المستند التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

(48) بابٌ [1] : هَلْ تُنْبَشُ قُبُورُ مُشْرِكِي الجاهِلِيَّةِ، وَيُتَّخَذُ مَكانَها مَساجِدُ [2] ؛

لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيائِهِمْ مَساجِدَ»؟

وَما يُكْرَهُ مِنَ الصَّلاةِ فِي القُبُورِ؟

وَرَأَىَ عُمَرُ [3] أَنَسَ بْنَ مالِكٍ يُصَلِّي عِنْدَ قَبْرٍ، فقالَ: القَبْرَ القَبْرَ. وَلَمْ يَأمُرْهُ بِالإِعادَةِ.

[1] لفظة: «باب» ليست في رواية الأصيلي.
[2] في رواية [عط] : «مكانُها مساجدَ»، وعكس في (ب، ص) فجعل المثبت في المتن هو رواية [عط] .
[3] في رواية الأصيلي زيادة: «بنُ الخطاب رَضِيَ اللهُ عَنْهُ».





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

( فَقَالَ: الْقَبْرَ الْقَبْرَ ) منصوب على التحذير.


(48) (بَابٌ: هَلْ تُنْبَشُ قُبُورُ مُشْرِكِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَيُتَّخَذُ مَكَانَهَا مَسَاجِدَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ) هذا التعليل مشكلٌ في الظاهر، ويرتفع [1] إشكاله بأن يقال: المعنى: هل تُنبش قبورُ المشركين من أهل الجاهلية، ويتخذ مكانها مساجد؛ لانتفاء المحذور الذي هو سببٌ في لعن مَن اتخذ قبورَ الأنبياء مساجد، سواء نبشها أو لم ينبشها، وذلك لأنَّ اللعن مع النبش ناشئٌ عن [2] الاستهانة بالأنبياء عليهم السلام، ومع عدم النبش ناشئٌ عن الغلو بعبادة قبورهم، والسجودِ لها، والغلوُّ كالاستهانة، كلاهما مذمومٌ، فقبورُ المشركين الذين لا ذمة لهم إذا نبُشت، فاتخذ [3] مكانها مساجد، انتفت الغائلتان [4] منها؛ إذ لا حرج [5] في استهانتها [6] بالنَّبش، واتخاذُ المساجد [7] مكانها ليس تعظيمًا لها، بل هو من باب تبديل [8]

@%ج1ص195%

السيئة بالحسنة، وهذا بخلاف قبور أهل الذِّمة؛ لأن لأهل الذِّمة [9] حقًّا، هذا [10] معنى كلام ابن المُنيِّر.

قال: وقد تلتبس صورٌ في الجواز بصورٍ من المنع، من [11] ذلك أن كنيسة بالإسكندرية تعرض لها من له ناحيةٌ من السلطان فهدمها، واتخذها مسجدًا، وفيها قبورٌ لأهل الذمة، فاستفتى في إبقاء القبور أو نبشها [12] ، فهذه صورة تُشكِل بصورة [13] المنع، وليست منها، وذلك أن الكنيسة إذا انهدمت، أو هدمها متعدٍّ، فقد فات الأمر فيها، ولا يجوز [14] أن تعادَ؛ لأنا إن أَمرنا المسلمَ المتعدِّيَ بإعادتها، فقد أمرنا المسلمَ باتخاذ الكنائس، فذلك [15] لا يسوغ، وإن أَذِنَّا لأهل الذمَّة أن يعيدوها، فقد رُفعت فينا [16] اليهوديةُ والنصرانية، وهو منهيٌّ عنه.

وإذا فات جعلُها كنيسة، وقد اتُّخِذت مسجدًا بحكم السلطنة، صارت لها حرمةُ المساجد؛ لأنها قطعة أرض صارت للمسلمين، فبناها السلطان مسجدًا، فلا يُنقض ذلك، وإذا صارت مسجدًا، تَعَيَّنَ أن تُنبش فيها تلك القبور.

هذا مضافٌ إلى أن المستفيض: أن بعضَ الخلفاء هدم كنائس الإسكندرية بجملتها، فما كان ينبغي أن تُعاد، فلا حقَّ لها إذن [17] لمَّا أعيدت.

ثم أعجب من ذلك: أن الصَّحيح أن مصر والإسكندرية فُتحت عَنْوَةً، فالعجبُ استجازةُ [18] إبقاء الكنائس فيهما، والنصُّ أن بلاد العنوة تهدم كنائِسها في الفتوح، ولهذا لا ترى [19] كنيسةً في بلاد المغرب [20] البتة، وهم على الحقِّ في ذلك. انتهى.

قلت: الذي به الفتوى

@%ج1ص196%

عند المالكية: أن [21] لأهل العَنْوة إحداثَ كنيسةٍ إن شُرط لهم ذلك، وإلا فلا.

[1] في (ق): ((ويرفع)).
[2] في (ق): ((من)).
[3] في (ق): ((واتخذ)).
[4] في (ق): ((العاهتان)).
[5] في (ق): ((يحرج)).
[6] في (ق): ((استنباشها)).
[7] في (ج): ((المسجد)).
[8] في (م): ((تبدل)). في (ج): ((من تبدل)).
[9] في (ق): ((لأن للذمة)).
[10] ((هذا)): ليست في (د).
[11] في (م) و(د): ((في)).
[12] في (م) و(د): ((أنبشها)).
[13] في (ق): ((بصور)).
[14] في (ق): ((ويجوز)).
[15] في (د) و(ق): ((وذلك)).
[16] في (ق): ((فيها)).
[17] في (ق): ((إذ)).
[18] في (ق): ((استجادة)).
[19] ((ترى)): ليست في (ق).
[20] في (د) و(ق): ((الغرب)).
[21] ((أن)): ليست في (ج).





قوله: (بابٌ: هَل تُنْبَشُ قُبُورُ مُشْرِكِي [1] الجَاهِلِيَّةِ وَيُتَّخَذُ مَكَانَهَا مَسَاجِدَ): إنْ قيل: مَا وجه المطابقة بين أحاديث الباب والتَّرجمة؟

والجواب: أنَّ حديث أنس مطابق للتَّرجمة مطابقةً ظاهرةً، وأمَّا ما ذكره ثانيًا؛ وهو قوله: (وَمَا يُكْرَهُ مِن الصَّلاة في القُبُور) ؛ فحديث عائشة مطابقٌ لذلك، والبخاريُّ قدَّم وأخَّر، فذكر أوَّلًا حديث عائشة الدَّالَّ على كراهة الصَّلاة في القُبُورِ، وأخَّر حديث أنس الدَّالَّ على نبش قُبُورُ المُشْرِكِين واتِّخاذ مَكَانهَا مَسَاجِدَ، وهو لفٌّ ونشرٌّ مشوَّشٌ، وهو نظير قوله تَعَالَى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وَجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وَجُوهٌ} [آل عمران: 106] ، وقال شيخنا عن [2] الشَّيخ قطب الدِّين الحلبيِّ الحافظ في «شرحه»: إنَّ بعض الفضلاء في الدَّرس قال: إنَّ وجه المناسبة بين قوله: (هَل تُنْبَشُ قُبُورُ المُشْرِكِين، وَيُتَّخَذُ مَكَانَهَا مَسَاجِدَ [3] ؟) وبين قوله: «لَعن الله اليَهُودَ [4] »: أنَّ البخاريَّ أراد بقوله: (هَل تُنْبَشُ) الاستفهام، ثُمَّ ذكر حديث أنس بعده، فكأنَّه قال: وَهل يُتَّخَذُ مَكَانُهَا مسجدًا؟ لقوله [5] : «لَعن الله اليَهُودَ»؛ فيكون التَّعليل لقوله: (وَيُتَّخَذُ مَكَانُهَا مسجدًا) انتهى.

قوله: (هَل تُنْبَشُ قُبُورُ): (تُنْبَشُ): مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله، و (قُبُورُ): مرفوع [6] قائم مقام الفاعل.

قوله [7] : (وَيُتَّخَذُ مَكَانهَا مَسَاجِدَ [8] ): (يُتَّخَذُ): مبنيٌّ أيضًا لما لَمْ يسمَّ فاعله، و (مَكَانُهَا مَسَاجِدَ) ؛ إن رفعت (مَكَانُهَا) ؛ كان مقام الفاعل، وإنْ نصبته؛ كان مفعولًا ثانيًا، و (مَسَاجِدُ): قائم مقام الفاعل؛ إنْ رفعت، وإنْ نَصبْتَ؛ كان مفعولًا ثانيًا، والله أعلم.

قوله: (وَمَا يُكْرَهُ): هو مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله.

قوله: (القَبْرَ القَبْرَ): هما منصوبان على التَّحذير.

[1] (مشركي): سقطت من (ج) .
[2] زيد في (ب): (شيخه) .
[3] كتب فوقها في (أ) ، (ج): (مسجدًا) وبدون علامة تصحيح.
[4] زيد في (ب): (والنصارى) ، وضرب عليها في (أ) .
[5] في (ب): (كقوله) .
[6] (وقبور: مرفوع): سقط من (ج) ، وزيد فيها: (ومكانها مساجدًا) .
[7] (قوله): سقطت من (ج) .
[8] في (ب): (مسجدًا) .





(وَيُتَّخَذُ مَكَانَهَا مَسَاجِدُ ): بنصبِ (المكان)، ورفعِ (المَسَاجِد)، وهذا مبنيٌّ على أنَّ الاتِّخاذَ متعدٍّ إلى مفعولٍ واحدٍ، و (المكان) ظرفٌ.

فإنْ قلتَ: ما وجهُهُ لو عُدِّيَ الاتِّخاذُ إلى مفعولين، ويكون (المَكَانَ) مفعولًا به لا مفعولًا فيه؛ لأنَّ الواجبَ حينئذٍ أنْ يُجعَلَ (مَكَانُهَا) قائمًا مُقام الفاعلِ؛ لأنَّه المفعولُ الأوَّلُ لكونِه معرفةً، ولا يقع المفعولُ الثَّاني موقعَ الفاعلِ؛ لأنَّه مسندٌ، فلا يصيرُ مسندًا إليه؟

قلتُ: جازَ في مفعولِ (أعطيتُ) جَعْلُ كلٍّ مِنَ المفعولينِ مفعولَ ما لم يُسَمَّ فاعلُه [1] ، والاتِّخاذُ نقيضُ الإعطاءِ، فلا يَبعُدُ أنْ يكونَ حكمُه كحكمِه [2] .

وقال والدي رحمه الله تعالى: («يُتَّخَذُ»: مبنيٌّ أيضًا لِما لم يُسَمَّ فاعلُه، و«مَكَانهَا مَسَاجِد»: إنْ رفعتَ «مَكَانهَا»؛ كان مُقامَ الفاعلِ، وإنْ نصبتَه؛ كان مفعولًا ثانيًا، و«مَسَاجِد»: قائمٌ مُقامَ الفاعلِ إنْ رفعتَ، وإنْ نصبتَ؛ كانَ مفعولًا ثانيًا).

(ومَا يُكْرَهُ): عطفٌ على (هَلْ تُنْبَشُ)، وهذه جملةٌ خبريَّةٌ، وتلكَ طلبيَّةٌ.

إنْ قال قائلٌ: كيفَ جاز العطفُ بينهما؟

قلتُ: هو استفهامٌ تقريريٌّ، فهو أيضًا في حكمِ جملةٍ خبريَّةٍ ثبوتيَّةٍ مثلِها.

(الْقَبْرَ الْقَبْرَ): منصوبٌ على التَّحذيرِ، يجبُ حذفُ عاملِه؛ وهو (اتَّقِ)، وفي بعضِها بهمزةِ استفهامِ الإنكارِ؛ أي: أتُصلِّي عندَ القبرِ ؟!

[1] (فاعله): ليست في (ب).
[2] أي: فيصحُّ أن يكونَ (مكانها) المفعولَ الثاني و(مساجد) نائبًا عن الفاعل، ويصحُّ العكسُ، وهو مفاد كلام والده الحافظ برهان الدين الحلبي الآتي، وانظر «الكواكب الدراري» (4/87)، «اللامع الصبيح» (3/183).





48- هذا (بابٌ) بالتَّنوين (هَلْ تُنْبَشُ قُبُورُ مُشْرِكِي الْجَاهِلِيَّةِ؟) الاستفهام للتَّقريرِ؛ كقوله تعالى: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ} [الإنسان: 1] ؛ أي: يجوز نبشها؛ لأنَّه لا حرمة لهم (وَيُتَّخَذُ مَكَانَهَا مَسَاجِدَ) بالنَّصب مفعولًا ثانيًا لـ: «يُتَّخَذ» المبنيَّ للمعفول، و«مكانَها»: المفعول الأوَّل، وهو مرفوعٌ، نائبٌ عن الفاعل، وفي روايةٍ: ((مساجدُ)) بالرَّفع، نائبًا عن الفاعل في «يُتَّخَذ»، و«مكانَها» نُصِب على الظَّرفيَّة، فـ: «يُتَّخذ» متعدٍّ إلى مفعولٍ واحدٍ (لِقَوْلِ النَّبِيِّ)؛ أي: لأجل قوله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) الموصول عند المؤلِّف في أواخر «المغازي» [خ¦4441] ، كما سيأتي _إن شاء الله تعالى_: (لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ)؛ أي لأجل كونهم (اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ) سواء نُبِشت؛ _لما فيه من الاستهانة_ أو لم تُنبَش؛ لِمَا فيه [1] من المغالاة في التَّعظيم بعبادة قبورهم والسُّجود لها، وكلاهما مذمومٌ، ويلتحق بهم [2] أتباعهم، وحينئذٍ فيجوز [3] نبش قبور المشركين الَّذين لا ذمَّة لهم، واتِّخاذ المساجد مكانها [4] ؛ لانتفاء العلَّتين المذكورتين؛ إذ لا حرج في استهانتها بالنَّبش واتِّخاذ المساجد مكانها وليس تعظيمًا لها، وإنَّما هومن قبيل تبديل السَّيِّئة بالحسنة، وعلى هذا فلا تعارض بين فعله عليه الصَّلاة والسَّلام في نبش قبور المشركين واتِّخاذ مسجده [5] مكانها، وبين لعنه عليه الصَّلاة والسَّلام مَنِ اتَّخذ قبور الأنبياء مساجد؛ لِمَا ذكر من الفرق.

وفي هذا الحديث الاقتصار على لعن اليهود، فيكون قوله: «اتَّخذوا قبور أنبيائهم [6] مساجد» واضحًا، فإنَّ النَّصارى لا يزعمون نبوَّة عيسى، بل يدَّعون فيه [7] إمَّا [8] أنَّه ابنٌ، أو إلهٌ، أو غير ذلك على اختلاف مِلَلهم الباطلة، ولا يزعمون موته حتَّى يكون له قبرٌ، وأمَّا [9] من قال منهم: إنَّه قُتِل؛ فلهم [10] في ذلك كلامٌ مشهورٌ في موضعه، فتُشكِل حينئذٍ الرِّواية الآتية _إن شاء الله تعالى_ في الباب التَّالي لباب «الصَّلاة في البيعة» [خ¦435] ، وفي أواخر [11] «المغازي» [خ¦4441] بلفظ: «لعن الله اليهود والنَّصارى»، وتعقيبه بقوله: «اتَّخذوا»، ويأتي الجواب عن ذلك في موضعه _إن شاء الله تعالى_ (وَمَا يُكْرَهُ مِنَ الصَّلَاةِ فِي الْقُبُورِ) سواءٌ كانت عليها أو إليها أو بينها والجملة عطفٌ على: «هل تُنبَش»؛ أي: بابٌ في حكم الأمرين: اتِّخاذ المساجد مكان القبور، واتِّخاذها بينها [12] ، فإن قلت: كيف عطف هذه الجملة الخبريَّة على جملة الاستفهام الطَّلبيَّة؟ أُجيب: بأنَّ جملة الاستفهام التَّقريريِّ في حكم الخبريَّة.

(وَرَأَى عُمَرُ)؛ أي: ((ابن الخطَّاب رضي الله عنه))، كما في رواية الأَصيليِّ [13] (أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) رضي الله عنه (يُصَلِّي عِنْدَ قَبْرٍ فَقَالَ: الْقَبْرَ الْقَبْرَ) بالنَّصب فيهما على التَّحذير، محذوف العامل وجوبًا [14] ، أي: اتَّق [15] ، أو اجتنب القبر، (وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالإِعَادَةِ)؛ أي: لم يأمر عمر أنسًا بإعادة صلاته [16] تلك، فدلَّ على [/ج1ص430/] الجواز لكن مع الكراهة؛ لكونه صلَّى على نجاسةٍ ولو كان بينهما حائلٌ، وهذا مذهب الشَّافعيَّة، أوْ لا كراهة؛ لكونه صلّى [17] مع الفرش على النَّجاسة مُطلَقًا، كما قاله القاضي حُسَيْنٌ، وقال ابن الرِّفْعَة: الَّذي دلَّ عليه كلام القاضي أنَّ الكراهة لحرمة الميت، أمَّا لو وقف بين القبور بحيث لا يكون تحته ميتٌ ولا نجاسةٌ؛ فلا كراهة إِلَّا في المنبوشة، فلا تصحُّ الصَّلاة فيها قال في «التَّوشيح»: ويُستثنَى مقبرة الأنبياء، فلا كراهة فيها؛ لأنَّ الله حرَّم على الأرض أن تأكل أجسادهم، وأنَّهم [18] أحياء في قبورهم يصلُّون، ولا يشكل بحديث: «لعن الله اليهود؛ اتَّخذوا قبور أنبيائهم مساجد»؛ لأنَّ اتِّخاذها مساجد أخصُّ من مُجرَّد [19] الصَّلاة فيها، والنَّهيُ عن الأخصِّ لا يستلزم النَّهيَ عن الأعمِّ، قال في «التَّحقيق»: ويحرم أن يصلِّي متوجِّهًا إلى قبره عليه الصَّلاة والسَّلام، ويُكرَه إلى غيره مستقبل آدميٍّ؛ لأنَّه يشغل القلب غالبًا، ويُقاس بما ذُكِر في قبره صلَّى الله عليه وسلَّم سائر قبور الأنبياء صلَّى الله عليهم وسلَّم، ولم يرَ مالكٌ بالصَّلاة في المقبرة بأسًا، وذهب أبو حنيفة إلى الكراهة مُطلقًا، وقال في «تنقيح المقنع»: ولا تصحُّ الصَّلاة تعبُّدًا في مقبرةٍ غير صلاة الجنازة، ولا يضرُّ قبران ولا ما دُفِنَ بداره.

[1] في غير (ب) و(س): «فيها».
[2] في (د) و(ص): «يلحق بهم»، وفي (م): «ملتحقٌ به».
[3] في (م): «فلا يحرم».
[4] «واتِّخاذ المساجد مكانها»: ليس في (د).
[5] في (د): «مسجد».
[6] في غير (د) و(ص): «قبورهم».
[7] «فيه»: ليس في (د).
[8] «إمَّا»: مثبتٌ من (م).
[9] «وأمَّا»: مثبتٌ من (م).
[10] في (ب) و(س): «فله».
[11] «أواخر»: ليس في (د).
[12] قوله: «والجملة عطفٌ على... مكان القبور، واتِّخاذها بينها»، مثبتٌ من (م).
[13] في (د): «الإسماعيليِّ»، وليس بصحيحٍ.
[14] «وجوبًا»: ليس في (م).
[15] زيد في (م): «الله».
[16] في (ص): «الصَّلاة»، وفي (م): «بالإعادة لصلاته».
[17] «لكونه صلَّى»: ليس في (د) و(م).
[18] في (د): «وهم».
[19] في (م): «تجرُّد»، وهو تحريفٌ.






(48) (بابٌ: هل تُنْبَشُ قُبُورُ مُشركي الجاهلية ويُتَّخذُ مكانَها؟) [1]

[1] ما بين قوسين من هامش (ر).





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

(48) (باب هَلْ تُنْبَشُ قُبُورُ مُشْرِكِي الْجَاهِلِيَّةِ وَيُتَّخَذُ مَكَانَهَا مَسَاجِدَ؟) إلى آخره.


هذا ((بابٌ)) ؛ بالتنوين: ((هل تُنبش)) بضمِّ المثناة الفوقية؛ أي: تحفر ((قبور مشركي الجاهلية)) ؛ يعني: يجوز نبش قبور المشركين الذين هلكوا في الجاهلية؛ لما صُرِّح به في حديث الباب، و (هل) ههنا؛ للاستفهام التقريري، وليس باستفهام حقيقي، صرَّح بذلك جماعة من المفسرين في قوله تعالى: {هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ} [الإنسان: 1] ، وتأتي (هل) أيضًا بمعنى (قد) ، كذا فسر الآية جماعة منهم: ابن عبَّاس، والكسائي، والفراء، والمبرد وذكر في «المقتضب»: (أنَّ «هل» للاستفهام نحو: هل جاء زيد، ويكون بمنزلة «قد» نحو قوله تعالى: {هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ}) ، وقد بالغ الإمام الزمخشري، فقال: (إنَّها أبدًا بمعنى (قد) ، وإنَّما الاستفهام مستفاد من همزة مقدرة معها) ، ونقله في «المفصل» عن سيبويه، وقال في «كشافه»: ({هَلْ أَتَى}، على معنى: التقرير والتقريب فيه جميعًا) ، ومن عَكَس الزمخشري ههنا فقد عَكَسَ نفسه:

~إذا قالت حذام فصدقوها فإنَّ القول ما قالت حذام

وهذا الذي ذكرناه أحسن من الذي يقال: إنَّ ذكر كلمة (هل) هنا ليس له محل؛ لأنَّ عادته إنَّما يذكر (هل) ؛ إذا كان حكم الباب فيه خلاف، وليس ههنا خلاف، ولم أرَ شارحًا ههنا شفى العليل، ولا أروى الغليل، قاله إمام الشَّارحين، وفسر ابن حجر: باب: (هل تنبش قبور مشركي الجاهلية) بقوله: (أي: دون غيرهم من قبور الأنبياء وأتباعهم) .

ورده إمام الشَّارحين فقال: (هذا تفسير عجيب مستفاد من سوء التصور؛ لأنَّ معناه ظاهر، وهو جواز نبش قبور المشركين؛ لأنَّهم لا حرمة لهم، فيستفاد منه عدم جواز نبش قبور غيرهم، سواء كانت قبور الأنبياء أو قبور غيرهم من المسلمين؛ لما فيه من الإهانة لهم، ولا يجوز ذلك؛ لأنَّ حرمة المسلم لا تزول حيًّا وميتًا، فإن كان هذا القائل اعتمد هذا التفسير على حديث عائشة المذكور في الباب؛ فليس فيه ذكر النبش، وهو ظاهر، وإنما فيه: أنَّهم إذا مات فيهم رجل صالح يبنون على قبره مسجدًا، ويصورون فيه تصاوير، ولا يلزم من ذلك النبش؛ لأنَّ بناء المسجد على القبر من غير نبش متصور) انتهى.

((ويُتَّخَذ مكانها مساجد)) عطف على قوله: (تنبش) ، و (مكانها) ؛ بالنصب على الظرفية، و (مساجد) ؛ مرفوع؛ لأنَّه مفعول ناب عن الفاعل، هذا إذا جُعل الاتخاذ متعديًا إلى مفعول واحد، فإذا جُعل متعديًا إلى مفعولين على ما هو الأصل من أنه من أفعال التصيير كما في قوله تعالى: {وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} [النساء: 125] ؛ فيكون أحد المفعولين (مكانها) ، فيُرفع على أنَّه مفعول قام مقام الفاعل، والمفعول الثاني هو (مساجد) ؛ بالنصب، كذا قرره إمام الشَّارحين، ثم قال: (فإنَّ الكرماني ذكر فيه ما لا يخفى عن نظر وتأمل) انتهى.

قلت: وهذا التفسير مبني على روايتين في ذلك؛ أحدهما: نصب (مكانَها) ، و (مساجدَ) مفعولين لـ (يتخذ) ، والثانية: نصب (مكانَها) على الظرفية، ورفع (مساجدُ) نائبًا عن الفاعل؛ فافهم، والله أعلم.

((لقول النبيِّ)) الأعظم؛ أي: لأجل قوله فيما وصله المؤلف في أواخر كتاب (الجنائز) ، فقال: حدثنا موسى بن إسماعيل: حدثنا أبو عوانة عن هلال، عن عروة، عن عائشة قالت: قال رسول الله ((صلَّى الله عليه وسلَّم: لعن الله اليهود)) زاد في رواية (الجنائز) : (والنصارى) ؛ أي: لأجل كونهم، ((اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)) وهذا تعليل لقوله: (ويتخذ مكانها مساجد) خاصة؛ لأنَّ الترجمة شيئان، والتعليل للشق الثاني، ووجه الاستدلال به: أنَّ اليهود لَّما خصوا باللعنة باتخاذهم قبور الأنبياء مساجد؛ عُلم منه عدم جواز اتخاذ قبور غيرهم ومن هم في حكمهم من المسلمين؛ لما فيه من الإهانة لهم؛ لأنَّ حرمة المسلم لا تزول حيًّا وميتًا، لا يقال: في اتخاذ قبور المشركين مساجد تعظيم لهم؛ لأنَّا نقول: لا يستلزم ذلك؛ لأنَّه إذا نُبشت قبورهم ورُميت عظامهم؛ تصير الأرض طاهرة منهم، والأرض كلُّها مسجد؛ لقوله عليه السَّلام: «جُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا»، رواه المؤلف فيما سبق، وقال أئمتنا الأعلام: (ويجوز نبش قبور الكفار وجعل مكانها مساجد) ، وبه صرح الإمام الجليل قاضيخان، لكن قيده بكون عظامهم فنيت وادثرت آثارهم، فأفاد أنَّ إلقاء عظامهم مكروه؛ لأنَّ فيه إهانة لبني آدم؛ لأنَّ عظم الآدمي وإن كان كافرًا؛ فهو غير مهان، وفيه تأمل، واستدل أئمتنا الأعلام على جواز ذلك بما فعله النبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم في نبش قبورهم، واتخذ مكانها مسجده النبوي، وإنَّما كان النبش جائزًا؛ لما فيه من الاستهانة فيهم، ولأنَّه لا ذمة لهم، فلا حرج في نبشهم واتخاذ مكانهم مساجد؛ لأنَّه من قبيل تبديل السيئة بالحسنة، وعلى هذا؛ فلا تعارض بين فعله عليه السَّلام في نبش قبورهم واتخاذ مسجده مكانها، وبين لعنه عليه السَّلام من اتخاذ قبور الأنبياء مساجد؛ لما ذكرنا من الفرق، وفي هذا الحديث: الاقتصار على لعن اليهود؛ فيكون قوله: «اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» واضحًا؛ لأنَّ النصارى لا يزعمون نبوة عيسى، بل يدعون أنَّه ابن أو إله أو غير ذلك على اختلاف مللهم الباطلة، ولا يزعمون موته حتى يكون له قبر، وأمَّا من قال منهم: إنه قتل؛ فله في ذلك كلام حاصله: أنَّه رُفع إلى السماء، وسينزل، واستشكلت [1] الرواية التي في كتاب (الجنائز) من إثبات اللعن لليهود والنصارى، وأجيب: بأنَّه مبني على أنَّه عليه السَّلام كان مبلِّغًا للشريعة السابقة، أو أنَّه قُتل ودُفن بالأرض في بيت لحم، وسيأتي بقية الكلام عليه في موضعه.

((وما يكره من الصلاة في القبور)) هذا عطف على قوله: (هل تنبش) ، لا يقال: إنَّ هذه جملة خبرية، وقوله: (هل تنبش) جملة طلبية، فكيف يصح عطفها عليها؟ لأنَّا نقول: قد ذكرنا أنَّ (هل) استفهام تقريري، وهو في حكم الجملة الخبرية الثبوتية، وقوله هذا يتناول ما إذا صلى على القبر أو إليه أو بينهما، وفيه حديث أبي مرثد واسمه: كناز بن الحصين، أخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، ولفظه: «لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها»، وروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «الأرض كلُّها مسجد إلا المقبرة والحمَّام...»؛ الحديث، كذا في «عمدة القاري».

قلت: يعني: أنه تجوز [/ص575/] الصلاة على القبور، ولكنَّها مكروهة.

((ورأى عمر)) هو ابن الخطاب _كما في رواية الأصيلي_ القرشي، العدوي، المدني، ثاني خلفاء سيد المرسلين ( (أنس بن مالك)) هو الأنصاري خادم النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم ((يصلي عند قبر)) شامل لما أنه صلى عليه، أو إليه، أو بينهما، ((فقال: القبرَ القبرَ)) ؛ بالنصب فيهما على التحذير، محذوف العامل وجوبًا، وهو اتقِ أو اجتنب، وفي بعض الروايات بهمزة الاستفهام؛ أي: أتصلي عند القبر؟ ((ولم يأمره بالإعادة)) ؛ أي: لم يأمر عمر أنسًا بإعادة صلاته تلك، فدلَّ على أنَّه يجوز، ولكنَّه يكره؛ لأنَّ فيه التشبه بأهل الكتاب، كما يدلُّ عليه الحديث الآتي، وتعليل القسطلاني الكراهة بأنَّه صلى على نجاسة ولو كان بينهما حائل؛ ممنوع؛ فإنَّ النجاسة مفقودة ههنا، ولو كان فيه نجاسة؛ لما صحت الصلاة، على أنَّ هذا التعليل مخالف لصريح الحديث الآتي؛ لأنَّ صريحه أنَّ علة الكراهة التشبه بأهل الكتاب، كما لا يخفى.

وهذا التعليق رواه وكيع بن الجراح في «مصنفه» على ما حكاه ابن حزم عن سفيان بن سعيد، عن حُميد، عن أنس قال: رآني عمر أصلي عند قبر، فنهاني، وقال: القبر أمامك، قال: وعن معمر، عن ثابت، عن أنس قال: رآني عمر أصلي عند قبر، فقال لي: القبر لا يصلى إليه، قال ثابت: فكان أنس يأخذ بيدي إذا أراد أن يصلي، فيتنحى عن القبور، ورواه أبو نُعيم شيخ المؤلف عن حريث بن السائب قال: سمعت الحسن يقول: بينا أنس يصلي إلى قبر؛ فناداه عمر: القبرَ القبرَ، وظنَّ أنَّه يعني القمر، فلمَّا رأى أنَّه يعني القبر؛ تقدم، وصلى، وجاز القبر، كذا قاله إمام الشَّارحين، ثم قال: (واختُلف في جواز الصلاة على القبور، فذهب أحمد ابن حنبل: إلى تحريم الصلاة في المقبرة، ولم يفرق بين المنبوشة وغيرها، ولا بين أن يفرش عليها شيء يقيه من النجاسة أم لا، ولا بين أن يكون بين القبور، أو في مكان منفرد عنها؛ كالبيت، أو العلو أم لا) انتهى.

قلت: والمشهور عن أحمد: عدم صحة الصلاة، قال في «تنقيح المقنع»: (ولا تصح الصلاة تعبدًا في مقبرة غير صلاة الجنازة، ولا يضر قبران ولا ما دفن بداره) ؛ فافهم

وذهب الإمام الأعظم وأصحابه والثوري والأوزاعي: إلى كراهة الصلاة في المقبرة والحمَّام، ولم يرَ مالك بالصلاة في المقبرة بأسًا، وحكى أبو مصعب عن مالك: كراهة الصلاة في المقبرة، كما ذهب إليه الجمهور، وقال في «إمداد الفتاح» نقلًا عن «الفتاوى»: (لا بأس بالصلاة في المقبرة إذا كان فيها موضع معدٌّ للصلاة، وليس فيه قبر؛ لأنَّ الكراهة معللة بالتشبه بأهل الكتاب، وهو منتفٍ فيما كان على الصفة المذكورة) انتهى.

قلت: وتعبيره: بـ (لا بأس) يفيد أنَّه خلاف الأولى، ويجمع بينهما بأنَّ الكراهة في المقبرة؛ للتحريم، وفيما أُعدَّ للصلاة؛ للتنزيه؛ لحديث ابن عمر: (أنَّه عليه السَّلام نهى أن يُصلى في سبعة مواطن، وعدَّ منها المقبرة...) ؛ الحديث، رواه الترمذي وابن ماجه، والنهي يقتضي التحريم، وهو يتناول المقبرة وما فيه قبر، أمَّا الذي أُعدَّ منها للصلاة؛ فلا كراهة؛ يعني: تحريمية، بل هو خلاف الأولى، وكذا يكره أن يتوجه المصلي إلى قبر النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، أو إلى قبر غيره من الأنبياء عليهم [السلام] ، أو قبر الصحابة، والتابعين، والأولياء المكرمين؛ لأنَّ في ذلك كله التشبه بأهل الكتاب، وزعم أبو ثور أنَّه لا يصلى في حمام ولا مقبرة؛ لظاهر الحديث السابق.

وقال الرافعي: (أمَّا المقبرة؛ فالصلاة فيها مكروهة بكل حال) .

وفرَّق الشافعي بين المنبوشة وغيرها، فإن كانت مختلطة التراب بلحوم الموتى وصديدهم وما يخرج منهم؛ لم تجز الصلاة فيها؛ للنجاسة، وإن صلَّى في مكان طاهر منها؛ صحَّت.

قلت: وهذا كلُّه خلاف الحديث، فإنَّ صريحه يدلُّ على الكراهة في كل حال، كما لا يخفى، وحكى ابن حزم عن خمسة من الصحابة النهي عن ذلك، وهم: عمر، وعلي، وأبو هريرة، وأنس، وابن عبَّاس، رضي الله عنه، وزعم أنَّه ما يَعْلم لهم مخالفًا من الصحابة، وحكاه عن جماعة من التابعين، وهم: النخعي، وابن جبير، وطاووس، وعمرو بن دينار، وخيثمة، وغيرهم.

واعترضه إمام الشَّارحين فقال: (وقوله: «ما نعلم لهم مخالفًا» معارض بما حكاه الخطابي في «معالم السنن» عن عبد الله بن عمر: أنَّه رخَّص الصلاة في المقبرة، وحُكي أيضًا عن الحسن البصري: أنَّه صلى في المقبرة.

وفي «شرح الترمذي»: «حكى أصحابنا خلافًا في الحكمة في النهي عن الصلاة في المقبرة، فقيل: المعنى فيه: ما تحت مصلاه من النجاسة، وقيل: المعنى فيه: حرمة الموتى»، قال ابن الرفعة: «فينبغي أن تقيَّد الكراهة بما إذا حاذى الميت، أمَّا إذا وقف بين القبور بحيث لا يكون تحته ميت ولا نجاسة؛ فلا كراهة، ولا فرق في الكراهة بين أن يصلي على القبر، أو بجانبه، أو إليه، ومنه يؤخذ: أنَّه تكره الصلاة بجانب النجاسة وخلفها) انتهى.

قلت: وقول الترمذي: (حكى أصحابنا خلافًا...) إلى آخره ممنوع؛ فإن علَّة الكراهة على التحقيق إنَّما هو التشبُّه بأهل الكتاب، كما هو صريح الحديث الآتي.

وقوله: (وقيل المعنى فيه: ما تحت مصلاه من النجاسة) ممنوع، فإن النجاسة إذا كانت في جوف الأرض، وصلَّى على أعلاها؛ فكيف يضرُّ صلاته؟ وما هو إلا بعيد عن القول.

وقوله: (وقيل: لحرمة الموتى) ممنوع؛ فإن الموتى بصلاة المرء عندهم تنزل عليهم الرحمة، فالحرمة فيهم في عدم نبش قبورهم، لا في الصلاة عليها، كما لا يخفى، وعلى كلٍّ؛ فالنهي يقتضي كراهة الصلاة في المقبرة، وهو حجَّة على أهل الظاهر حيث قالوا: تحرم الصلاة في المقبرة، سواء كانت مقابر المسلمين أو الكفار، وعلى أبي ثور، كما تقدم، وتمامه في «عمدة القاري».

[1] في الأصل: (واستشكل).