أزيل ما كان فيها، كما زعمه العجلوني؛ لأنَّ الخرب خروق وفرج في الأرض، وليس فيها شيء حتى يزال، بل تحتاج إلى وضع تراب أو مدر حتى تبسط، كما لا يخفى؛ فافهم.

((و)) أمر عليه السَّلام ((بالنخل، فقطع)) أي: من أصله حتى لا ينبت، فيؤذي المسجد، ((فصفوا النخل قبلة المسجد)) من صففت الشيء صفًّا: إذا وضعته مصفوفًا؛ أي: جعلوا موضع النخل جهة القبلة للمسجد، وقيل: المعنى: جعلوا النخل في جهة قبلة المسجد.

قال إمام الشَّارحين: (وفي «مغازي ابن أبي بكر»، عن ابن إسحاق: جعل قبلة المسجد من اللَّبِن، ويقال: من حجارة منضودة بعضها على بعض) ، وسيأتي في «الصحيح»: (أن المسجد كان على عهده عليه السَّلام مبنيًّا باللَّبِن، وسقفه الجريد، وعمده خشب النخل، ولم يزد فيه أبو بكر شيئًا...) ؛ الحديث.

قال إمام الشَّارحين: (ولعل المراد بالقبلة: جهتها لا القبلة المعهودة اليوم، فإنَّ ذلك لم يكن ذلك الوقت، وورد أيضًا: أنَّه كان في موضع المسجد الغرقد، فأمر أن يقطع، وكان في المربد قبور جاهلية، فأمر بها عليه السَّلام، فنُبشت، وأمر بالعظام أن تُغيَّب، وكان في المربد ماء مستنجل، فسيَّروه حتى ذهب، وجعلوا طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مئة ذراع، وفي هذين الجانبين مثل ذلك، فهو مُرَبع، ويقال: كان أقلَّ من المئة، وجعلوا الأساس قريبًا من ثلاثة أذرع على الأرض بالحجارة، ثم بنوه باللَّبِن، وجعل النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم ينقل معهم اللَّبِن والحجارة بنفسه، ويقول:

~ هذا الجمال لا جمال خيبر [4] هذا أبر ربنا وأطهر

وجعل عليه السَّلام قبلته إلى بيت المقدس، وجعل له ثلاثة أبواب: بابًا في مؤخره، وبابًا يقال له: باب الرحمة؛ وهو الباب الذي يدعى باب العاتكة، والثالث: الذي يدخل منه عليه السَّلام؛ وهو الباب العثماني، وجعل طول الجدار قامة وبسطة، وعُمُده الجذوع، وسقفه جريدًا، فقيل له: ألا تسقفه، فقال: «عريش كعريش موسى خَشيبات»، وتمام الأمر أعجل من ذلك، وسيجيء في الكتاب عن ابن عمر أنَّ المسجد كان على عهده عليه السَّلام مبنيًّا باللَّبِن، وسقفه الجريد، وعُمُده خشب [5] النخل، فلم يزد فيه أبو بكر شيئًا، وزاد فيه عمر، وبناه على بنائه في عهده عليه السَّلام باللبن والجريد، وإنَّما دعمه خشبًا، ثمَّ غيره عثمان بن عفان، فزاد فيه زيادة كثيرة، وبنى جداره بحجارة منقوشة، وجعل عمده حجارة منقوشة وسقفه بالساج، وفي «الإكليل»: (ثمَّ بناه الوليد بن عبد الملك في إمرة عمر بن عبد العزيز) ، وفي «الروض»: (ثمَّ بناه المهدي، ثم زاد فيه المأمون، ثمَّ لم يبلغنا تغيره إلى الآن) انتهى.

قلت: وقد بلغني تغيره، وهو أنَّ السلطان عبد المجيد بن محمود العثماني قد زاد فيه زيادة كثيرة، وبناه بالحجارة المرمر، وفتح له بابًا سماه: الباب المجيدي، وإذا شاء الله تعالى أن يتفضل عليَّ بالزيارة؛ نحقق ذلك بمنه تعالى وكرمه.

((وجعلوا عضادتيه الحِجَارة)) ؛ بكسر الحاء[/ص581/] المهملة وفتح الجيم، وعضادتيه: تثنية عِضادة _بكسر العين المهملة، وبالضاد المعجمة المفتوحة_ قال أبو عمرو: (هي جانب الحوض) ، وقال صاحب «العين»: (أعضاد كل شيء: ما يشدده من حواليه من البناء وغيره مثل عضاد الحوض: وهي صفائح من حجارة يُنصبن على شفيرة، وعضادتا الباب: ما كان عليهما يطبق الباب؛ إذا أصفق) ، وقال الأزهري: (عضادتا الباب: الخشبتان المنصوبتان عن يمين الداخل منه وشماله) ، زاد القزار: (فوقهما العارضة) انتهى.

قلت: والمعروف: أنَّ العضادة هي التي على يمين الباب، وأخرى عن يساره، يعلوهما قوس يُبنون من الحجارة، فالباب مركب منهما، ولكنَّ ظاهر اللفظ يدلُّ على أنَّهم جعلوا عضادتي المسجد حجارة، وهما حائطان كل واحد منهما بموضع واحد مربع البناء عال يوضع عليهما الأقواس؛ لأجل السقف؛ فافهم.

((وجعلوا ينقلون الصخر)) ؛ بالمعجمة: الحجارة الكبار، وضمائر الرفع السابقة واللاحقة ههنا ترجع للصحابة رضي الله عنه ((وهم يرتجزون)) ؛ أي: ينشدون أشعار الرجز؛ تنشيطًا لنفوسهم؛ ليسهل عليهم العمل، والرجز: ضَرْبٌ من الشعر، وقد رجز الراجز وارتجزه.

((والنبيُّ)) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم يرتجز معهم)) والجملة حالية، وإنَّما كان يفعل ذلك؛ تطييبًا لخاطرهم وتنشيطًا لعملهم ((وهو)) أي: النبيُّ الأعظم عليه السَّلام ((يقول)) والجملة أيضًا حالية: ((اللهم)) أي: يا الله، وقال الكوفيون: (أصله: الله آمنا بخير؛ أي: اقصدنا، فخُفِف، فصار: اللهم، وقال البصريون: (اللهم: دعاء لله بجميع أسمائه؛ لأنَّ الميم تُشعِر بالجمع، كما في «عليهم») .

قلت: وما قاله الكوفيون هو الظاهر؛ لأنَّ أصله عندهم: الله آمنا، فهو دعاء بالخير من الله تعالى، وما زعمه البصريون ليس بشيء؛ لأنَّه ليس فيه ما يدل على أنَّه دعاء بجميع أسماء الله تعالى؛ لأنَّ الميم للتفخيم لا للجمع، كما زعموا، يدل عليه أنَّ أصله: يا الله، فحذفت ياء، وعُوِّض عنها [6] الميم؛ للتفخيم، وليدل على المحذوف؛ فافهم.

((لا خير إلا خير الآخرة)) ، وفي رواية أبي داود: (اللهم؛ إنَّ الخير خير الآخرة) ((فاغفر للأنصار)) ؛ كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية المستملي والحموي: (فاغفر الأنصار) ؛ بحذف اللام، ووجهه: أن يضمن (اغفر) معنى (استر) أو (ارحم) ، وفي رواية أبي داود: (فانصر الأنصار) ، والأنصار: جمع نصير؛ كـ (الأشراف) : جمع شريف، والنصير والناصر: من نصره الله على عدوه، ينصره نصرًا، والاسم: النصرة، وسموا بذلك؛ لأنَّهم أعانوا النبيَّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم على أعدائه، وشدوا منه، وهم الأوس والخزرج، كذا في «عمدة القاري».

((والمهاجرة)) أي: الذين هاجروا من مكة إلى المدينة النبوية؛ محبة فيه عليه السَّلام، وطلبًا للآخرة، والهجرة في الأصل: من الهجر ضد الوصل، وقد هجره هجرًا وهجرانًا، ثمَّ غلب على الخروج من أرض إلى أرض، وترك الأولى للثانية، يقال: منه هاجر مهاجرة، قاله إمام الشَّارحين.

فإن قلت: الشِّعر حرام على النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم بنص القرآن، قال تعالى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ} [يس: 69] ، فكيف كان ينشد الرجز من الشعر مع أصحابه؟ كما في حديث الباب، وقوله: يوم حنين وغيره:

~هل أنتِ إلا إصبع دَمِيت وفي سبيل الله ما لقيت

وقوله:

~أنا النبيُّ لا كذب أنا ابن عبد المطلب

وما هذا إلا يرد على الآية الكريمة.

قلت: لا يرد على الآية شيء من ذلك، فإنَّ العروضيين [7] وأهل الأدب اتفقوا على أنَّ الرجز لا يكون شعرًا، وعليه يحمل ما جاء عنه عليه السَّلام من ذلك، كذا أجاب إمامنا الشَّارح.

قلت: ويدل عليه أنَّ الخليل قد أنكر كون الرجز من الشعر، وزعم القرطبي أنَّ الصحيح في الرجز: أنَّه من الشعر، وإنَّما أخرجه من الشعر من أشكل عليه إنشاده عليه السَّلام إياه، فقال: (لو كان شعرًا؛ لما عَلِمَه) ، قال: (وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ من أنشد القليل من الشعر، أو قاله، أو تمثل به على وجه الندور؛ لم يستحق اسم شاعر، ولا يقال فيه: إنَّه يعلم الشعر ولا ينسب إليه) انتهى.

قلت: وهذا ليس بشيء، فإنَّ من أنشد الشعر ولو قليلًا يقال: إنَّه شاعر يعلم الشعر، وكذلك من قاله، أو تمثل به ولو كان على وجه الندور، فيقال: إنَّه شاعر، ويدلُّ عليه ما قاله الحسن بن أبي الحسن: أنشد عليه السَّلام: «كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا»، فقال أبو بكر: يا نبي الله؛ إنَّما قال الشاعر:

~هريرة ودع إن تجهزت غاديًا كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا

فقال أبو بكر أو عمر: أشهد أنَّك رسول الله، يقول الله تعالى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ}، فهذا يدلُّ على أنَّ إنشاد الشعر ولو قليلًا يقال لمنشده شاعر؛ بدليل أنَّه عليه السَّلام لم يقل ذلك على الوجه الموزون، بل غيره، كما لا يخفى، وأيضًا فإنَّه عليه السَّلام قد أنشد قول طرفة، فقال:

~ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا ويأتيك من لم تزوده بالأخبار

فقال أبو بكر: يا رسول الله؛ لم يقل هكذا، وإنَّما قال:

~............. ويأتيك بالأخبار من لم تزود

فقال: أشهد أنَّك رسول الله، وأنَّك لست بشاعر، ولا تحسنه، وهذا يردُّ أيضًا على من زعم أنَّ البيت الواحد ليس بشعر؛ لأنَّه لو كان كذلك؛ لقاله عليه السَّلام على طبق ما قاله الشاعر، ولم يغيره، فهذا يدلُّ على أنَّ من أنشد الشعر ولو بيتًا واحدًا؛ يقال له: إنَّه شاعر، وقال ابن التين: (لا ينطلق على الرجز شعر، وإنَّما هو كلام مسجع؛ بدليل أنَّه يقال لصانعه: راجز، ولا يقال: شاعر، ويقال: أنشد الرجز، ولا يقال: أنشد شعرًا، وقيل: إنَّما قاله الشَّارع ليس برجز ولا موزون) .

واختلف هل يحل له الشعر؟ فعلى القول بنفي الجواز: هل يحكي بيتًا واحدا؟ فقيل: إنه لا يتمه إلا متغيرًا، ويدل عليه

[/ص582/] ما قدمناه، ويقال أيضًا: إنَّه عليه السَّلام في حديث الباب قرأهما بالتاء المتحركة؛ خروجًا عن وزن الشعر؛ لأنَّه لو قرئ البيت بوزن الشعر؛ ينبغي أن يوقف على قوله: (الآخرة) و (المهاجرة) ، وقال الأخفش: (قوله: «أنا النبي لا كذب» ليس بشعر) ، وقال الخليل: (إنَّ ما جاء من السجع على جزءين لا يكون شعرًا) ، وروي عنه: (أنَّه من منهوك الرجز) ، قيل: لا يكون منهوك الرجز إلا بالوقف على الباء من قوله: (لا كذب) ، ومن قوله: (عبد المطلب) ، ولم يعلم كيف قاله عليه السَّلام، قال ابن العربي: (والأظهر من حاله أنَّه قال: «لا كذب»؛ برفع الباء، وبخفض الباء من «عبد المطلب» على الإضافة) ، قال النحاس: (إنَّما الرواية بالإعراب، وإذا كانت بالإعراب؛ لم يكن شعرًا؛ لأنَّه إذا فتح الباء من البيت الأول، أو ضمها، أو نونها، وكسر الباء في الثاني؛ خرج عن وزن الشعر) ، وأمَّا قوله: «هل أنتِ إلا إصبع دميت»؛ فهو من بحر السريع، وذلك لا يكون إلا إذا كسرت التاء من «دميت»، فإن سكن؛ لم يكن شعرًا بحال؛ لأنَّ هاتين الكلمتين على هذه الصفة لا يكون فعولًا، ولا مدخل لفعول في بحر السريع، والظاهر: أنَّه عليه السَّلام قالها ساكنة التاء، أو متحركة التاء من غير إشباع، وهذا لا يكون شعرًا، ويقال أيضًا: إنَّ إصابة الوزن أحيانًا لا يوجب أنَّه يعلم الشعر، فقد يأتي ذلك في آيات القرآن، وفي كل كلام، وليس ذلك شعرًا ولا معناه؛ كقوله تعالى: {لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92] ، وقوله تعالى: {نَصْرٌ مِّنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ} [الصف: 13] ، وقوله تعالى: {وَجِفَانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ} [سبأ: 13] ، وقد ذكر ابن العربي منها آيات أخر، وأخرجها عن الوزن، وقال الزجاج: (معنى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ}؛ أي: ما جعلناه شاعرًا، وهذا لا يمتنع أن ينشد شيئًا من الشعر) ، قال النحاس: (فإنَّما أخبر الله تعالى عنه أنَّه ما علمه الله الشعر، ولم يخبر أنَّه لا ينشد الشعر) ، قال القرطبي: (فإنشاد الشعر على وجه الندور وإضافة القافيتين من الرجز وغيره لا يوجب أن يكون قائلها عالمًا بالشعر باتفاق العلماء، كما أنَّ من خاط شيئًا لا يقال: إنَّه خياط) ، وقال بعضهم: (أجمع أهل اللغة على من قال قولًا موزونًا ولا يقصد به الشعر؛ فليس بشعر، وإنَّما وافق الشعر، وإنَّما الذي نفاه الله عنه؛ فهو العلم بالشعر، وأصنافه، وأعاريضه، وقوافيه، والاتصاف بقوله، ولم يكن موصوفًا بذلك بالاتفاق) ، قال الزجاج: (ومعنى: {وَمَا يَنْبَغِي لَهُ}؛ أي: ما يتسهل له قول الشعر، لا الإنشاد) ، ورو ى ابن القاسم عن مالك: (أنَّه سئل عن إنشاد الشعر، فقال: لا تكثرن به، فمن عيبه أنَّ الله يقول: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ}) ، وروي أنَّ المأمون قال لأبي علي المنقري: (بلغني أنَّك أُمِّي، وأنَّك لا تقيم الشعر، وأنَّك تلحن، فقال: يا أمير المؤمنين؛ أمَّا اللحن؛ فربما سبق لساني منه شيء، وأمَّا الأمية وكسر الشعر؛ فقد كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لا يكتب ولا يقيم الشعر، فقال له: سألتك عن ثلاثة عيوب فيك، فزدتني رابعًا، وهذا الجهل يا جاهل أنَّ ذلك كان للنبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم فضيلة؛ لئلا تدخل الشبهة على من أُرْسِل إليه، فيظنَّ أنَّه قوي على القرآن بما في طبعه من القوة على الشعر، وهو فيك وفي أمثالك نقيصة، وإنما منع منه عليه السَّلام؛ لنفي الظِنَّة، لا لعيب في الشعر والكتابة) انتهى.

وفي الحديث أحكام:

الأول: فيه جواز الإرداف على الدابة إذا كانت تطيق ذلك.

الثاني: فيه جواز الصلاة في مرابض الغنم، لكن مع الكراهة.

الثالث: فيه جواز التصرف في المقبرة المملوكة بالهبة والبيع إذا كانت داثرة.

الرابع: فيه ندب ملاقاة القادم من السفر والمشي معه؛ إكرامًا له.

الخامس: فيه جواز قطع الأشجار المثمرة؛ للضرورة والمصلحة، إمَّا لاستعمال خشبها، أو ليغرس مكانها غيرها، أو لخوف سقوطها على شيء تتلفه، أو لاتخاذ موضعها مسجدًا، وكذلك قطعها في بلاد الكفار إذا لم يُرجَ فتحها؛ لأنَّ فيه نكاية وغيظًا لهم وإرغامًا.

السادس: فيه جواز الارتجال، وقول الأشعار، ونحوها؛ لتنشيط النفوس، وتسهيل الأعمال، والمشي عليها.

السابع: فيه أنَّ القبر إذا لم يكن فيه شيء من أثر الميت، ومن ترابه المختلط بالصديد؛ تجوز الصلاة فيه، لكن مع الكراهة، أمَّا إذا بسط عليه شيء حائل؛ فلا كراهة، بل خلاف الأولى.

الثامن: فيه جواز نبش قبور المشركين؛ لأنَّه لا حرمة لهم.

قال إمام الشَّارحين: (فإن قلت: كيف يجوز إخراجهم من قبورهم، والقبر مختص بمن دفن فيه، قد حازه، فلا يجوز بيعه، ولا نقله؟ قلت: تلك القبور التي أمر عليه السَّلام بنبشها لم يكن ملكًا لمن دفن فيها، بل لعلها كانت مغصوبة، ولهذا باعها مُلاكها، وعلى تقدير التسليم أنَّها حبست، فهو ليس بلازم، وإنَّما اللازم تحبيس المسلمين لا الكفار، ولهذا قالت الفقهاء: إذا دفن المسلم في أرض مغصوبة، ولم يرض صاحبها؛ يجوز إخراجه فضلًا عن المشركين، وقد يجاب: بأنَّه دعت الضرورة والحاجة إلى نبشهم، فجاز ذلك، فإن قلت: هل يجوز في هذا الزمان نبش قبور الكفار؛ ليتخذ مكانها مساجد؟ قلت: أجاز ذلك قوم محتجين بهذا الحديث، وبما رواه أبو داود: أنَّه عليه السَّلام قال: «هذا قبر أبي رغال، وهو أبو ثقيف، وكان من ثمود، وكان بالحرم يدفع عنه، فلما خرج؛ أصابته النقمة، فدفن بهذا المكان، وأنَّه دفن معه غصن من ذهب، فابتدر الناس، فنبشوه، فاستخرجوا الغصن»، قالوا: فإذا جاز نبشها لطلب المال؛ فنبشها للانتفاع بمواضعها أولى، وليست حرمتهم موتى بأعظم منها وهم أحياء، بل هو مأجور في ذلك، وإلى جواز نبش قبورهم للمال ذهب الإمام الأعظم والكوفيون والشافعي وأشهب؛ لحديث الباب، وقال الأوزاعي: «لا يفعل؛ لأنَّه عليه السَّلام لما مر بالحِجْر؛ قال: «لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلا أن تكونوا باكين»، فنهى أن يُدخل عليهم بيوتهم، فكيف قبورهم؟»، وقال الإمام الحافظ أبو جعفر الطحاوي: «قد أباح دخولها على وجه البكاء»، فإن قلت: هل يجوز أن يُبنى المساجد على قبور المسلمين؟ قلت: إذا دثرت المقبرة، ولم يكن شيء من أجزاء الموتى يجوز أن تبني مسجدًا، قال ابن القاسم: «لو أنَّ مقبرة من مقابر المسلمين عفت، فبنى قوم عليها مسجدًا؛ لم أرَ بذلك بأسًا؛ لأنَّ المقابر كلها وقف من أوقاف المسلمين؛ [/ص583/] لدفن موتاهم، لا يجوز لأحد أن يملكها، فإذا دَرَست، واستغني عن الدفن فيها؛ جاز صرفها إلى المسجد؛ لأنَّ المسجد أيضًا وقف من أوقاف المسلمين لا يجوز تمليكه لأحد، فمعناهما على هذا واحد» [8] ، وذكر أصحابنا: أنَّ المسجد إذا خرب ودثر، ولم يبق حوله جماعة، والمقبرة إذا عفت ودثرت؛ تعود ملكًا لأربابها، فإذا عادت ملكًا؛ يجوز أن يبني موضع المسجد دارًا، وموضع المقبرة مسجدًا، وغير ذلك، فإذا لم يكن لها أرباب؛ تكون لبيت المال) انتهى.

قلت: والظاهر أنَّ هذا مذهب مالك، وفيه نظر؛ لأنَّ المسجد، ولو خرب؛ يبقى مسجدًا إلى يوم القيامة؛ لأنَّ الواقف وقفه على جهة برٍّ لا تنقطع أبدًا، فلا يجوز بيعه ولو خرب؛ لأنَّ الوقف إذا حكم به الحاكم؛ خرج عن مِلك صاحبه، ولا يعود إليه أبدًا.

فإذا خرب المسجد ودثر؛ قال الإمام الناطفي: (يؤاجر قطعة منه بقدر ما ينفق عليه) كذا في «الظهيرية» الفتاوى المشهورة، وقال في «جواهر الفتاوى»: (إذا خرب المسجد، وتفرق أهله، وبعض المتغلبة قد يستولوا على خشبه؛ فإنَّه يجوز أن يباع الخشب بإذن القاضي، ويمسك الثمن، ويصرفه إلى بعض المساجد، أو إلى هذا المسجد) ، وقال السيد أبو شجاع: (رباط خَرِب، وهو في بعض الطرق، ولا تنتفع به المارة، وله أوقاف، قال: يجوز صرفها إلى رباط آخر ينتفع به المارة) انتهى.

وعلى هذا المقبرة؛ فإنَّه يؤاجر منها قطعة، ويصرف عليها؛ لأنَّ الوقف يبقى أبدًا مدى الدهر؛ فافهم، هذا مذهب الإمام الأعظم رئيس المجتهدين رضي الله عنه.

[1] في الأصل: (مليء) ، وليس بصحيح.
[2] في الأصل: (كالعزب والزوج)، ولعل المثبت هو الصواب.
[3] في الأصل: (وهم)، وليس بصحيح.
[4] في الأصل: (خبير)، وهو تحريف.
[5] في الأصل: (الخشب)، وليس بصحيح.
[6] في الأصل: (عنه).
[7] في الأصل: (العرضيين)، والمثبت هو الصواب.
[8] في الأصل: (واحدًا) ، ولعل المثبت هو الصواب.